يعد مصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات تداولا في الساحة العالمية في هذا العصر، والناس فيه شركاء متشاكسون، وكل فريق يحمله على معنى، ويوظفه في ميدان، بحسب انتسابه الديني أو مشربه الفكري، وهذا ما يستوجب علينا بيانه من خلال ثوابتنا الشرعية ومبادئنا الإسلامية.
وللإجابة عن سؤال كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ثقافة عصره؟ تم تقسيم المداخلة إلى المباحث التالية:
- المبحث التمهيدي: تعريف الثقافة وأنواعها.
- المبحث الأول: تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الثقافات الهدامة.
- المبحث الثاني: تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الثقافات البناءة.
- المبحث الثالث: تعامل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع الثقافات المترددة بين الهدم والبناء.
المبحث التمهيدي: تعريف الثقافة وأنواعها
يعد لفظ الثقافة من المصطلحات العربية الأصيلة التي لها وجودها المحسوس في المعاجم اللغوية، ولبيانه لا بد من التعرف على بيان معنى الجذر اللغوي لهذه اللفظة، وفي هذا الصدد يقول ابن فارس: “(ثقف) الثاء والقاف والفاء: كلمة واحدة، إليها يرجع الفروع، وهو إقامة درء الشيء،ويقال: ثقفت القناة إذا أقمت عوجها، قال:
نظر المثقف في كعوب قناته
حتى يقيم ثقافه منآدها
وثقفت هذا الكلام من فلان،ورجل ثقف لقف، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء،ويقال: ثقفت به، إذا ظفرت به،قال:
فإما تثقفوني فاقتلوني
وإن أثقف فسوف ترون بالي
فإن قيل: فما وجه قرب هذا من الأول؟ قيل له: أليس إذا ثقفه فقد أمسكه،وكذلك الظافر بالشيء يمسكه،فالقياس بأخذهما مأخذا واحدا”[1].
يؤخذ من كلام ابن فارس أن جذر “ثقف” يدور على ثلاثة معان:
- الأول: إقامة الشيء؛ أي: تقويم اعوجاج شيء ما، ويرجع هذا إلى ما هو محسوس.
- الثاني: فهم الشيء وإدراكه إدراكا صحيحا، ويرجع هذا إلى ما هو معنوي.
- الثالث: إمساك الشيء والظفر به، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾ [الأحزاب: 61]، وفي قوله: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ [البقرة: 191]، وفي قوله أيضا: ﴿ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ﴾ [الأنفال: 57].
أما تعريفها في الاصطلاح، فلا نجد له وجودا في التراث الإسلامي؛ لأنه غير متداول عندهم، وما وجد في العصر الراهن هو تأثر محض بالثقافة الغربية.وقد عرف بعدة تعريفات، من جملتها تعريف الأستاذ مالك بن نبي، وهو قوله: “مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته”[2].
وهي على هذا التعريف تشمل كل ما يسهم في شخصية الفرد من الجوانب المادية أو المعنوية، وتعم كل ما يتلقاه من مجتمعه الذي يعيش فيه، وتكون هذه القيم بمثابة رأس المال في حياة الفرد الذي يضرب به في الأرض متاجرا.
ولكن أهم تعريف في نظري هو تعريف المجمع اللغوي، وهو: “جملة العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق بها”[3].
فهذا التعريف جامع يشمل العلوم والصنائع والفنون التي تصنع شخصية الفرد، بغض النظر عن حكمها الشرعي، وهذا التعريف هو الذي سأعتمده كتعريف إجرائي للثقافة في هذه المداخلة.
هذا عن تعريفها، أما عن أقسامها، فإننا نجد الثقافة تقسم بحسب ما أضيفت إليه؛ فقد تكون ثقافة دينية؛ إما إسلامية، أو يهودية، أو نصرانية، أو بوذية.. وهلم جرا.
