إذا كان المقال السابق تناول أدلة الوحدة البنائية من القرآن الكريم نفسه، فهذا المقال يستنبط أدلتها من السنة النبوية المطهرة، ونسأل الله العون والتوفيق:
الدليل الأول:
الحديث القدسي الوارد في سورة الفاتحة الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: “… سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «قسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، قال: مجدني عبدي – وقال مرة فوض إليَّ عبدي – فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»”.
مدخل لفهم وجه الدلالة:
أُطلق لفظ «الصلاة» في هذا الحديث القدسي وأُريد به سورة الفاتحة؛ إذ تناول آياتها وحدها، دون سائر أركان الصلاة وأقوالها. وهذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء، فسُمِّيت الفاتحة صلاةً لاتصالها الوثيق بها، وكونها ركناً من أركانها.
يوضح ذلك سبب رواية أبي هريرة -رضي الله عنه- لهذا الحديث القدسي؛ إذ يروي الإمام مالك بسنده عن السائب مولى هشام بن زهرة، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غير تام»، فقلت: يا أبا هريرة: إني أكون أحياناً وراء الإمام، فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: قال الله تبارك وتعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين…» إلى آخر الحديث.
ويصرح بهذا المعنى ما رواه أُبيُّ بن كعب -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». وفي هذا بيان نبوي يفسر المراد بالصلاة في الحديث الأول بسورة الفاتحة؛ وهو من بيان السنة للسنة.
ويتناسب إطلاق اسم الصلاة على سورة الفاتحة مع محتواها؛ يقول الإمام الماتريدي: “الصلاةُ اسْم للثناءِ والدعاءِ”؛ والسورة نصفها الأول دعاء ثناء ونصفها الثاني دعاء مسألة.
وجه الدلالة في الحديث القدسي على الوحدة البنائية لسورة الفاتحة:
تمثّل عبارة “قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ” أصلاً كليّاً تتضح في ضوئه الوحدة البنائية لسورة الفاتحة، وما جاء بعدها تفصيلٌ لهذه القسمة وبيانٌ لوجوهها. يقول العلامة الطاهر بن عاشور: “… في هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم الفاتحة ثلاثة أقسام”. فالحديث لا يعرض معاني السورة متفرقة، وإنما يكشف عن انتظامها في نسق متكامل، تتساند فيه الآيات وتتصل معانيها؛ إذ يتوزع خطاب السورة بين ثناء العبد على ربه، وإقراره بعبوديته واستعانته به، ودعائه بطلب الهداية، وما يقابل ذلك من ثناء الله تعالى على عبده وإجابته له. وهكذا يكشف الحديث عن ترابط أجزاء السورة وتكامل دلالاتها، وأن كل آية تؤدي معناها في تناسب لما قبلها وما بعدها، حتى تنتظم الآيات جميعاً في بناء واحد تتآلف فيه المعاني وتتجه إلى غاية جامعة؛ وذلك من أبرز وجوه الوحدة البنائية في السورة القرآنية.
الدليل الثاني:
عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
وجه الدلالة:
هذا التركيب الإضافي (فاتحة الكتاب) -الذي سميت به السورة- يحمل دلالات على دور سورة الفاتحة في الوحدة البنائية للقرآن الكريم؛ فهي من حيث ترتيب التلاوة فاتحته فعلاً، فهو اسم طابق مسماه من حيث مكان السورة.
وهو اسم طابق مسماه من حيث مضمون السورة أيضاً؛ فوجهة خطاب سورة الفاتحة تتميز عن وجهة خطاب غيرها من السور؛ فخطابها موجه من المخلوقين لخالقهم، من العباد لربهم؛ فهي ثناء على الله ودعاء له سبحانه وتعالى. أما وجهة خطاب السور الأخرى من البقرة إلى الناس فهو خطاب من الخالق للمخلوق ومن الله -تبارك وتعالى- لعباده.
