د. خالد فهمي لـ”إسلام أون لاين” : أدعو إلى التشغيل الحضاري للتراث الإسلامي

د.خالد فهمي استاذ اللغويات الخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة

– تراثنا بناء كبير متسع يشمل المنجز الفكري، المؤسسات و النظم
– استعارة مناهج الآخرين في تعاملهم مع تراثهم خطأ علمي ومنهجي
– القرآن ليس نصًّا تاريخانيًّا يخضع لتطورات الزمن بل كتاب خالد خاتم
تقديس التراث أو تجاوزه مرفوض وإنما الإيمان به والتعاطف معه
– لم يحدث في تاريخنا أي هدر للتراث على خلفية النظر للمستقبل

“سؤال التراث الإسلامي” أحد الأسئلة المهمة التي شغلت ساحتنا الفكرية والثقافية في العقود الأخيرة، وتعددت وجهات النظر حوله إلى درجات متباعدة، ما بين الجمود عليه والدعوة لتجاوزه، وما بين فحصه واستصحابه والبناء عليه.. وفي هذا الحوار يطرح “إسلام أون لاين” العديد من الأسئلة المتصلة بالتراث والموقف منه وتشغيله، على الأكاديمي المصري د. خالد فهمي، أستاذ اللغويات بآداب المنوفية، والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

د. خالد فهمي له العديد من الكتب والدراسات حول التراث وقضاياه؛ منها: (الجهود اللغوية للثعالبي: دراسة لغوية مع تحقيق كتابه فقه اللغة وسر العربية)، رسالة الماجستير. (تراث المعاجم الفقهية في العربية: في ضوء صناعة المعجم الحديث)، رسالة الدكتوراه. (أنشودة المتن والهامش: نحو إحياء جديد لعلم تحقيق النصوص التراثية). (مدخل إلى التراث العربي الإسلامي). (في اللسانيات العربية المعاصرة: تجليات ومسارات). (تحقيق التراث والتشغيل الحضاري في الأمة). (دعم خصوصية النوع: تحقيق النصوص التراثية، دراسة تطبيقية نقدية).. فإلى الحوار:

ما مفهوم “التراث الإسلامي”؟

في إطار الرؤية المفاهيمية عندنا زاويتان للنظر؛ الزاوية الضيقة المهنية، والزاوية الحضارية المتسعة.. ومفهوم التراث له منظوران تبعًا لذلك؛ المنظور الأول منظور مهني ضيق منحصر فيما يسميه المستشرقون بالنشر النقدي للتراث، أو ما نسميه عندنا في العالم العربي تحقيق النصوص التراثية أو تحقيق التراث، كما هو شائع في استعمالات الأساتذة الكبار المعنيين بالتراث، مثل عبد السلام هارون ومحمود شاكر ورمضان عبد التواب وبنت الشاطئ.. وطبقًا لهذا المنظور، فالتراث هو ما خلَّفه علماء العرب والمسلمين في ظل هيمنة الحضارة العربية والإسلامية قبل ظهور المطبعة.

أما المنظور الثاني الحضاري المتسع للتراث، فأهم من أشار إليه د. حامد ربيع في مقدمته الطويلة المهمة لكتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك). فقرر د. ربيع أن التراث ليس فقط المكتوبات، كما هو شائع عند محققي التراث، وإنما هو أشبه بطائر يطير بثلاثة أجنحة: جناح المنجز الفكري (المكتوبات)، وجناح المؤسسات التي أنشأتها الحضارة الإسلامية (الخانات، المستشفيات…)، وجناح النُّظم الإدارية التي أنشأتها هذه الحضارة لتشغيل المؤسسات. فالتراث الإسلامي هو هذا البناء الكبير المتسع الذي يشمل: المنجز الفكري، والمؤسسات، والنظم.

إذن، كيف تشكَّل هذا التراث؟

نحن أمام عنصرين شكَّلا التراث الإسلامي: عنصر زمني، وعنصر فكري.. وهذا الأخير قد تشكَّل وفرغنا منه تمامًا مع نهاية القرن الأول الهجري؛ بما شمل التطبيقَ النبوي الذي استصحب الوحي، وفترةَ الراشدين (الخمسة أو الستة)، ثم الفترة الأموية.. ثم مشينا في خط تصاعدي حتى القرن الرابع الهجري، والذي شمل التوسع في الجوانب الثلاثة للتراث: تطبيقات الفكر، المؤسسات، النظم.. ثم حدث تحول سلبي بعد القرنين الخامس والسادس، يمكن أن نسميه بَدْءَ تسرب عناصر العلمنة للأفكار الإسلامية وتطبيقاتها في المؤسسات والإدارة. وجاءت هذه العناصر من أربعة روافد:

1- رافد من العنصر الشعبي لغير المسلمين، يؤازره ترجمات غير نقدية.

2- الاحتكاك المباشر في الهجوم الصليبي المستمر على العالم الإسلامي.

3- هجوم التتار.

4- التكوينات الإجرامية من الباطنيين والحشاشين.

هذه الرباعية تسربت منها أفكار علمنة، في ظل ضعف جدار المجتمعات الإسلامية بعد ابتعادها عن عصور الخيرية الأولى.

فتشكُّلُ التراث الإسلامي كان إيجابيًّا إلى حد القرن الرابع، ثم بدأت تتسرب إليه مجموعة من العناصر السلبية.. إلى أن جاءت نقطة فارقة، انهار فيها المنظور الزمني والمنظور الكمي، وهو الحد الفاصل بسقوط آخر نُسَخ الخلافة، أي الخلافة العثمانية سنة 1923م، والتي من قبل سقوطها كان المد السلبي يتمدد بفعل الحروب الصليبية وما أعقبها من موجات احتلال فرنسي وإنجليزي وغيرهما لدول العالم الإسلامي.

وبعد هذا السقوط أصبح الغالب في الفكر العربي والإسلامي فكرًا علمانيًّا أو تغريبيًّا أو على الأقل ينبغي أن يُراجَع من منظور المقولات الحاكمة في التراث العربي والإسلامي.

هل يدخل القرآن والسنة ضمن إطار مفهوم “التراث”؟

كما أشرت، فإن التراث عند كل المشتغلين بالمفهوم المهني للتراث وبتحقيق النصوص، هو تأليف بشري أو مكتوبات. ولأن القرآن والسنة وحي، وليسا تأليفًا بشريًّا (والسنة وحي وإن جاءت بصياغة نبوية) فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن ندرجهما تحت ما يسمى بمفهوم التراث، وإلا سوف نكون بهذه الصورة مناقضين لأنفسنا.

ولعل هذا اللبس- أي إدراج القرآن والسنة ضمن مفهوم التراث- قد حدث بسبب التأثر بالغرب، الذي يطلق مصطلح Tradition أي التقاليد، على كل ما هو قديم أو تراث. لكننا نحن نرفض هذا الأمر؛ لأن القرآن والسنة عندنا هما المرجعية العليا التي أنتجت التراث.. ومع هذا فقد يُقبَل من حيث المفهوم اللغوي- لا الاصطلاحي- أن يُدرَج القرآن والسنة ضمن “التراث”، أي ضمن التركة التي خلَّفها لنا النبي صلى الله عليه وسلم وورثناها عنه؛ فهما “تراث” و”ميراث” بهذا المعني اللغوي فقط، لا الاصطلاحي.

وما أبرز مميزات هذا التراث الإسلامي؟

عندنا خماسية مهمة تميز تراثنا العربي والإسلامي:

أولها: دورانه في فلك الكتاب العزيز: فهذا التراث قد أنتجه الكتاب العزيز، وكان في القرنين الأول والثاني شديد الالتصاق به، مثل طفل يتشبث بأذيال أمه؛ فبداية المعجم بدايةٌ قرآنية، وكذا الفقه والتفسير والأصول.. حتى العلوم البعيدة نسبيًّا عن الشريعة كانت ذات صلة بالقرآن والسنة؛ فعلم الفلك جاء بدايةً لضبط المواقيت الزمانية والمكانية: القِبلة وأوائل الشهور. والإسلام له كليات ثلاث كبرى: التوحيد، التزكية، العمران.. وأول حقيقة أن كل التراث الذي ألفه المسلمون كان لخدمة هذه الكليات الثلاث.

