حين أثيرت قضية الاجتهاد في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر لم تكن تحظى بتأييد كبير خارج دائرة رجال الإصلاح الإسلامي، وكانت الغلبة للأصوات التي ترى وجوب التقليد وترتاب في دعوى الاجتهاد بل وتعدها تهمة يؤاخذ عليها القانون، كما هو الحال في منطقة الشام، التي نشط بها عدد من المفكرين الذين أسهموا بقسط بارز في إرساء دعائم الاجتهاد الإسلامي.

 

في السطور التالية أتناول جانبا من الحركة الاجتهادية في الشام من خلال نموذجين أحدهما نظري ويجسده عبد الرحمن الكواكبي والآخر تطبيقي ويمثله السيد رشيد رضا.

السياق التاريخي: حادثة المجتهدين

في أواخر القرن التاسع عشر باتت قضية التزام التقليد وشيوع الممارسات الصوفية الفاسدة محل انتقاد أعدادا متزايدة من الإصلاحيين كالسيد جمال الدين القاسمي وطاهر الجزائري وعبد الرازق البيطار وغيرهم ممن ارتأوا ضرورة الاجتماع والتباحث في الأمر واتفقوا على عقد اجتماع أسبوعي يتدارسون خلاله بعض كتب العلم، لكن أمرهم ما لبث أن انكشف من خلال قدوم اثنين من الوجهاء “ممن يفسدون في الأرض” حسب تعبير القاسمي، وتم إبلاغ السلطات وأحيل العلماء إلى محكمة رأسها القاضي الشرعي وضمت في عضويتها بعض العلماء، وهناك وجهت إليهم تهم من قبيل: الاجتهاد، وإنشاء مذهب جديد، وقراءة الحديث والبحث عن الدليل من أقوال الفقهاء، ومما قيل لهم أثناء المحاكمة “ما لكم ومال الكتب الحديثية، إنه يلزم قراءة الكتب الفقهية والحجر على الكتب الحديثية والتفسيرية.

تظهر تلك الحادثة أن هناك جهتين قاومتا فكرة الاجتهاد بشكل أساسي: الأولى السلطة الرسمية التي كانت تظن أن إدارة الشأن الديني وتوجيهه من مهامها الأساسية، والتي كانت تتخوف من فكرة إعمال العقل وممارسة وإعادة النظر في الموروث الديني، والثانية العلماء الرسميين وجلهم من المتصوفة، وهؤلاء تقض مضاجعهم فكرة وجود علماء منافسين لهم يفوقونهم علما، وتزعجهم أيضا فكرة الاجتهاد والمطالبة بالدليل الشرعي على أقوالهم التي لا يدعمها أي دليل.

ورغم هذه الملاحقات والتضييقات واصل المفكرون دعوتهم إلى الاجتهاد مع بعض التغييرات من قبيل إيثار العمل الفردي على العمل الجماعي، واللجوء إلى التدريس والتصنيف عوضا عن عقد التجمعات العامة، وعلى هذا ظهرت في مطالع القرن بضع كتابات أرست الأساس النظري لقضية الاجتهاد ومن أمثلتها ما خطه الكواكبي في كتابه (أم القرى).

الكواكبي والتأسيس لمشروعية الاجتهاد

قدم الكواكبي رؤيته بشأن الاجتهاد تحت عنوان “الاستهداء من الكتاب والسنة” ومنذ البداية نلمح حضورا للغرب أو بالأحرى إقحاما له في صلب مسألة إسلامية حين يفترض أن دعوة الغربيين إلى الإسلام – التي عول عليها كثيرا- لن تغدو ممكنة إلا مع فتح باب الاجتهاد، فالكثير من الغربيين هجر الكاثوليكية إلى البروتستانتية لترجيحهم الاقتصار على الإنجيل والكتب المقدسة وميلهم إلى الإيمان العقلي وطرحهم الشروح والزيادات.

وإذا كان الكواكبي قد جعل الغرب سببا رئيسا وراء الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد إلا أنه أسند دعوته إلى قاعدتين شرعيتين:

الأولى: أن النبي صلوات الله عليه قد بلغ رسالته ولم يكتم منها شيئا وبالتالي يحظر علينا أن نزيد عليها أو ننقص منها أو نتصرف فيها، بل الواجب أن نتبع ما قاله وما أقره وما أجمع عليه الصحابة.

والثانية: أن دائرة حياتنا العامة يمكن التصرف فيها كما نشاء مع رعاية القواعد الأساسية التي شرعها الرسول وما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

وانطلاقا من هاتين القاعدتين يرى الكواكبي أنه ليس لزاما على المسلم أن يقلد أحد المذاهب الفقهية وحجته أن أئمة المذاهب قد اختلفوا في كل الأحكام تقريبا إلا فيما ندر فلم يمكنهم الاتفاق على أيسر الأمور، وأنهم ترددوا في الجزم بالأحكام حتى عدل بعضهم عن رأي أفتى به إلى غيره، وأن تلامذتهم  اختلفوا في الرواية عنهم كأتباع أبي حنيفة الذين قلما اتفقوا على رواية عنه لتعدد مذاهبه في المسألة الواحدة.

وينتقل الكواكبي بعد ذلك إلى تفنيد أدلة القائلين بوجوب التقليد، وقد أجملها الكواكبي في ثلاث أدلة رئيسة هي: الادعاء بأن اختلاف الأئمة يعد رحمة بالعباد، وإجماع الأمة منذ قرون على وجوب تقليد أحد المذاهب، وأن الأئمة الأعلام كانوا أكثر منا فهما وعلما فيجب تقليدهم لأننا لا نستطيع أن نهتدي بأنفسنا.

وفيما يتعلق بالدليل الأول يرى الكواكبي أن الاختلاف يكون رحمة إن أُحسن استخدامه أما إن أسيئ استخدامه -كما هو الواقع- بأن يدعي أهل كل مذهب من المذاهب أنهم وحدهم أهل السنة والجماعة وأن ما سواهم مبتدعون فلا يتوهم عاقل أن هذا التفرق رحمة قط.

والدليل الثاني المستند إلى إجماع الأمة على وجوب التقليد فيذهب فيه إلى أنه لو كان الصواب قائما بالكثرة والقدم وإن خالف المعقول لاقتضى ذلك صوابية الوثنية ورجحان النصرانية، بل إنه يجد هذا الدليل يخالف قول الرسول عن تفرق الأمة إلى بضع وسبعون شعبة كلها في النار إلا واحدة، فأين حكم الأكثرية في هذه الحال.

أما الدليل الثالث المتضمن أن الأئمة الأعلام كانوا أكثر فهما وعلما فهو لا ينكره ولكنه يعلق عليه متسائلا “متى كلف الله تعالى عباده بدين لا يفقهه إلا أمثال هؤلاء النوابغ العظام؟ أليس أساس ديننا القرآن … أما السنة أفلم تصل إلينا مجموعة مدونة؟” ويفهم من حديثه أن معرفتنا بالأصلين القرآن والسنة كافيين عنده لأن نصبح مؤهلين للقيام بالاجتهاد دون الركون إلى تقليد أحد من الأئمة.

وينتهي الكواكبي إلى أنه إذا كان واجب الاجتهاد يقع على عاتق العلماء فإن عملية الاجتهاد نفسها ينبغي أن تتم تحت رعاية الإمام أو ولاة الأمور، فعليهم أن يلزموا الأمة باتباع الأحكام الاجتهادية، التي هي أحكام زمانية، وليست شرعاً في حد ذاتها، فإذا تبدل الزمان عدل عنها بغيرها.

رشيد رضا وتفعيل مبدأ الاجتهاد

وإذا كان الكواكبي قد اقتصر على التنظير للاجتهاد-ربما لوفاته المبكرة- فإن رشيد رضا قد انتقل إلى مرحلة ممارسة الاجتهاد فعليا عبر صفحات مجلة المنار التي تحفل بنماذج من اجتهاداته الفقهية، وأشهرها اجتهاده في المسائل الطبية، وقد برز اهتمامه بها من خلال قيامه بإدراج مقرر حفظ الصحة ضمن المقررات الدراسية لمدرسة الدعوة والإرشاد التي ترأسها، واهتمامه بمناقشة بعض الإشكالات الدينية المتعلقة بالطب الحديث في مجلة المنار، والتي أجاز من خلالها بعض الممارسات الطبية الحديثة كالتطعيم والتشريح بعد أن ظلت فاقدة للمشروعية الدينية لعقود طويلة بسبب تحريم الفقهاء.

وقد تأسس منهج رشيد رضا الاجتهادي في المسألة الطبية على أصلين:

الأول: “أن ما ورد عن النبي في الطب أو الزراعة وسائر أمور الدنيا لا يعد من أمور الدين التي يُبلغها عن الله تعالى وإنما يعد من الرأي، وعصمة الأنبياء لا تشمل رأيهم في أمور الدنيا ولذلك يسمي العلماء أمر النبي بشيء من أمر الدنيا أمر إرشاد وهو يقابل أمر التكليف”  وفيما يعتقد فقد ميز الصحابة بدقة بين الأمرين فكانوا يراجعونه في أمور الدنيا كما حدث في واقعتي بدر وأحد. وبهذا القول يكون رضا قد حسم إشكالية النص الديني الحديثي الذي يتعلل به الرافضين للطب الحديث استنادا إلى بضع أحاديث لا تتوافق مع الطب الحديث.

والثاني: ضرورة التعامل الحذر مع الميراث الفقهي، فما وصل إليه الأئمة من آراء وأحكام فقهية استنادا إلى ما وصلت إليه المعارف الطبية في زمانهم “ليس نصا دينيا يُتعبد به” كما أنه لا يوجب على كل متبع للمذهب أن يتخذها دينا متبع إن ظهر له استقراء أتم وعلم أصح ، بل الواجب أن يعمل أهل كل عصر بما وصل إليه علمهم واستقراؤهم للواقع.

ويذهب رضا إلى أن تنكب المسلمين عن الاجتهاد في الأحكام الفقهية التي أثبت الطب الحديث عدم دقتها يٌعرضهم لإشكاليتين؛ الأولى طعن الأجانب في شريعتنا طعنًا مبنيًّا على العلم والاختبار لا على التحامل والتعصب وذلك منفر عن الدخول في ديننا، ومانع من ظهور حقيته، والثانية تشكك كثير من المسلمين الذين يدرسون الطب أو من تطمئن قلوبهم إلى حقائقه، في حقيقة الشريعة وكونها إلهية.

وفي المحصلة النهائية لم تكن بلاد الشام بعيدة عن النقاش الإسلامي الدائر حول الاجتهاد في العصر الحديث، وقد أسهم عدد من مفكريها المعرفين في التنظير للاجتهاد وتعميق أسسه النظرية، ثم تفعيله واقعيا في مرحلة تاريخية لاحقة.