من أحكام فقه الصلاة

رجل يصلي في المسجد

الأصل في أداء فريضة الصلاة المكتوبة أن تأتي على تمام وجهها في القيام والركوع والسجود والجلوس وجميع أعمال الصلاة القولية والفعلية، الواجبة منها والمسنونة والمستحبات، ولا يتحقق تمام الصلاة وكمالها بأركانها وشروطها وأعمالها إلا إذا كانت على هيئة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان هذا من أهم أحكام فقه الصلاة قرر بعض العلماء ومنهم ابن تيمية قاعدة كلية تبين المراد من وجوب الصلاة، فقال: الأصل في صفة الصلاة صلاة رسول الله ﷺ، وقوله وإقراره، وما يستدل به على ذلك؛ لأن الله سبحانه أمر بالصلاة في كتابه، وفرضها على سبيل الإجمال، وفوَّض إلى نبيه محمد ﷺ تفسير ما أجمله، وبيان ما أطلقه، وقد كان جبريل أقام الصلاة للنبي ﷺ صبيحة ليلة الإسراء، والناس يأتمون برسول الله ﷺ، وصلى رسول الله ﷺ امتثالًا لأمر الله، وتأويلًا لكتاب الله، فسنته هي التي فسَّرت القرآن وبيَّنته ودلَّت على معناه وعبَّرت عنه، والفعل إذا خرج منه امتثالًا لأمرٍ، وبيانًا لمجمل، كان حكمه حكم ذلك الأمر.

تعريف الصلاة

الصلاة في أصل اللغة: الدعاء ومنه قول تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أن صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} وقوله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وأن كان صائما فليصل” رواه مسلم.

والصلاة واجبة في الجملة قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّه مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} وقال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وقال: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} ونصوص القرآن التي فيها ذكر الصلاة كثيرة جدا.

وكذلك السنة منها حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان” متفق عليه.

وأجمعت الأمة على أن الصلاة واجبة في الجملة وأنها أعظم مباني الإسلام الفعلية وهي عمود الدين وسنذكر أن شاء الله بعض خصائصها.

ما هي أدلة وجوب الصلاة؟

روى عبادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد أن شاء عذبه وأن شاء غفر له”.
فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء.
أما عدد الصلوات المكتوبات وعدد ركعاتها في حق المقيم الآمن فهو من باب العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله والمبين عنه معاني خطابه وتأويل كلامه الشارع عن الله بإذنه وبما انزل إليه من الكتاب والحكمة.

وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مثل الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، عن طلحة ابن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله اخبرني ماذا فرض الله علي من الصلوات قال: “الخمس إلا أن تطوع شيئا” فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام فقال: “شهر رمضان إلا أن تطوع” فقال: اخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة قال فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا انقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفلح أن صدق أو دخل الجنة أن صدق” متفق عليه.

وعن أنس بن مالك قال: “فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد أنه لا يبدل القول لدي وأن لك بهذه الخمس خمسين” رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.

ومعناه في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة وغيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة” وحديث ضمام بن ثعلبة.

فالصلاة واجبة على كل مسلم بالغ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع على أي حال كان من صحة أو سقم أو خوف أو إقامة أو سفر، إلا الحائض والنفساء فإنها لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة.

فأما المستحاضة ومن به سلس البول فتجب عليهما ويجب عليهما قضاء ما تركاه منها كما تقدم.

صفة الصلاة وفق الهدي النبوي

ومن فقه الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر يجهر بها الإمام وسائر التكبير، ليسمع من خلفه، ويخفيه غيره. ودليل ذلك قد قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، وقال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} ، وقال سبحانه: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} الآيات، وقال تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، وقال سبحانه: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}.

وفي حديث أبي حميد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه وقال: الله أكبر. رواه الترمذي وابن ماجة. وقال صلى الله عليه وسلم: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ».