وقد تكون عرقية؛ كالثقافة العربية، أو الأمازيغية، أو الفارسية، وقد تكون إقليمية خاصة بحيز جغرافي معين؛ كالثقافة الإفريقية، أو تكون زمانية؛ كالثقافة الإغريقية أو الأندلسية. ولا تعني نسبتها إلى دين أو غيره أن تطرح هذه الثقافة، بل واقع السيرة النبوية يفند ذلك، ومن خلال تتبع الهدي النبوي أمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام؛ ثقافة هدامة، ثقافة بناءة، ثقافة مترددة بين الهدم والبناء.
المبحث الأول: تعامل النبي ﷺ مع الثقافة الهدامة
المتتبع لهدي رسول الله ﷺ يجد أنه كان صارما في رفض كل ثقافة تهدم الدين وتعود على مبادئه بالإبطال، سواء تعلق الأمر بأصول الدين أو فروعه أو آدابه، ويمكن التمثيل لهذا بما يأتي:
أولا: قراءة الكتب السابقة
لا شك أن دعوة النبي ﷺ متممة لدعوة الأنبياء قبله، فكلهم جاء بالإسلام، ودعا إلى التوحيد، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾ [الأنبياء: 25]، وقوله تعالى: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ [النحل: 36].
وهو ما أوضحته السنة؛ فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذا، إلا هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة))[4].
فرسول الله ﷺ هو خاتم النبيين؛ فشريعته ناسخة لكل الشرائع السابقة، وكيف لا وقد أخذ الله تبارك وتعالى العهد والميثاق على الأنبياء من قبله أنهم إن أدركوه اتبعوه؟! واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 81، 82].
المتأمل لهذا النص القرآني يدرك مدى تشديد الله تعالى في أمر متابعة الرسول ﷺ، ويستفاد هذا من تسميته عهدا وميثاقا، وإشهاد الله تعالى لنفسه على هذا العهد، وكذا الأنبياء، وهم الصفوة من خلقه، ثم بيانه أن النكول عن مقتضى هذا العهد فسق.
وإذا كان هذا شأن الشريعة، فكتابها كذلك؛ فهو الحاكم على الكتب السابقة؛ فالحلال ما أح،ل والحرام ما حرم، والمحكم ما أحكم، والمنسوخ ما نسخ.
قال الله تعالى: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾ [المائدة: 48] الآية.
وعلى ضوء هذا نجد أن النبي ﷺ منع كل ما يخل بهذا الأصل؛ فمنع النظر في الكتب السابقة؛ فعن جابر بن عبدالله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي ﷺ، فغضب، وقال: ((أمتهوكون فيها يا بن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى ﷺ كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني))[5].
وسبب هذا المنع يرجع إلى أمرين:
- أولهما: أنها نسخت بالقرآن الكريم.
- الثاني: أنه طالها من التحريف ما طالها، وهو ما تشهد به النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والوقائع التاريخية، ولا يخل بهذا ما ورد في قصة الرجم؛ فعن نافع: أن عبدالله بن عمر أخبره أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود، فقال: ((ما تجدون في التوراة على من زنى؟))،قالوا: نسود وجوههما، ونحملهما ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما،قال: ((فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين))،فجاؤوا بها فقرؤوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبدالله بن سلام – وهو مع رسول الله ﷺ -: مره فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما،قال عبدالله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه[6].
ومحمله أنه ورد في مقام الإلزام بتشريع سابق، وهو محكم في شريعتنا.
ثانيا: السحر والكهانة
حظي السحرة والكهان بوجاهة عند العرب، بل عند غيرهم من الأمم المتحضرة، وخاصة المصريين؛ فهم الطبقة العليا من العلماء، وهذه هي النكتة في خطابهم لموسى بالساحر، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ﴾ [الزخرف: 49].
قال ابن كثير: “أي: العالم، قاله ابن جرير، وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم؛ لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم[7].
إذا، فلم يقصد المصريون الإساءة إلى موسى عليه السلام، وإن كان تكذيبهم بالرسالة أعظم إساءة، ومثل الساحر الكاهن، وهو الذي يدعي معرفة الغيب، ولا أدل على هذا من أن فرعون قتل أطفال بني إسرائيل بناء على رأي الكهان.
وإذا كان هذا حال الساحر والكاهن في بني إسرائيل، فما بالك بمنزلته عند العرب، وهم أمة تعيش البداوة، وتحيا على هامش التاريخ؟! ونستشف هذا من خلال حادثتين قريبتي العهد بزمن البعثة :
- الأولى: مخاصمة عبدالمطلب لقريش في بئر زمزم، لكاهنة بني سعد، والقصة مشهورة[8].
- الثانية: احتكام عبدالمطلب في ذبح ولده عبدالله إلى عرافة، وفاء لنذره[9].
فكيف تعامل الرسول ﷺ مع هذه الثقافة المستحكمة في المجتمع العربي؟
والجواب أن منهجه منهج القرآن، الذي حسم الأمر في هذه الثقافة؛ فحكم على السحر بأنه كفر؛ قال تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ [البقرة: 102].
وقرر أنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى؛ فقال تعالى: ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ [النمل: 65].
وقرر ضلال الكهان والسحرة، في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ [النساء: 51، 52].
وقد فسر الجبت بالسحر والكهانة؛ فعن عمر بن الخطاب: أنه فسر الجبت بالسحر، وعن الشعبي أنه الكاهن[10]، فكان من جملة ما استحقوا به اللعن إيمانهم بالجبت.
من أجل هذا جاءت السنة مقررة لهذا الحكم؛ فعد السحر من السبع الموبقات؛ فعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))[11].
وجعل سؤال الكهنة قادحا في التوحيد؛ فعن أبي هريرة والحسن عن النبي ﷺ قال: ((من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد))[12].
وعن صفية عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: ((من أتى عرافا فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما))[13].
ثالثا: الأعياد
تعد الأعياد من أهم المظاهر الثقافية التي تميز كل أمة؛ ولهذا منع رسول الله ﷺ الأعياد الجاهلية؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما،فقال: ((ما هذان اليومان؟))، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: ((إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر))[14].
ومن حديث عائشة قال ﷺ: ((إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم))[15].
بل نجد أنه منع من النذر – وهو عبادة جليلة – إذا كان في فعلها مشابهة للكفار في أعيادهم الجاهلية؛ عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة،فقال النبي ﷺ: ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟))،قالوا: لا،قال: ((هل كان فيها عيد من أعيادهم))،قالوا: لا،قال رسول الله ﷺ: ((أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم))[16].
والحاصل أن هدي رسول الله ﷺ هو نسف كل ثقافة تتضمن نسف ثوابت الأمة ومقوماتها.
المبحث الثاني: تعامل النبي ﷺ مع الثقافة البناءة
إذا كان موقف رسول الله ﷺ حازما مع كل ثقافة هادمة لثوابت الأمة، فإننا نجده على صورة مغايرة تماما مع ما يخدم الدين؛ فألفيناه حريصا على توظيفها، بل ويصبغها بالصبغة الإسلامية التي تميزها عن سائر الأمم، ويبدو هذا من خلال الأمثلة التالية:
أولا: اتخاذ الخاتم
بعد أن دخل النبي ﷺ في هدنة مع قريش عقب صلح الحديبية، وحقق نصرا سياسيا كبيرا، بانتزاعه لاعتراف ضمني بدولته من قبل قريش – ولى وجهه شطر العالم من حوله؛ لبث رسله إلى خارج الجزيرة العربية، محملين برسائل داعية إلى الإسلام، وآمرة بالخضوع لهذه الدولة الفتية.
فلما هم بإرسال الرسل، ناقشه بعض أصحابه في الأمر، وبينوا له أن كتبه خالية من الختم، وقد تعارفت الدول على ختمها، وهذا ما ورد عن أنس بن مالك قال: كتب النبي ﷺ كتابا، أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما؛ فاتخذ خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده[17].
فأنت ترى أنه لم يخالف هذا العرف الدولي، ورأى موافقته؛ لأنه ثقافة بناءة، ولكنه في نفس الوقت طوعه للسنة المحمدية؛ فكان نقشه: محمد رسول الله.
عن أنس: أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف، بعثه إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب، وختمه بخاتم النبي ﷺ، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر[18].
ونلحظ عليه ملحوظتين:
- الأولى: اصطباغه بالصبغة الإسلامية، وهو ما تدل عليه الشهادة بالرسالة.
- الثانية: أنه باللسان العربي، خلافا لما نجده في بعض بلاد المسلمين؛ حيث يوقع بعض المسؤولين على قرارات سيادية بأحرف أعجمية.
ثانيا: وسائل الحرب
المتتبع لسيرة الرسول ﷺ يلحظ أنه كان مبدعا في جانب الحروب؛ فهو لا يفتأ يباغت عدوه بأساليب حربية لم يعهدها؛ من ذلك: استخدامه أسلوب الصفوف في غزوة بدر، والأمثلة في هذا الصدد كثيرة، والذي يعنينا منها في هذا المقام هو انفتاحه على ثقافة غيره، ويتجلى ذلك في موقفين:
- أحدهما: ما حصل في غزوة الأحزاب حين حوصرت المدينة من قبل لفيف من القبائل العربية من قريش وغطفان وأحلافهما، فلما علم النبي ﷺ بخبرهم استشار الناس، فقال سلمان: “يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا”[19]، فاستخدم النبي ﷺ هذه الخطة الفارسية، ولم يتحرج من إعمالها، فكانت أحد أهم عوامل النصر.
- وثانيهما: بعد أن فتح رسول الله ﷺ مكة، كانت العرب منه على فريقين؛ فريق خضع لسلطانه، وفريق أخذته الحمية الجاهلية، فأبوا أن يخضعوا لنبي من قريش؛ فكانت غزوة حنين، التي أعقبها حصار الطائف، ونجد أن النبي ﷺ كان مدركا لطبيعة المرحلة، فأرسل في أثناء ذلك بعروة بن مسعود وغيلان بن سلمة إلى جرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور،[20] وهي أدوات تستعمل في الحصار لم تكن تعهدها قريش في حروبها.
ثالثا: الأعراف الدبلوماسية
كانت العرب وغيرها من الأمم تتعارف على ثقافات في الدبلوماسية، ونجد أن النبي ﷺ تعامل مع بعضها بالقبول، ومدركه أنها ثقافات تبني وتخدم القيم التي جاء داعيا إليها، وخاصة الوفاء بالعهد، وتجنب الغدر، ويظهر هذا جليا فيما رواه نعيم بن مسعود الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما حين قرأا كتاب مسيلمة: ((ما تقولان أنتما؟))، قالا: نقول كما قال، قال: ((أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما))[21].
فأنت ترى أن الرسول ﷺ لم يطبق على الرجلين حد الردة مع فداحة ذنبهما وتجرئهما على مقام الرسالة، وكل هذا منه رعاية لهذا العرف في التعامل مع الرسل.
رابعا: التعامل مع اللغات الأجنبية
دعوة الإسلام دعوة عالمية، وهذا ما يقتضي وجوب التواصل مع الأمم الأخرى بلغاتها؛ إقامة للحجة، وإظهارا للمحجة، ونجد أن الرسول ﷺ قد عني ببعض اللغات، ومن ذلك ما جاء عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كلمات كتاب يهود،قال: ((إني والله ما آمن يهود على كتاب))،قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته، كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم[22].
فتأمل كيف انفتح على لغة اليهود وهم ألد أعدائه؛ لما تضمنه هذا من مصالح عظيمة، وعوائد عميمة على الأمة المحمدية، بل إننا نجد أن الرسول ﷺ العربي ينطق بغير لغة العرب في حادثة فريدة في السنة النبوية وهذا في حدود علمي بقصد إفهام طفلة لقنت غير اللسان العربي؛ فعن أم خالد بنت خالد: أتي النبي ﷺ بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: ((من ترون نكسو هذه؟))، فسكت القوم، قال: ((ائتوني بأم خالد))،فأتي بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده، فألبسها، وقال: ((أبلي وأخلقي))،وكان فيها علم أخضر أو أصفر، فقال: ((يا أم خالد، هذا سناه))، وسناه بالحبشية: حسن[23].
