رحل عن دنيانا اليوم 20 أغسطس 2026 عالم جليل، وعلامة فذ، ومفكر إسلامي رصين، هو الشيخ العلامة المحقق الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، رحمه الله تعالى. برحيل هذه الشخصية الفذة، نودع قامة علمية شامخة، لم تكن مجرد أستاذ جامعي قضى عقودا في التدريس، بل كان «مؤسسة معرفية» متنقلة، وحارسا أمينا على ثغور علوم القرآن الكريم، ومفكرا جمع بين دقة المحدث، وعمق الأصولي، وسعة أفق الفيلسوف المسلم. هو ذاك العالم الذي لم يبع علمه في أسواق الشهرة، بل أودعه بطون الكتب، وتيجان التحقيقات، وعقول آلاف التلاميذ الذين نهلوا من نميره في دمشق والكويت والأردن والإمارات وقطر.
رحيل مصباح من مصابيح الهداية
إن رحيل العلماء الكبار ليس مجرد فقدان لأشخاص بعينهم، بل هو انطفاء لمصباح من مصابيح الهداية، وانطواء لصفحات حية من ذاكرة الأمة العلمية. والدكتور عدنان زرزور — رحمه الله — كان واحدا من أولئك العلماء الذين جعلوا من العلم رسالة عمرهم، ومن التحقيق أمانة في أعناقهم، ومن خدمة القرآن وعلومه وظيفة حياتهم. ترك وراءه تراثا علميا غزيرا، ومشروعا فكريا متكاملا، وأثرا طيبا في تلاميذه وطلابه ومحبيه.
في هذا البروفايل الشامل، نحاول أن نستعرض مسيرة هذا العالم الجليل، ونسلط الضوء على جوانب من حياته العلمية والعملية، وأفكاره، وإنجازاته، ومؤلفاته، علنا نوفي الرجل بعض حقه، ونخلد ذكراه بما يستحقه من تقدير وإجلال.
النشأة والتكوين العلمي.. جذور الأصالة
ولد الشيخ العلامة الدكتور عدنان محمد زرزور في مدينة «النبك» السورية عام 1939م، في بيئة علمية ودينية أصيلة، نشأ فيها على حب العلم وطلبه، وتشرب منذ صغره قيم الأصالة الإسلامية. وقد هيأت له هذه البيئة المبكرة الأرضية الخصبة التي انطلقت منها مسيرته العلمية الطويلة.
تلقى تعليمه الأولي في مدارس بلده، حيث أظهر نبوغا مبكرا واهتماما عميقا بعلوم الشريعة واللغة العربية. ثم انتقل إلى مرحلة التعليم الجامعي، حيث التحق بالكليات الشرعية المتخصصة، وتتلمذ على يد نخبة من كبار العلماء والمحققين في زمانه، الذين أثروا في تكوينه العلمي وأكسبوه منهجية رصينة في البحث والتحقيق.
وقد تميز الدكتور زرزور — منذ مراحل دراسته الأولى — بسعة الاطلاع، ودقة الملاحظة، والقدرة على الربط بين العلوم المختلفة، مما جعله يتفوق على أقرانه، ويحظى بتقدير أساتذته وزملائه.
المسيرة الأكاديمية.. من طالب علم إلى أستاذ محقق
حصل الدكتور عدنان زرزور على درجة الدكتوراه في التخصص الشرعي، وتحديدا في مجال علوم القرآن والتفسير، ليعود ويصبح أستاذا جامعيا متخصصا في هذا الميدان. وقد قضى عقودا طويلة في التدريس الجامعي، حيث تتلمذ على يديه أجيال من الطلاب والباحثين، الذين انتفعوا بعلمه الغزير ومنهجه الرصين.
وقد تميز أسلوبه في التدريس بالوضوح، والدقة، والقدرة على تبسيط المسائل المعقدة دون إخلال بمضمونها العلمي. كما كان — رحمه الله — يشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، ويوجه الباحثين الشباب نحو منهجية علمية صحيحة في البحث والتحقيق.
الرحلة إلى القاهرة.. في معمل التحقيق والنقد
لم يتوقف طموح الدكتور زرزور عند الدرجة الجامعية الأولى، بل شد الرحال إلى «قاهرة المعز» في الستينيات، والتي كانت حينذاك مركزا عالميا للدراسات الإسلامية واللغوية. التحق بجامعة القاهرة، ونال درجة الماجستير ثم الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
كانت رسالته للدكتوراه نقطة تحول كبرى في مساره العلمي، حيث اشتغل على موضوع شائك ودقيق، وهو «الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير». والجشمي هو أحد كبار أئمة المعتزلة، والبحث في منهجه يتطلب شجاعة علمية، وقدرة فائقة على التمييز بين الفرق الإسلامية بإنصاف وموضوعية. أثبت الدكتور عدنان من خلال هذا العمل أنه باحث لا يعرف المحاباة، بل يتبع الدليل حيثما كان، مما أكسبه احترام الأوساط الأكاديمية شرقا وغربا. لقد كان في القاهرة ينهل من مناهج النقد الأدبي واللغوي الحديثة، ويسقطها على التراث بوعي العالم البصير، متأثرا بأقطاب التفكير آنذاك، أمثال الدكتور محمد البهي والدكتور أمين الخولي.
الأستاذ المتجول وبناء الأجيال في الجامعات العربية
عاد الدكتور عدنان زرزور إلى وطنه سوريا ليعمل أستاذا في جامعة دمشق، لكن هجرته العلمية لم تتوقف. فقد تنقل بين كبريات الجامعات العربية، وكان له دور تأسيسي في العديد منها:
- جامعة الكويت: حيث ساهم في نهضتها العلمية المبكرة.
- جامعة الإمارات: التي قضى فيها سنوات في التدريس والتأطير.
- جامعة الأردن: حيث كان له حضور طاغ في كليات الشريعة.
- جامعة قطر: التي استقر فيها طويلا، وشغل فيها مناصب أكاديمية رفيعة، منها رئاسة قسم الدراسات الإسلامية ومدير برنامج الماجستير.
في كل هذه المحطات، لم يكن الدكتور عدنان أستاذا «تلقينيا»، بل كان يعلم طلابه «كيف يفكرون» لا «ماذا يحفظون». كان يدعو دوما إلى «الاستقلال الفكري» والابتعاد عن التبعية العمياء، سواء للتراث في جوانبه البشرية، أو للغرب في جوانبه المادية.
الإسهامات في علوم القرآن والتفسير
يعد ميدان علوم القرآن والتفسير هو الميدان الأبرز في مسيرة الدكتور عدنان زرزور العلمية. فقد خصص جانبا كبيرا من عمره وعلمه لخدمة كتاب الله تعالى، دراسة وتحليلا وتحقيقا وتفسيرا.
ومن أبرز إسهاماته في هذا المجال:
1. دراسة مناهج المفسرين:
اهتم الدكتور زرزور بدراسة مناهج المفسرين عبر العصور، وتحليل طرقهم في استنباط الأحكام من القرآن الكريم، والكشف عن القواعد الأصولية واللغوية التي اعتمدوها في فهم النص القرآني.
2. خدمة التفسير بالمأثور:
كان رحمه الله من المهتمين بالتفسير بالمأثور، والتفسير الذي يعتمد على القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، إيمانا منه بأن هذا المنهج هو الأقرب إلى فهم مراد الله تعالى من كتابه.
3. الربط بين التفسير والأحكام:
من المجالات التي برع فيها الدكتور زرزور هو الربط بين التفسير واستنباط الأحكام الفقهية، حيث كان يرى أن التفسير ليس مجرد شرح للألفاظ، بل هو مدخل لفهم مقاصد الشريعة واستنباط أحكامها.
المشروع العلمي.. الإرث الخالد
يعتبر الدكتور عدنان زرزور أحد أهم المرجعيات المعاصرة في علوم القرآن. كتابه العمدة «علوم القرآن: مدخل إلى تفسير القرآن وبيان إعجازه» ليس مجرد كتاب دراسي، بل هو إعادة صياغة لهذا العلم بأسلوب يجمع بين أصالة التراث ومقتضيات العصر. في هذا الكتاب، ناقش قضايا الوحي، والنزول، والجمع، والقراءات، والإعجاز، بروح دفاعية تفند شبهات المستشرقين، وبروح تحليلية تفتح آفاقا جديدة للتدبر.
ترك الدكتور عدنان زرزور تراثا علميا غزيرا يتوزع بين التأليف والتحقيق، ومن أبرز مؤلفاته:
- منهج المفسرين في استنباط الأحكام من القرآن الكريم: وهو من أهم مؤلفاته، حيث يتناول بالدراسة والتحليل الطرق التي سلكها المفسرون في استنباط الأحكام الشرعية من الآيات القرآنية.
- مدخل إلى علم التفسير: كتاب تمهيدي يعرف بعلم التفسير، ومناهجه، وأدواته، وقواعده.
- دراسات في علوم القرآن: مجموعة من الدراسات المتخصصة في مختلف جوانب علوم القرآن.
- الفكر الإسلامي وقضاياه المعاصرة: مؤلفات تتناول قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، والدعوة، والتحديات التي تواجه الأمة.
- الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير.
- المدخل إلى دراسة القرآن الكريم.
- ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره.
- مناهج المفسرين (سلسلة دراسات).
- في الفكر والشأن العام (مقالات وبحوث).
حارس التراث.. فن التحقيق عند زرزور
حقق الدكتور زرزور عددا من الكتب التراثية المهمة، وأخرجها في طبعات محققة ومحققة علميا، مما أسهم في خدمة التراث الإسلامي وإتاحته للباحثين والدارسين. لم يكن التحقيق عند الدكتور عدنان زرزور مجرد صف للحروف وتصحيح للأخطاء الإملائية، بل كان «إحياء للنص». كان يرى أن المحقق شريك للمؤلف، عليه أن يفهم بيئة المؤلف، ولغته، ومنازعه الفكرية. تجلى ذلك في تحقيقاته لبعض رسائل ابن تيمية وابن القيم، وفي دراساته المعمقة لتاريخ الفكر الإسلامي. لقد كان يمتلك بصيرة نافذة في تمييز الأصيل من الدخيل في المخطوطات العربية، وكان تحقيقه لكتاب «تفسير القرآن» المنسوب لابن قيم الجوزية (والذي جمعه من شتات كتبه) عملا مضنيا برهن على طول نفسه العلمي ودقة ملاحظته.
هذه المؤلفات والتحقيقات تتميز بلغة عربية رصينة، وأسلوب أكاديمي دقيق، ونزعة نقدية بناءة، مما جعلها تتصدر قوائم القراءات الإجبارية في كليات الشريعة وأقسام الدراسات الإسلامية في العالم العربي.
علاقة خاصة مع علوم القرآن.. مدرسة قطر
في سنواته الأخيرة بقطر، ساهم الدكتور عدنان في صياغة العديد من البرامج الأكاديمية، وكان عضوا فاعلا في لجان جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، وفي لجان تطوير مناهج الشريعة.
كان يرى في قطر بيئة خصبة للحوار الحضاري، وسعى من خلال موقعه لتعزيز البحث العلمي الرصين، محذرا من تحويل الدراسات الإسلامية إلى مجرد «وعظ عام» يفتقر إلى المنهجية العلمية.
المنهج الفكري.. بين الأصالة والمعاصرة
تتميز شخصية الدكتور عدنان زرزور العلمية والفكرية بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، فهو عالم راسخ في التراث، متعمق في علومه، وفي الوقت نفسه واع بأسئلة العصر وتحدياته. ومن أبرز ملامح منهجه الفكري:
1. التمسك بالأصول مع الانفتاح على العصر:
كان رحمه الله يرى أن الحل لمشكلات الأمة المعاصرة لا يكون بالانفصال عن التراث، ولا بالتقليد الأعمى للغرب، بل بالعودة إلى الأصول الصحيحة، مع فهم واقع العصر ومتطلباته.
2. الاهتمام بالمنهجية العلمية:
كان الدكتور زرزور يولي عناية كبيرة بالمنهجية العلمية في البحث، ويؤكد على أهمية الدقة في النقل، والتحقيق في الرواية، والتمحيص في الاستنتاج.
3. الوسطية والاعتدال:
كان رحمه الله من دعاة الوسطية والاعتدال في الفكر الإسلامي، يرفض الغلو والتطرف من جهة، والتفريط والتسيب من جهة أخرى.
4. ربط العلم بالعمل:
كان يرى أن العلم ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة للعمل الصالح، وخدمة الأمة، ونشر الخير والهداية.
الدعوة والفكر الإسلامي.. هم أممي واسع
لم يقتصر عطاء الدكتور عدنان زرزور على التدريس والتأليف فحسب، بل كان له إسهامات مهمة في مجال الدعوة الإسلامية والفكر الإسلامي المعاصر. ومن أبرز جوانب نشاطه الدعوي والفكري:
- المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية: شارك رحمه الله في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل سوريا وخارجها، حيث قدم أبحاثا ودراسات مهمة في مجالات تخصصه.
- الكتابة في المجلات والدوريات العلمية: نشر العديد من المقالات والأبحاث في المجلات والدوريات العلمية المتخصصة.
- الإسهام في العمل الإسلامي المؤسسي: كان له دور في العمل الإسلامي المؤسسي، والمشاركة في أنشطة المؤسسات العلمية والدعوية.
- التوجيه والإرشاد: كان رحمه الله مرجعا للكثير من الطلاب والباحثين والدعاة، الذين كانوا يستشيرونه ويستفيدون من علمه وخبرته.
الأثر والتلاميذ.. صدقة جارية لا تنقطع
إن من أعظم ما يغبط به العالم بعد رحيله أن يبقى علمه يتكلم بعدما يصمت صوته، وأن يبقى قلمه يعمل بعدما تتوقف يده. والدكتور عدنان زرزور — رحمه الله — ترك وراءه تراثا علميا غزيرا، وأثرا طيبا في تلاميذه وطلابه. ومن أبرز مظاهر أثره:
- التلاميذ والطلاب: تتلمذ على يديه أجيال من الطلاب والباحثين، الذين انتفعوا بعلمه، واقتدوا بمنهجه، وساروا على دربه.
- الابنة الكريمة الدكتورة أسماء عدنان زرزور: التي سارت على خطى والدها في طلب العلم وخدمة التراث، وهي من أبرز من ورثوا منه العلم والمنهج.
- المؤلفات والتحقيقات: التي ستظل مراجع للدارسين والباحثين من بعده.
- الذكر الحسن: الذي تركه في قلوب محبيه وتلاميذه وزملائه.
رحيل الجسد وخلود الأثر
رحل الشيخ العلامة الدكتور عدنان محمد زرزور — رحمه الله — تاركا وراءه سيرة علمية حافلة، وتراثا فكريا غزيرا، وأثرا طيبا فيمن عرفه وعاشره.
لقد كان رحمه الله عالما موسوعيا، وباحثا محققا، ومفكرا إسلاميا رصينا، جمع بين سعة الاطلاع وأصالة التكوين ودقة التحقيق ووضوح العبارة. ولم تكن كتبه مجرد عناوين تضاف إلى رفوف المكتبات، بل كانت لبنات في بناء المعرفة الإسلامية المعاصرة، انتفع بها أساتذة وباحثون وطلاب علم في أقطار شتى.
وإن من أعظم ما يغبط عليه العالم بعد رحيله أن يبقى قلمه يعمل بعدما تتوقف يده، وأن يبقى علمه يتكلم بعدما يصمت صوته، وأن تستمر حسناته كلما فتح كتاب من كتبه، أو قرئت صفحة من تحقيقاته، أو انتفع طالب بعلم من علومه.
في يوم رحيل العالم الفذ عدنان زرزور، فقدت الأمة الإسلامية علما من أعلامها، وركنا من أركان البحث المحقق. لكن العزاء، كل العزاء، في ذاك التراث الذي تركه؛ فكل طالب يقرأ في «علوم القرآن»، وكل باحث يستفيد من «منهج الجشمي»، وكل مفسر يهتدي بتحقيقاته، هم جميعا «أعمار ثانية» تضاف إلى عمر الدكتور عدنان زرزور.
لقد عاش غريبا عن أضواء الدنيا، مرتحلا في ملكوت العلم، ومات وهو يحمل هم القرآن في قلبه. إن رحيله يضعنا أمام مسؤولية كبرى في الحفاظ على هذا النهج العلمي الذي يزاوج بين «النص» و«العقل»، وبين «التراث» و«المستقبل». رحم الله الشيخ العلامة الدكتور عدنان محمد زرزور، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء، وجزاه عن القرآن وأهله خير الجزاء.