وأما إن الإمام يجهر بتكبير الافتتاح وسائر التكبير وبالتسميع وبالسلام، في جميع الصلوات، كما يجهر بالقراءة في صلاة الجهر، فليسمعه المأمومون فيكبّرون بعد تكبيره، ويحمدون بعد تسميعه، ويسلمون بعد تسليمه، وليبلغ صوته لمن لا يراه من المأمومين فيعلمون بانتقالاته فيتابعونه، ولهذا أخبر الذين وصفوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر ويسمع ويسلم، ولولا أنهم سمعوا ذلك لما علموا.

فأما المأموم فالسنة في حقه أن يخفي التكبير وسائر أنواع الذكر، إلا التأمين والبسملة لأنه إنما يصلي لنفسه، فلا يحتاج إلى سماع غيره، بل يكره له الجهر بذلك، كما يكره له الجهر بالقراءة؛ لأنه يغلط غيره من المصلين، إلا أن يجهر بالكلمات أحياناً كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجهر بالآية أحياناً في صلاة السر.

ويستحب أن يقوم الإمام والمأموم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وكان أنس بن مالك إذا قيل: «قد قامت الصلاة» نهض وقام. وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما: أنه كان يفعل ذلك. ويندب من الإمام أن يأمر المأمومين بتسوية الصفوف وإذا لم تكن الصفوف مستوية سوّاها الإمام وغيره، إلا أن الإمام أخص بذلك؛ لأنه الراعي، قال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: «تَراصُّوا واعْتَدِلُوا»، وقال: قال رسول الله ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِن تَمامِ الصَّلاَةِ» متفق عليهما.

ويرفع يديه عند تكبيرة الإحرام إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه. وإن رفع اليدين عند التكبيرة من السنن المتفق عليها، وأما منتهى الرفع: فإن شاء إلى حذو منكبيه، وإن شاء إلى فروع أذنيه، كلاهما جائز غير مكروه، والأفضل أن يفرق بين أصابعه، فقد جاء في الحديث: «كان إذا كبر رفع يديه وفرج أصابعه».

ويبتدئ رفع اليدين حين ابتداءِ التكبير، وينهيه مع انتهائه، فلا يسبق أحدهما صاحبه، ولا يرسلهما قبل أن يقضي التكبير، ولا يثبتهما حتى يقضي التكبير.

وإذا انقضى التكبير فإنه يرسل يديه ويضع يده اليمنى فوق اليسرى على الكوع، بأن يقبض الكوع باليمنى، أو يبسط اليمنى عليه ويُوجّه أصابعهما إلى ناحية الذراع، ولو جعل اليمنى فوق الكوع أو تحته على الكف اليسرى، جاز، لما جاء في حديث وائل بن حجر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن دخل في الصلاة «ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى». رواه مسلم، وفي رواية لأحمد وأبي داود: «وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد».

إن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة بالحالة المذكورة، أزين وأقرب إلى الخشوع، وهو: قيام الذليل بين يدي العزيز. ولا يستحب ذلك في قيام الاعتدال عن الركوع، لأن السنة لم ترد به، ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود، كما قال ابن تيمية.

ويضع المصلي اليدين تحت سرته، أو تحت صدره، من غير كراهة لواحد منهما. وروي أنه صلى الله عليه وسلم وضع يديه فوق الصدر. قال ابن تيمية: وما روي من الآثار على الوضع على الصدر، فهل هو محمول على مقاربته؟

ويكره للمصلي رفع البصر إلى السماء أو الالتفات يمنة ويسرة لغير حاجة كراهة شديدة؛ لما روى جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه وهو في الصلاة أن لا يرجع إليه بصره؟» رواه أحمد ومسلم.

ويكره أن ينظر إلى شيء يلهيه، كائنا من كان، أو أن يغمض بصره. ولا يكره أن ينظر أمامه؛ لأن الأفضل أن ينظر إلى موضع سجوده. فقد جاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: «كان خافض الطرف، ونظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء».

ثم يقول دعاء الاستفتاح وهو قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك»، ويكون الاستفتاح في صلاة الفريضة والنافلة بعد التكبير، وقد جاء في دعاء الاستفتاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنواع عديدة، لكن عامتها إنما كان يستفتح به النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل في النوافل، فبأيها استفتح فحسن. فقد اختار عمر بن الخطاب هذا الدعاء وجهر به في الفريضة؛ ليعلمه الناس بحضرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكروه عليه. وحكم دعاء الاستفتاح في الصلاة أنه سنة مرغوبة، ‌‌فإذا نسي الاستفتاح في موضعه، لم يأت به في الركعة الثانية؛ لفوات محله.

ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد ثبتت هذه السنة لكل من قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة: أن يستعيذ؛ لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} يعني: إذا أردت القراءة.

ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرجيم، ولا يجهر بشيء من ذلك؛ لقول أنس: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم»، والسنة هي الإسرار بها، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، وعمل به الخلفاء الراشدون، وقد يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا ليعلمهم أنه يقرأها.

ثم يتبع ذلك بقراءة سورة الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها، إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة، ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه. أما قراءة الفاتحة في الصلاة، فهذا من العلم العام المتوارث بين الأمة خلفا عن سلف عن نبيها صلى الله عليه وسلم، وظاهر المذهب أن صلاة الإمام والمنفرد لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، سواء تركها عمدا أو سهوا، وأن المأموم لا تجب عليه القراءة، لا في صلاة السر ولا في الجهر، وهذا ما يوافق السنة وأقوال علماء الأمصار.

أما حكم القراءة في حال إسرار الإمام فتستحب؛ لأنه غير مشغول عنها باستماع، ولا يشغل غيره عن الاستماع، والسكوت في الصلاة غير مشروع، ولأن تلاوة القرآن في الصلاة من أفضل الأعمال، فهي أولى بالاستحباب من غيره، ولأن الإمام إذا أسر يحتمل أنه لا يقرأ لنسيان أو غيره، فلا يسقط الفرض عن المأموم حتى يقرأ لنفسه.

والقراءة في حال الجهر إنما جاءت لأنها تشغل عن الاستماع، وتوجب منازعة الإمام، وهذا مقصود في الإسرار، وقد روى عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فقرأ رجل خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما صلى قال: «أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى» فقال رجل أنا قال: «قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» متفق عليه، ومع هذا لم ينهه عن القراءة كما نهى عن القراءة معه في حال الجهر.

ويستحب أن يقرأ في صلاة السر بفاتحة الكتاب وسورة كالإمام، وكذلك في صلاة الجهر إن اتسعت السكتات لذلك، وإلا اقتصر على الفاتحة، فإن كان لا يسمع قراءة الإمام في حال الجهر لكونه بعيدا، لم تكره له القراءة.

ثم يقول: آمين عقب الفاتحة، وحكم التأمين أنه مستحب، والسنة للمصلي إذا قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} أن يقول: آمين، ويقولها الإمام والمأموم والمنفرد، يجهر بها الإمام والمأموم فيما يجهر بقراءته تبعا للفاتحة، وكذلك المنفرد إن جهر؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه الجماعة.

ثم يقرأ سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوساطه. فقد روى أحمد من حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلا أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان الإمام، كان بالمدينة، قال سليمان: فصليت خلفه، فصار يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل».

ولا بأس أن يقرأ بعض السورة من أولها في ركعة، سواء أتمها في الثانية، أو قرأ في الثانية من غيرها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ الأعراف في ركعتي المغرب، وأنه قرأ بعض  سورة «المؤمنون» في الركعة الأولى من الفجر.

أما قراءة أواخر السور وأواساطها في الفرض، فإنها خلاف المأثور من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لذلك فهي مكروهة.

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من القراءة سكَت قدرَ ما يترادُّ إليه نفَسُه، ثم رفع يديه وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه فنحَّاهما عن جنبيه، وبسَط ظهرَه ومدَّه، واعتدل، فلم ينصِبْ رأسه ولم يخفِضه، بل يجعله حيالَ ظهره معادلًا له.

وكان يقول: «سبحان ربي العظيم». وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» .

ثم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه بعد الركوع  قائلًا: «سمع الله لمن حمده»، ويرفع يديه كما تقدَّم. قال ابن القيم: وقد روى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا.

إذا انتهى المصلي من رفعه  فإنه يجب عليه أن ينصب معتدلا، وحد الاعتدال من الركوع هو أن يكون الظهر منتصبًا، وإن كان ظهره منحنيًا إلى حد الركوع فليس بمعتدل، ولا تصح صلاته إلا مع العجز، وإن كان إنحناؤه لظهره قليلًا أجزأه، لكن الأكمل هو أن يعود كل فقار إلى مكانه، كما جاءت السنة به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع والسجود».

ثم يهوي المصلي إلى السجود ويكبر له دون رفع اليدين، قال ابن القيم: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكبِّر ويخِرُّ ساجدًا، ولا يرفع يديه، وكان يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه. هذا هو الصحيح.

فيسجد على أعضائه السبعة جبهته وأنفه هذا عضو، وكفيه وركبتيه، وعلى أصابع رجليه. هذا هو الواجب على الرجال والنساء، فالواجب السجود على هذه السبع، ومع سجوده يجعل أطراف أصابعه إلى القبلة ضامًا بعضها إلى بعض، ولا يمدّ ظهره كما نراه من البعض، بل يجعل ظهره على هيئة القوس فلا يمده، ولا يحنيه كسنام الإبل، بل يرفع بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه ويجافي عضديه عن جنبيه، هذه هي هيئة السجود المسنونة.

ويقول في سجوده: “سبحان ربي الأعلى” ويكررها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك، لكن إذا كان إمامًا فإنه يراعي المأمومين فلا يشق عليهم، وإن كان منفردًا فلا يضره إطالته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: «إنه قمن أن يستجاب لكم»، أي: حري أن يستجاب لكم.

وإذا انتهى من سجوده يرفع منه قائلًا: الله أكبر، ويجلس مفترشًا يسراه ناصبًا يمناه واضعًا يده اليمنى على فخذه اليمنى أو على ركبته، ويستحب أن يأتي بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الجلسة كأن يقول: “اللَّهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني وعافني”.

ومن السنة أن يضع المصلي يديه على فخذيه، ويجعل حد مرفقه على فخذه، وطرف يده على ركبته. وقبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحركها.

أما صفة الجلوس للتشهد الأول فإنه يأتي به مفترشًا رجله اليسرى ناصبًا اليمنى، كجلسته بين السجدتين، هذا هو الأفضل، ثم يأتي بالتشهد الأول: “التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله”.

قال ابن القيم: ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة… وكان – صلى الله عليه وسلم – يخفف هذا التشهد جدا حتى كأنه على الرضف ــ وهو الحجارة المحماة ــ ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلي عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.

ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهض مكبرا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدا على فخذيه للركعة الثانية. وقد ذكر مسلم في «صحيحه» في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع.

أما صفة الجلسة الأخيرة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد الأخير جلس متوركا، فكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة.

وقد يجعل المصلي قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه أو ينصب اليمنى، وإن فرشها أحيانًا فلا بأس؛ كل هذا جاءت به السنة. وللمصلي أن يأتي بما هو أرفق عليه.

وإذا جلس في تشهده قال فيه مثل ما قال في التشهد الأول؛ فيقول: “التحيات لله … ” إلى آخر التشهد، ويجب هنا أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية وهي: “اللَّهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد” هذا هو الأكمل، وإن أتى بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة الإبراهيمية فلا بأس، والأحسن أن ينوع في صيغ الصلاة على النبي، فيفعل هذا تارة وهذا تارة محافظة على فعل السنة، وإن اقتصر على واحدة أجزأه ذلك.

وإذا انتهى من تشهده هذا وصلاته على النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيشرع للمصلي أن يدعو في آخر صلاته، فيستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.

يحافظ على ذلك في فرائضه ونوافله، ثم يتخير بعد ذلك من الدعاء ما يعجبه فيدعو الله به، ويستحب له أن يدعو بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في مقامه هذا، ومن ذلك: “اللَّهم أَعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.

إذا انتهى المصلي من تشهده الأخير ومن دعائه فيه يقوم بالتسليم عن يمينه وشماله قائلًا: “السلام عليكم ورحمة الله”، وإن زاد أحيانًا في التسليمة الأولى “وبركاته” فهذا أفضل؛  بناء على السنة التي جاءت في ذلك، لكن لا يداوم عليها بل يأتي بها أحيانًا.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين