أشرنا في مقال سابق إلى دور العامل الاستعماري باعتباره عائقًا خارجيًّا لجهود النهضة، وذكرنا في سياق ذلك جهوده في قتل الأفكار النهضوية وتعطيل مشاريع النهضة بطرائق شتى، ولهذا فإن العامل الاستعماري عامل مهم في تخلُّفنا ومعيق لنهضتنا، فهيمنة الحضارة الغربية أو ما يسميه مالك بن نبي “المعامل الاستعماري” يعمل فينا ويؤثر في جانبين من حياتنا. 

أمّا الجانب الأول فيتمثل في خططه ومؤامراته لتحطيم الأفكار الفعالة والعملية وتفكيكها، وهذا تناولناه في مقالة سابقة، أما الجانب الثاني فيتمثل في إنتاج أفكار مناسبة له ولمصالحه، ويسعى لنشرها، لتصبح جزءًا من يوميات أبناء الشعوب الإسلامية، بل إنّ حماسة قطاعٍ واسعٍ من أبناء الشعوب الإسلامية لهذه الأفكار، تجعلها تنظر إلى هذه الأفكار على أنّها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها. “ويسري ذلك على النخبة الثقافية والعلمية كما يسري على النخبة السياسية التي تدير الشأن العام، وعلى كثيرة من العامة المتأثرين بهذه الأفكار في صور شتى” [وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي].

الاستشراق أداةً للمعرفة والاستعمار!

يمكن أن نعدّ حقل الاستشراق -بمؤسساته وتاريخه العام- من بين الأدوات المهمة والآليات التي استخدمها الغرب وقواه الاستعمارية ليصنع منها قيودًا أمام نهضتنا، وحواجز تمنع تحقيق أهدافنا الإنسانية والحضارية. 

يؤكّد التاريخ لنا أنه قد وُظِّف الاستشراق في عملية الصراع الفكري، سواء من خلال ارتباط حقل المعرفة الاستشراقية ومؤسساتها وكثير من رموزها بمكاتب الاستخبارات ووزارات المستعمرات والخارجية، أو من خلال إنتاج معرفة متعددة الأهداف، مثل: 

  • زرع عقدة النقص بتقزيم أو إلغاء دور الحضارة الإسلامية المساهِمة في المنجزات الإنسانية، وتشكيك المسلمين في دينهم ومرجعيتهم وتاريخهم وفي قدرتهم على الإبداع والتميز كما فعل رينان، ومارجليوث، وهاملتون جب، وجولدسيهر، وغيرهم كثير. 
  • إنتاج مخدّرات فكرية تركّز على تمجيد الماضي الزاهر للأمة بطريقة غرائبية، تجعل أبناء الأمة منبهرين بتاريخهم المجيد دون قدرة على الاستفادة منه ونقده وأخذه زادًا لمواجهة تحدّيات الواقع المختلف [مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين]. 
  • دراسة مجتمعاتنا ومعادلاتها الاجتماعية والنفسية، وتوظيف الخبرة الاستشراقية في رسم خطط السيطرة وضمان الهيمنة الغربية على مصائر شعوبنا.

هذا الأمر دفع إدوارد سعيد لوصف الاستشراق بأنه “حقل إمبريالي” [إدوارد، الاستشراق، ص: 3]، إلى جانب كونه حقلاً معرفيًّا يكشف عن الرؤية الفوقية التي شكلها هذا الخطاب تجاه الإسلام والمسلمين وحضارتهم، كما يكشف عن ذلك التنميط غير العلمي للمسلمين في أنهم متخلفون ذهنيًّا، وغير متحضرين، وخاملين، وتتحكم فيهم أنواع من القصور الطبيعي التي تمنعهم من الاجتهاد والإبداع والتقدم، مما يضفي على الإسلام والمسلمين صورة سوداوية غير إنسانية وغير حضارية. وذلك بغرض السيطرة على الإسلام دينا وحضارة وأمة، وليس فهمه، حيث نُظِّمَت عمليّة المعرفة هذه بشكل منظم نسبيًّا تعاونت فيه مؤسسات الفكر والمعرفة الغربية تعاونًا وثيقًا مع مؤسسات الاستعمار الأوروبية الرسمية بهدف مدّها بالمعرفة اللازمة للسيطرة على المجتمعات المستعمرة [إدوارد، الاستشراق، ص:134].

يكمن العائق الذي يسببه الاستشراق في أن المعرفة التي تسوَّق لنا على أنها معرفة علمية كونية موضوعية، ينبغي أخذها كما هي دون نقدها أو نقضها أو تصفيتها وفك الارتباط بينها وبين خلفياتها الأيديولوجية وغاياتها، فالمعرفة الاستشراقية -في حقيقتها- معرفة متحيزة، مؤدلجة في كثير منها، لا تراعي الفروق الحضارية، ولا تضع بعين الاعتبار الاختلافات الفكرية والقيمية والحضارية، ولا تضع في عين الاعتبار السياق الاجتماع الحضاري والثقافي والاجتماعي الذي نتجت فيه هذه المعرفة.

تأثير الخلل.. الاستعداد الذاتي والتأثير الاستشراقي!

وقع في أسر الدعاوى الاستشراقية معرفة وفكرًا، كثير من أبناء المسلمين، الذين لم يفرقوا بين الجانب العلمي في المعرفة الاستشراقية وبين الجانب الأيديولوجي، فتبنوا نظرياتها ومقولاتها وأفكارها ومناهجها، فأحدث ذلك ارتباكًا فكريًّا كبيرًا أثمر تمزقات اجتماعية، وصراعات ثقافية داخلية، وتشويشًا على عقائد الناس وانتمائهم للإسلام والأمة. 

 أنتج الاستشراق كثيرًا من المعرفة المتعلقة بتمجيد العرقيات، والقوميات، والخطاب الإلحادي، والعنصري، ومهاجمة القيم الجامعة للأمة والدين، فأحدث ذلك اضطرابًا في نسيجنا الثقافي والديني والاجتماعي.

نرى -في هذا السياق- أن كثيرًا من نخبتنا الفكرية تبنت المناهج نفسها، بل وشكلت معرفتها بذاتها عن طريق الاستشراق، فصارت النخبة تتعامل مع الإسلام واللغة العربية والأمة والحضارة الإسلامية تعامل الغريب الذي يفتقد على الوعي بروح الأمة ودينها وحضارتها، وقد صارت المعالجات التي تقوم بها النخبة المسلمة تستدعي الإشكاليات الاستشراقية، وتجيب عنها إجابات تقوم على المصطلحات والمفاهيم والمناهج الاستشراقية، حتى لا تكاد تميز بين المستشرق وبين المقلدة له من أبناء المسلمين.

والأمر نفسه مع صناع القرار السياسي في غالبهم، حيث صاروا ينظرون إلى الأمة وشعوبها والإسلام نظرة مستوردة مقولبة بنتاج الاستشراق، ويتجلى ذلك في سعيهم لفرض العلمنة، وفصل الدين عن الحياة، ومهاجمة الأحكام الشرعية وقيم الإسلام وانتماء الأمة والثابت من دينها، كما يفعل الغربيون أو أشد، في موقف مقلد تمامًا للأفكار التي زارها الاستشراق، ونمت وأثمرت هذا التخلف في النخبة، الذي عاد على الأمة وشعوبها ومجتمعاتها بمزيد من الحواجز أمام تحقيق ذاتها، وبناء نهضتها الحضارية.

ولا حل لهذا العائق المعرفي الفكري أمام جهود النهضة، إلا بتأسيس علم استغراب، يدرس الغرب في أنساقه وبناءاته الفكرية والثقافية وأنظمته المختلفة ومعرفة تركيبته الاجتماعية والدينية والمذهبية والسياسية، وتفكيك مقولات الهيمنة التي يقوم عليها، ومواجهته بحقل علمي في مستوى الاستشراق أو أكثر.