يُعد الإمام البيهقي أحد أبرز أعلام الأمة الإسلامية الذين أثروا المكتبة بعطائهم العلمي الخالد، حيث جمعت مؤلفاته بين دقة “علم الحديث” وعمق الاستنباط الفقهي. ومن بين إسهاماته العظيمة، تبرز كتبه الأربعة كأعمدة رئيسية في التراث الإسلامي، وهي: كتاب السنن الكبير (أو الكبرى)، وكتاب شعب الإيمان، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب معرفة السنن والآثار. في هذا المقال (وهو الجزء الأول من سلسلة تتناول مصنفاته الأربعة)، سنسلط الضوء بالتفصيل على كتاب السنن الكبير للبيهقي، الذي يُعتبر الموسوعة الحديثية الأكبر والأشمل في أحاديث الأحكام. سنستكشف منهج الإمام البيهقي الفريد في نقد الروايات، والفرق بين السنن الكبرى والصغرى، لنقدم للباحث وطالب العلم دليلاً يبرز القيمة العلمية لهذا السفر العظيم.

1- كتاب السنن الكبير

الحق الذي لا ريب فيه أن كتاب السنن الكبير للبيهقي من أهم كتب الحديث التي أُلِّفت في القرن الخامس الهجري، ومؤلفه إمام مشهور ومعلوم بين القاصي والداني، وكان من نوادر أئمة عصره ورأساً في الحديث وعلومه بالاتفاق، بل قال عنه عبد الغافر إنه: “جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث”، واسمه أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، نسبة إلى بلدة (بيهق) وهي إحدى قرى نيسابور. ولد في سنة 384هـ وتوفي سنة 458هـ، وله شغف زائد بالحديث حتى استوعب منه ما لم يجمعه غيره، وألّف وصنّف تصانيف مباركة فاشتهر وبَعُدَ صِيتُه، ووُصف بأنه: “كان على سيرة العلماء، قانعاً باليسير، متجملاً في زهده وورعه” [1] رحمه الله تعالى.

اسم الكتاب

الاسم الذي سمّى به البيهقي كتابه هو “السنن”، ولم يسمّه بالتسمية المفصلة المعروفة الآن، وإنما أطلق أهل العلم قديماً عليه اسم “السنن الكبير” من باب التفريق بينه وبين كتاب السنن الصغير للمؤلف، وسماه بعضهم “السنن الكبرى” للسبب نفسه. وعلى كل حال فالوصف مستحدث، وليس من تسمية المؤلف.

الفرق الرئيسي بين السنن الكبير والصغير للإمام البيهقي

يختلف الكتابان بشكل عام من حيث الهدف والمنهج والحجم والشمولية؛ فالكبير موسوعة شاملة للأحاديث المسندة بأنواعها الثلاثة: الصحيح، والحسن، والضعيف، إضافة إلى أنه مرجع فقهي مقارن. بينما “الصغير” هو عبارة عن اختصار وانتقاء لأصح الأحاديث عند المؤلف مع قلة التكرار للحديث، ويمثل “السنن الصغير” كتاباً منتقى لأدلة المذهب الشافعي.

ملخص مفيد في منهج البيهقي في التأليف

يقول الإمام البيهقي رحمه الله: “منذ نشأت وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى وعلى آله أجمعين، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها، وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها… ثم أنظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة وبنى كل واحد منهم مذهبه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة، فأرى كل واحد منهم رضي الله عنهم جميعهم قصد قَصْدَ الحق فيما تكلف واجتهد في أداء ما كلف… ثم خرجت بعون الله عز وجل سنن المصطفى وما احتجنا إليه من آثار أصحابه رضي الله عنهم على هذا الترتيب في أكثر من مائتي جزء بأجزاء خفاف، وجعلت له مدخلاً في اثني عشر جزءاً لينظر إن شاء في كل واحد منهما، من أراد معرفة ما عرفته من صحة مذهب الشافعي رحمه الله على الكتاب والسنة… ووقع… كتاب السنن إلى الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني رضي الله عنه بعد ما أنفق على تحصيله شيئاً كثيراً. فارتضاه وشكر سعيي فيه. فالحمد لله على هذه النعمة حمداً يوازيها وعلى سائر نعمته حمداً يكافيها” [2].

