أن يبعد الله النار عن وجهك هو غاية كل إنسان، وليس دخول الجنة فحسب؛ لماذا؟ لأن من يزحزحه الله عن النار فإنه يدخل حتماً تحت ظل رحمته؛ تلك الرحمة التي وسعت كل شيء. وبالتالي، فالزحزحة لا أفهم لها تفسيراً سوى أنها المقدمة الحتمية لدخول الجنة بإذن الله.
والزحزحة في اللغة هي: الجذب بقوة وسرعة. وحين تقول الآية: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) أي: من يتم جذبه وإبعاده عن النار بسرعة، فذلك يعني فوزاً غالياً لا يُقدر بثمن. والزحزحة عن النار تعني الفوز كل الفوز كما يقول ابن كثير. (1)
وليس بعد ذلك الإبعاد عن النار -والعياذ بالله- إلا دخول الجنة؛ لتكتمل فرحة الداخل إليها، ويكتمل الفوز؛ قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران: 185).
وهل هناك غاية أو هدف آخر من وجودنا في هذه الحياة، سوى النجاة من النار ودخول الجنة؟ ألسنا نصلي لله تعالى في اليوم والليلة، ونصوم رمضان، ونؤتي الزكاة المفروضة، ونحج البيت، ولا نشرك بالله شيئاً، ونؤدي بقية العبادات، إلا من أجل هذه اللحظة الحاسمة؛ لحظة الزحزحة عن النار ودخول الجنة؟
أليس كل هذا الشقاء والعناء، والتعب والنصب الذي يعيشه بنو آدم من المؤمنين في الدنيا، إلا من أجل كسب رضا الله تعالى لينالوا مكافأتهم المنتظرة؟ إنّ بعض التأمل في لحظات جوعك وعطشك وتعبك في نهار رمضان، وصبرك على ذلك، ومعرفتك بأن العاقبة هي تلك الزحزحة بعيداً عن النار، ستجعلك تسجد لله شكراً أن رزقك بلوغ هذا الشهر وتمام صِيامه. وإن خالص دعواتك في هذه الليلة هي أن تُقبل أعمالك، لتُضاف إلى سابقاتها وتساهم -بعد رضا الله- في أن تبعدك عن النار وتدخلك الجنة برحمته سبحانه.
من هنا نجد أن تلك النجاة وذلك الفوز، يتطلبان منك أيها المؤمن أموراً كثيرة وراء العبادات المفروضة، لا يجب أن تغفل عنها في رمضان أو غيره؛ كما ثبت في صحيح مسلم مما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: “… فمن أحب أن يُزحزَح عن النارِ، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخرِ، وليأت إِلى الناسِ الذي يحِب أَن يؤتى إِليه. (2)
هذا الحديث يفتح لك أبوابا أخرى غير العبادات المفروضة، تساهم في الوصول إلى هدف “الزحزحة”، ومن أهم تلك الأمور: التعامل مع الناس. فالحديث يدعو صراحة إلى أن نتعامل مع الناس كما يحب أن يعاملونا.
عامل الآخرين بالصدق، والعدل، والأمانة، والأخلاق الكريمة الراقية؛ فهي كلها منجيات من النار، ودافعة بك نحو جنة عرضها السموات والأرض. سائلاً الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.