وسورة الفاتحة فيها سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو سؤال تكفلت بجوابه كل السور التالية لسورة الفاتحة؛ فـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ سؤال بدأت إجابته بـ ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ…﴾ [البقرة: 1-2]، ثم توالى تفصيل تلك الإجابة في آل عمران فالنساء… إلى سورة الناس.
الدليل الثالث:
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم».
وجه الدلالة:
تسمية سورة الفاتحة بـ (أم القرآن) يهدي لوجه جديد من وجوه دور سورة الفاتحة في الوحدة البنائية للقرآن الكريم؛ فهي تُمثل الأصل الذي ترجع إليه معاني القرآن الكريم. فمن خصائص سورة الفاتحة التي توصل إليها العلماء أنك إذا قرأت بعدها أي سورة من سور القرآن تجد بين تلك السورة وبين سورة الفاتحة تناسباً خاصاً هو تناسب التفصيل بعد الإحكام.
ويُوضح أبو الحسن الحرالي -رحمه الله- وجه التفاوت بين سورة الفاتحة وغيرها من السور فيقول ما حاصله: إن القرآن الكريم مقصودُ تنزيله هو التفصيل والآيات الجوامع مبثوثة فيه غير متوالية، بينما سورة الفاتحة آياتها كلها جوامع متوالية منتظمة واحدة بعد واحدة إلى تمام آياتها السبع.
الدليل الرابع:
عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة». قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة.
وفي رواية عن النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران»، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: «كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما».
وعن عقبة بن عامر، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: المعوذتين».
وجه الدلالة في الأحاديث الشريفة:
ورد مصطلح (الزهراوين) وصفاً مشتركاً لسورتي البقرة وآل عمران («اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران»)، ويُستنبط من ذلك أن بين السورتين تناسباً خاصاً جعلهما يشتركان في لقب واحد ملؤه الثناء والمدح؛ فإذا كان لقب (الزهراوين) أغرى العلماء بالبحث عن القدر المشترك بين السورتين من صفات وخصائص يتناسب مع وصفهما بالزهراوين، فأرى في ذلك -أيضاً- فتحاً نبوياً للبحث عن الخصائص المشتركة بين كل سورتين متجاورتين جعلتهما أحق بهذا الجوار؛ فترتيب السور -كما هو الصحيح- توقيفي من الحكيم العليم؛ فالبحث عن تناسب التجاور بين السور الكريمة هو بحث عن نوع من حكمة الله في كتابه الكريم.
يقول الإمام الآلوسي: “الذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن، وحاشا أن يهمل -صلى الله تعالى عليه وسلم- أمر القرآن وهو نور نبوته وبرهان شريعته؛ فلا بد إما: من التصريح بمواضع الآي والسور، وإما: من الرمز إليهم بذلك وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب وعدولهم عما كان أولاً من بعضهم على غيره من الأساليب، وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل، ولا يصدهم عن اتباع الحق لوم لائم ولا قول قائل، أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علماً، ولم يدع عندهم خيالاً ولا وهماً….
وكذلك الأمر في الحديث الآخر، وما ورد فيه من لقب (المعوذتين) كلقب مشترك لسورتي (الفلق والناس)؛ يُظهر وجه التناسب بين هاتين السورتين المتجاورتين.
الدليل الخامس:
عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا.
وجه الدلالة:
هذا الحديث الشريف يؤصل لقاعدة التقديم والتأخير في الكلام، ونص هذه القاعدة هو: “ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره، لا يُقدم في الكلام البليغ إلا لنكتة”، فإذا قال البليغ: (ادعُ خالداً وعمراً)؛ فإنما قدّم خالداً لغرض. قال سيبويه رحمه الله: “… كأنهم يُقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمّانهم ويعنيانهم”.
وقد استنبط النبي ﷺ الجهة التي يبدأ منها السعي من ترتيب ألفاظ القرآن الكريم؛ وهو أن جبل الصفا قُدِّم في الذكر فقدّمه النبي ﷺ في السعي؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ…﴾ [البقرة: 158].
والنتيجة أن الترتيب القرآني ينبغي أن يكون محل عناية تامة من المفسر عند استنباط المعاني وتقرير الأحكام؛ فحمل الكلام على ترتيبه هو الأصل، إلا أن يكون هناك دليل على تقديم وتأخير.
الدليل السادس:
الأحاديث النبوية الشريفة الدالة على المصدر الإلهي لترتيب الآيات داخل كل سورة.
فمن علوم القرآن الكريم علم (عدّ الآي)، وممن ألّف فيه الإمام عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني (ت: 444هـ) واسم كتابه «البيان في عدّ آي القرآن»، افتتحه بباب (ذكر السنن والآثار التي فيها ذكر الآي)، وغرضه من ذلك -رحمه الله- التأصيل لعلم عدّ آي القرآن، وأنه علم توقيفي مصدره الوحي، وقرر من خلال هذا الباب أن تلك السنن والآثار كثيرة مشتهرة، وهي دليل واضح وبرهان قاطع على كون عدّ آي السور منقولاً إلينا بالتواتر، كما نُقلت لنا ألفاظه وقراءاته؛ فهو علم قائم على: “السماع دون الاستنباط والاختراع؛ ولذلك صار مضافاً إليهم، ومرفوعاً عليهم دون غيرهم من أئمتهم كإضافة الحروف، وتوقيفها سواء، وهي إضافة تمسك، ولزوم، واتباع لا إضافة استنباط واختراع…”.
وقال العلامة الطاهر بن عاشور (ت: 1393هـ): “… تحديد مقادير الآيات مروي عن النبيء، وقد تختلف الرواية في بعض الآيات وهو محمول على التخيير في حد تلك الآيات التي تختلف فيها الرواية في تعيين منتهاها ومبتدأ ما بعدها، فكان أصحاب النبيء على علم من تحديد الآيات”.
ومن هذه الأحاديث: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك».
فهذه السنن التي ذُكر فيها الآي نؤصل بها هنا أيضاً للوحدة البنائية للسورة؛ فإذا كانت معرفة الآي وعدها وترتيبها كل ذلك مصدره الوحي؛ فإن هذا الترتيب صادر عن حكيم عليم، والبحث عن مناسبات ترتيب الآيات ومعالم بناء نظم السورة إنما هو بحث عن الحكمة الإلهية الكامنة وراء ذلك الترتيب.
الدليل السابع:
عن عبد الله رضي الله عنه، قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، قلنا: يا رسول الله، أيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس كما تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ بشرك، أوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».
ويُعدّ هذا الحديث دليلاً عملياً واضحاً على الوحدة البنائية المتكاملة للقرآن الكريم من خلال الوجوه الآتية:
- ترابط أجزاء القرآن وانسجامها: فعلى الرغم من أن النبي ﷺ أُوتي جوامع الكلم وكان يكفيه أن يعطي التفسير مباشرة، إلا أنه أرشدنا إلى آية أخرى في سورة لقمان. وتدل هذه الإحالة النبوية على أن مضامين القرآن الكريم تسير على خط واحد متناسق يخلو تماماً من التناقض أو الاضطراب.
يقول العلامة محمد عبد الله دراز -رحمه الله-: “إذا كان كلام العاقل الصادق يجب أن يُفسر بعضه بعضاً ويُرد بعضه إلى بعض؛ لأنه كله حق، والحق لا يناقض الحق، فكيف بأحكم الكلام وأصدقه؟ ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]”.
وبعد:
فهذا بعضٌ من دلائل السنة على وحدة القرآن الكريم البنائية، سبقتها أدلة على تلك الوحدة من القرآن نفسه في المقال السابق.
ويبقى سؤال نجيب عنه في المقال القادم إن شاء الله تعالى:
ما فائدة التأصيل للوحدة البنائية في القرآن الكريم؟!