ثانيها: التمدد الزمني: فقد عرفنا التأليف مبكرًا جدًّا، فأول كتاب وصلنا مات صاحبه سنة 65هـ، وهو سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس في غريب القرآن الكريم؛ وظل هذا الخيط متصلاً إلى اليوم.. فلم يحدث في تاريخنا انقطاع زمني لظهور تجليات التراث الفكري التي عَيْنُها على القرآن، بموجب السِّمة الأولى.

ثالثها: التمدد المكاني: ضعْ سن القلم على أي منطقة جغرافية على خريطة العالم الإسلامي، وأتحدى ألا نجد فيها منجزًا فكريًّا ابنًا للمرجعية العليا عند المسلمين.. حتى البلدان التي ورثها الإسلام بعد أن فتحها، وهي تسمَّى في تاريخ البلدان والحضارات بالبلدان الخاملة، كان لها عبقريات وإنجازات.. فضلاً عن حواضر الثقافة الإسلامية.. وامتدادًا إلى إسبانيا وموريتانيا ومالي.

رابعها: التنوع في الأنساق التأليفية: فالعالِم المسلم كتب للأطفال وللنساء والشيوخ، كما كتب للمبتدئين والمتوسطين والمنتهين في العلم.. فهذا التعدد والتنوع من أنماط المستعملين واكبته أنماط من الأنساق التأليفية؛ فعندنا المتون والمختصرات، والمنثور والمنظوم، والشروح والحواشي والتقارير والنكات والفوائد والمستدركات والتعقُّبات وبيان الأخطاء وتصحيح الأخطاء، وترتيب الأطراف بأنواعها..

خامسها: الانضباط المنهجي: فالمنهجية من التقاليد الراسخة في تراثنا؛ من حيث تعيين نقطة البحث.. استيعاب ممكن للمادة أو الجمع على سبيل الاستيعاب.. تصنيف وفق اعتبارات منهجية منضبطة.. مناقشة وتحليل واستقراءات واستعمال إجراءات وأدوات متنوعة.. مناقشة نتائج.. إقرار نتائج.

هل يختلف تراثنا عن تراث الآخرين، وبالتالي، تختلف مناهج التعامل هنا وهناك.. أم “التراث” مفهوم واحد وشامل، وتتحد مناهج التعامل معه؟

نعم يختلف، والقاعدة المستقرة القرآنية أن الناس مختلفون: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (النحل: 93)، ومن ثم، الشعوب مختلفة، وبالتالي ثقافات الشعوب مختلفة. كما أنه توجد نماذج تفسيرية (براديمات) للوجود، أي رؤية كلية يدرك بها الإنسانُ الحياةَ. وهذه الرؤية الكلية أحد أخطر مكوناتها: الكتاب السماوي أو المرجعي الذي تؤمن به هذه الأمة أو تلك. وما دام عندنا كتب سماوية متعددة و”أهل كتاب”، يضاف إليهم من ألحقهم عمر بن الخطاب بأهل الكتاب، وغيرهم كثيرون.. فإننا نصبح بإزاء رُؤى كلية متعددة و”براديمات” كثيرة . وبالتالي، تتعدد مناهج التعامل مع هذه الرؤى ومع تراثاتها المتنوعة.

وهنا ننبه على أن اختلاف هذه الرؤى ينبغي ألا يكون أداة صراع.. وأن المسلمين منفتحون على تراثِهم بوصفه تراثَهم، ومنفتحون على تراث غيرهم بوصفه منجزًا إنسانيًّا هم مؤمنون في قرارة أنفسهم أنهم مسئولون عن حمايته حماية مادية، كما حدث مع التراث اليوناني الإغريقي الذي دُمّر وضاع، وكانت وسيلة استعادته للعالم الغربي ترجمات المسلمين الذين وفروا له الحماية المادية بالحفاظ عليه، والحماية المعنوية بشرحه وتوسيع دائرة نشره بعد أن كان محصورًا في دوائر ضيقة.. ثم أضاف إليه المسلمون من روحهم، ليس بالتحريف، وإنما بالشرح والتعقيب والنقد، ثم عذروا أهله فيما أخطأوا فيه.

ولهذا نعود فنقول: في التعامل مع التراث واستعمال مناهج الآخرين نفرِّق بين استعارة الأدوات واستعارة المناهج.. أنا لست ضد استعارة الأدوات؛ أما استعارة مناهج الآخرين في تعاملهم مع تراثهم، للتعامل بها مع تراثنا، فهذا خطأ علمي ومنهجي، لاختلاف التراثَيْن؛ ومن ثم ينبغي أن تختلف المناهج هنا وهناك.

فإذا كنا مثلاً بصدد تفسير القرآن الكريم فلا بأس من الاستفادة من الأنماط التشجيرية في تحليل لغته الإعرابية، بدلاً من أن نعرب بالطريقة التقليدية (الكلمة ومعها إعرابها)؛ فنستفيد من التحليل الإعرابي التشجيري أو بالجداول أو بالخانات أو بالدوائر أو بالمعادلات.. أما جوهر الفكرة فلا؛ ولهذا لا أستطيع أن أطبق المدرسة السلوكية التي قال بها Bloomfield على لغة القرآن الكريم؛ لأن القرآن ليس “مُثير واستجابة”؛ إنه تَجَلٍّ أعلى لله تعالى الرحيم الذي أنزل كتابًا رحمةً بالناس لما انحرفوا عن جادة الطريق.

كما أنني ضد الهرمنيوطيقا وتطبيقاتها على القرآن الكريم؛ لأن الهرمنيوطيقا تقول إنها لا تتعامل إلا مع النصوص التاريخية. والقرآن ليس نصًّا تاريخانيًّا يخضع لتطورات الزمن. إنه كتاب خالد خاتم، لا علاقة له في تفسيراته ببنية التاريخانية.. بينما طبيعة “الكتاب المقدس” جعلت من الممكن تطبيق التاريخانية عليه، وذلك باعتراف علماء الكتاب المقدس أنفسهم؛ فهم يعترفون بأن له مؤلفين.. وما دامت خصائص القرآن الكريم تغاير خصائص الكتاب المقدس، إذن مناهج التعامل هنا وهناك ينبغي أن تكون مختلفة.. وأهم خصائص القرآن الكريم: أنه كتاب خاتم لم يُتجاوَز زمنيًّا.. لم يؤلفه بشر.. محفوظ في لغته التي أُنزل بها.. ليس هناك ما جاء بعده ليلغيه.

المواقف من التراث تتعدد بين تقديسه، وتجاوزه، وتنقيته.. ما رؤيتكم لكيفية التعامل مع التراث؟

ينبغي أن نُنحِّي موقفَيْ التقديس والتجاوز.. فالتراث ليس مقدَّسًا (وكما أشرنا، لا يدخل القرآن والسنة في التراث)؛ فكل ما ألفه البشر ليس مقدسًّا.. ولكن هناك ما نسميه “النظر المتعاطف”، أي كلما فهمتَ الروح المنتجة للتراث تستطيع أن تقدر حجم الخطأ الذي فيه، وهو حجم صغير جدًّا.. وحين تقرر هذا فإنك تعذره وتتعاطف معه. وإذا كان ابن رشد يعذر من يخطي من الآخرين، فما بالك بموقفنا مع تراثنا.. فالمجتهد المخطئ يثاب على اجتهاده. والتعاطف مع تراثنا يعني استقبالَه بمحبة (كما هو مصطلح عبد السلام هارون)، ونَقْدَه بمحبة..