الاستنتاجات المستفادة من نص كلام الإمام البيهقي

تبرز في هذا النص الدلالات المستنبطة في بيان بعض الجوانب الأدبية والمنهجية في التأليف عند الإمام البيهقي، ومنها ما يلي:

أولاً: جمع الروايات وسماعها من أهلها

قوله: “منذ نشأت وابتدأت في طلب العلم أكتبُ أخبار سيدنا المصطفى وعلى آله أجمعين، وأجمَعُ آثار الصحابة الذين كانوا أعلامَ الدين، وأسمَعُها ممَّن حمَلَها”، أي ممن حملها من أهل بلده ومن أمصار المحدثين، وهذا يدل على مدى عنايته بالرحلة في طلب الحديث – كما هي عادة المحدثين – وسعيه لقطع المسافات الشاسعة من أجل لقاء الشيوخ وسماع الأحاديث منهم مباشرة، والحصول على روايات وطرق متنوعة للحديث الواحد التي قد لا توجد في بلده، وكذا حرصه على جمع آثار الصحابة لما لها من الأهمية في فقه السنة النبوية.

ثانياً: معرفة أحوال الرواة

قوله: “وأتعرَّف أحوال رواتها مِن حُفَّاظها”، وهذا مقصد جليل ومهم عند المحدثين؛ لأنه بها يُعرف ويُحدد من تُقبل روايته ومَن تُرد، ويُدرك مدى صدق الراوي ودقته في نقل الحديث، ويمنع الخلط بين رواة الأخبار، ويساعد في الكشف عن الانقطاع الظاهر والخفي في الأسانيد، ومن خلال معرفة طبقات الرواة وتواريخ وفاتهم ومواليدهم والتأكد من التقاء الراوي بمن روى عنه، وغير ذلك من أساسيات علم “رجال الحديث” الميزان الدقيق في قبول الحديث أو رده.

ثالثاً: الاجتهاد في تحقيق الأحاديث

قوله: “وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها”، وثمرة تمكن البيهقي ورسوخه في علم الرجال هي التي ساعدته للوصول إلى الغاية المرجوة في هذا العلم، ألا وهي نقد الأسانيد، وتمييز صحيح السنة من سقيمها، والذي به يتم حفظ السنة النبوية من الكذب والتحريف.

رابعاً: بناء الفقه الإسلامي على الكتاب والسنة

قوله: “ثم أنظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة وبنَى كلُّ واحد منهم مذهبَه على مبلغ علمه من الكتاب والسُّنة، فأرى كل واحد منهم رضي الله عنهم جميعهم قصدَ الحق فيما تكلَّف، واجتهد في أداء ما كلف”، يشير بهذا إلى مكانة مذاهب الأئمة وأهمية الاستفادة منها وحسن الظن بالأئمة المجتهدين، وأن كلاً منهم قصد الحق بحسب علمه وقد يصيب في ذلك وقد يخطئ. وبيّن أنه على معرفة بتلك المذاهب بعد أن تضلع في علم السنة، وهذا يعني أنه لم يكن متمذهباً بمذهب الإمام الشافعي إلا عن تمام بصيرة كما سيأتي.

خامساً: تصنيف السنن وترتيبها على منهج علمي والانتصار لمذهب الإمام الشافعي

قوله: “ثم خرَّجت بعونِ الله عز وجل سننَ المصطفى وما احتجنا إليه من آثار أصحابه رضي الله عنهم، على هذا الترتيب، في أكثر من مائتَي جزءٍ بأجزاء خِفافٍ، وجعلت له مدخلًا في اثنَي عشر جزءًا؛ ليَنظُر إن شاء في كلِّ واحد منهما مَن أراد معرفةَ ما عرفته مِن صحة مذهب الشافعي رحمه الله على الكتاب والسُّنة”. إن تأليف كتاب السنن وإخراجه في مئات الأجزاء يدل على سعة الجهد العلمي وضخامة العمل العلمي الذي قام به المؤلف الفرد، كما أنه أوضح أن الهدف من التصنيف هو بيان وجه الاستدلال وربط الأحاديث بالأحكام الفقهية مع إثبات صحة مذهب الإمام الشافعي بالدليل من خلال القرآن والسنة. ثم وضع مقدمة علمية وخصصها في اثني عشر جزءاً – أسماه “المدخل“، وفيه شرح منهجه في التأليف، وكيف جمع الأحاديث، وكيف يرجّح بين الروايات، وصنّفه كالمقدمة – لتكون مدخلاً قبل الدخول في تفاصيل الكتاب. ثم أَمَّلَ المؤلف من العلماء والطلاب والباحثين مراجعة الكتاب والنظر فيه والمباحثة في غوره لجهة الاستفادة والوقوف على أدلة مذهب الإمام الشافعي.

سادساً: قبول العلماء للكتاب وثناؤهم عليه

قوله: “ووقع… كتاب السنن إلى الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني رضي الله عنه بعدما أنفق على تحصيله شيئًا كثيرًا، فارتضاه وشكَر سَعْيِي فيه؛ فالحمد لله على هذه النعمة حمدًا يوازيها، وعلى سائر نعمته حمدًا يكافيها”، في هذا الكلام دليل على جودة كتاب السنن وقيمته العلمية والثقة بمحتواه وبالمنهج الذي انتهجه المؤلف؛ إذ إن إقرار عالم كبير بالكتاب يُعدّ نوعاً من التزكية العلمية، وكما أنه مُشْعِرٌ بمكانة الإمام البيهقي العلمية عند الإمام الجويني إلى حد أنه سعى وبحث عن كتابه حتى: “أنفق على تحصيله شيئًا كثيرًا”، وفيه أيضاً: أهمية مراجعة أهل العلم للكتاب أو عرض العمل على أهل الاختصاص لمراجعته وتقويمه.

أبرز مزايا كتاب السنن الكبير للبيهقي

يمكن الإشارة السريعة إلى بعض مزايا الكتاب من خلال النقاط الآتية:

الاستيعاب الواسع لأحاديث الأحكام

لم يكن كتاب السنن الكبرى إلا امتداداً حقيقياً وتطويراً طبيعياً لعطاءات كتب السنن السابقة، وسيراً على تلك المحجة من حيث الهدف والغاية والعكوف على مناهجها وأساليبها والانتقاء والاستفادة منها بالعمق وتهذيبها وترتيبها. وإذا كانت سنن أبى داود قد امتازت بتركيزها على أحاديث الأحكام الفقهية وتجريدها من أحاديث أخرى كالزّهْد وفضائل الْأَعْمَال وَغَيرهَا، ولم يسبق أبا داود أحدٌ إلى تدوين أمهات السنن التي بنى عليها العلماء أحكامهم، وأحاديث الأحكام المعتمدة عند فقهاء الأمصار في كتاب واحد مرتب مبوّب مثلما فعل، حتى قال رحمه الله: “ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري” تعظيماً لما بذله من جهد وخدمة، وتفرداً في نوعية ما جمع في زمانه؛ إلا أن كتاب السنن الكبرى أوسع منه وأشمل بمراحل، بل يُعد عن جدارة أول موسوعة حديثية ضخمة في الأحكام الشرعية التي لم يُؤلَّف مثلها في الإسلام.

قال الإمام الذهبي: “وبورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة… فعمل ‘السنن الكبير’ في عشر مجلدات ليس لأحد مثله” [3].

وقال في موضع آخر: “وعمل كتباً لم يُسبق إلى تحريرها؛ منها ‘الأسماء والصفات’ وهو مجلدان، و’السنن الكبير’ عشر مجلدات” [4].

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: “وجمع أشياء كثيرة نافعة جداً، لم يُسبق إلى مثلها، ولا يُدرك فيها؛ من ذلك كتاب ‘السنن الكبير’ [5].

وقال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: “أما ‘السنن الكبير’ فما صُنف في علم الحديث مثله، تهذيباً، وترتيباً، وجودة” [6].

العناية بآثار الصحابة والتابعين

حضور آثار السلف في كل موضع من الكتاب كان واضحاً جداً، ولا يقتصر على المرفوع، بل فيه عناية بالغة بإيراد أقوال الصحابة ومن تلاهم بأسانيدها بقصد ربط فهم الحديث بأفهامهم لكونهم أعلم بمعانيه، فكأن البيهقي يريد أن يقول: لا يتم فقه الحديث إلا على ضوء هدي الصحابة واجتهاد تلاميذهم.

بيان علل الحديث ورجاله

كان كتاب السنن ثرياً بآلاف الأحاديث المرفوعة المسندة، وهذا هو الذي رفع قدر منهج الإمام البيهقي النقدي الدقيق في دراسة الأسانيد وتحليل الروايات والمقارنة بين الألفاظ، وتوضيح المختلف في فهمها؛ فتميز في تخريج الحديث وتمييز الصحيح من السقيم، وبيان المرفوع والموقوف، وذكر العلل، والكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً.

كثرة المتابعات والشواهد

يكثر الإمام البيهقي من إيراد طرق الحديث المختلفة، مما يفيد في تقوية الأحاديث، ويبلغ عدد أحاديث الكتاب (21812) حديثاً حسب ترقيم نسخة دار الكتب العلمية بتحقيق محمد عبد القادر عطا، فهذا الذي جعله مصدراً مهماً في زوائد الحديث ومرجعاً للتخريج ومضيئاً للمتابعات والشواهد من الروايات.

حفظه للتراث المفقود أو النادر

حفظ لنا كتاب السنن الكبرى أحاديث يندر وجودها في غيره، أو نصوصاً من كتب لم تعد موجودة في المكتبات اليوم، مثل كتاب “الفرائض” لزيد بن ثابت رضي الله عنه، حيث نقل منه البيهقي في السنن الكبرى أجزاءً.

كون الكتاب كالمستخرج

سلك البيهقي في كتابه مسلك المُسْتَخْرِجِ في البحث عن أسانيد جديدة وروايات أخرى للأحاديث الواردة في كتب السنة السابقة كصحيح البخاري وصحيح مسلم فَيُخَرِّجُهَا بإسناده الخاص، أو يذكر الحديث بلفظه مع إسناده من كتاب الأصل ثم يورد له طرقاً أخرى كالشواهد، وقد تَرِدُ في تلك الطرق زيادةٌ في المتن أو في السند مما يجعل صنيع المؤلف أشبه بمستخرج وامتداد للأحاديث الواردة في الكتب القديمة.

موسوعة حديثية فقهية

السنن الكبرى ليس كتاب حديث فقط، بل هو كتاب فقهي حديثي يجمع بين الرواية والاستنباط، اقتداءً بصنيع كبار المحدثين المتقدمين كأصحاب الكتب الستة من حيث الترتيب الفقهي للكتاب – وفيه حوالي اثنان وسبعون كتاباً بدءاً من كتاب الطهارة إلى كتاب عتق الأمهات – وأظهر البيهقي الاستنباط الفقهي الدقيق من خلال التراجم ومئات الأبواب الفرعية التي تمثل مسائل فقهية مقصودة ترافقها أدلتها من الكتاب والسنة والآثار. وفي الكتاب أيضاً محاولة للجمع بين الأحاديث المتعارضة وبيان الناسخ والمنسوخ وغير ذلك.

مرجع هام في الخلاف العالي

اعتنى الكتاب بذكر الخلاف العالي بين المذاهب الفقهية الكبرى ومن لدن الصحابة، وفي أثناء طرح ذلك توجد مناقشات ومواد علمية فريدة قد لا توجد في مصادر أخرى بهذا الوضوح.

خدمته للمذهب الشافعي

خدم الكتاب فقه الشافعية وشَرَحَهُ بأدلته، وكان هذا من مقاصد الكتاب أصالة؛ حيث يورد أدلة المذهب من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين في معرض دعم مذهب الشافعي، ثم يجيب عن أدلة المخالفين في المسألة.

مصادره

اعتمد البيهقي على مصادر واسعة جداً، منها: كتب الحديث (الكتب الستة وغيرها)، وكتب الفقه، وعلوم القرآن، وكتب السيرة والمغازي، واللغة العربية، وله اعتمادٌ خاصٌّ على كتب الإمام الشافعي.

وجماع القول: إنّ كتاب السنن فريد في نوعه وفي بابه، وفيه المزيج بين الحديث والفقه والتحليل والإضافة النفيسة.