غيب الموت البروفيسور الماليزي سيد محمد نقيب العطاس مساء الأحد التاسع عشر من رمضان عام 1447هـ، الموافق الثامن من مارس  2026 م مختتما مسيرة طويلة من العطاء المعرفي الرصين.

ويعد الفقيد أحد أهم الأصوات الفلسفية التربوية المعاصرة التي قدمت مشروعا نهضويا يعيد العقل المسلم إلى مركز الصدارة المعرفية عبر رؤية متكاملة للحضارة الإسلامية. وتبرز أهمية الراحل في كونه شخصية فريدة زاوجت بين صرامة الانضباط العسكري، وعمق الطرح الفلسفي، ودقة التقصي اللغوي، والحس الهندسي المعماري.

التكوين والنشأة

ولد سيد محمد نقيب بن علي العطاس في عام 1931 م بمدينة بوغور بجزيرة جاوة الأندونيسية، وينحدر من أسرة حضرمية عريقة. ترعرع العطاس في محيط مزج بين الأصول العربية العريقة والتقاليد العثمانية الرفيعة؛ إذ كانت جدة أبيه رقية هانم تركية الأصل من عائلة سلطنة جوهور الماليزية. وأتاحت هذه النشأة الأرستقراطية إلى جانب الدور الأكاديمي والسياسي لشقيقه الأكبر سيد حسين العطاس من قراءة العالم وفهمه.

كانت طفولة العطاس عبارة عن مزيج من التعليم التقليدي الصارم والاطلاع على الثقافات المتعددة، وكانت المكتبة مركز بيت الأسرة، والحوارات حول مواضيع تتعلق بالتاريخ والسياسة واللاهوت جزءاً من الروتين اليومي. هذا المناخ النخبوي صنع منه شخصية تترفع عن القضايا الهامشية، وتتجه نحو البحث في الكليات والأسس التي تقوم عليها الحضارات.

التكوين المزدوج

بدأت رحلة الفقيد مع العلم من مدرسة العروة الوثقى في سوكابومي بأندونيسيا، وتلقى فيها علوم العربية والفقه والحديث والأدب. و بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عاد العطاس إلى جوهور لاستكمال دراسته الثانوية. وفتحت هذه المرحلة أمامه آفاقا معرفية جمعت بين قراءات الأدب الملايوي، والتاريخ والدين، والاطلاع على كلاسيكيات الأدب الغربي المكتوبة باللغة الإنجليزية مثل آداب شكسبير وميلتون. وخلقت هذه الثنائية التعليمية لديه حالة من المقارنة المستمرة بين عالمين، عالم يتحدث بلغة القرآن ويرى الحياة بطبقاتها الغيبية وأسرارها الروحية، وعالم آخر يعبر عن نفسه عبر التجربة العلمية والتحليلات المادية الخالصة.

اتخذ سيد محمد نقيب العطاس في عام 1951 م مساراً غير متوقع بانخراطه في صفوف الجيش، وتلقى تدريباته الأولية في كلية إيتون هول بمدينة تشستر البريطانية، قبل أن يستكمل مساره العسكري في أكاديمية ساند هيرست الملكية الشهيرة. وفي تلك المرحلة اكتسب قيم الانضباط والالتزام بالقواعد الصارمة، وهي الصفات التي صبغت تفكيره الأكاديمي لاحقا. وترافق ذلك مع تنامي ميوله نحو قراءة الكتب الدينية، كما تركت رحلاته إلى إسبانيا والمغرب أثرا عميقا في وجدانه، واستوقفه معمار قصر الحمراء، ما أثار لديه تساؤلات حول دلالات الجمال وعلاقته بالرؤية الكونية الإسلامية.

الرحلة الأكاديمية

آثر العطاس التفرغ التام للبحث المعرفي، فاستقال من الخدمة العسكرية واتجه صوب الغرب مستكملا مشواره الأكاديمي. انضم أولا لجامعة مالايا بسنغافورة نهاية الخمسينات، ثم انتقل إلى جامعة ماكغيل بمونتريال عام 1962 م، ونال فيها درجة الماجستير بامتياز عن دراسته للوجودية في الإطار الإسلامي. واصل بعدها الرحلة نحو كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، ليدرس تحت إشراف خبراء دوليين مثل آرثر آربري ومارتن لينجز، وبحلول عام  1965 م أنهى رسالة الدكتوراه المرجعية حول «التصوف عند حمزة فنصوري».

وما أن عاد إلى وطنه، حتى تولى عمادة كلية الآداب بجامعة مالايا، مدخلا إصلاحات أكاديمية تضمنت إشراك الهيئة التدريسية في صناعة القرار. ومع تأسيس الجامعة الوطنية الماليزية، قاد قسم اللغة الملايوية، داعيا إلى اعتمادها لغة للتعليم العالي. ورأى في ذلك ضرورة قصوى لصياغة هوية وطنية وثقافة مستقلة، معتبراً اللغة وعاء الفكر وحاملة القيم الحضارية، وأن التخلي عنها يعني الذوبان في التبعية الثقافية.

فلسفة أسلمة المعرفة

يعد العطاس أحد أبرز المنظرين لفكرة أسلمة المعرفة، وانطلق مشروعه من تشخيص يرى أن أزمة الأمة المعاصرة تكمن في خلل جوهري بالنظام المعرفي، وهو ما أطلق عليه “فساد المعرفة” الذي أفضى بدوره إلى “فقدان الأدب”،. وقصد بـ “الأدب” هنا المعنى الوجودي العميق؛ أي العجز عن وضع الحقائق في مواضعها الصحيحة ضمن منظومة الوجود.

انتقد العطاس العلم الحديث بجرأة، معتبراً أنه يرى الطبيعة مادة معزولة عن الخالق، ما أفقد الفكرة الروحية مكانها المركزي في الوعي البشري. ووصف الحضارة الغربية بأنها تسكن حالة “صيرورة” دائمة ومضطربة، تفتقر إلى حالة “الاستقرار والتحقق”.  وفي مقابل ذلك، أبرز الرؤية الإسلامية للميتافيزيقا حيث تلتقي الثوابت الوجودية مع التحولات الكونية في تناغم تام. ففي قمة الهرم الوجودي، هناك ثوابت لا تتزحزح، وعلى أساسها يحدث التغيير دون فوضى، وهو ما سماه “الثبات في التغير”.

“التأديب” وإصلاح الأسماء

في كتابه العمدة «مفهوم التعليم في الإسلام» ، طرح العطاس مفهوم «التأديب» بدلا بديل عن مصطلح التربية الشائع. ورأى أن التربية تشير غالبا إلى النماء الطبيعي والبيولوجي المشترك بين الإنسان والحيوان، بينما يهدف “التأديب” لصياغة الإنسان الصالح المنضبط بوعيه الأخلاقي ومسؤوليته تجاه الخالق. ويرى العطاس غرض التعليم هو إنتاج الإنسان الصالح.

ودعا سيد محمد العطاس إلى “إصلاح الأسماء” إذ اعتبر أن دور المثقف يكمن في حراسة اللغة وتنظيف المعاني من التشويه. فالكلمات في نظره هي مفاتيح الواقع، وحين يسمى الاستهلاك تقدما أو تسمى العلمنة تحريراً، يختل إدراك الإنسان للواقع، ما يقود لفساد السلوك الاجتماعي. لذا، كان يرى في الدقة اللغوية فعلا أخلاقيا وضرورة حضارية لحماية الاتجاه القيمي للمجتمع.

تأسيس معهد الفكر والحضارة

من أهم المشاريع التي قام بها العطاس  تأسيسه لـ «المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية» (ISTAC) عام 1987 م في كوالالمبور والذي كان تجسيداً للأفكار التي نادى بها.

وجاء تصميم المبنى المعهد كذلك ليعبر عن أفكار العطاس في الجمع بين عمارة قصر الحمراء الأندلسية، ودمج بعناصر ماليزية ورومانية ويونانية، في رسالة تعكس عالمية الإسلام وقدرته على استيعاب المنجزات الجمالية للأمم الأخرى دون فقدان جوهره.كما اشتمل المعهد على أدق التفاصيل، من الزخارف الجدارية إلى تخطيط الحدائق، رغبة منه في خلق بيئة تعليمية ترفع من شأن الروح وتدعو للتأمل. واحتضنت مكتبة المعهد، التي تحمل اسمه، نحو 150 ألف مجلد ومخطوطات نادرة، شملت أعمال البيروني وأقدم الترجمات اللاتينية للقرآن الكريم. أراد لهذا الصرح أن يكون مكاناً يلتقي فيه ثقل النصوص مع رصانة العمارة، ليشكل فضاءً يطبق فيه مفهوم “التأديب” في أرقى صوره الأكاديمية والجمالية.

الإنتاج العلمي

ترك سيد محمد نقيب العطاس إرثا يتجاوز ثمانية وعشرين كتابا ورسالة علمية، شكلت في مجموعها خارطة طريق لإعادة بناء الوعي. من أعماله الأدبية المبكرة في (سلسلة الرباعيات)، إلى دراساته العميقة في «تصوف حمزة فنصوري». فكك فيه أركان العلمنة وأوضح كيف استحال العالم المادي غاية في ذاته إثر إقصاء الغاية الروحية.

ويبرز كتابه (الإسلام والعلمانية)  أحد أهم المراجعات الفلسفية للحداثة الغربية حيث شرح فيه أبعاد التحدي الذي تفرضه معتبرا العلمانية أيديولوجية شاملة تستهدف نزع القداسة عن العالم وتحويل الطبيعة إلى مادة صماء مجردة من الأبعاد الميتافيزيقية. وربط العطاس بين أزمة الهوية في العالم الإسلامي وما وصفه بـ “فساد المعرفة”، مؤكدا أن الاستلاب الفكري ناتج عن تغريب المفاهيم وضياع الرؤية الكونية الجامعة التي توحد بين الحقائق الدينية والواقع المادي.

وتضمنت قائمة مؤلفاته أيضاً:

  • الإسلام وفلسفة العلم
  • مقدمات في ميتافيزيقا الإسلام .. عرض للعناصر الأساسية للرؤية الكونية الإسلامية
  • الحقيقة التاريخية والخيال
  • الإسلام: مفهوم الدين وأسس الأخلاق
  • مفهوم التعليم في الإسلام.
  • طبيعة الإنسان وعلم نفس الروح البشرية
  • في الماهية والجوهر.
  • معنى السعادة وتجربتها في الإسلام
  • الحقيقة التاريخية والخيال.
  • في العدل وطبيعة الإنسان. كوالالمبور: المعهد الإسلامي للتمويل،
  • وصولا إلى عمله الأخير  (الإسلام: العهود التي تم الوفاء بها).

وعند قراءة هذه العناوين يظهر أن العطاس كان يعمل في إطار مشروع واحد يسعى لاستعادة بناء العقل المسلم، وإعادة مكانة العلم في الحضارة الإسلامية.

التكريم والتقدير الدولي

نال العطاس خلال مسيرته الحافلة تقديرا دوليا واسعا، وحظي بعضوية الأكاديمية الملكية الأردنية، والأكاديمية الإمبراطورية الإيرانية للفلسفة. وشغل كراسي علمية مرموقة، منها كرسي “تون عبد الرزاق” بجامعة أوهايو، وأستاذية كرسي الغزالي في معهد (ISTAC). كما نال الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم تقديرا لإسهاماته في النهضة التعليمية.

وتوجت ماليزيا مسيرته بمنحه أرفع وسام أكاديمي في البلاد، وهو لقب «البروفيسور الملكي» عام 2024 م، ليكون ثاني شخصية تنال هذا الوسام في تاريخ ماليزيا. ورغم كل هذه الأضواء والمناصب، آثر العطاس في سنواته الأخيرة العزلة المنتجة والحوار الهادئ مع طلابه المقربين، مؤمناً بأن الأثر الحقيقي يتركه المفكر في عقول تلاميذه ونفوسهم.

الرحيل والوداع

شيعت جنازة الفقيد في موكب مهيب صباح الاثنين التاسع من مارس 2026 م، شهدها كبار المسؤولين والعلماء في ماليزيا وانطلق الموكب من مسجد التقوى، ووري الثرى في مقبرة «بوكيت كيارا» الإسلامية رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.