هل يستطيع الجيل الحالي أن يعيد تعريف مفهوم التقدم بدلا من الاكتفاء بوراثة تعريف جاهز ارتبط تاريخيا بالثورة الصناعية والتكنولوجية؟
هذا التساؤل شكل محور الجلسة الاستكشافية التي أقامتها مناظرات قطر تحت عنوان “جيل زد وما بعده: بين إغراء النموذج المادي وسؤال القيم والهوية”، وذلك ضمن أعمال النسخة الثانية من ملتقى بالعربي 2026، الذي نظمته المبادرة التابعة لمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع بالمدينة التعليمية بالدوحة، تحت عنوان “بأفكارنا نبني” خلال الفترة من 19 إلى 20 سبتمبر (أيلول) 2026م، واستضافت الجلسة الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر.
حوار الأجيال وفهم المتغيرات
استهل الدكتور بدران مقاربته بإعلان ثقته العميقة في “جيل زد”، مستندا إلى تجربته الشخصية مع أبنائه المتخصصين في مجالات حديثة كتقنية المعلومات والتصميم، ومؤكدا أنه يلجأ إليهم لفحص مدى مواءمة أفكاره ومقالاته لعقلية الجيل الجديد، مؤكدا على ضرورة الفهم المتبادل بين الأجيال لبناء جسر تواصلي يخرج الأمة من الهامشية إلى الريادة الحضارية.
ورأى الدكتور بدران أن جدلية صراع الأجيال واختلاف الرؤى تمثل سنة تاريخية حاضرة في كل الأمم، واستدعى في هذا السياق الرعيل الأول في فجر الإسلام، مشيرا إلى أن تساؤلات مشركي قريش كانت تتمحور حول رفض الرؤية الجديدة التي استهدفت تغيير البنية الاجتماعية القائمة على السادة والعبيد وتعدد الآلهة، وهي أسئلة ارتبطت بالمكاسب والمواقع الاجتماعية. وأوضح أن الإسلام قدم إجابات حقيقية وفعالة غيرت الواقع وحققت مصالح الناس، محذرا من أن إهمال المبادئ يفقد الإنسان إنسانيته، في حين يؤدي إهمال المصالح إلى حلول عدمية تزيد من تعقيد المشهد.
وحذر الدكتور بدران من تحميل الجيل الجديد إخفاقات الماضي أو فرض إجابات انتهت مبررات وجودها، مؤكدا أن أسئلة الثمانينات والتسعينات أضحت غير صالحة لليوم، داعيا إلى وضع عامل الزمن كمتغير أساسي، وضرب المثل بمفهوم العدل من خلال استحضار سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهدف استلهام قيمة العدل وتطبيقها عبر المؤسسات الحديثة مثل المجالس القضائية، والابتعاد عن المطالبة الحرفية بلبس الملابس المرقعة أو النوم تحت الشجرة في القرن الحادي والعشرين.
المعايير المتعالية
وانتقل الدكتور بدران إلى إشكالية المعايير التي يقاس بها التقدم، متسائلا عن القالب والنظارة التي ننظر من خلالها لهذه المعايير، وأوضح أن الإجابة عن أسئلة من قبيل من هو الإنسان السعيد، وهل هو المالك للثروة أم المتقشف، تختلف باختلاف التصورات للوجود والقيم.
واستنادا إلى رؤية ابن خلدون القائلة بأن ترك المعايير لأهواء النسبية سيؤدي إلى كثرة التنازع وفناء النوع البشري، تناول الدكتور بدران فكرة ضرورة العودة إلى رسالات الأنبياء وما تمثله من رؤية كلية ناظمة ترفد البشرية بمعايير تحصنها ضد تقلبات الأهواء وازدواجية المصالح ثم عرج على إشكالية مفهوم حقوق الإنسان المعاصر، مستفسرا عن مدى فاعليته وجدواه الحقيقية وسط الهوة الواسعة بين الشعارات والممارسة على الأرض، كما سلط الضوء على الانحيازات المضمرة في التعاطي مع هذا المفهوم ومتسائلا عما إذا كان المعني بهذه الحقوق هو الإنسان الأبيض حصرا، أم الإنسان من حيث كونه كيانا مكرما بغض النظر عن دينه أو جنسه أو عرقه، مشددا على أن ترتكز المعايير الكلية على مظلة إنسانية جامعة لكل أفراد النوع البشري دون استثناء أو انتقائية لصالح جهة دون أخرى.
المقاربة النقدية للحضارة المعاصرة
وحول قضية التعاطي مع الحضارة المعاصرة، دعا مدير مركز ابن خلدون إلى التخلي عن ثنائية الأبيض والأسود، ومغادرة مربع رد الفعل المتأرجح بين الرفض المطلق والقبول الأعمى والتوجه نحو قراءة الأمور بألوان الطيف، وطالب بتبني المقاربة النقدية التي تقوم على الفحص والاختبار، وترك مسافة منهجية بين الذات والتجارب الأخرى، سواء كانت محلية أو مستوردة.
وأشار الدكتور بدران بن لحسن إلى أن بعض الأفكار تكون مبدئيا صحيحة غير أن تطبيقها في سياقات معينة قد يتسبب في كوارث في حال غابت الضوابط والسياقات الدينية والمعيارية والاجتماعية، والسياسية، وأكد على ضرورة الاندماج في الحضارة العالمية الحالية مشترطا أن يكون ذلك اندراجا نقديا يضيف للواقع بعده المفقود.
النمو الاقتصادي وسؤال التقدم
وتطرق الدكتور بدران لتاريخ الأفكار الغربية منذ ثلاثة قرون وهيمنة مفهوم التقدم الذي جعل الإنسان مركزا للكون، وبالرغم من انتشار هذه الفلسفة عالميا بفعل العصر الرقمي والثورة المعلوماتية إلا أن سؤال المفكر مالك بن نبي ما زال قائما حول مسألة التقدم إلى أين، وكيف وبأي مضمون. وأكد أن تشييد أي نموذج حضاري يستهل بالإجابة عن سؤالين أساسيين: من نحن وماذا نريد، وما إذا كان الهدف هو الاندماج كمواطنين عالميين بلا خصوصية، أم الحفاظ على الهوية والقيم، مشيرا في السياق ذاته إلى أن تشييد النماذج الحضارية يرتكز على مسار تراكمي لخبرات أجيال الأمة المتعاقبة وصولا إلى مرحلة تتبلور فيها ملامح النموذج، وهو نموذج يستقر مكتملا في الوعي الجماعي، ليجري العمل على تطويره وتعزيزه عبر مؤسسات التربية والترفيه، والأسرة، والسياسات التي ترسمها الدول والتوجهات العامة.

شروط بناء النموذج الحضاري
تناول الدكتور بدران شروط بناء النموذج الحضاري في العالم الإسلامي، مبينا أن الأمة تمتلك استعدادا كامنا لم يفعل بعد وأوضح أن تفعيله على غرار النماذج الغربية والصينية مرهون بثلاثية ضرورية هي القيادة الاستراتيجية ذات الرؤية، والمشروع، والخطة التنفيذية التي ترسم ملامح العالم الإسلامي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بعد خمسين عاما.
وحلل أزمة تشتت الجهود الحالية، مشيرا إلى أن محصلة العمل الإجمالي تبدو صفرا أو سلبية، قائلا “لأنها جهود ضخمة ولكنها لا تتجه في مسار واحد ففريق يسير إلى الأمام، وآخر إلى الخلف، وثالث ذات اليمين، ورابع ذات الشمال، فمن ذا الذي يوحد هذه الجهود. ليجيب مؤكدا أن ذلك يتأتى “حين تتوفر قيادات تمتلك رؤية وشجاعة لأن الجبناء لا يصنعون التاريخ”.
وأشار إلى تجربة أوروبا وبريطانيا مع الثورة الصناعية، حيث ساهمت العقيدة البروتستانتية في تغيير الرؤية الدينية المسيحية التقليدية التي كانت تحتقر الدنيا، نحو رؤية تعمر الأرض وهي فكرة تقترب، بحسب الدكتور بدران، من الرؤية الإسلامية الساعية إلى الفلاح، وتتخطى فكرة النجاة هربا من خطيئة.
وأكد أن الأمة الإسلامية تجمعها روابط قيمية وأخلاقية وتاريخ مشترك، وأن مظاهر النهوض أو التخلف تسري بين دولها من قطر إلى الجزائر وصولا إلى إندونيسيا. وعبر عن تفاؤله بكون الأمة الإسلامية الوحيدة اليوم التي تقاوم الانحراف عن إنسانية الإنسان، مؤكدا أن المسلم إنسان يسعى للبناء ويبتعد عن الهدم والعدمية، وأن موقفه من الحضارة الغربية يرتكز على تواصل بنائي نقدي يهدف إلى التتميم متجنبا القطيعة.
التحرر من الاستعمار الثقافي
وتوقف الدكتور بدران عند ظاهرة الاستعمار الثقافي وعقدة الدونية مستعرضا مفارقة تاريخية حدثت في القرن السادس الهجري حين اجتاح المغول بغداد ودمروا الدولة العباسية، غير أن المجتمع الإسلامي المنهزم عسكريا كان يمتلك تفوقا ثقافيا مكنه من احتواء المنتصر وتحويله إلى الإسلام، مما جعل الحكم المغولي الإسلامي في الهند يتواصل لسبعة قرون وفي المقابل، أسفر الغزو الأوروبي في القرن التاسع عشر عن إصابة العالم الإسلامي بعقدة النقص أو عقدة الرجل الأبيض.
ودعا الدكتور بدران للخروج من هذه الحالة التي وصفها مالك بن نبي بـ القابلية للاستعمار، إلى ضرورة إثبات الذات ردا على فلسفة نفي الذات التي هيمنت مؤخرا، وأوضح أثر التربية الإسلامية في تغيير تصور العرب، مستحضرا قصة الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه ذلك الجندي المسلم البسيط الذي وقف أمام رستم قائد الفرس بثقة نفسية وفكرية عالية، ملخصا رسالة الأمة بقوله “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وختم الدكتور بدران حديثه بالتأكيد على أن “جيل زد” يمتلك ميزة ومؤشرا إيجابيا في عدم الشعور بـ العقدة الدونية، إلا أنه نبه إلى خطورة ترك عقل هذا الجيل فارغا، وشدد على ضرورة ملئه بالقيم عبر منظومة تربوية وثقافية تضم المدرسة والمسرح، والحوار والرياضة والأنشطة الترفيهية من أجل غرس الشعور بالقوة ومعرفة الذات وكيفية الاستفادة من الآخر بندية واقتدار.