الزمن هو أكثر أمور الحياة تعقيدا، فهو علاقة بين حركة الشمس أو القمر مع الأرض مع الإنسان، ومنذ بداية التاريخ والإنسان يجتهد في وضع نظام لهذا الزمن، حيث شهد الإنسانية عدة نظم عُرفت باسم التقويم، مثل التقويم العربي والإسلامي والتقويم السرياني والتقويم الروماني والتقويم القبطي وغيره..

في هذا الإطار، أطلقت دار التقويم القطري، تطبيق التقويم الخليجي، الذي يمثل إصدارا رقميا يجمع في منصة واحدة عددا من الخدمات والمعلومات الفلكية والتقويمية التي تهم المستخدمين في مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وجاء إطلاق التطبيق خلال احتفالية أقامتها دار التقويم القطري مساء الإثنين 21 سبتمبر 2026، بمناسبة مرور 75 عاما على إنشاء التقويم، الذي انطلق عام 1951، مستعرضة مسيرة الدار ودورها في خدمة المجتمع وتعزيز المعرفة بالتقويم والحسابات الفلكية، وصولا إلى تطوير خدماتها الرقمية وتوسيع نطاق الاستفادة منها على مستوى دول مجلس التعاون.

حضر الاحتفالية سعادة الدكتور حمد عبدالعزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، وسعادة الدكتور عبدالعزيز بن ناصر آل خليفة رئيس ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، وسعادة الدكتور الشيخ خالد بن محمد بن غانم آل ثاني وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من سفراء دول مجلس التعاون الخليجي ومجلس إدارة الدار.

إبراهيم الأنصاري: نخدم علم الفلك بمنظور حضاري شرعي يربط الحياة بالدين

وألقى الدكتور إبراهيم بن عبدالله الأنصاري نائب رئيس مجلس إدارة مجمع الأنصاري، كلمة دار التقويم القطري بهذه المناسبة، أشار فيها إلى اهتمام الدين الإسلامي الحنيف بالحسابات الفلكية، مستدلا بقوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا} (الإسراء-12).

وقال الأنصاري إن دار التقويم القطري دأبت منذ نشأتها على خدمة علم الفلك بمنظور حضاري شرعي ديني يربط الحياة بالدين، مشيرا إلى أن الدار ورثت إرث سنوات ممتدة منذ حياة الجد الشيخ إبراهيم بن عبدالله الأنصاري قاضي الخور رحمه الله، مرورا بمنشئ التقويم القطري ومؤلفه الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله، وانتهاء بجهد دار التقويم القطري الذي حول هذا الإرث إلى مؤسسة وطنية عابرة للأجيال والحدود لا تهدف للربح.

من إرث الأنصاري إلى آفاق الخليج: دار التقويم القطري تدشن تطبيق التقويم الخليجي
الدكتور إبراهيم بن عبدالله الأنصاري

وأضاف أن الاحتفال بمرور خمسة وسبعين عاما على انطلاقة التقويم القطري يأتي تتويجا لجهود أجيال متعاقبة، وأن التقويم تطور من صورته الأولى قبل خمسة وسبعين عاما مخطوطا باليد بنسخ محدودة، مرورا بالطباعة والتوزيع الواسعين، وصولا إلى إطلاق تطبيق التقويم القطري الإلكتروني والذي استفاد منه أكثر من 160 ألف مستخدم وانتهاء اليوم بإطلاق تطبيق التقويم الخليجي.

كما أكد الدكتور إبراهيم الانصاري أن هذا التطور يرجع لدعم الدولة وقيادتها باستمرار، مشددا على أن دار التقويم القطري ستواصل جهودها في خدمة الوطن.

حمد الكواري: التقويم القطري لم يكن مجرد أرقام ومواقيت بل طريقا إلى المعرفة

وفي كلمته، خلال الاحتفالية، تناول سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، جانبا من سيرة الشيخ عبدالله الأنصاري، الذي تتلمذ على يديه في مدرسة صلاح الدين الابتدائية، مستعرضا مسيرته العلمية وجهوده في التعليم والثقافة والشؤون الدينية.

وأشار إلى أن الشيخ الأنصاري، المولود في الخور سنة 1914، نشأ في بيت علم، وحفظ القرآن في الثالثة عشرة، وتلقى العلم عن أبيه، ثم رحل إلى الأحساء في السادسة عشرة، وأخذ عن علمائها الحديث والتفسير واللغة، وأقام في مكة خمس سنوات ملازما حلقات العلم، قبل أن يعود إلى قطر سنة 1953 بدعوة من الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، فيؤسس أول مدرسة ابتدائية في قطر، ثم أول معهد ديني سنة 1954، ويسهم في وضع المناهج والإشراف عليها، ويتبنى تعليم الفتاة حتى فتحت أول مدارس للبنات سنة 1955.

ولفت إلى جهود الشيخ عبدالله الأنصاري في طباعة المصحف الشريف، كما ساهم في طباعة وتحقيق أكثر من 365 كتابا، وأشرف على بناء 36 مسجدا في أقطار عربية، وحول مكتبته التي افتتحت سنة 1975 إلى مكتبة عامة ضمت أكثر من 23 ألف عنوان.

التقويم القطري من أوسع التقويمات الخليجية انتشارا

وتناول الدكتور الكواري مسيرة التقويم القطري، مشيرا إلى أنه بدأ نسخا بخط اليد في 1951، قبل أن يتطور على مدى 75 عاما حتى أصبح من أوسع التقويمات الخليجية انتشارا، مشيرا إلى أن التقويم لم يكن مجرد أرقام ومواقيت، بل حمل إلى جانب التاريخ فوائد دينية وحكما وأدبا وقبسا من التراث، معتبرا أن فكرته جعلت من حساب الأيام طريقا إلى المعرفة.

وأضاف أن التقويم انتقل اليوم “من الورق إلى الشاشة، ومن قطر إلى الخليج”، ليضم 50 مدينة، ويقدم خدمات اليوم والتاريخ ومواقيت الصلاة والثقافة الفلكية وعلم الأنواء ومواسمه وطوالعه وبروجه، إلى جانب مواقيت رمضان واتجاه القبلة والتقويم الدائم.

من إرث الأنصاري إلى آفاق الخليج: دار التقويم القطري تدشن تطبيق التقويم الخليجي
سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري

وأكد أن مرور 75 عاما على إنشاء دار التقويم القطري يمثل مناسبة لاستحضار مسيرة من العطاء العلمي والمعرفي، ارتبط خلالها التقويم بحياة المجتمع واحتياجاته اليومية، وأسهم في ترسيخ المعرفة بالحسابات الفلكية ومواقيت العبادات والمواسم والمناسبات، لافتا إلى أن إطلاق التقويم الخليجي يأتي امتدادا لهذه المسيرة، ويعكس حرص الدار على مواكبة التطور التقني وتقديم المعرفة الفلكية والتقويمية بأساليب حديثة تلائم احتياجات المستخدمين في دول مجلس التعاون، وتحافظ على هذا الإرث العلمي وتضمن استمراره للأجيال المقبلة.

من جهته، قدم المهندس فيصل الأنصاري المدير التنفيذي لدار التقويم القطري، شرحا وافيا عن تطبيق التقويم الخليجي، مستعرضا أبرز خدماته ومزاياه، وآلية استفادة المستخدمين منه في متابعة التقويمين الهجري والميلادي، ومواقيت الصلاة، والبيانات الفلكية، والمواسم والمناسبات المختلفة في دول مجلس التعاون الخليجي.

وتضمنت الاحتفالية توزيع كتاب نسخة طبق الأصل من التقويم القطري الأول الذي كتبه الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، إلى جانب فيلم وثائقي عن حياته.

دار التقويم القطري: معلم تراثي، وصرح علمي، وحاضنة حضارية

لم تكن دار التقويم القطري مجرد مكتب لإصدار الجداول الزمنية، بل هي مؤسسة وطنية عريقة، ومعلم تراثي علمي وحضاري، يشهد على أصالة الشعب القطري وعمق انتمائه الإسلامي. تأسست الدار رسمياً بموجب القانون في 20 رمضان 1410هـ (15 أبريل 1990م)، لتكون امتداداً طبيعياً ومؤسساتياً للجهد الفردي الجبار الذي بذله العلامة الفلكي الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله لأكثر من ثلاثة عقود. ومنذ ذلك الحين، تحولت الدار من جهد فردي مخطوط باليد إلى مؤسسة وطنية عابرة للأجيال والحدود، لا تهدف للربح، بل تكرس جهودها لخدمة علم الفلك بمنظور حضاري شرعي يربط حياة المسلمين بعباداتهم بدقة متناهية.

وتصدر الدار اليوم إنتاجاتها في صور متعددة تلبي كافة الاحتياجات، بدءاً من التقويم الدفتري لمدينة الدوحة، ومروراً بإصدارات خاصة بتوقيت الحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، وصولاً إلى تقاويم عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى التقاويم الجدارية والمكتبية التي تتحول بفضل الله إلى “موسوعة علمية دينية ثقافية” يومية، تزود القارئ بالحكم، والأدعية، ومعلومات عن الطوالع والفصول، ومواعيد الزراعة، مما يجعلها رفيقاً حقيقياً للمسلم طوال العام.

“مجمع الأنصاري”: المقر الحضن والرسالة الممتدة

تعتبر دار التقويم القطري جزءاً لا يتجزأ من “مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري للقرآن الكريم وعلومه”، والذي يُعد المقر الرئيسي للدار ومنطلق رسالتها. هذا المجمع ليس مجرد مبنى إداري، بل هو صرح ديني، ثقافي، علمي، وتربوي، يجسد القيم الإسلامية ويؤكد معاصرتها.

ضمن هذا المجمع، تجد دار التقويم البيئة المثالية التي تدمج بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث تتواجد “مكتبة خادم العلم” التي تعد من أبرز معالم قطر الثقافية، وتضم آلاف المراجع النادرة ونتاج العقول المعاصرة، مما يوفر للباحثين والفلكيين في الدار مرجعية علمية رصينة. كما يضم المجمع “معهد الوالد الشيخ إبراهيم الأنصاري للدراسات الإسلامية”، الذي يعنى ببناء شخصية المسلمة الداعية، وقاعة “لولوة بنت علي المِحْرِي المهندي” التي تربط الحاضر بالماضي وتستضيف الندوات والمحاضرات الفلكية والشرعية.

من إرث الأنصاري إلى آفاق الخليج: دار التقويم القطري تدشن تطبيق التقويم الخليجي

من هذا المقر المبارك، تواصل الدار رسالتها، بل وتطورها، كما يتجلى في تدشين “وحدة الرصد الفلكي” وتخريج دفعات من الراصدين الفلكيين المدربين نظرياً وميدانياً، مما يضمن استمرار سلسلة العطاء العلمي وتخريج كوادر وطنية قادرة على مواكبة أحدث التطورات في علوم الفلك والحسابات الزمنية.

رحلة الإنسان في ترويض الزمن وصياغة التقاويم

إن تاريخ التقاويم هو في جوهره تاريخ سعي الإنسان لفهم الكون وتنظيم حياته وعباداته. ومنذ فجر التاريخ، اجتهدت الحضارات في وضع أنظمة للزمن، ومن أبرز هذه الأنظمة:

1. التقويم العربي (الإسلامي):

اعتمد العرب القدماء على “التقويم الغروبي”، حيث يبدأ اليوم من غروب الشمس، وتقسم الساعة بناءً على طول الليل والنهار المتغير بين الشتاء والصيف. ومع بزوغ الإسلام، جاء التقويم الهجري ليعطي الزمن بُعداً روحياً وتاريخياً؛ حيث اعتمده الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبتدئاً بسنة الهجرة النبوية (622م). وهو تقويم قمري دقيق، تتألف سنته من 12 شهراً (المحرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة)، وهو العمود الفقري لضبط العبادات الإسلامية من صيام وحج وزكاة.

2. التقويم المصري:

يُعد من أقدم التقاويم الشمسية في التاريخ (منذ 4241 ق.م). قسم المصريون القدماء السنة إلى 12 شهراً، كل منها 30 يوماً، ويضاف إليها 5 أيام في نهاية العام (تسمى اللواحق أو الأيام النسيئة). ارتبطت شهوره بفصول فيضان النيل والزراعة، واحتفظت بأسماء فرعونية قديمة (مثل توت، بابة، هتور)، ثم اعتمده الأقباط لاحقاً مبتدئين تقويمهم بعام استشهاد القديسين في عهد دقلديانوس (284م)، فجمع بذلك بين الجذور الفرعونية والبداية المسيحية.

3. التقويم العبري:

يتميز هذا التقويم بتعقيده الشديد، فهو تقويم “قمري شمسي”؛ حيث تبدأ شهوره مع دورة القمر، لكن سنته تتوافق مع الدورة الشمسية بإضافة شهر كامل (آذار الثاني) في سنوات معينة لضبط الفصول. يزعم مؤرخوه أنه يبدأ من عام 3760 ق.م (سنة الخلق حسب المعتقد العبري)، وتختلف بدايته بين السنة المدنية (شهر تشرين) والسنة الدينية (شهر نيسان).

4. التقويم الروماني وتطوره (اليولياني ثم الجريجوري):

بدأ التقويم الروماني القديم بعشرة أشهر فقط بدءاً من شهر مارس، لكن الخلل فيه دفع الإمبراطور “نوما بومبيليوس” لإضافة شهري يناير وفبراير. لاحقاً، وبمساعدة الفلكي المصري “سوسيجينيوس”، قام يوليوس قيصر (عام 45 ق.م) بإصلاح جذري جعل السنة الشمسية أساساً للتقويم (التقويم اليولياني)، وحدد طول السنة بـ 365 يوماً وربع اليوم، مع إضافة يوم كبيس كل أربع سنوات.

إلا أن هذا التقويم كان يتقدم على السنة الشمسية الفعلية بمقدار 11 دقيقة و14 ثانية سنوياً، مما تراكم على مر القرون وأحدث فجوة زمنية ملحوظة. لتصحيح هذا الخلل، أصدر البابا “غريغوري الثالث عشر” في عام 1582م “التقويم الجريجوري” المعمول به اليوم عالمياً، والذي استقطع 10 أيام من ذلك العام لضبط الاعتدال الربيعي، وعدل قاعدة السنوات الكبيسة لتكون أكثر دقة (بحذف السنة الكبيسة في القرون التي لا تقبل القسمة على 400).

جهد قطري خليجي لترويض الزمن

إن إطلاق “التقويم الخليجي” اليوم من قلب الدوحة، وتحديداً من رحاب مجمع الأنصاري، ليس مجرد حدث تقني، بل هو حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الجهد الإنساني والمسلم لترويض الزمن، وربط حركة الكون بنبض الحياة اليومية والعبادة، مؤكداً أن الإرث العلمي الإسلامي لا يزال قادراً على العطاء والريادة في العصر الرقمي.