لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد فيها، ونتنعم بخيراتها إلى ما لا نهاية، بل خلقها لتكون قنطرة، أو جسراً لحياة أخروية هي الحياة الخالدة. خلود إيجابي، أي في الجنة، وهو الذي يدعونا ربنا لنتنافس عليه، لا الخلود السلبي الذي ينهانا ويحذرنا منه..

حياتنا أو القنطرة التي نحن عليها نسير، مليئة بالمحن والابتلاءات وكلنا يدرك ذلك تماماً. ومصائب الدنيا أكثر مما نحصيها ونحصرها. والمحن تتنوع مثلما تتزايد أيضاً، وهذا أمر طبيعي كما أسلفنا، لأننا في دار ابتلاء، لا دار جزاء، وبالتالي هذه من حقائق الحياة التي لابد أن نعيها ونتفهمها جيداً كيلا نعيش تائهين قلقين..

الحوادث الحياتية والمحن المتنوعة كالأمراض والفتن والحروب والأزمات الاقتصادية وما شابهها من محن وأزمات وكوارث، سواء كانت طبيعية أم بفعل البشر أنفسهم، إن جاء وقتها، فإنها لا تفرق بين أحد. الناس كلهم سواسية أمامها، لا تعرف فقيراً أم غنياً، قوياً أم ضعيفاً، مسلماً أم غير مسلم. وليس هذا هو المهم في حديثنا، بقدر أهمية الكيفية التي يجب أن يتعامل الناس معها.

نحن البشر أمام تلك المحن والابتلاءات متفاوتون. منا من تخور قواه فوراً أمام أول محنة يتواجه معها. ومنا من تخور قواه لكن بعد حين من الدهر قصير. فريق ثالث يصمد لفترة أطول، فيما رابع وأخير يبدأ يواجه المحنة بعـزيمة وإيمان وثقة بالله، وإصرار كبير على تحدي الابتلاء، بل والانتصار عليه. هؤلاء يغبطهم كثيرون على شجاعتهم، وروح الصبر والتصابر التي تظهر عندهم فعلياً وقت الشدائد والمحن.

نحن المسلمين ولله الحمد، من بين كل الملل والنِّحَل، تعلمنا منذ نعـومة أظفارنا، أو هكذا المفترض، تعلمنا مسألة الإيمان بالقدر خيره وشره، التي تجعل المرء المؤمن يطمئن إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف. وتعلمنا أن المؤمن يُثاب على المكروه يصيبه، حتى الشوكة يشاكها له فيها أجر. أجر الألم، وأجر الصبر عليه. وتعلمنا كذلك من ضمن دروس الإيمان أن المؤمن أمره كله خير، إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن أصابه شر فصبر كان له أجر أيضاً.

خلاصة الحديث أن المصائب والشدائد أمور طبيعية في حياة البشر لا تستثني أحداً، وليس هناك من هو بمأمن عنها، وبالتالي كل ما ندعو إليه أولاً هو التضرع إلى الله أن يلهمنا الصبر والحكمة والقوة على مواجهتها إن وقعت على النفس، أو الأهل والمال والولد والبلد، وأن نخرج منها ثانياً بأقل الأضرار سالمين آمنين، راجين في الوقت نفسه ثواب ذلك الامتحان في الدنيا قبل الآخرة.

حفظنا الله وإياكم من شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.