تضافرت العديد من الأحاديث النبوية في الحث على أهمية صلة الرحم، قريبها وبعيدها. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: “إنكم ستفتحون مصر… فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا”[1]، دلالة عظيمة على وجوب حفظ العهود، وأهمية صلة الأرحام الممتدة عبر الأنساب والمصاهرة. وإذا كانت العناية بصلة الرحم البعيدة عبر القرون تحظى بهذه المنزلة من الاهتمام، فكيف بالأرحام القريبة؟

ولذا بيّن عليه الصلاة والسلام منزلتها في عدة مواضع، منها:

  1. عظمة شأنها: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله”[2].
  2. عاقبة قاطعها: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”[3].
  3. حقيقة الصلة: “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”[4].
  4. فضلها وبركتها: “من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه”[5].

وهذا يعني أن الأسرة ليست مجرد رابطة دم، بل هي مصدر لدعم الرزق، ونزول الرحمة، واستقرار بركة العمر.

سُنَّة ابتلاء الأسرة بعضها ببعض

من السنن الكونية الجارية في الخلق أنه لا تكاد تخلو أي أسرة من بعض الخلافات أو النقص والتقصير؛ فذلك من طبيعة البشر الذين تختلف طباعهم وآراؤهم وظروفهم. فقد يُبتلَى المؤمن بالكافر، والصالح بالطالح، والبار بالفاجر، والغني بالفقير، والصغير بالكبير، والرجال بالنساء؛ فكلٌّ مبتلًى بالآخر، وهذه هي سنة الله الكونية.

كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[6]. وقوله تعالى: “أتصبرون” يدل على أن الحكمة من الابتلاء هي معرفة من يتحلى بالصبر، ويتعقل، ويُحسن المعاملة، ويكف عن الأذى، ويتقي الله فيمن ابتُلي به.

إذن، فوجود المشكلات العائلية والأسرية أمر طبيعي وارد في كل بيت، وإنما الأهم هو منهج التعامل معها وكيفية تجاوزها للحفاظ على المودة والاحترام. ولهذا يتحتم الرجوع الدائم إلى الإرشاد الشرعي الناجع، كي يبقى كيان الأسرة قائماً على دوام الألفة والاستقرار، حتى مع وجود بعض التقصير والأخطاء نظراً لطبيعة بني آدم.

قاعدة {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}

من أوجب الواجبات وآكد المؤكدات -في هذا الزمن الذي كثرت فيه الخلافات وتسرعت فيه وتيرة القطيعة- إحياء ثقافة قاعدة {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}[7]. وهي قاعدة إسلامية أصيلة تدعو إلى تشييد بناء العلاقات الأسرية والاجتماعية، وإطفاء النزاعات، وجمع القلوب. إنها قاعدة منبعها الحكمة، وقوة النفس، وطلب رضا الله تعالى، وليست دليلاً على الضعف أو هزيمة النفس، ولا تعني بالضرورة التنازل الدائم عن الحق، وإنما هي مرهونة بالمصلحة الراجحة؛ فالصلح خير من استمرار الخصومة، والصلح خير من القطيعة، والصلح خير من تفكك الأسر وضياع الأبناء.

والتحلي بمبدأ “والصلح خير” يسهم في منع تفاقم المشكلات داخل الأسرة والمجتمع، ويقضي على نزغات الشيطان التي تهدف لتفكيك الأسرة وإضعاف الروابط، ويمهد الطريق للمودة والتفاهم، وحفظ الحقوق. ولهذا كان الصلح باباً عظيماً من أبواب الخير في الإسلام، وشأنه يفوق درجة الصيام والصلاة والصدقة نافلةً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين[8].

وكلما استحضر الإنسان خيرية الصلح وفضيلته عند الخلاف الأسري، أفضى ذلك إلى تغليب مصلحة المحبة والأخوة على حظوظ النفس والغضب، ولم تأخذه العزة بالإثم. كما أن المبادرة بالصلح دليلٌ على رجاحة العقل واستقامة المرء، وسبب لنزول السكينة في القلب، سواء كان الصلح بين الزوجين، أو بين الأقارب والأرحام، أو بين الأصدقاء.

إن فقه قاعدة “والصلح خير” وتطبيقها في الواقع المَعِيش هو ما يؤدي إلى استقرار الأسرة ونشر الرحمة بين الناس.

العيد فرصة ثمينة للمبادرة بالصلح

يُعد العيد فرصة عظيمة لإصلاح العلاقات الأسرية وتقوية أواصر المحبة بين الأقارب، حيث تلين كثير من القلوب في أيام العيد لما تحمله من معاني التسامح، وتتهيأ النفوس للعفو ونسيان الخلافات السابقة.

ومن أجمل الصور لاستثمار أيام العيد في ترميم العلاقات وتصفية النفوس ما يلي:

  1. المبادرة بالمعايدة: قد تكون المبادرة بإرسال رسالة تهنئة لطيفة أو إجراء مكالمة هاتفية قصيرة للاطمئنان، خطوة تمهد نفسياً للطرف الآخر لقبول الحوار، وتنهي سنوات من الجفاء، فتُعيد الدفء للعلاقات مجدداً. قال : “لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”[9].
  2. زيارة الأقارب بعد انقطاع: تسهم الزيارات في تحقيق اللُّحمة الأسرية، وتأليف القلوب، وإزالة الشحناء، وغرس الانتماء العائلي في نفوس الأبناء كقدوة عملية لتعلم بر الوالدين وصلة الأرحام.
  3. إزالة سوء الفهم عند اللقاء: تساعد لقاءات العيد في تقريب القلوب؛ فكثير من الخلافات تنشأ بسبب غياب التواصل المباشر. فإذا اجتمع الناس وتحادثوا بروح المودة والبشاشة، زالت الظنون السيئة والتصورات الخاطئة.
  4. تبادل الهدايا: يُعد تبادل الهدايا من الاستثمارات الرمزية الفعّالة في إصلاح العلاقات؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “تهادوا تحابوا”[10]. فالهدية، ولو كانت يسيرة، تكسر الحواجز، وتزيل الجفاء، وتفتح القلوب للتسامح، خاصة إذا قُدِّمت بكلمة طيبة.
  5. جمع العائلة على موائد الطعام: الاجتماع العائلي حول موائد الطعام يُعد فرصة ذهبية لتوثيق الروابط وإدخال السرور على الكبار والصغار. فالأطفال يفرحون باجتماع العائلة، وكبار السن يأنسون بقرب أحفادهم، فضلاً عن الأبعاد التربوية المتمثلة في تعليم الأبناء الكرم والإيثار وحسن الضيافة.

لتكن موائد العيد أكثر من مجرد طعام، بل مناسبة اجتماعية لإصلاح النفوس، وبعث معاني الألفة، وترك ذكريات طيبة تجعل العيد أكثر دفئاً وفرحاً.

خلاصة القول

إن من أجمل وأخير ما يفعله المسلم في العيد أن يبدأ بالإصلاح بين أفراد أسرته، وأن يجدد العلاقات على أساس المحبة والتقوى. وألا يجعل العيد مجرد ثياب جديدة أو موائد عامرة، بل يجعله فرصة ربانية لعودة القلوب إلى صفائها.

الأسرة الناجحة المثالية ليس شرطها انعدام الخلافات والأخطاء، وإنما هي التي تعرف كيف تدير أزماتها، وتقدر المعروف، وتتغافل عن العيوب، محافظةً على صلة الرحم ودوام الألفة؛ فبصلاح الأسرة تتحقق السكينة، وتقوى الروابط، ويشعر الإنسان بالأمان، ويظفر بالأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى.

ومضة: ليس من الحكمة أبداً فتح ملفات الماضي في أيام الفرح.