العقل هو مناط الإيمان والتكليف الشرعي ووسيلة الإنسان للتمييز بين الحق والباطل، لذا حث القرآن مرارا على ضرورة إعمال العقل، وإذا كان للعقل هذه الأهمية فإن البحث فيما نُسب إلى النساء من انتقاص في العقل في حديث نبوي يصبح مدعاة للنظر؛ فما المقصود بالنقص الوارد في الحديث؟ وما هي دلالاته؟ وكيف يمكن تأويله تأويلا عصريا لا يتجاوز النص.

يتطلب هذا أن نتعرف على مفهوم النقص وتأويلاته وآراء المفسرين والعلماء المعاصرين في ذلك، ولنبدأ بنص الحديث كما رواه البخاري: “عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-أنه قال: خرَج رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-في أضحى، أو فِطرٍ، إلى المصلَّى فمر على النساءِ، فقال: يا معشرَ النِّساءِ تصَدَّقنَ فإني أُريتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النارِ. فقُلْن وبم يا رسولَ اللهِ؟ قال تُكثِرنَ اللَّعنَ، وتَكفُرنَ العَشيرَ، ما رأيتُ مِن ناقِصاتِ عَقلٍ ودينٍ أذهبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِن إحداكُنَّ. قُلن وما نُقصانُ دينِنا وعَقلِنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: أليس شَهادةُ المَرأةِ مثل نِصفِ شَهادَةِ الرَّجُلِ قُلن بلى، قال فذلك من نقصانِ عَقلِها، أليس إذا حاضَتِ لم تُصلِّ ولم تَصُم. قُلن: بلى، قال: فذلك مِن نُقصانِ دينها”(متفق عليه).

أقوال المفسرين في النقص

اتُخذ هذا الحديث دليلاً في نظر بعض المفسرين للتأكيد على نقصان عقل المرأة ورجحان عقل الرجل وأفضليته، وهذا ما يذهب إليه الفخر الرازي (ت 606هـ) في تفسيره حيث يقول “واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصلٌ من وجوه كثيرة بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين: إلى العلم وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهدين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة والكتابة في الغالب”، ولا يوضح الرازي ماهية النقص تحديداً لكنه يشير إلى أنه يتجلى في غلبة النسيان على النساء.

 ويقيم البيضاوي (ت 685هـ) في تفسيره رابطاً ما بين شهادة المرأة ونقص عقلها؛ ويعلق على كون شهادتها تعدل نصف الرجل بقوله “وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن”.

وفي ذات السياق ينقل ابن القيم في (الطرق الحكمية) عن ابن تيمية (ت 728هـ) قوله: أن حديث الرسول السابق يؤكد أن ضعف عقل المرأة هو الذي جعل شهادتها شطر شهادة الرجل وليس ضعف دينها “فعلم بذلك أن عدل النساء بمثابة عدل الرجال وإنما عقلها ينقص عنه”، وبحسب ابن تيمية فإن هذا الضعف العقلي يتجلى في مظهرين هما النسيان وعدم الضبط.

ويفسر ابن القيم (ت 751هـ) نقص الشهادة بقوله: إن المرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله.

أما ابن كثير (ت 774هـ) فيخالف رأي ابن القيم السابق معتبراً أن كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل دليل قطعي على نقصان عقلها، قائلاً “وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة”، ولا يكتفي بذلك بل يذهب إلى أن شهادة المرأتين معاً لا تجعلهما كشهادة الرجل الواحد، دون أن يفسر كيف توصل إلى ذلك.

ويعلق ابن حجر العسقلاني (852هـ) على استفسار النساء عن ماهية نقص دينهن وعقلهن الوارد في نص الحديث الشريف بقوله: “ونفس السؤال دال على النقصان لأنهن سلمن ما نسب إليهن من الأمور الثلاثة الإكثار والكفران والإذهاب بعقل الرجل الحازم، ثم استشكلن كونهن ناقصات، وما ألطف ما أجابهن به من غير تعنيف ولا لوم بل خاطبهن على قدر عقولهن”.

في مقابلة تلك الآراء التي فسرت الآية القرآنية  {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} (البقرة : 282) على ضوء الحديث، وتوصلت إلى أن نقصان عقل المرأة يقابله تفوق في عقل الرجل وربما أفضلية؛ فإن عددًا آخر من الأصوات التفسيرية لم تنح هذا المنحى وقرأت الآية قراءة مجردة ومباشرة دون أن تقرنها بالحديث وتتخذ منها ذريعة للقول بالنقصان، حيث ذهب الزمخشري (ت 538هـ) إلى أن شهادة النساء مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص، وفسر الضلال المذكور في الآية بأنه النسيان “من ضل الطريق إذا لم يهتدي إليه

وكذلك الإمام القرطبي (ت671هـ) الذي أرجع كون شهادة المرأة نصف الرجل إلى غلبة النسيان عليها، فيقول: معنى تضل تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالاً، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها ” ولم يجد في ذلك مطعناً في قدراتها العقلية.

تفتح النماذج التفسيرية السابقة مجالاً للاستنتاج أن القول بضعف قدرات المرأة الذهنية لم يكن عقيدة مسلَمٌ بها لدى علماء السلف جميعاً، بل توقف بعضهم عن ذلك، ومنهم ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) الذي أجاز شهادتها على الإطلاق في كافة الشهادات دونما قيد. ومن جهة ثانية فإن القائلين بنقصان عقل النساء –على اختلافهم-قصروا هذا النقص في مظهرين لا ثالث لهما هما قلة الضبط وغلبة النسيان، وهو بهذا المعنى نقص جزئي محدود وليس كلياً، فلا يندرج تحته ضعف القدرة التحصيلية أو تدني مستوى الذكاء الفطري أو الافتقار إلى المؤهلات العقلية المطلوبة لتلقي العلم أو إنتاجه.

اجتهادات المعاصرين

اتخذ القول بالنقص مساراً مغايراً لدى المعاصرين، فلم تعد علة النقص لدى الإمام محمد عبده في تفسيره هي النسيان أو قلة الضبط وإنما هي إقصاء النساء عن المجال العام على نحو عرقل عقولهن ولم يتح لها الفرصة للنمو والتطور، وضرب مثالاً على ذلك بالمؤسسات المالية التي تقتصر على الرجال وبالتالي لا يستغرب ضعف المهارات العقلية الحسابية لدى المرأة.

وبنهاية القرن العشرين لاحت محاولات يمكن وصفها بالاجتهادية في التعامل مع مسألة النقص التي أوردها الحديث الشريف، وفي هذا السياق تبرز محاولتان جادتان الأولى تعود إلى الشيخ محمد الغزالي والثانية إلى الأستاذ عبد الحليم أبو شقة.

-محاولة الشيخ الغزالي: يذهب الشيخ الغزالي في كتابه (مائة سؤال عن الإسلام) إلى أننا يجب أن نفهم مقولة النقص العقلي على ضوء مقدمة الحديث التي تتحدث عن فئة بعينها من النساء يعشن في كنف الرجال ويتمتعن بكافة حقوقهن المادية ورغم ذلك ينكرن فضلهم ويجحدن حقهم، فالنقصان العقلي يختص بهذه الفئة وحدها، وبقية الحديث تبرهن على صحة ذلك حين تشير إلى تغلبهن على عقل الرجال، وتأسيساً على ذلك يرفض الغزالي محاولات تعميم الحديث  قائلا: “إن نفرًا من المتحدثين في الدين شاء أن يفهم من هذا الحديث أموراً لا علاقة لها به، فصاغ قاعدة كلية نشرها في طول الأمة وعرضها مفادها النساء ناقصات عقل ودين، وسواء كانت “أل” للجنس أو الاستغراق فهذه الكلية الشائعة فاسدة من ناحيتي العقل والنقل، فقد اكتملت قديماً وحديثاً نسوة أرضَين الله ورسوله وخدمن الدين والأمة خدمات جليلة، وهذه الكلية المزعومة تناقض الآيات القرآنية التي قررت أن النساء والرجال بعضهم من بعض، وتناقض الأحاديث التي جعلت النساء شقائق الرجال”.

-محاولة الأستاذ أبو شقة: ويمكن النظر إليها بوصفها أنضج المحاولات الاجتهادية وأكثرها اكتمالاً؛ وفيها يذهب إلى أن الحديث ينبغي النظر إليه من ثلاث نواحي: المناسبة التي قيل فيها، والمخاطَبات بالحديث، والصياغة.

فمن ناحية المناسبة فالنص قيل خلال عظة للنساء في يوم عيد، ومن المستبعد أن الرسول الكريم الموصوف بالخلق العظيم أن يحط من كرامة النساء أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة حسبما استنتج أبو شقة.

ومن ناحية من وجه إليه الخطاب فقد كنَّ جماعة من نساء المدينة وأغلبهن من الأنصار اللواتي وصفهن عمر بن الخطاب بأنهن يغلبن رجالهن وأن المهاجرات قد تأثرن بخلقهن.

 أما من حيث الصياغة اللغوية للنص فهي “ليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام” -كما توصل الغزالي من قبل-وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله من التناقض القائم في ظاهرة تغلُّب النساء رغم ضعفهن وتساءل “هل تحمل الصياغة معنى من معاني الملاطفة العامة للنساء خلال العظة النبوية؟” ومن المحتمل أنه قاس ذلك على حديث الرسول حين داعب امرأة عجوز بقوله “إن الجنة لا يدخلها عجوز” قاصداً بذلك أنها ستُبعث شابة في الجنة. وعلى أيه حال فإن ما ذهب إليه الأستاذ أبو شقة في الجزئية الأخيرة هو تأويل يفتقر إلى الدليل؛ فضلاً عن أنه يُخالف ما عرف عن الرسول من أنه لا يمزح إلا حقاً، وهو ما يحملنا على الاعتقاد الاجتهادات في التعامل مع النص الديني المتعلق بالمرأة تحتاج إلى اجتهاد جماعي، إذ مهما بلغ تثميننا للاجتهاد الفردي وتقديرنا لمكانة صاحبه، فإن الاجتهاد الجماعي الذي يصدر عن المجامع العلمية المتخصصة تقل فيه نسبة الاعتماد على الحدس، ويتوفر على حجية علمية تفوق مثيلتها في الاجتهاد الفردي وهو ما يعني قابلية الأخذ به وتعميمه.

ملاحظات وتعليقات ختامية

 وبالإمكان أن نختتم قراءتنا لمحاولات تأويل مفهوم النقص الوارد في الحديث بالملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى، هي أن النقص لم يرد في أي نص ديني آخر؛ فهو نص وحيد في مجاله ولا تدعمه نصوص أخرى، بل على العكس فالنصوص متواترة وبكثرة حول حث الإسلام أتباعه على إعمال العقل وطلب العلم، من مثل قوله تعالى “فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم”، وقوله طلب العلم فريضة على كل مسلم”، وهي صياغات لغوية عمومية تشمل الرجال والإناث على حد السواء.

والملاحظة الثانية، أن القول بالنقص لم يظهر لدى مفسري القرون الأولى، فلم يظهر لدى الثعلبي أو ابن حزم وهما من مفسري القرن الخامس، أو الزمخشري في القرن السادس لكنه بدأ يظهر على استحياء في مطلع القرن السابع الهجري وترسخ في القرون اللاحقة، الأمر الذي يسمح لنا بالاستنتاج أن مقولة النقص قد تخلقت تاريخياً عبر عصور التراجع الحضاري، حيث تم إكسابها دلالات ومعان الحط من قدرات النساء وهو ما لم يفهمه مفسرو القرون الأولى.

والملاحظة الثالثة، أن هذا النقص لم يُفهم منه أن تدع النساء المجال المعرفي للرجال وحدهم، ولم يفهم منه أيضاً أن تقتصر النساء على أنواع بعينها من المعرفة الدينية –أي علوم الرواية دون علوم الدراية- فالتجربة التاريخية غنية بالنماذج التي تؤكد اشتغال النساء بشتى أنواع المعرفة، فضلاً عن أنه لم يحل دون أن يأخذ بعض الرجال بآراء النساء الدينية كما فعل عمر بن الخطاب في مسألة مهور النساء، ولعل هذا ما يبعث على التساؤل هل المشكلة تكمن في نص الحديث -والنصوص المشابهة- أم أنها في كيفية التعامل معه وتأويله تأويلا يبعد به عن مراد النص ومقصوده.