فالإيمان بالتراث يعني تقديره، أدب الدفاع عنه، خدمته، التحقيق لِمَا لم يحقَّق، التكشيف لما لم يُكشَّف، فهرسة ما لم يُفهرَس، نمط نقده، بيان رؤى أخرى للإفادة منه واستلهامه.

وأما بالنسبة للموقف الثالث، فأنا ضد ما يسمَّى بتجاوز التراث؛ فهذه مقولة خاطئة أشبه بالقطيعة المعرفية مع التراث.. نعم، لا يمكن تطبيق التراث حرفيًّا، فهذا ضد طبيعة الأشياء، والمجتمعات تطورت أسلوبيًّا وإجرائيًّا، ولكن الروح التي أنتجت هذا التراث صالحة للاستصحاب. فلا أحد يدعو لعمل مستشفى الآن مثل الذي أنشأه المسلمون في القرن الرابع، من حيث الشكل والمبنى، ولكن استفدْ من روح المبنى ومن الفلسفة التي حَكَمَته والخدمات التي كانت تقدَّم، وحقوق المريض، وتدريب الأطباء والممرضين، والعناية بطعامهم… إلخ.

ففكرة التجاوز ليست قائمة إلا لمن لا يعرف قيمة ما يملكه.. أقل الأمور، اعملْ متاحف جمالية واعرض فيها التراث وستدر عليك دخلاً كبيرًا.. كما يمكن استلهام التراث فيما يسمَّى العضويات، الزراعة العضوية، اللبس العضوي، وغير ذلك.. نحن احتفلنا من حوالي عقدين بمكتبة الإسكندرية، بالمخطوطات الألفية، أي الكتب التي مرَّ عليها ألف عام! وما زالت تحتفظ بجمالها ومتانتها ولم تتحلل أوراقها! فكيف كانت صناعة الورق حينئذ؟ وكيف نستفيد منها الآن؟.. وكذا يمكن الاستفادة من جوانب العمران في تراثنا وما تضمنته من قيم وجماليات..

ففكرة “التقديس” مرفوضة، يحل محلها الإيمان بالتراث والتعاطف معه.. وفكرة “التجاوز” خطر جدًّا!

هل يمكن تأسيس نهوض حضاري من غير التراث، تجنبًا لمشكلاته وإشكالياته، كما يطرح البعض؟

طبعًا لا يمكن هذا الطرح؛ وعندنا للرد عليه مدخل عقلي وآخر تاريخي؛ المدخل العقلي يقرر أن الفرع الفاسد لا يَنْسحب على الأصل الصحيح؛ فلو أن هناك مؤسسة مليئة بالفساد، فهل يكون علاجها بالهدم والقفل، أم بإصلاحها من خلال استثمار المبنى وإمكاناته، واستثمار التقاليد العريقة قبل مرحلة الفساد؟! أمّا التخلص من أمرٍ ما بسبب مشكلات فيه، فلا يصح.. وإن صح في الأشياء، فلا يصح في منجزات وأفكار أمة انتصرت وتمددت وشملت رحمتُها العالمين!

أما المدخل التاريخي- والتجربة التاريخية حاكمة- فليدلنا الدعاة لهذا الطرح على أي حضارة معاصرة بَنَتْ نفسَها على تجاوز التراث! إن الحضارة المعاصرة تقرر أنها مَدِينة لعقل الجد اليوناني الإغريقي في ثلث منجزها المعاصر؛ الذي يقوم جزء منه على النهضة الصناعية الحديثة وما قامت به من حراك، وجزء ثان يقوم على بعض القيم التنويرية الباقية من حركات التنوير المسيحي واليهودي، وجزء ثالث على ما أسهم به المسلمون في تيارين: تيار الترجمات للنصوص اليونانية والإغريقية القديمة، وتيار ما قدموه من شروح على هذه النصوص، لاسيما من خلال المعابر الحضارية في صقلية والأندلس والحروب الصليبية.. فهل نهدم الحضارة الأوروبية الآن لأنها اعتمدت في ثلث من منجزها على الإغريق، وفي جزء من الثلث الثالث على تراث المسلمين؟! وإذا كان ثلثا الحضارة الغربية المعاصرة يقوم على التراث (تراثهم الإغريقي، وإسهام المسلمين فيه)، فهل أصحاب هذا الطرح يَدعون إلى تحريم الاستفادة من التراث الإغريقي؟! وماذا سيكون موقفهم لو دعا أحد لهذا التحريم؟ ألن يصفوه بالتخلف والرجعية والظلامية؟

فهل التراث الإغريقي أمسُّ رَحِمًا بأمتنا وبروحها وعقلها ونموذجها التفسيري ولغتها وعاداتها وتقاليدها وأنماط ثقافة شعوبها، أم التراث الإسلامي حتى على فَرْضِ أن جزءًا منه ينبغي تصويبه؟! إن هذا الطرح الذي يدعو لتجاوز التراث، يعبِّر عن خلل في بنية العقل!

لكم رؤية مهمة في تشغيل التراث.. نريد أن نقف على أبرز ملامحها؟

لقد كنت من أوائل من دعوا إلى التشغيل الحضاري للتراث، ويقوم هذا التشغيل على عدة عناصر، وهي أن العقل العربي المسلم المعاصر لديه تاريخ من الأفكار.. ومتعاطف معها.. وعلى هذه القاعدة (ما نمتلك، وعلى خلفية التعاطف) أدعو إلى الاستلهام.. وهذا هو مفهومي للتشغيل الحضاري للتراث.

فأول خطوة، استلهام قيم هذا التراث المتمثلة في القيم التزكوية، والعمرانية، والجمالية.. لأسكِّن هذه القيم على ما تمارسه الشعوب العربية المختلفة في واقع بيئاتها المختلفة.

فمثلاً، في العمارة نحن أمام دعوى “العمارة الخضراء” المتصالحة مع البيئة، وعلينا لدعم هذه الدعوى أن نبحث في القيم التراثية، والتي فيها العمارة الممتدة أفقيًّا لتحقيق فكرة إحياء الأرض الموات، لا الممتدة رأسيًّا التي تسبِّب إضعافًا للبدن ولعضلة القلب وتقليل نسبة الأكسجين، ومن ثم التأثير على القوة النفسية والعقلية للإنسان.. بينما التمدد الأفقي يحدث زيادةً في مساحات الأرض وإحيائها، وتقليل نسبة التصحر، وزيادة نسبة التعارف باتصال البلدان والقرى والأحياء.. كذلك يمكن في العمارة استلهام فكرة السِّتر وفكرة معالجة الأجواء الحارة؛ بالأبنية الموجَّهة للداخل.. وفكرة الزينة والجمال، وفكرة الصداقة مع البيئة..

إذن مفهوم التشغيل الحضاري للتراث يقوم على استصحاب هذه القيم، التي هي قيم صالحة باقية وإن تغيرت الأشكال المجسِّدة لها.

كيف ترون جهود المستشرقين في إحياء التراث الإسلامي؟

من حيث المبدأ أنا أشكر المستشرقين أيًّا كانت دوافعهم! وحركة الاستشراق خدمت التراث ساعة نشرت عددًا كبيرًا جدًّا من نصوصه نشرًا نقديًّا، في الوقت الذي كان فيه العرب المعاصرون نوامًا!.. هذه نقطة.

النقطة الثانية، أن المستشرقين ثلاثة عناصر: مستشرقون هم طلائع الاستعمار العسكري الغربي، مهَّدوا له الطريق من خلال فهم الشرق وثقافته.. فهذا نوع مذموم، ونحن ضده تمامًا، وعندنا أسماء كبيرة من جنرالات في حركة الاستعمار الغربي الإنجليزي والفرنسي تحديدًا كانوا يقومون بهذا الدور في كتابة التقارير، كما فصَّل كتاب د. عيسى صالحية (تغريب التراث).

العنصر الثاني: قطاع من حركة الاستشراق كان تبشيريًّا (تنصيريًّا) يدرس تراث المسلمين لكيفية التوصل إلى عقولهم لإفساد دينهم وتحويلهم إلى غير دين الإسلام.. وهذه حركة مذمومة أيضًا.. لكن هذين العنصرين كانا في إطار ما يسمَّى “الاستشراق التقليدي” حتى سنة 1973م.

ثم ظهر العنصر الثالث من الحركة الاستشراقية: وهو “الاستشراق الجديد”، والغالب عليه المنهجية العلمية؛ فقد طوَّروا الفيلولوجيا، وطبيعة التعامل مع النصوص التراثية.. والمسلم المعاصر عليه أن يتعلم هذه المنهجيات ويقوم بالدور الذي يقومون به.

مؤخرًا، تُوفي د. حسن حنفي الذي اتخذ من “التراث والتجديد” عنوانًا أساسيًّا لمشروعه الفكري.. ما رؤيتكم لهذا المشروع؟

رؤيتي باختصار هي: مع وضد! ولتفصيل ذلك أقول: الإسلام بطبيعته يدعو للتجديد في نص نبوي ثابت رواه أبو داود؛ فالتجديد فريضة إسلامية وحضارية. ود. حسن حنفي من حيث المبدأ صنع شيئًا إسلاميًّا، أي في دعوته إلى التجديد.. لكن ليس كل داعية للتجديد يملك أدواته، وليس كل من يملك الأدوات يصيب عند تطبيق الأدوات.. هناك الأصول، وهناك التنزيل لها في الواقع..

ود. حسن حنفي يبقى من جلاله دعوته إلى التجديد. ولو قسَّمنا رؤيتنا له إلى ثلاثة أثلاث، لوافقناه في الثلث الأول فقط؛ فالأصل وهو الدعوة للتجديد، أصل صحيح. أما الثلث الثاني: الأدوات، فلا يملكها؛ فهو لا يملك الأدوات المنهجية، على الأقل: لا يملك الأداة المنهجية الأساسية وهي اللغة، للتعامل مع الأصول المرجعية التي يفرض التعامل معها عند التجديد: القرآن والسنة. ثم نأتي للثلث الثالث: التطبيق.. فلأنّ الأدوات غير موجودة، وهو غير مؤهَّل، فإن الدعوة إلى التجديد لَمَّا تلبَّست بأدوات غير موجودة، فقد أدَّت إلى نتائج خطأ.

فالحكم على مشروعه باختصار، أنه: دعوة للتجديد في أصلها صحيحة.. افتقدت إلى الأدوات، فأخرجت مولودًا مشوَّهًا، ومشروعًا بالغ التشويه في عدد من مفاصله.

التراث جزء من المستقبل”.. كيف نقرأ هذه الجملة؟

طبعًا التراث جزء من المستقبل، وأحيل القارئ إلى كتاب مهم جدًّا صدر عن معهد المخطوطات من نسختين؛ نسخة مشرقية بعد عملٍ مكثف عُقد في القاهرة من نحو عشرين عامًا، ونسخة مغربية صدرت من نحو عامين. وعنوان المشروع (التراث والمستقبل). وقد شارك فيه عدد من العلماء والباحثين.

والحقيقة، أن التجربة الحضارية والتاريخية ومراجعة الكتاب العزيز والهدي النبوي وتطبيقات الجيل الراشد، توضح لنا أنه لم يحدث في تاريخ الأمة أي هدر للتراث على خلفية النظر للمستقبل؛ ومن ثم، تبقى العلاقة بين المستقبل والتراث علاقةُ تَبَنٍّ؛ المستقبل ينبغي أن يتبنَّى التراث.. وعلاقة امتنان.. وعلاقة امتلاك رصيد به جزء كبير جدًّا صالح للبقاء والتشغيل الحضاري.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات