ينظر الناس إلى مسألة الشرع والحقوق والواجبات داخل الأسرة نظرات مختلفة؛ فمنهم من يرى العلاقة الزوجية علاقة كأنها بين جمادات وتدور بشكل آلي، ومنهم من ينظر إليها على أنها علاقة قلبية محضة تدور مع الهوى حيث دار وبقدر ما يكون من الهوى بقدر ما يكون من الارتباط بين الزوجين، فإذا تحولت وجهة الهوى حدث النقص في المخزون الاستراتيجي للمحبة والاحترام وأداء الحقوق.
والحق أن هؤلاء وأولئك ابتعدوا كثيرا عن صورة الحياة الزوجية التي جاء الإسلام لإقامتها بين الرجل والمرأة بعد عقد وصف بأنه:” ميثاق غليظ” هذه الرابطة الزوجية تنمو وتبقى بالحقوق المتبادلة وتنمو أكثر بالعشرة بالمعروف، بل إن الإحسان الصادق يجبر كثيرا من جوانب الخلل والنقص.
وتنطلق المعاملة الراقية من النبي – ﷺ – لزوجاته من قوله تعالى ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ ومقصود هذه العشرة الطيبة أن تلتقي أرواح الزوجين ،وإذا ابتعدت فليس إلى الحد الذي تقف فيه كل روح في شق بعيد عن الشق الذي يقف فيه الطرف الآخر ويزداد التباعد كلما زادت المواقف السلبية بينهما.
العشرة بالمعروف إذا بدا منها ما ينكر
أصحاب النفوس الطيبة هم الذين يتمسكون بالخلق الحسن في أحلك الظروف ، ومن الأمور العسيرة على النفس ما يحدث من بعض الزوجات مما يحزن زوجها هنا تظهر المعادن الحقيقية للبشر، هل يقابل السيئة بمثلها أو بما هو أسوء منها؟ أو يدفع بالتي هي أحسن وأرفق؟ حتى يشعر من بدأ بالسوء بجريمته – إن كان من أصحاب الضمائر الحية – ثم يتحول إلى طرف من أحسن إليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وهذا يحتاج إلى قوة هائلة وصبر جميل ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ﴾ [فصلت: 35].
وصبر أصحاب النفوس الطيبة على احتمال الأذى لا يعني الصمت ولا السكون ، بل هو الصبر الإيجابي الذي يشخص الداء تشخيصا صحيحا ويختار أنسب الأدوية ويدرك أن الزمن جزء من العلاج فلا تدفعهم العجلة إلى وضع العصا مكان الكلمة ولا السيف مكان العصا، يبحثون عن أسباب النشوز وقلة الألفة ويصلحون ما فسد بصبر وحلم وروية.
المعاشرة بالمعروف حق متبادل بين الزوجين
انتبه الشيخ رشيد رضا لمعنى عظيم قل من انتبه له، وهو أن العشرة بالمعروف ليست تكليفا للرجل وحده «وَفِي الْمُعَاشَرَةِ مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، أَيْ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُعَاشِرْنَكُمْ كَذَلِكَ، .. وَالْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَدْعَاةَ سُرُورِ الْآخَرِ، وَسَبَبَ هَنَائِهِ فِي مَعِيشَتِهِ»[1] .كل معروف ندعو الرجال إلى فعله على النساء أن يقمن به، فحسن تبعلهن عبادة كريمة ترفع من درجاتهن عند الله وعند الناس بل تصلح المجتمع بأسره، وإننا لنرى في تعاملاتنا اليومية رجالا سريعي الغضب متعكري المزاج فيفهم الحكماء سريعا أن ذلك بسبب من زوجته التي نغصت عليه حياته فخرج يفسد على الناس حياتهم بضيقه وسرعة غضبه.
تتعدد صور العشرة بالمعروف في الحياة الزوجية ومنها :
طلاقة الوجه عندما يلقى أهله فإذا كان تبسمك في وجه أخيك الذي لا تعرفه صدقة، فكيف تكون البسمة في وجه الزوجة ولها حق كبير والابتسام مع السلام مما يفتح مغاليق القلوب، ولين الجانب يصنع الأعاجيب وحتى نعرف أهميته نذهب لقوله تعالى ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159] فإذا كان النبي الذي أرسله الله تعالى بالهدى وأيده بالمعجزات لن يجد أحد حوله إذا عاملهم بالفظاظة والخشونة، فماذا ينتظر أصحاب الغلظة والجلافة من المحيطين بهم لا شك أن يكون الجفاء والتباعد هو الحل الأنسب.ومن العشرة بالمعروف كف الأذى وهي عبادة جليلة تجلب السلام النفسي والطمأنينة إلى البيت فشر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه[2]. ومن تمام العشرة الطيبة احتمال الهفوة وهي دليل على سعة الصدر ومن ذا الذي ما ساء قط، إن التماس المعاذير والعفو من شيم الكرام الذين يعلمون أن كل بني آدم خطاء ويفرقون بين الخطأ الذي يستند لخلق متأصل والهفوة التي يقال عندها لكل جواد كبوة.
وقد قدم النبي – ﷺ -صورا كثيرة لعشرة الزوجة بالمعروف إذ كان ﷺ يعينهم في أعمال المنزل، قالت عائشة رضي الله عنها:” كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ”[3] ، ويلاطفهم فيحدثهم بطريقة تشعرهم بالتدليل فينادي عائشة ،بقوله: يا عائش[4] ويحتمل ما يكون من الغيرة بحلم وسعة صدر، ويؤنسهم؛ قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – مَعَ أَهْلِهِ [يقصد ميمونة]سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ . و(الحوار بين الزوجين يشكل الحبل السري الذي تتغذى منه السعادة الزوجية،وهو مهم ليس لحل المشكلات ولكن لمنع وقوع المشكلات،فمن الواضح أن المرأة تكره الركود في الحياة الزوجية وتريدها موارة بالحركة والتواصل والأخذ والعطاء والحوار، وإذا أحست بأن شيئا من هذا هو دون المستوى المطلوب فإنها على استعداد لافتعال مشكلة من نوع ما حتى تعيد الحيوية للحياة المشتركة.
الحوار في نظر المرأة لمسة حنان تنتظرها من زوجها ، ولهذا كله فالمهم أن يتحادث الزوجان ويتسامرا ويشكو كل واحد منهما للآخر ويطلب مشورته في بعض ما يعنيه)[5] ومن حسن عشرته ﷺ لأهله أنه «كَانَ يُسَرِّبُ إِلَى عائشة بِنَاتِ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا. وَكَانَ إِذَا هَوِيَتْ شَيْئًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ إِذَا شَرِبَتْ مِنَ الْإِنَاءِ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ فِي مَوْضِعِ فَمِهَا وَشَرِبَ، وَكَانَ إِذَا تَعَرَّقَتْ عَرْقًا – وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ لَحْمٌ – أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ مَوْضِعَ فَمِهَا، وَكَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِهَا وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا وَرُبَّمَا كَانَتْ حَائِضًا، وَكَانَ يَأْمُرُهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَتَتَّزِرُ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ مِنْ لُطْفِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ أَهْلِهِ أَنَّهُ يُمَكِّنُهَا مِنَ اللَّعِبِ وَيُرِيهَا الْحَبَشَةَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي مَسْجِدِهِ وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبَيْهِ تَنْظُرُ، وَسَابَقَهَا فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَقْدَامِ مَرَّتَيْنِ، وَتَدَافَعَا فِي خُرُوجِهِمَا مِنَ الْمَنْزِلِ مَرَّةً. وكان ربما مدَّ يده إلى بعض نسائه بحضرة باقيهن وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرى أحوالهن. فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكْثِه عندهن في القَسْم، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التي هو في يومها، فيبيت عندها.» 1
عندما نتأمل في هذه الآثار نجد أنها في جملتها تدل على قلب رقيق يراعي مشاعر زوجاته، ويظهر ذلك فيما يلي:
كبرت عائشة – رضي الله عنها – وصارت زوجة لكن حبها للعب لم ينته ، ويراعي النبي – ﷺ- هذه الحاجة النفسية فيلبيها بنفسه حين يرسل بنات الأنصار إليها لكي يلعبن معها.
ويشاركها النبي ﷺ اللعب حين يسابقها في السفر وقد ابتعد رفقاؤه عنهما.
ويلبي طلبها حين يأذن لها أن ترى الحبشة وهم يلعبون وتسمع تحفيز النبي – ﷺ – لهم لبذل المزيد من اللعب ويقف النبي – ﷺ – حتى تشبع من رؤيتهم وهم يلعبون «قَالَتْ، لِلعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّى أَرَاهُمْ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ.»[6]
التدافع في الخروج من المنزل وهو نوع من المرح الذي يجلب السعادة. ونحب أن نؤكد أن حب أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – للعب لم يمنعها من السعي للكمال العقلي، فلم تكن حظوظ النفس المباحة وإعطاؤها حقها من الترويح مانعا من السعي لرضوان الله.
ومن حسن عشرته – ﷺ – أنه كان يتابعها على ما تحب طالما وافق الشريعة ولم يتجاوز حدود الله، وعندما نرى هذا التعبير ندرك كم في سنة رسول الله – ﷺ – من سعة لم يلحظها البعض أو اطلع عليها وأعرض عنها، ونلحظ أن السيدة عائشة هي البادئة وأن رسول الله – ﷺ – يتابعها ولم ينقص ذلك من شأن النبي ﷺ.
ومن حسن العشرة التعبير عن العاطفة في صورة جميلة من تتبع مواضع فم السيدة عائشة في الطعام والشراب، ليأكل النبي ﷺ ويشرب من نفس الموضع.
ومما يعين على حسن العشرة ما وصف به النبي – ﷺ- أنه كان «يتغافل عما لا يشتهي» [7]. وهذا من كمال العقل وضبط النفس وإدراك مآلات الأمور وترك الباب مفتوحا لعودة المخطئ أو إصلاحه بحكمة وروية.
إن حسن العشرة ينبع من قلب طاهر يحب إدخال السرور على من حوله وقد تصور الناس في زمننا أن ذلك لا يكون إلا بإنفاق الأموال الكثيرة والسفر إلى الأماكن البعيدة.
حسن العشرة وحدود الله
وتتواصل حسن عشرته – ﷺ – لنسائه حين يفسح لهن مكانا في قلبه ويعطف عليهن بما يزيل الآلام وهو مع رأفته ورحمته ورقته لا يتجاوز حدود الله تعالى، وإذا ردهن إلى الصواب كان الرفق والحلم معه في قوله وفعله، قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله عليه الصلاة والسلام مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.»[8] وهذا ما يفتقده الكثيرون حين يرون أن الرد إلى الحق لابد أن يكون بالشدة والغضب ولاشك أن الحلم يحتج لضبط نفس هائل لكن الحياة لا تستغني عنه فهو أقل تكلفة من التهور.
لقد جعل ﷺ حسن معاشرة الرجل لامرأته ميزانا يوزن به الرجال فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» [9]
