يعد كتاب معرفة السنن والآثار مدخلاً هاماً لفهم أصول الاستدلال التي بنى عليها الإمام الشافعي مذهبه، ومرجعاً حديثياً وفقهياً في المسائل العملية، ومصدراً لا غنى عنه للباحثين في الفقه المقارن العالي، ومثالاً تطبيقياً لمنهج علمي دقيق لدى الأئمة السابقين في ذكر الأدلة والأقوال ومناقشاتها، وفي ربط الحديث وعلمه بالفقه وأصوله، وهو كتاب لا يستغني عنه كل من ينتمي إلى الحديث أو الفقه.

الفرق بين السنن الكبير ومعرفة السنن والآثار

يتضح الفرق بين الكتابين من حيث المقصد؛ فـ السنن الكبيرموسوعة شاملة للأحاديث الفقهية، أما معرفة السنن والآثار فهو مخصص لإثبات صحة أدلة مذهب الإمام الشافعي، ويعد وسطاً بين السنن الكبير أو يعتبر وسطاً بين السنن الكبير والصغير، ألفه المؤلف للتدليل الفقهي المذهبي، وهو مخصص لإثبات صحة أدلة مذهب الإمام الشافعي؛ ولذا قال الشيخ حماد الأنصاري: “إن كتاب السنن والآثار للبيهقي فرع من كتاب الأم للشافعي”، أي كان امتداداً منه وشرحاً لمسائل وقواعد منثورة فيه واستخراجاً لأدلتها، مع زيادة تركيز على ذكر الآثار وتصحيح الأحاديث وتعليلها ونقاشها.

عناية الإمام البيهقي بالمذهب الشافعي

لم يكن البيهقي مجرد ناقل للمذهب الشافعي، ولم يكن التزامه بالمذهب ناشئاً عن تعصب مذهبي مجرد، وإنما كان مبنياً على دراسة واسعة، وطول بحث، وصحة نظر، ثم ترجيح علمي؛ بل يمكن القول بأنه مجدد المذهب وناصره ومؤصله، حيث تعد عنايته بالإمام الشافعي وبمذهبه عناية فائقة: بتقريره وبيانه وتهذيبه وبسط أدلته، ونشره بين طلاب العلم، والرد على المخالف له فيه.

وكانت خدمته في ذلك مبنية على دراسة منظمة ومنهجية معمقة، وخاصة من جهتي الحديث والفقه، ويظهر ذلك من خلال مصنفاته الكبيرة والصغيرة التي جمع فيها ما لا يجمعه أحد من الشافعية، ومن أبرزها:

  • كتاب “تخريج أحاديث الأم”
  • كتاب “أحكام القرآن” الذي جمع فيه آيات الأحكام وتفسيرها من كلام الإمام الشافعي
  • كتاب “الخلافيات” الذي تناول فيه المسائل الخلافية بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة
  • كتاب “المبسوط” الذي أودع فيه نصوص الإمام الشافعي الفقهية بتفاصيلها وحججها، قديمها وحديثها، على رسم “كتاب المختصر” للمزني؛ من أجل تحريرها وضبطها ورفع الاختلاف المحكي فيها.

وقد جاء تصنيفه نتيجة لما رأى من تخبط بعض الشافعية في حكاية أقوال الإمام الشافعي المتناقضة دون التثبت في النقل، وقد بلغ حجم الكتاب تسع مجلدات، ولما وقع في يد الشيخ أبي الفتح ناصر بن الحسين العمري -أحد شيوخ الإمام البيهقي– رضي وفرح به لما امتاز به من حسن تصنيف وتهذيب. قال السبكي: “وأما المبسوط في نصوص الشافعي فما صنَّف في نوعه مثله”.

بل أفرد البيهقي كتاباً ضخماً في ترجمة صاحب المذهب سماه “مناقب الشافعي” لبيان سيرته ونسبه وفضائله وذكائه وغير ذلك من المناقب، وكذا وضع كتاباً منفصلاً من كتاب المعرفة في الرد على منتقدي الشافعي بعنوان: “بيان خطأ من أخطأ” (أي بيان خطأ من أخطأ على الشافعي في الصناعة الحديثية)، ودافع فيه وفند ما أثير عن الإمام الشافعي من أخطاء حديثية.

وله كتاب آخر في هذا الصدد أسماه “رد الانتقاد على ألفاظ الشافعي”، وهو عبارة عن الرد على محمد بن داود الظاهري في انتقاده لبعض المسائل اللغوية لدى الإمام الشافعي.

وقد نوه إمام الحرمين الجويني بعظم أثر خدمة الإمام البيهقي في ترسيخ المذهب ونشره حتى قال: “ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه. وقال الإمام الذهبي بعد نقله لكلام إمام الحرمين: “أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على ذلك؛ لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث. وهي شهادة عزيزة، تدل على أن البيهقي قد بلغ منزلة عظيمة في خدمة المذهب الشافعي خدمةً استثنائية، حتى كأن للإمام الشافعي منة عليه من جهة التأسيس، وللبيهقي منة على المذهب من جهة الحفظ والنصرة والبيان والتأليف والتأصيل.

سبب تأليف كتاب معرفة السنن والآثار

يقول الإمام البيهقي رحمه الله في مقدمة الكتاب:

“إني رأيت المتفقهة من أصحابنا يأخذهم الملال من طول الكتاب، فخرجت ما احتج به الشافعي من الأحاديث بأسانيده في الأصول والفروع مع ما رواه مستأنساً به غير معتمد عليه أو حكاه لغيره مجيباً عنه على ترتيب المختصر، ونقلت ما وجدت من كلامه على الأخبار بالجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، وأضفت إلى بعض ما أجمله من ذلك من كلام غيره ما فسره، وإلى بعض ما رواه من رواية غيره ما قواه؛ ليستعين بالله تعالى من تفقه بفقه الشافعي رحمه الله في كتبه بهذا الكتاب وحفظه وسماعه، ليكون على وثيقة مما يجب الاعتماد عليه من الأخبار، وعلى بصيرة مما يجب الوقوف عليه من الآثار، ويعلم أن صاحبنا رحمنا الله وإياه لم يصدر باباً برواية مجهولة، ولم يبنِ حكماً على حديث معلول، وقد يورده في الباب على رسم أهل الحديث بإيراد ما عندهم من الأسانيد، واعتماده على الحديث الثابت أو غيره من الحجج، وقد يثق ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره. ثم لم يدع لرسول الله سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها، وما خفي عليه ثبوته علق قوله به، وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه، وذلك بين في كتبه وفيما ذكر عنه من أقاويله”.

ما يستفاد من نص كلام البيهقي

يستفاد من هذا النص أهم مقاصد الكتاب ومنهج المؤلف على النحو التالي:

  1. التيسير: أن من دوافع البيهقي لتأليف الكتاب واختصاره قصد التيسير على طلبة الفقه الشافعي لما رأى ملالهم من الكتب المطولة.
  2. الاستدلال: في الكتاب جمع طيب لمواطن أدلة الشافعي الحديثية، مع قيام المؤلف بتخريج الأحاديث التي احتج بها الإمام الشافعي في الأصول والفروع بأسانيدها.
  3. احتواء الكتاب على ما استأنس به الإمام الشافعي، وما حكاه جواباً عن غيره، ولم يقتصر على الأحاديث المحتج بها فقط.
  4. الترتيب: كان ترتيب الكتاب على نمط كتاب “مختصر المزني” (مختصر الفقه الشافعي المشهور)؛ إذ تعمد المؤلف السير عليه ليسهل الرجوع إلى المسائل الفقهية في مواضعها.
  5. العناية بنقل كلام الشافعي في أبواب الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، وبيان اجتهاده في توثيق الرواة المختلف فيهم، وأنه قد يحتج ببعض المختلف في عدالتهم بناءً على اجتهاده العلمي.
  6. توضيح البيهقي لكلام الشافعي المجمل وشرحه، وتقوية بعض الروايات بالشواهد والمتابعات.
  7. الذب عن منهج الشافعي في الاستدلال، وإبراز دقته في الاعتماد على الحديث الثابت أو غيره من الحجج الشرعية، وأنه لم يبنِ أحكامه على روايات مجهولة أو أحاديث معلولة.
  8. إثبات تعظيم الشافعي للسنة واتباعه لها، وأنه لم يترك سنة ثابتة بلغته إلا عمل بها.
  9. إقرار الإمام الشافعي بإمكان خفاء بعض السنن عليه، وأنه أوصى باتباع السنة إذا ثبتت ولو خالفت قوله.
  10. تمكين الطلاب المتفقهة من معرفة أدلة المذهب على بصيرة، وهذا من أعظم مقاصد الكتاب.

وجماع القول أن الإمام البيهقي قد وضع الكتاب خدمةً للمتفقهة من أصحاب الإمام الشافعي، وإظهاراً لأدلة المذهب الشافعي الحديثية والأثرية، ودفاعاً عن منهج الشافعي الاستدلالي.

محتويات الكتاب

يصح أن يوصف الكتاب بأنه موسوعة حديثية فقهية، حيث احتوى على أكثر من عشرين ألف نص حديثي، وتضمن ألفاً وثلاثمائة وعشرين مسألة في الفقه المقارن حسب إحصائية محقق الكتاب الشيخ عبد المعطي قلعجي. التزم البيهقي في ترتيبه وفق ترتيب مختصر المزني –كما تقدم– بدءاً بكتاب الطهارة إلى كتاب المكاتب، وقدم للكتاب مقدمة مطولة تحدث فيها عن بعض مسائل تتعلق بعلم الحديث ومباحث في أصول الفقه وطرق الاستدلال؛ لتدعيم قوة المذهب الشافعي من حيث البناء والتخريج.

مساجلات البيهقي والطحاوي في علم الحديث

من الجوانب المهمة التي قصدها البيهقي في الكتاب جانب الدفاع عن المذهب والانتصار له، والرد على المخالفين من الحنفية، وعلى رأسهم الإمام الطحاوي الحنفي، الذي أورد اعتراضات على الشافعي وأصحابه في كتابه “بيان معاني الآثار”؛ ومن ثم تصدى له البيهقي في “المعرفة” وأكثر من الرد عليه في مواضع متعددة، لا سيما في مجال علم الحديث، واتهمه بالتكلف في لي وتوجيه الأخبار لتوافق مذهبه تعصباً، سواء بتضعيف الحديث بما لا يقتضي الضعف، أو بالاحتجاج بما لا يثبت عند أهل الحديث، وكأن الحكم على الحديث عنده مرهون بمصلحة المذهب الحنفي لا على الصناعة الحديثية، فعده البيهقي ممن لا خبرة له بعلم الحديث فقال: “إن علم الحديث لم يكن من صناعته، وإنما أخذ الكلمة بعد الكلمة من أهله، ثم لم يحكمها”.

وقد وافق البيهقيَّ بعضُ أهل العلم في هذه التهمة الشديدة لأبي جعفر، وخالفه بعضهم وفندوها تفنيداً كما يظهر -مثلاً- في كتاب “الحاوي في بيان آثار الطحاوي” وغيره. وكان أبو العباس ابن تيمية ممن مال إلى رأي البيهقي في الطحاوي بالنسبة إلى بضاعته في النقد الحديثي، حيث يقول رحمه الله: “الطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، ولهذا روى في شرح معاني الآثار الأحاديث المختلفة، وإنما يرجح ما يرجحه منها في الغالب من جهة القياس الذي رآه حجة، ويكون أكثرها مجروحاً من جهة الإسناد لا يثبت ولا يتعرض لذلك، فإنه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً.

ولكنه نبه على أن كلاً من البيهقي والطحاوي قد وقعا في فتنة التعصب المذهبي غير المحمود، فقال: “وإنه –أي البيهقي– يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر، فمن سلك هذا السبيل دحضت حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق… كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر، مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي، لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي”.

وعلى أي حال، فلا ينبغي أن يُحاكم الإمام الطحاوي على ضوء كلام الإمام البيهقي وغيره مجرداً دون استيعاب النظر في الباب فيُحط من قدره ومكانته، بل يبقى الإمام الطحاوي من أبرز أعلام الحديث والفقه في التاريخ الإسلامي، ولكن كلٌّ يؤخذ منه ويُرد.

ثناء العلماء على الكتاب

لماذا أثنى العلماء على الكتاب ثناءً عظيماً؟ لأن البيهقي جمع فيه أدلة الأحكام من الكتاب والسنة، وأقوال الفقهاء ومذاهبهم، وأورد فيه مناقشة الأدلة والترجيح بينها، إضافة إلى بيان الصحيح والضعيف من الأحاديث، وهذا يعني أنه ليس مجرد جمع لأدلة المذهب الشافعي فحسب.

ثم تميز الكتاب بخاصية المذهب، ولذا أشاد به كبار علماء المذهب أيما إشادة، لما فيه من حفظ تراث الشافعي وتنويه بأثره العلمي في الأمة الإسلامية. وقال السبكي: “وأمّا (المعرفة): (معرفة السنن والآثار) فلا يستغني عنه فقيه شافعي، وسمعت الشّيخ الإمام رحمه الله –يعني والده– يقول: مراده معرفة الشّافعيّ بالسنن والآثار”. وقال الحافظ ابن حجر: “ومن أراد الوقوف على حديث الشافعي مستوعباً فعليه بكتاب معرفة السنن والآثار للبيهقي، فإنه تتبع ذلك أتم تتبع، فلم يترك له في تصانيفه القديمة والجديدة حديثاً إلا ذكره وأورده مرتباً على أبواب الأحكام.

الرؤى المبشرة بالكتاب

قال الإمام البيهقي رحمه الله:

“حين ابتدأت تصنيف هذا الكتاب -يعني كتاب معرفة السنن والآثار-، وفرغت من تهذيب أجزاء منه، سمعت الفقيه أبا محمد أحمد بن أبي علي -وهو من صالحي أصحابي، وأكثرهم قراءة لكتاب الله عز وجل، وأصدقهم لهجة- يقول: رأيت الشافعي في المنام وبيده أجزاء من هذا الكتاب، وهو يقول: قد كتبتُ اليوم من كتاب الفقيه أحمد سبعة أجزاء من هذا الكتاب، أو قال: قرأتها، ورآه يعتد بذلك. قال: وفي صباح ذلك اليوم رأى فقيه آخر من إخواني يُعرف بعمر بن محمد في منامه الشافعي -رحمه الله- قاعداً على سرير في مسجد الجامع بخسروجرد، وهو يقول: قد استمعت اليوم من كتاب الفقيه أحمد أحاديث كذا وكذا”.

قال الذهبي بعد حكايته للرؤيا: “هذه رؤيا حق، فتصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما سننه الكبير”.

طبعاً إنما تُذكر مثل هذه المنامات من باب المبشرات والاستئناس فحسب، وإلا فلا تمت بأية صلة إلى تقويم الكتب العلمية أو تقريظها، ولا يُبنى عليها أي حكم، بل مرد بيان منزلة الكتاب إلى حقيقة ما حوى واشتمل عليه من علم وبحث وتحقيق ونفع، كما هو واقع حال كتاب “المعرفة”.

القبول العلمي والاحتفاء بكتاب “معرفة السنن والآثار”

حاز كتاب “معرفة السنن والآثار” في حياة مؤلفه المنزلة العلمية العظيمة، وذاع صيته وانتشر حتى “استدعى منه الأئمة في عصره الانتقال إلى نيسابور من الناحية لسماع كتاب المعرفة وغير ذلك من تصانيفه، فعاد إلى نيسابور سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وعقدوا له المجلس لقراءة كتاب المعرفة، وحضره الأئمة والفقهاء وأكثروا الثناء عليه والدعاء له في ذلك لبراعته ومعرفته وإفادته”.

وهذا كله شاهد صدق على أن الكتاب لقي قبولاً علمياً واسعاً ومبكراً عند أهل العلم منذ عصر مؤلفه، ولم يزل كذلك حتى يوم الناس هذا، سواء من أهل المذهب أو غيرهم، لما فيه من خدمة الحديث والفقه المتميزة.