ولكن ينبغي التنبه إلى أن هذا الانفتاح مشروط بعدم الإخلال بشأن اللسان العربي؛ لأن لغة كل أمة روح ثقافتها، وهذا ما انخرم في واقع المسلمين اليوم حين ضيعوا لغتهم، وانغمسوا في ثقافة غيرهم، بل صار بعض المسلمين يفخر بغير لسانه، وهؤلاء المخذولون فيهم القابلية للاستدمار؛ كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله.
المبحث الثالث: تعامل النبي ﷺ مع ثقافات مترددة بين البناء والهدم
هناك بعض الثقافات التي لا تتمحض إلى جهة من الجهات؛ فيمكن تصنيفها ضمن الثقافات الهدامة أو البناءة باعتبار ما تفضي إليه؛ ولهذا نجد أن النبي ﷺ كان حذرا في التعامل معها، فنجد أنه يفعلها في صورة دون أخرى، فيفعلها في حال تحقيقها لمصالح راجحة، ويعطلها إن غلبت مفسدتها، ويمكن إيضاح ذلك من خلال الأمثلة التالية:
أولا: الوقوف للتعظيم
نسفت الشريعة كل تعظيم ينافي التوحيد؛ فمنعت القيام لغير الله تعالى؛ تعظيما لقوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾ [البقرة: 238].
وقد ألفينا النبي ﷺ في مواطن عديدة ينهى عن القيام إذا كان على سبيل التعظيم؛ فمن ذلك ما جاء عن أبي مجلز قال: خرج معاوية فقام عبدالله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سره أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار))[24].
بل صح عنه نهيه لهم في بادئ الأمر عن القيام خلفه وهو في الصلاة لما صلى قاعدا لعلة ألمت به؛ فعن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما، فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا، فصلوا قعودا))[25].
والملاحظ على هذه الأحاديث وغيرها أن النهي منصب على علة التعظيم لغير الله تعالى، بدليل أن الرسول ﷺ شرع القيام بفعله، وإقراره من فعله في صلح الحديبية، وذلك إبان المفاوضات الجارية بينه وبين قريش، وفي الحديث: “فقام عروة بن مسعود ..،وجعل يكلم النبي ﷺ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ”[26].
فانظر كيف أنه ﷺ أقر أصحابه على القيام حواليه؛ لأن المقصد هنا إرهاب العدو وكبته؛ فاستفاد من هذه الثقافة في تقوية شوكة المسلمين.
وهذا ما وعاه الصحابة رضي الله عنهم، فأحسنوا تطبيقه؛ فقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما خرج إلى الشام فرأى معاوية رضي الله عنه في موكب يتلقاه، وراح إليه في موكب، فقال له عمر: يا معاوية، تروح في موكب وتغدو في مثله، وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك، قال: يا أمير المؤمنين، إن العدو بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزا، فقال له عمر: إن هذا لكيد رجل لبيب، أو خدعة رجل أريب[27].
فانظر كيف أقر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه واليه معاوية رضي الله عنه على تلك المواكب التي لا تخلو من قيام الجند بأسلحتهم وهو محدقون بالأمراء؛ لأن المقصد كبت العدو وإرهابه.
ثانيا: التصوير
يعد التصوير إحدى أهم الثقافات القديمة، وقد تواردت النصوص النبوية على تحريمه، ومن ذلك ما صح عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس – رضي الله عنهما – إذ أتاه رجل فقال: يا أبا عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول، سمعته يقول: ((من صور صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا))،فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه،فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح[28].
فهذا الحديث يدل على حرمة تصوير ذات الأرواح، وهو دال بظاهره على عموم النهي عن الصور، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، ويشهد له ما صح عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: دخل علي النبي ﷺ وفي البيت قرام فيه صور، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال ﷺ: ((من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور))[29].
هذا، والذي يظهر من خلال تتبع الأحاديث: أن علة تحريم التصوير هي المضاهاة لخلق الله تعالى؛ فالمصور يتشبه بالخالق جل جلاله في خصيصة من أهم خصائص ربوبيته، وهي التصوير، ويستفاد هذا التعليل من حديث أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي؟! فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة))[30].
ويؤيد هذا ورود الترخص في التصوير إذا انتفت عنه هذه العلة، وأفضت إلى مصلحة راجحة، وأبرز مثال لما ذكرت: إباحة لعب الأطفال؛ وذلك لما تتضمنه من ترويض للطفل على أعمال الكبار؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟))، قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ((ما هذا الذي أرى وسطهن))، قالت: فرس، قال: ((وما هذا الذي عليه؟))، قالت: جناحان، قال: ((فرس له جناحان؟!))، قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة، قالت: ((فضحك حتى رأيت نواجذه))[31].
فتأمل إقرار الرسول ﷺ للعب أم المؤمنين بالصور المجسمة، والحكمة من الترخص في هذه الثقافة هو ما تتضمنه من تعليم وتأديب للطفلة على شؤون البيت، قال أبو الطيب العظيم آبادي: “…وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع لعب للبنات؛ لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، ….”[32].
ثالثا: الشعر والخطابة
العرب أمة أمية، غلب عليهم الجهل بالقراءة والكتابة، ولا يعني هذا تخلف الفصاحة عنهم، بل هم أبين الأمم لسانا، بما حباهم الله تعالى به من اللسان العربي.
وقد عرفوا بقرض الشعر؛ فكان الشاعر مكينا في مجالسهم، فلو قال كلمة في نهاره، سارت بها الركبان في ليله، وقد غلب على الشعراء الكذب، والإخبار بخلاف الواقع؛ فالشاعر يرفع الوضيع، ويحط الشريف، ويقذف النسيب، وينزه الزنيم، ويقول ما لا يفعل، قال تعالى: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ [الشعراء: 224 – 226].
ولما بعث النبي ﷺ، عالج هذه الثقافة السائدة بترياق الشرع؛ فأبطل ما كان منها باطلا، وأقر ما كان منها حقا، وكان من جملة ما نسفه: انشغال الناس بالشعر، واهتبالهم بأبياته؛ فمنع الاشتغال به إذا كان على حساب القرآن والسنة؛ فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي ﷺ قال: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا))[33].
فعلى هذا حمل أهل العلم الوعيد الوارد في الحديث، قال أبو عبيد: “وجهه أن يمتلئ قلبه حتى يشغله عن القرآن وذكر الله؛ فإذا كان القرآن والعلم الغالب، فليس جوف هذا عندنا ممتلئا من الشعر، وإن من البيان لسحرا[34].
كما نهى ﷺ عن كل شعر تضمن ما يضاد الشرع؛ من كفر، و قذف، وهلم جرا، وأقر من الشعر ما كان حقا وصدقا؛ فعن أبي بن كعب: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من الشعر حكمة))[35].
وحض على ما فيه نصرة للدين، وانتقاص لدين المشركين؛ فعن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: ((اهجوا قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق بالنبل))[36].
وعلى نفس المنوال كان منهجه مع الخطابة؛ فالخطيب صنو الشاعر عند العرب؛ فالمعهود عندهم أن لكل قبيلة شاعرا وخطيبا، وهما لسانان ناطقان يذبان عن القبيلة كل رذيلة، ويلصقان بها كل فضيلة؛ ولهذا شبه النبي ﷺ الخطابة بالسحر؛ فعن ابن عمر قال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي ﷺ: ((إن من البيان سحرا))[37].
وحقيقة السحر: التخييل، وصرف الشيء عن ظاهره؛ ولهذا ألفينا الرسول ﷺ يقر من الخطابة ما كان حقا، ويبطل منها ما كان باطلا، ونموذج ذلك ما جاء عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقضى أن دية ما في بطنها غرة؛ عبد أو أمة، فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي ﷺ: ((إنما هذا من إخوان الكهان))[38].
فهذا الرجل وظف خطابته في نصرة الباطل، وشقق الكلام حتى يري الباطل في مظهر الحق؛ فشبهه النبي ﷺ بالكهان؛ لأن من عادتهم تشقيق الكلام، وتزيين الباطل.
أما إذا وظفت الخطابة في الحق، فهذا ما أقره رسول الله ﷺ، وحوادثه كثيرة في السيرة؛ منها: خطبة العباس في منى يوم بيعة العقبة، ومنها: خطبة سعد بن معاذ قبل غزوة بدر، والشواهد على هذا كثيرة معلومة.
رابعا: المعازف
تعد الموسيقا أحد أقدم الفنون الإنسانية، وهي من الثقافات الشائعة عند العرب، والناظر في سيرة الرسول ﷺ يجد أنه كان مجانبا لهذه الثقافة في حياته، وما وجد بخلاف ذلك فهو معدود من قبيل الاستثناء من القاعدة، بل ورد عنه التشديد في حرمة المعازف، وأقوى ما ورد في ذلك: ما صح عن أبي عامر – أو أبي مالك – الأشعري: أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم – يعني الفقير – لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا؛ فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة))[39].
ولسنا هنا بصدد الحديث عن مناط التحريم؛ فهذا أمر تنازع فيه الفقهاء، وكلامهم فيه معلوم في مظانه، وإنما نقصد التنبيه إلى تعامل النبي ﷺ مع هذه الثقافة؛ حيث إنه منعها بهذا النص وغيره في حال إفضائها إلى هدم مقومات الأمة وثوابتها، وهو ما يستشف من اقتران المعازف بالفواحش الأخلاقية؛ من زنا وخمر.. وهلم جرا.
في حين أننا نجده يفعلها إذا كانت معول بناء للأمة، وهذا حال إفضائها إلى مصلحة شرعية راجحة، ويمكن التمثيل لذلك بمثالين:
- الأول: الضرب بالدف في يوم العيد، فعن عائشة: أن أبا بكر دخل عليها والنبي ﷺ عندها يوم فطر أو أضحى، وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: مزمار الشيطان مرتين، فقال النبي ﷺ: ((دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم))[40].فأنت ترى كيف أقر رسول الله ﷺ هذه الثقافة يوم العيد؛ لأن الاحتفال بالعيد من جملة ما يميز الأمة الإسلامية عن غيرها، وهو ما يستشف من التعليل المذكور في الحديث، وهو أن لكل قوم عيدا، وأن هذا يوم عيد المسلمين، فينبغي لهم أن يميزوه عن غيره من الأيام، كما ينبغي أن يتميزوا عن غيرهم في طريقة الاحتفال.
- الثاني: الضرب بالدف في العرس، فعن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله ﷺ فقال: ((أهديتم الفتاة؟))،قالوا: نعم،قال: ((أرسلتم معها من يغنى؟))، قالت: لا،فقال رسول الله ﷺ: ((إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم))[41].
وهذا نموذج آخر يظهر – بجلاء – إعمال الثقافة المترددة بين الهدم والبناء إذا استعملت في بناء الأمة؛ فهذا رسول الله ﷺ يعاتب أم المؤمنين في امتناعها عن إرسال من يغني مع العروس، وهذا التوجيه النبوي يستفاد منه: أن النكاح ينبغي أن يتميز عن السفاح، ومن أعظم ما يميزه: إعلان النكاح بالغناء والدف، كما هو مشتهر في الأحاديث الصحيحة.
الخاتمة
تبين لنا من خلال هذه المداخلة أن مصطلح الثقافة بمفهومه المعاصر لم يظهر إلا في هذا العصر تأثرا بالثقافة الغربية، وقد اخترت تعريفه بما عرفه به مجمع اللغة العربية، وهو: “جملة العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق بها”.
وظهر لنا أن الثقافة تتنوع بحسب الدين والجنس والزمان والمكان، وأن الرسول ﷺ عايش ثقافات متعددة في حياته، وقد استقرأنا منهجه في التعامل، فألفيناه على ثلاثة أضرب:
فالضرب الأول يرفضه، وهو كل ثقافة تهدم ثوابت الأمة، وتنسف مقوماتها.
والضرب الثاني يقبله ويصبغه بالصبغة الإسلامية، وهو كل ثقافة تفضي إلى تثبيت دعائم الأمة.
والضرب الثالث، ثقافة يعملها في مجال، ويلغيها في مجال، ومناط الإعمال أو الإلغاء إفضاؤها إلى مصلحة راجحة، أو مفسدة راجحة، وقد مثلنا لكل نوع بأمثلة، والله أعلم.