مكانة كتب الزوائد في علم الحديث والفقه

كتب الحديث

تعد كتب الزوائد من مبتكرات المحدثين المتأخرين والتي قصد مؤلفوها جمع زوائد أحاديث أمهات كتب الحديث المعينة على أخرى لتكون موسوعية معبرة عن حقيقة متون الحديث الشريف بلا تكرار وعلى ترتيب الكتب والأبواب.    

وكان من عادة المحدثين المتقدمين إطلاق دلالة معنى الحديث على الحديث المرفوع، والموقوف، والمقطوع، ويسمون كل طريق لمتن حديثا، حيث لو كان لمتن واحد عشرين طريقا فإنهم يعتبرون عشرين حديثا.

قال عبد الله بن أحمد : قال لي أبو زرعة : أبوك يحفظ ألف ألف حديث ، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذت عليه الأبواب [1]

وقال الإمام الحاكم: “كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث”[2]

ويقول الإمام أحمد:” صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى – يعني أبا زرعة الرازي – قد حفظ ستمائة ألف”[3].

قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين[4] .

وقد عقب ابن الصلاح قول البخاري: ” أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح” قائلا:” هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين” [5]

ومن هنا جاءت فكرة محاولة حصر متون الحديث في موضع واحد عن طريق تأليف الأحاديث الزائدة على بعض كتب الحديث، وكان الحافظ ابن حجر ينشد هذا العمل الموسوعي الحديثى ويتحمس لفكرته ويتلمس طريقة إنجازه بقوله:” ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً، لو أراد الله تعالى ذلك، بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر من بعده ما اطَّلع عليه ممَّا فاته من حديث مستقل أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه، وكذا من بعده، فلا يمضي كثيرٌ من الزمان إلاَّ وقد استُوعبت وصارت كالمصنَّف الواحد، ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن”[6]

ما يبحثه أصحاب كتب الزوائد

تتجه كتب الزوائد في عموم بحثها إلى إخراج الحديث الزائد من ثلاث نواح نبه عليها الإمام الهيثمي في مقدمة كتابه “المقصد العلي فقال:” فذكرت فيه ما تفرد به عن أهل الكتب الستة من حديث بتمامه، ومن حديث شاركهم فيه أو بعضهم وفيه زيادة وأنبه على الزيادة بقولي: أخرجه فلان خلا قوله: كذا، أو لم أره بتمامه عند أحد منهم”[7]

وثنى البوصيري أيضا في مقدمة “مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه” على مجالات بحث كتب الزوائد بقوله: “فإن كان الحديث في الكتب الخمسة أو أحدها من طريق صحابي واحد لم أخرجه إلا أن يكون فيه زيادة عند ابن ماجه تدل على حكم، وإن كان من طريق صحابيين فأكثر، وانفرد ابن ماجه بإخراج طريق منها أخرجته ولو كان المتن واحدا، وأنبه عقب كل حديث أنه في الكتب الخمسة المذكورة أو أحدها من طريق فلان مثلا إن كان، فإن لم يكن ورأيت الحديث في غيرهما، نبهت عليه للفائدة، وليعلم أن الحديث ليس بفرد”[8]

وبه قال الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه المطالب العالية:” وشرطي فيه: ذكر كل حديث ورد عن صحابي لم يخرجه الأصول السبعة من حديثه، ولو أخرجوه، أو بعضهم من حديث غيره”[9]

وخلاصة كلامهم أن الحديث المزيد متمثل في ثلاث صور:

  • الأولى:  أن يكون الحديث بكامله -سندا ومتنا- لا وجود له في كتب الحديث الأصلية المراد زيادة عليها.ومن أمثلته: ما رواه البزار في مسنده البحر الزخار عن علي رضي الله عنه:” أن النبي صلى الله عليه وسلم، قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهما “، وهذا الحديث لم يروى في كتب الحديث الستة لا باللفظ ولا بالمعنى، ولذلك ضمنه الإمام الهيثمي في كتابه كشف الأستار عن زوائد البزار على كتب الستة.
  • الثانية: أن يتم إيراد الحديث بلفظه أو معناه من طريق صحابي آخر غير مذكور في الكتب المزيد عليها.ومن أمثلته: ما رواه الطبراني من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله….» وهذا الحديث مروي في كتب الستة من غير طريق سهل بن سعد ولذا عده الإمام الهيثمي في كتابه مجمع البحرين في زوائد المعجمين المعجم الأوسط والمعجم الصغير على الكتب الستة
  • الثالثة:  أن يرد في متن الحديث الزائد جملة أو كلمة مؤثرة لم تكن موجودة في الكتب المراد إخراج الزيادة عليها أو يرد المتن الزائد مطولا أو العكس.

