شاب من الأنصار في مدرسة رسول الله ﷺ
معاذ بن جبل هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، من بني سلمة من الخزرج، وكان من شباب الأنصار السابقين إلى الإسلام، وشهد بيعة العقبة وهو شاب، ثم شهد بدراً والمشاهد مع رسول الله ﷺ، وعاش سنوات التأسيس الأولى للمجتمع الإسلامي في المدينة، حيث كان الوحي يتنزل، ورسول الله ﷺ يعلم أصحابه القرآن، ويهذب نفوسهم، ويقيم بينهم معالم المجتمع الجديد، وفي تلك البيئة تشكلت شخصية معاذ العلمية والإيمانية، حتى أصبح على صغر سنه من المعروفين بالقرآن والفقه والفهم (1).
وتذكر كتب التراجم أنه أسلم وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره، وأنه شهد بدراً وهو في نحو العشرين أو الحادية والعشرين، وهذه التفاصيل، وإن اختلفت بعض الروايات في تقدير عمره الدقيق، تؤكد حقيقة واضحة في حياته؛ أن أكثر الإنجازات التي بقيت باسمه في تاريخ الإسلام حققها وهو شاب، وأن العلم والرسالة والمسؤولية دخلت حياته مبكراً، فلم ينظر إلى الشباب على أنه زمن انتظار، وإنما عاشه زمناً للتلقي والبناء والعمل. وقد وصفه أصحاب التراجم بأنه كان حسن الهيئة، براق الثنايا (2).
وكان من جميل أخلاقه ما ظهر في حادثة كعب بن مالك رضي الله عنه يوم تبوك، فعندما سأل النبي ﷺ عن كعب، فقال أحد الرجال كلمة تحمل عليه، بادر معاذ إلى الدفاع عنه وقال: “بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً”، وهو موقف صغير في حجمه، ولكنه يكشف جانباً من أخلاق سيدنا معاذ، فلم تكن صحبته للناس قائمة على الاطلاع الشكلي، وإنما كان يحفظ لإخوانه أقدارهم، ويشهد بما يعرفه من خيرهم، ولا يسمح للغيبة أو الاتهام أن يمر أمامه من غير كلمة حق (3).
معاذ (رضي الله عنه)؛ القرآن أساس تكوينه العلمي
كان القرآن في أصل تكوين سيدنا معاذ رضي الله عنه، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: “خذوا القرآن من أربعة”، وذكر منهم عبد الله بن مسعود، وسالماً مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب رضي الله عنهم، وهي شهادة تضع معاذاً في طبقة مخصوصة من أصحاب النبي ﷺ الذين عُرفوا بالتلقي والضبط والقراءة، وكانوا مرجعاً في كتاب الله (4).
ومن المعاني التي استوقفتني في شخصية معاذ أن النبي ﷺ جعله مرجعاً في القرآن، ثم حمّله بعد ذلك مسؤولية تعليم الناس، فكأن العلم عند الجيل الأول كان ينتقل دائماً من التلقي إلى البلاغ والدعوة، ومن الحفظ إلى العمل، بقصد إصلاح الإنسان والمجتمع، وهذه هي الرسالة التي تحتاج الأمة إلى استعادتها في مؤسساتها العلمية في هذه الأيام؛ أن يعود القرآن مصدراً لبناء العقل والضمير والسلوك، وأن يتخرج من مدارسه علماء ودعاة ربانيون، يعرفون كتاب الله، ويحسنون فهم الحياة في ضوئه، وينقلون هدايته إلى الناس علماً وعملاً وسلوكاً.
وقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في بيان فضائل عدد من أصحابه: “وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل”، وحكم الترمذي على الحديث بأنه حسن صحيح، وهي شهادة نبوية كبيرة تبين مقدار النضج الفقهي الذي وصل إليه هذا الشاب بين أصحاب رسول الله ﷺ (5).
وفي هذا الصدد، فإن المقصود بالحلال والحرام ليس معرفة مجموعة من المسائل المتفرقة فحسب، ففقه الحلال والحرام في المجتمع الجديد كان يعني فهم الوحي، ومعرفة أحكام العبادة والأسرة والأموال والمعاملات والحقوق، والقدرة على بيان ذلك للناس، ولهذا كان معاذ رضي الله عنه من الرجال الذين أصبحت معرفتهم مرتبطة بالمسؤولية، وسيظهر أثر ذلك واضحاً عندما يرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن.
بين يدي رسول الله ﷺ … التوحيد والتربية والوصية
كانت علاقة معاذ رضي الله عنه بالنبي ﷺ علاقة تلميذ قريب بمربٍ يعرف قدراته ويهيئه للمسؤولية، وقد حفظت لنا السُّنة مشاهد قصيرة في ألفاظها، وعميقة في دلالتها، ومنها أن معاذاً كان رديف رسول الله ﷺ على دابة، فناداه النبي ﷺ أكثر من مرة، وكان يجيبه: “لبيك رسول الله وسعديك”، ومن ثم سأله: “أتدري ما حق الله على العباد؟”، فلما قال معاذ: الله ورسوله أعلم، قال: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً”، ومن ثم أخبره بما وعد الله به أهل التوحيد (6).
وهذا الحوار يقدم لنا مَعلماً من معالم تكوين معاذ؛ فقد بدأ تكليفه العام من وضوح أصل التوحيد، وهو الأصل نفسه الذي سيأمره النبي ﷺ أن يبدأ به عندما يرسله إلى اليمن، فكأن رسول الله ﷺ كان يربي في شخصه الفقيه والداعية الذي يرتب الدين وفق أصوله، ويعرف ما يقدم وما يؤخر، ولا يسمح للتفاصيل أن تحجب المقاصد الكبرى.
ومن هذه التربية جاءت الوصية التي أحببت أن يكون لها موضعها الواضح في هذا المقال، فقد أخذ رسول الله ﷺ بيد معاذ، وقال له: “يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك”، ثم قال: “أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك” (7). وهذا يبرز جمال التربية النبوية، فالمربي لا يصنع الإنسان بكثرة الأوامر، وإنما يبني معه علاقة ثقة ورحمة ومحبة، وحين يصل إلى قلبه تصير النصيحة أكثر عمقاً وأطول بقاء.
وأما قوله ﷺ: “اللهم أعني”، فهو في ذاته تربية للعالم؛ فهذا معاذ الذي جمع القرآن، وعُرف بالفقه، وسيحمل التعليم إلى اليمن والشام، يتعلم منذ البداية أنه عاجز عن القيام بأمر دينه إلا بعون الله، وأن العلم لا يحقق في صاحبه الاستغناء عن توفيق ورحمة الله، وإنما يزيده معرفة بفقره إلى ربه، وأن الذكر يحفظ القلب، والشكر يحفظ النعمة، وحسن العبادة يصلح العمل ويطهره من العادة والرياء والغفلة.
إلى اليمن … العلم حين يتحول إلى مسؤولية
لما أراد رسول الله ﷺ أن يبعث من يُعلم أهل اليمن ويفقههم في الدين، كان معاذ من الذين وقع عليهم الاختيار، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال له حين بعثه: “إنك ستأتي قوماً أهل كتاب”، وبعد ذلك أمره أن يبدأ بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى والإيمان بدعوة الإسلام، فإذا استجابوا أعلمهم بالصلاة، ومن ثم بالزكاة التي تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم، وحذره من أخذ كرائم أموالهم، وختم توجيهه بقوله: “واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (8).
وهذه الوصية في بعثته إلى اليمن نص عظيم في فقه الدعوة والحكم والعدل؛ فقد بدأ النبي ﷺ مع معاذ بتعريفه طبيعة المجتمع الذي سيأتيه: “إنك تأتي قوماً أهل كتاب”، وفي هذه العبارة إدراك للبيئة قبل دعوة أهلها، ورتب له الأولويات، ولفت نظره إلى العدالة الاجتماعية حين جعل الزكاة تُؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، وحذره من ظلم الناس في أموالهم، ووضع أمامه قاعدة يخشاها كل صاحب مسؤولية: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وأما الحديث المشهور في بعض كتب الأصول أن النبي ﷺ سأله عند إرساله إلى اليمن: “بم تقضي؟”، فقال: بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد اجتهد رأيه، فهو خبر مشهور في كتب الفقه وأصوله، واستعمله علماء في الكلام على الاجتهاد ومصادر الاستدلال، غير أن المحدثين تكلموا في إسناده، ولذلك فإن الدقة تقتضي ذكره مع بيان الخلاف في ثبوته، وألا يوضع في رتبة النصوص الصحيحة السابقة التي ثبت بها بعث معاذ إلى اليمن ومنهج النبي ﷺ في توجيهه.
من اليمن إلى الشام .. انتقال العلم مع الرجال
بعد وفاة رسول الله ﷺ اتصلت حياة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه ببلاد الشام، وكان من جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين حملوا إليها القرآن والفقه والسنة، وهنا بدأ الحديث عنه يأخذ عندي بعداً آخر وأنا أقف في دمشق؛ فما عرفته الشام بعد ذلك من مدارس ومحدثين وفقهاء ومفسرين لم تكن بدايته في القرن الرابع أو الخامس أو السادس الهجري، وإنما كانت وراءه طبقات مبكرة من الرجال الذين تلقوا العلم في المدينة النبوية، وقد حملوه إلى الأمصار الأخرى.
وقد حفظ الإمام الذهبي وغيره أخبار سيدنا معاذ في الشام، وروى عنه عدد من الصحابة والتابعين، ومن أبرزهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأنس وأبو أمامة وأبو إدريس الخولاني وغيرهم، وكانت منزلته بين الناس ظاهرة حتى صار مرجعاً في العلم والفتوى (9).
ويحتاج القارئ إلى ملاحظة تاريخية ذات قيمة كبيرة، فمعظم الروايات تتحدث عن “مسجد دمشق” في عصر معاذ، بينما البناء الأموي الكبير بصورته التي عُرف بها لاحقاً يرجع إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بعد زمن معاذ بعقود، ولذلك فإن استحضار معاذ ونحن نقف اليوم هو استحضار للفكر والعلم الإسلامي في دمشق وصلته بالمكان، ولا يصح أن نحول ذلك تلقائياً إلى دعوى بأن معاذاً جلس في البناء الأموي بصورته المعمارية التي شيدت بعده.
“فتى براق الثنايا” … معاذ بن جبل كما رآه أبو إدريس في مسجد دمشق
إن من أجمل الروايات التي تقرب لنا شخصية سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه في الشام ما رواه أبو إدريس الخولاني، فقد قال إنه دخل مسجد دمشق، فإذا هو بفتى براق الثنايا، وإذا الناس حوله، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسأل عنه، فقيل له: هذا معاذ بن جبل. وإن هذه صورة تقول الكثير عن قيمة العلم في المجتمع الأول، كما تقول الكثير عن معاذ نفسه، فقد وصل إلى منزلة يرجع فيها الناس إليه وهو لا يزال في عمر الشباب (10).
ويتابع أبو إدريس قصته فيقول: إنه جاء في اليوم التالي مبكراً، فوجد معاذاً قد سبقه إلى المسجد ووجده يصلي، فانتظره حتى فرغ، ثم جاءه وقال له: والله إني لأحبك لله، فسأله معاذ مؤكداً: آلله؟ فلما أكد ذلك جذبه إليه وبشره بما سمعه من رسول الله ﷺ فيما يروويه عن ربه سبحانه من وجوب محبته للمتحابين فيه، والمتجالسين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه، وقد صحح أهل العلم إسناد أصل هذا الحديث، وأخرجه الإمام أحمد ومالك وغيرهما (11).
الوثيقة المرفقة … حديث معاذ في ذاكرة الإسناد الدمشقي
وكان مما أضاف إلى هذه الزيارة معنى خاصاً اطلاعي على الوثيقة التي كتبها الدكتور بسام عبد الكريم الحمزاوي في إملاء حديث “وجبت محبتي”، وهي ورقة تجمع الإسناد والشرح، وتورد طريقاً يمتد عبر عدد من علماء دمشق والمحدثين، وتصل الرواية في نهايته إلى مصادرها الحديثية المبكرة وإلى حديث أبي إدريس عن معاذ رضي الله عنه (12).
وفي هذا النوع من الوثائق معنى حضاري يستحق التأمل؛ فالأمة التي حفظت أحاديث نبيها لم تحفظها عن طريق الذاكرة الجمعية وحدها، وإنما أقامت شبكة دقيقة من الرواية، يعرف فيها التلميذ شيخه، ويذكر الشيخ ممن أخذ، وتبحث أحوال الرجال، وتعرض الطرق بعضها على بعض، حتى نشأت علوم الحديث والجرح والتعديل والعلل، وبذلك أمكن التمييز بين ما يصح نسبته إلى رسول الله ﷺ وما لا يصح.
غير أن التعامل العلمي مع الوثيقة يقتضي كذلك التفريق بين قيمة الإسناد والتقليد العلمي الذي تمثله وبين الحكم على كل تاريخ أو اسم ورد في نسختها المتداولة، لهذا اعتمدت في الأحاديث المركزية على أصولها في المسند والصحيح والسنن، واستفدت من الوثيقة في بيان استمرار الرواية في البيئة الدمشقية، وهو المنحى الأقرب للأمانة العلمية.
إجازة في رواية حديث “وجبت محبتي”
وقد أخذ حديث “وجبت محبتي” معنى خاصاً؛ فقد أكرمني الله بأن تلقيته عن فضيلة الشيخ الدكتور محمد علاء الدين السايق، سماعاً من لفظه، وأجازني بروايته بالسند الذي أورده في إجازته، وهو سند يمر بطبقات من المحدثين والمسندين، حتى يصل إلى الإمام أحمد بن حنبل، ومن طريقه إلى رواية أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه (13).
وكان لهذا الموقف أثر في نفسي؛ فقد تحدثنا عن معاذ ومكانته في الشام، وقرأنا رواية أبي إدريس حين رآه في مسجد دمشق والناس مجتمعون حوله، ثم جاءه فقال: “والله إني لأحبك لله”، فروى له معاذ عن رسول الله ﷺ قول الله عز وجل: “وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ” (14). وقد أثبت الدكتور محمد علاء الدين السايق الإجازة في خاتمة الوثيقة بقوله:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فقد تلقى عني هذا الحديث الشريف بسماع من لفظي: الشيخ الفاضل علي محمد الصلابي حفظه الله بالسند المار، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وذلك في دمشق، بتاريخ 25 ربيع الأول 1448هـ. وكتبه: محمد علاء الدين بن عدنان السايق” (15).
معاذ بن جبل رضي الله عنه .. العالم الذي جمع الفقه والعبادة وحسن الصلة بالناس
يكشف حديث أبي إدريس عن جانب آخر من شخصية معاذ؛ فالناس يرجعون إليه في مسائل العلم، وفي الصباح الباكر يجده أبو إدريس قائماً يصلي، وبعدها ينشأ بينهما حديث عن المحبة في الله، وكأن سيرة الرجل ترفض أن نفصل العلم عن العبادة أو الفقه عن الأخلاق.
وقد حفظت كتب التراجم عنه كلمات في العلم والفتن ومجالسة العلماء تدل على نضج تجربته، ومن أشهر المعاني المنقولة عنه تأكيده ضرورة ملازمة الحق والحذر من زلة العالم، مع إدراك أن “على الحق نوراً”، وهو معنى عميق في بناء العقل المسلم، وهو أن يعرف للعلماء مكانتهم، ولا يجعلهم معصومين، وأن يبحث عن الحق بدليله من غير أن تتحول زلة العالم إلى ذريعة لإسقاط علمه كله أو إلى مبرر لاتباع الخطأ لأنه صدر ممن نحبه (16).
طاعون عمواس .. عمر قصير وأثر باق
كانت خاتمة حياة سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه في بلاد الشام، حيث توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، حسب المصادر التاريخية، وهو الطاعون الذي ذهب فيه عدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وتذكر كتب التراجم اختلافاً يسيراً في تقدير سن معاذ عند موته، فقيل نحو ثلاث وثلاثين سنة، وقيل أربع وثلاثون، وعلى كلا التقديرين فقد رحل وهو في عمر يعد اليوم من أول الشباب والنضج، بعد أن خلف وراءه تراثاً لا يقاس بعدد سنوات حياته (17).
ونقلت كتب الزهد والسير عنه في أيامه الأخيرة كلمات تدل على تعلقه بمجالس العلم والعبادة، واشتهر عنه معنى أنه لم يكن يحب طول البقاء في الدنيا لمتاعها، وإنما لما فيها من ظمأ الهواجر ومجالسة العلماء ومزاحمتهم بالركب في حلق الذكر (18). وهنا تظهر قيمة الشباب في سيرة معاذ بصورة أوضح؛ فقد شهد العقبة شاباً، وتلقى القرآن شاباً، وشهد له النبي ﷺ بالفقه وهو شاب، وأرسله معلماً إلى اليمن، وصار في الشام مرجعاً والناس حوله، وأخيراً رحل عن الدنيا قبل أن يبلغ ما نعده اليوم منتصف العمر، وبقي اسمه بعد أربعة عشر قرناً في كتب القرآن والحديث والفقه والتربية الأخلاقية والعقائدية.
من معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى مدرسة الشام العلمية
حين انتهى حديث الدكتور علاء الدين السايق عن معاذ، رأينا مساراً تاريخياً يمتد عبر القرون؛ من الصحابة رضوان الله عليهم الذين حملوا العلم إلى الشام، إلى التابعين، وكذلك إلى الأوزاعي ومدرسته، ومن بعده إلى مدارس المذاهب والحديث والقراءات، وإلى ابن عساكر والغزالي والنووي والذهبي وابن تيمية وابن كثير وابن الجزري وغيرهم، وليس المقصود أن كل هؤلاء أخذوا مباشرة من سلسلة واحدة تبدأ بسيدنا معاذ بن جبل، وإنما المقصود أن معاذ يمثل الرعيل الأول ومن المؤسسين الأوائل للحركة العلمية في دمشق. قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11] (19).
ما الذي تخبره سيرة سيدنا معاذ لجيلنا!؟
تخبر سيرة معاذ بن جبل رضي الله عنه المربين، بأن النبي ﷺ كان يرى الطاقات في الشباب، ويقربهم، ويعلمهم، ويخبرهم بمحبته، ومن ثم يحملهم المسؤوليات. وتخبر العالم بأن علمه مهما اتسع لا يغنيه عن أن يرفع قلبه إلى ربه ويقول: “اللهم أعني”، وتخبر صاحب السلطة إن دعوة المظلوم أقرب إلى الله من حصونه ومناصبه، وتخبر المجتمع إن العلم حين يحظى بالاحترام يستطيع أن يجعل فتى شاباً مرجعاً يرجع الناس إلى رأيه لأنه أهل للثقة والمعرفة.
وهذه المعاني كلها نحتاج إليها في حاضرنا العربي والإسلامي، ونحتاج إليها في سوريا وهي تعيد بناء مؤسساتها ومجتمعها بعد محنة طويلة؛ فإعادة الإعمار تحتاج إلى الحجر والاقتصاد والدستور، ولكنها قبل ذلك كله تحتاج إلى إنسان عالم عامل مخلص لله رب العالمين.
خاتمة
أستحضر صورة معاذ بن جبل رضي الله عنه في مراحل حياته المختلفة؛ فتى من الأنصار يدخل الإسلام، ويشهد العقبة وبدراً، وقارئ يأمر النبي ﷺ الأمة أن تأخذ القرآن عنه، وفقيه يشهد له النبي ﷺ بالعلم بالحلال والحرام، وتلميذ قريب يركب خلف النبي ﷺ فيعلمه حق الله على عباده، ومعلم يذهب إلى اليمن يحمل التوحيد والفقه والعدل، وصحابي يأتي إلى الشام فيلتف الناس حوله ويسألونه، وعابد يبكر إلى المسجد، ومربٍّ يأخذ من صاحبه كلمة المحبة، فيردها ببشارة عن رسول الله ﷺ، وبعد هذا، رجل يدركه الطاعون في أرض الشام ويرحل وهو في ريعان عمره.
وبين هذه الصور كلها بقيت الوصية النبوية في القلوب، وذلك لأنها تكشف عن القلب الذي كان وراء تلك الأعمال كلها، وعن التربية التي تلقاها من رسول الله ﷺ:
“يا معاذ، والله إني لأحبك… أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك” (20).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عن معاذ بن جبل وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، وأن يرزقنا صدق محبتهم وحسن الاقتداء بهم، وأن يبارك في علماء الشام وطلاب العلم فيها، وأن يعيد إلى مساجد دمشق وسوريا مجالس القرآن والفقه والحديث والتربية، وأن يرزق شباب الأمة همة معاذ في طلب العلم، وفقهه في الدين، وصدقه في الدعوة، وأن يجعل في قلوبنا نصيباً من تلك الوصية التي بقيت على مرّ القرون: اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
والحمد لله رب العالمين.
ثبت الهوامش والمراجع
- انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى؛ ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء.
- انظر: العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء.
- أخرجه البخاري (حديث 4418).
- أخرجه البخاري (حديث 3808)، ومسلم (حديث 2464).
- أخرجه الترمذي (حديث 3791).
- أخرجه البخاري (حديث 2856)، ومسلم (حديث 30).
- أخرجه أبو داود (حديث 1522)، وأحمد بن حنبل (حديث 22119).
- أخرجه البخاري (حديث 1496)، ومسلم (حديث 19).
- انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء.
- انظر: تفاصيل الرواية وأثرها في المراجع التاريخية المعتمدة.
- أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (حديث 22030).
- انظر: بسام عبد الكريم الحمزاوي، إملاء حديث «وجبت محبتي» في المسند، في مسجد بني أمية الكبير بدمشق (ورقة علمية غير منشورة).
- انظر: أحمد بن حنبل، المسند (حديث 22030).
- المصدر السابق.
- علاء الدين السايق، إجازة مخطوطة برواية الحديث (دمشق، 1448هـ / 2026م).
- انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء.
- انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء؛ العيني، عمدة القاري.
- انظر: المصدر السابق.
- سورة المجادلة، الآية 11.
- أخرجه أبو داود (حديث 1522).
ثبت المصادر والمراجع الشاملة
- القرآن الكريم.
- أحمد بن حنبل. (2001). مسند الإمام أحمد بن حنبل (تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وعادل مرشد، وآخرون). مؤسسة الرسالة.
- أحمد بن شعيب النسائي. (2001). السنن الكبرى (تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي). مؤسسة الرسالة.
- بسام عبد الكريم الحمزاوي. (د.ت.). إملاء حديث «وجبت محبتي» في المسند، في مسجد بني أمية الكبير بدمشق: إملاء وإسناد وشرح، ورقة علمية غير منشورة.
- سليمان بن الأشعث أبو داود. (د.ت.). سنن أبي داود (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد). المكتبة العصرية.
- علاء الدين السايق. (2026، سبتمبر). حديث شفوي خلال زيارة الجامع الأموي الكبير بدمشق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ومجالس العلم في الشام، شهادة شفوية غير منشورة، وإجازة مخطوطة برواية الحديث. دمشق.
- علي محمد الصلابي. (2026، سبتمبر). ملاحظات وانطباعات شخصية خلال زيارة الجامع الأموي الكبير بدمشق ومحراب الصحابة. دمشق.
- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. (1985). سير أعلام النبلاء (تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون). مؤسسة الرسالة.
- محمد بن إسماعيل البخاري. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر). دار طوق النجاة.
- محمد بن عيسى الترمذي. (1975). سنن الترمذي (تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة عوض). شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
- محمد بن سعد ابن سعد. (1990). الطبقات الكبرى (تحقيق: محمد عبد القادر عطا). دار الكتب العلمية.
- محمود بن أحمد العيني. (د.ت.). عمدة القاري شرح صحيح البخاري. دار إحياء التراث العربي.
- مسلم بن الحجاج. (د.ت.). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي). دار إحياء التراث العربي.
- يوسف بن عبد الله ابن عبد البر. (1992). الاستيعاب في معرفة الأصحاب (تحقيق: علي محمد البجاوي). دار الجيل.