ومن ذلك ما رواه الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ما أقاتل الناس إلا على الإسلام، والله لا أستغفر لك» أو كما قال.

وأورد الإمام الهيثمي هذا الحديث في مجمع البحرين وقال عقبه:” ذكر هذا في حديث طويل رواه ابن ماجه في الفتن، وهذا لفظه.

وكذا ما رواه أبو يَعْلَى في “مسنده” عن أنس مرفوعًا: “ألا إنَّ الدُّعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة فادعوا”.

وقد ضمن الإمام الهيثمي الحديث في كتابه (المقصد العلي في زوائد أبي يعلى المَوْصِلِي() نظرا لكلمة زائدة فيه ولذا قال:” رواه أبو داود وغيره خلا قوله: فادعوا”.

درجة الأحاديث الزوائد

الأحاديث الزوائد ليست في مرتبة واحدة وإنما هي درجات، منها صحيح وحسن وضعيف ومنكر وما دون ذلك، ومنها المسند والمنقطع والمرفوع والموقوف والمقطوع، وهذا يعنى أن لكل حديث زائد حكم خاص به، ولا يلزم وجود الحديث في الصحيحين مثلا أن يكون الحديث الزائد عليه صحيحا كذلك، بل يجب أن ينظر فيه قبل أن يحقق القول في درجته، وهذا الذى حاول غير واحد من مؤلفى كتب الزوائد فعله، مثل: الهيثمي والبوصيري وابن حجر، وقد حاولوا بيان أحوال بعض أسانيد الأحاديث الزوائد، لا سيما الهيثمي في كتابه “مجمع الزوائد”    

فوائد كتب الزوائد

لكتب الأحاديث الزوائد فوائد جمة تكمن في خدمة السنة النبوية ، ويمكن النظر فيها من الجهتين:

الجهة الأولى: جهة الصناعة الحديثية:

قدمت كتب الزوائد فوائد جليلة ومهمة في دراسات علم الحديث، ومن ذلك:

  1. بيان ما تفرد بعض الرواة فيه من الرواية أو بزيادة في السند أو في المتن دون غيره، والذى به يعرف مدى اتقان ضبط الراوي من عدمه.
  2. بيان اختلاف الرواة في بعض الروايات بتغيير رجال بعض الإسناد، والذى به يتبين وجه الصواب، وقال ابن المديني: “الباب إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه”[10]
  3. بيان اختلاف الرواة في بعض المتون
  4. بيان بعض أسماء مهملات أو مبهمات أو أشياء مبهمة في المتن.
  5. معرفة أحوال بعض الأحاديث من حيث الوصل والإرسال أو الرفع والوقف
  6. معرفة طرق الحديث من حيث المتابعات والشواهد، وقال ابن معين ” لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه”[11]
  7. الوقوف على بعض أحاديث مصادر السنة المفقودة كمسند الحارث وغيره، مما يعين على حفظ السنة من الضياع ويساهم في تحقيق النصوص بشكل صحيح.

وغير ذلك من الفوائد التى تبرز مكانة كتب الزوائد في الصناعة الحديثية وأنها من الكتب المهمة التى لا تستغنى عنها عند تخريج الحديث وعند الوصول إلى الحكم بدرجة الحديث من حيث القبول والرد.

الجهة الثانية: جهة الفقه والعمل

ساهمت كتب الزوائد في تقريب متون السنة النبوية في مجالين أساسين:

المجال الأول: مجال التمكين للاستبصار والفهم والاستنباط الفقهي، وهذا المجال مجال أهل العلم ومقامهم بمختلف مواردهم وإتجاهاتهم، إذ في هذه الكتب بعض أدوات الفهم، مثل: معرفة سبب ورود الحديث، والوقوف على المتون الزائدة لم تكن موجودة في الكتب المزاد عليها، والاطلاع على ألفاظ الحديث وغير ذلك.

وقال الحافظ ابن حجر:”وإن المتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق ويشرحها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث”[12]

المجال الثاني: الوصول إلى الأخذ بالسنة النبوية إلى التطبيق العملي، لأنها كتب مرتبة على الأبواب الفقهية شبيهة كتب الستة – الصحيحين والسنن الأربعة- التى هي أصول السنة، وهذا الذي عبر عنه الإمام الهيثمي في مقدمة كتابه المقصد العلي قائلا:” فيه فوائد غزيرة، لا يفطن لها كثير من الناس فعزمت على جمعها على أبواب الفقه لكي يسهل الكشف عنها”[13]

رواد كتب الزوائد

في الواقع العملي نجد أن فكرة جمع الزوائد موجودة منذ عصر الرواية والتصنيف، وهي فكرة واضحة وظاهرة عند الإمام الحاكم في كتابه المستدرك، وأما بالنظر إلى أول كتاب وصلنا خبره بهذا المسمى – كتب الزوائد- فإنه يعتبر الإمام مغلطاي بن قليج أول من ألف في الزوائد بمصنف سماه “زوائد ابن حبان على الصحيحين” إلا أنه كتاب في عداد المفقود، ولكن من حيث التشهير بهذا النوع من التصنيف والإشادة به وإن طلاب الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي في القرن الثامن الهجري يعتبرون رواد الميدان مع تأييد أستاذهم الحافظ العراقي للفكرة، لا سيما تلاميذه الثلاثة: نور الدّين علي بن أبي بكر الهَيْثَمي، وشهاب الدين أحمد بن أبي بكر البُوصيري وشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حَجَر العسقلاني، وكان الإمام الهيثمي أسبقهم وأكثرهم تأليفا في الزوائد، بل هو مقدم في هذا المسلك على الاطلاق، وقد صنف فيه ثمانية كتب على أصول الستة أو بعضها،وهي:

 1 – موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان.

2 – بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث.

3 – غاية المقصد في زوائد المسند.

4 – المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي.

5 – كشف الأستار عن زوائد البزار.

6 – مجمع البحرين في زوائد المعجمين.

7 – البدر المنير في زوائد المعجم الكبير.

 ثم عمد بعد ذلك إلى جمع هذه الكتب ما عدا موارد الظمآن وبغية الباحث – بتوجبه شيخه العراقي- في كتاب واحد، محذوف الأسانيد، الموسوم ب:

8- “مجمع الزوائد ومنبع الفوائد”  وعلق على مروياته بشيء من الكلام في رواتها بالجرح أو التعديل.

وهو كتاب موسوعي حديثي، جمع بين دفتيه فوائد وشوارد وأوابد في أبواب الدين مفتتحا بكتاب الإيمان ومختتما بكتاب أهل الجنة.

قال محمد بن جعفر الكتاني عن كتاب مجمع الزوائد:” وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صُنّف نظيره في هذا الباب”[14]

وكذا كتاب “إتحاف الخِيَرة المَهرة بزوائد المسانيد العشرة” للبُوصيري، وكتاب “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” لابن حجر، هما من أهم دواوين كتب الزوائد الإسنادية والمتنية النافعة في مجال التخريج والفقه.


 [1] سير أعلام النبلاء 11 / 187
[2]  المدخل إلى كتاب الإكليل. ص:35
[3]  المصدر السابق
[4]  تدريب الراوي 1/41
[5]  مقدمة ابن الصلاح ص: 10
[6]  النكت الوفية بما في شرح الألفية 1/127
[7]  المقصد العلي. 1/29
[8]  مصباح الزجاجة 1/39-40
[9]  المطالب العالية 2/23
 [10] مقدمة ابن الصلاح، ص: 195
 [11] تذكرة الحفاظ 1/ 430
[12] فتح الباري 6 /475.
 [13] المقصد العلي 1/29
[14]  الرسالة المستطرفة، ص: 129

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين