المقدمة  

تتجاوز دراسة الأفكار تحليل الحجج التي يستند إليها أصحابها، لتثير سؤالاً عن العوامل التي تجعل الإنسان يتبنى قناعةً ويدافع عنها، بينما يرفضها غيره، أو تجعل فكرةً تنتشر في مجتمع وتواجه المقاومة في آخر. فالمواقف الفكرية تتشكل في سياقات تتداخل فيها ميول النفس وتصورات العقل مع الظروف الاجتماعية والمصالح وموازين القوة، بما يؤثر في نشأة القناعات واستمرارها وتحولاتها. غير أن الكشف عن هذه المؤثرات يثير مسألةً أخرى تتعلق بحدود قدرتها على تفسير الأفكار، ومدى صلاحية معرفة دوافع الاعتقاد للحكم على صحة المعتقد. 

في هذا الإطار، يبحث عبد الرحمن الريس في كتابه “محركات الأفكار: تنقيب في الجذور ورصد للمنابع” عن العوامل النفسية والعقلية والخارجية المؤثرة في الحياة الفكرية، مستعيناً بشواهد من التراث الإسلامي والتاريخ الفكري. ويمتد بحثه إلى ضوابط توظيف هذه المحركات في فهم الأفكار وتقويم المواقف والحكم على أصحابها، انطلاقاً من التمييز بين الأسباب التي تفسر نشوء القناعة والأدلة التي تثبت صحتها.  

عن الجذور الخفية للأفكار  

تتجاوز المحركات الأدلة التي يستند إليها الإنسان في تسويغ قناعاته، لتشمل الدوافع النفسية والتصورات العقلية والظروف الخارجية المؤثرة في تكوينها. ويصنفها الكتاب في ثلاثة أقسام: محركات نفسية تتصل بالأهواء والعواطف والميول الإنسانية، ومحركات عقلية ترتبط بالتصورات المعرفية وطرائق التفكير والاستدلال، ومحركات خارجية تشمل السنن الكونية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويكشف هذا التصنيف عن تعدد المؤثرات في الحياة الفكرية، وتفاوتها بين ما ينبع من الإنسان وما يرتبط بالبيئة التي يعيش فيها. 

ويتضح أثر هذه المحركات حين تتشكل القناعة استجابةً لحاجة نفسية أو تصور ذهني أو ظرف اجتماعي، وإن بدت ثمرةً خالصةً للاقتناع بالأدلة. ففي تناوله للهوى، يوضح الريس كيف قد يتشبث الإنسان بفكرة توافق ميوله، ويدافع عنها باعتبارها حقاً، بينما يؤثر ذلك الميل في نظره إلى الأدلة وتعامله مع المخالفين. وقد ينشأ تأثير مشابه عن الجهل أو التصورات المسبقة أو سلطة المحيط الاجتماعي، مع اختلاف طبيعة كل محرك وآلية عمله. وهكذا يتصل فهم الموقف الفكري بفهم الإنسان والظروف التي تشكلت فيها قناعته. 

وتتفاوت هذه المحركات في مستويات تأثيرها؛ فقد يسهم أحدها في نشوء الفكرة، وآخر في اقتناع صاحبها بها، وثالث في انتشارها أو مقاومتها داخل المجتمع. فما يدفع شخصاً إلى اعتناق موقف قد يختلف عن الظروف التي تجعل الآخرين أكثر استعداداً لقبوله. ومن ثم، تتسع دراسة الظواهر الفكرية من تحليل الأقوال والحجج إلى تفسير العوامل التي أسهمت في إنتاجها وتداولها وبالتالي تحولاتها التاريخية.   

بين دوافع النفس وتصورات العقل  

يتدخل الهوى في مسار التفكير حين تتقدم رغبة الإنسان على استعداده للنظر في الأدلة، فيميل إلى الأفكار التي توافق معتقداته ويقاوم ما يصادمها. ويمنح الكتاب هذا المحرك موقعاً بارزاً في تفسير الخلافات الفكرية والمذهبية، مستعيداً شواهد من التراث الإسلامي تكشف أثر الميول النفسية في فهم النصوص وانتقاء الحجج والتعامل مع المخالفين. وتكمن خطورة الهوى في تداخله مع الاستدلال نفسه؛ فقد يعتقد الإنسان أنه يدافع عن الحقيقة، بينما توجه ميوله قراءته للأدلة، فيتحول الاستدلال إلى وسيلة لتثبيت قناعة استقرت لديه مسبقاً. 

وتتخذ الدوافع النفسية صوراً أخرى حين ترتبط الأفكار بمكانة أصحابها وعلاقاتهم بالآخرين. فالكبر -على سبيل المثال- قد يمنع الإنسان من قبول الحق خشية الاعتراف بفضل غيره، بينما يدفع الحسد إلى مقاومة فكرة بسبب مكانة صاحبها أو ما يترتب على قبولها من اعتراف بتفوقه. ويستعرض الكتاب شواهد من التاريخ تكشف اختلاط الخصومات الشخصية والمنافسة على المكانة بتقويم الأقوال والمعتقدات، حتى يغدو الموقف من صاحب الفكرة مؤثراً في الحكم على مضمونها. وهكذا قد يتحول الخلاف حول الأدلة إلى امتداد لصراع المكانة والكبرياء، مع احتفاظه بمظهر النقاش العلمي.  

وتؤثر العواطف في استقبال الأفكار من خلال المحبة والخوف والرحمة والغضب، وغيرها من الانفعالات التي تمنح بعض المواقف قوةً تتجاوز مضمونها المجرد. ويبرز الكتاب أثر الروابط الوجدانية والتجارب المشتركة في تشكيل القناعات وتعبئة الناس حولها، خصوصاً في الخطابات الدينية والحركات الاجتماعية. وفي المقابل، قد يدفع النفور أو الكسل إلى رفض فكرة لما تتطلبه من جهد في البحث أو مراجعة للمألوف. ويتصل التأثير النفسي هنا باستعداد الإنسان لفحص الأفكار وانفتاحه على ما يستدعي إعادة النظر في قناعاته.  

ويوسع المؤلف نطاق المحركات النفسية بإدراج النزوع الإيماني، بوصفه استعداداً فطرياً يدفع الإنسان إلى التدين والبحث عن الخالق والمعنى المتجاوز للحياة المادية. ويستند إلى التصور الإسلامي للفطرة، مستعرضاً شواهد شرعية وفكرية يرى أنها تؤكد أصالة هذا النزوع في النفس البشرية. ويكشف إدراج هذا المحرك عن اختلاف وظائف الدوافع النفسية؛ فمنها ما يدفع الإنسان إلى الإيمان والبحث عن الحقيقة، ومنها ما قد يعوقه عن إدراكها. وتتحدد قيمة كل محرك بحسب طبيعته وأثره في تكوين القناعة. 

وإذا كانت المحركات النفسية تؤثر فيما يميل الإنسان إلى قبوله أو رفضه، فإن المحركات العقلية تتصل بالتصورات التي ينطلق منها في فهم العالم، وأدواته في تفسير الأفكار وتقويمها. ويقدم الكتاب التصور المادي مثالاً على أثر الرؤية السابقة للوجود؛ فحين يحصر الإنسان تفسير الحياة في المادة وقوانينها، تتحدد وفق هذا التصور دائرة الممكن والمعقول لديه، ويتأثر موقفه من القضايا الدينية والغيبية قبل النظر في أدلتها التفصيلية. وهنا يمتد تأثير المحرك العقلي إلى الإطار المعرفي الذي يمنح الأدلة معناها، ويحدد ما يستحق النظر وما يُستبعد ابتداءً من دائرة الاحتمال. 

ويتصل بذلك الجهل المعرفي، الذي يعالجه الكتاب بوصفه عاملاً في تكوين الأفكار وتداولها، سواء نشأ عن نقص المعلومات أو سوء فهم المسائل أو عدم الإحاطة بأصولها. إذ قد يتبنى الإنسان رأياً لجهله بما يعارضه، أو يرفض قولاً لعدم إدراك مقصود صاحبه. وفي المقابل، يناقش الكتاب تحرر العقل والاعتداد به، وما قد ينشأ عن المبالغة في الثقة بقدراته من استغناء عن مصادر المعرفة الأخرى، خصوصاً الوحي. ويكشف الجمع بين المحركين أن الاضطراب الفكري قد ينشأ عن قصور المعرفة أو المبالغة في تقدير قدرات العقل وحدوده. 

ويظهر أثر المحركات العقلية كذلك في اختلاف مناهج النظر والاستدلال؛ فتباين الأصول المعرفية وقواعد الترجيح وطرائق فهم النصوص يجعل الأطراف تنطلق من مقدمات مختلفة، مما يفسر استمرار بعض الخلافات رغم وفرة الحجج المتبادلة. ويضاف لما سبق؛ أثر الغموض في الأفكار وأساليب طرحها، إذ قد ينشأ الخلاف من التباس المقصود أو اختلاف استعمال المصطلحات، وقد تعوق الصياغة المعقدة فهم الفكرة وتقويمها. وهكذا تصبح طريقة التعبير مؤثرةً في تداول المعرفة وقبولها أو الاعتراض عليها.  

الأفكار بين سلطة الجماعة وتحولات التاريخ 

تتشكل الأفكار داخل ظروف اجتماعية وتاريخية تؤثر في نشأتها وقبولها وانتشارها، وقد تتغير مكانتها بتغير هذه الظروف دون أي تغير في مضمونها. من هنا يوسع الكتاب بحثه في محركات الأفكار ليشمل المؤثرات الخارجية التي تتجاوز دوافع الفرد وتصوراته، من السنن الكونية والروابط الاجتماعية إلى الأوضاع الاقتصادية والغلبة الحضارية والتحولات السياسية. فالفكرة التي تجد قبولاً في بيئة معينة قد تواجه الرفض في أخرى، بما يربط تاريخ الأفكار بتاريخ المجتمعات التي أنتجتها وتداولتها. 

ويناقش المؤلف السنن الكونية باعتبارها محركات تتصل بالتحولات التي تصيب الأفراد والمجتمعات. فالابتلاء قد يدفع الإنسان إلى مراجعة قناعاته أو التشبث بها، ويثير أسئلةً لا تطرح غالباً في الأحوال المستقرة. أما سنة التغيير فتربط ظهور بعض الأفكار بتحولات المجتمعات بين القوة والضعف والاستقرار والاضطراب، فيما تجعل سنة التدافع الصراع الفكري والاجتماعي باعثاً على تطوير الحجج وبلورة تصورات جديدة أو إعادة بناء القائم منها. ومن خلال هذه السنن يربط الريس النشاط الفكري بحركة التاريخ، إذ تؤثر الأزمات والصراعات والتحولات في أسئلة المجتمعات والأجوبة التي تتبناها. 

وتؤثر البيئة الاجتماعية في استقبال الأفكار من خلال الأعراف والعادات والتصورات السائدة، التي تمنح الأفراد أنماطاً مألوفةً في التفكير والحكم، وتجعل بعض الأفكار أقرب إلى توقعاتهم من غيرها. ويستعيد الكتاب أحوال المجتمع العربي وقت ظهور الإسلام، لبيان أثر البيئة القائمة في استقبال الأفكار الجديدة ومقاومتها، ثم أثر تغير الظروف الاجتماعية في انتشارها لاحقاً. وهنا يتجاوز تأثير المحيط الاجتماعي موقف الأفراد من مضمون الفكرة إلى تهيئة الشروط التي تسمح بتداولها واتساع حضورها. 

ويزداد هذا التأثير حين ينتقل من الأعراف العامة إلى العلاقات الشخصية والانتماءات الجماعية. فسلطة الأقران تجعل القريب والصديق وصاحب المكانة مؤثرين في المواقف الفكرية، وقد تُقبل بعض الآراء ثقةً بأصحابها أو تُرفض خصومةً معهم. ويتسع ذلك مع العصبية للقبيلة والأشياخ، حين يصبح الانتماء الاجتماعي أو المذهبي أساساً لتبني الأفكار والدفاع عنها. ويناقش الكتاب أثر التقليد والتعصب في تقديم أقوال الجماعة أو الشيخ على النظر المستقل في الأدلة، فتنتقل القناعات بقوة الولاء والثقة الموروثة، ويغدو استمرارها مرتبطاً بتماسك الجماعة التي تتبناها. 

كما تؤثر الأوضاع الاقتصادية في الحياة الفكرية من خلال ما تفرضه من حاجات وما تتيحه من موارد. فالفقر قد يدفع المرء إلى تبني أفكار تنشأ من معاناته أو سعيه إلى تغيير أحواله، كما قد يحد من فرص تعلمه وبحثه. ويتصل بذلك الاستغراق المعيشي الذي يستنفد الوقت والجهد اللازمين للاشتغال بالعلم والتأليف والنظر. وفي المقابل، يستعيد الكتاب نماذج تاريخية ارتبط فيها ازدهار الحركة العلمية بتوافر الموارد والمؤسسات الداعمة. وهكذا يمتد تأثير الاقتصاد من مضمون الأفكار إلى الشروط المادية اللازمة لإنتاج المعرفة ونشرها. 

يناقش الكتاب كذلك الطمع والجشع بوصفهما محركين قد يدفعان إلى تبني الأفكار أو ترويجها طلباً للمنفعة. فقد تؤثر المصالح الاقتصادية في مواقف أصحاب الرأي، وتوجه خطابهم نحو تحقيق مكاسب شخصية أو الحفاظ على امتيازاتهم. ويكشف هذا المحرك أن التأثير المالي قد يصدر عن الحاجة والحرمان أو عن الوفرة والرغبة في المزيد، مع ضرورة إثبات صلة المصلحة بالموقف الفكري قبل اعتبارها تفسيراً له. 

وتكتسب الأفكار قوةً إضافيةً حين ترتبط بحضارة غالبة تمتلك النفوذ السياسي والتفوق العلمي أو المادي. ويستعيد الكتاب ملاحظات ابن خلدون عن ميل المغلوب إلى الاقتداء بالغالب، إذ قد تتحول المكانة الحضارية إلى مصدر للثقة بأفكار المنتصر ومناهجه وأنماط حياته. ويستحضر أثر التفوق الغربي في مواقف بعض المثقفين من التراث والحداثة، وكيف عزز الشعور بالتأخر الحضاري الميل إلى تبني التصورات الغربية باعتبارها نموذجاً للتقدم. 

وإذا كانت الغلبة الحضارية تمنح أفكار القوي جاذبيةً، فإن المظالم السياسية والاجتماعية قد تولّد أثراً معاكساً، حين يمتد رفض ممارسات السلطة إلى الأفكار والمعتقدات المرتبطة بها، فتغدو المعارضة الفكرية امتداداً للاحتجاج على القهر والاستبداد. وفي هذا السياق، يستعرض الكتاب أثر استبداد الكنيسة الأوروبية في ظهور اتجاهات فكرية مناهضة لسلطتها، وما صاحب ذلك من تحولات أسهمت في تهيئة المناخ للثورة الفرنسية.  

ويتسع تأثير السلطة مع التحولات السياسية التي تعيد تشكيل المجال الفكري، فتغير فرص ظهور بعض الاتجاهات وانتشارها، وقد تنقل فكرةً من التأييد الرسمي إلى المعارضة أو العكس. ويستعيد الكتاب أثر التحولات السياسية في التاريخ الإسلامي، ومنها تغير موقف السلطة العباسية من مسألة خلق القرآن، وما ارتبط بها من تفاصيل المحنة ثم التحول اللاحق في سياسة الدولة. 

محركات الأفكار وحدود التفسير المنهجي 

تكشف دراسة محركات الأفكار عن إشكالية منهجية تتعلق بحدود استخدامها في تفسير المواقف الفكرية؛ فمعرفة الظروف التي أسهمت في نشوء فكرة أو الدوافع التي حملت صاحبها على اعتناقها قد تعمق فهمها، لكنها قد تتحول إلى وسيلة لإبطالها من خلال تفسير منشئها. ومن هنا ينتقل الكتاب من تصنيف المحركات إلى مساءلة موقعها في مناهج البحث وضوابط توظيفها. فالمحرك الذي يفسر نشوء موقف قد يكون واحداً من عوامل متعددة، كما أن إثبات تأثيره لا يحسم صحة الموقف أو خطأه. إذ من المهم التمييز بين تفسير الأسباب التي أنتجت الفكرة وتقويم الأدلة التي تقوم عليها. 

ويتخذ المؤلف من بعض القراءات الحداثية للتراث الإسلامي مثالاً على مخاطر التوسع في تفسير الأفكار بدوافعها، خصوصاً حين تتحول السياسة إلى أصل تفسيري للمعتقدات والمذاهب والخلافات العلمية. ويناقش أطروحات محمد الجابري وحسن حنفي، اللذين يمنحان العامل السياسي موقعاً محورياً في تفسير بعض التصورات العقدية. فالجابري يربط تشكل مفهوم الإجماع بالظروف السياسية التي أعقبت وفاة النبي ﷺ، بينما يفسر حنفي بعض المواقف المتعلقة بالصفات الإلهية في ضوء علاقتها بالسلطة. ويرى الريس أن هذه القراءات تختزل مسائل ذات أصول معرفية وشرعية متعددة في دوافع سياسية، وتجعل ظروف نشأتها أساساً لتفسير مضامينها. 

وتظهر المشكلة المنهجية -كما يشير الكتاب- حين ينتقل الباحث من إثبات حضور العامل السياسي إلى اعتباره المصدر الحاسم للفكرة. فارتباط مسألة عقدية بصراع على السلطة لا يثبت نشأتها لتحقيق غرض سياسي، كما أن توظيفها في نزاع تاريخي لا يستنفد دلالتها المعرفية. ويقر الريس بأهمية السياسة في فهم التاريخ الفكري، لكنه يعترض على تحويلها إلى مفتاح تفسيري شامل، خصوصاً حين تُستخدم المحركات لإبطال آراء المخالفين وتثبيت قراءة بعينها. إذ وقتها يصبح التفسير انتقائياً، وتتحول المحركات من أدوات للبحث إلى افتراضات توجه نتائجه مسبقاً. 

ومن هذه الزاوية يميز الكتاب بين ثلاث اتجاهات في التعامل مع محركات الأفكار. أولها الإيغال في اعتبارها، حين يُبحث عن دافع وراء كل موقف ويُجعل أساساً لتفسيره أو الحكم عليه، وقد يمتد ذلك إلى تفسير أقوال المخالفين بدوافع لا يخضع الباحث نفسه لمثلها. وثانيها إهمال المحركات والاكتفاء بظاهر الأقوال، بمعزل عن الظروف والمقاصد والملابسات الضرورية لفهمها. ويتمثل الاتجاه الثالث في الاعتدال المنهجي في توظيف هذه الأدوات. 

ويقتضي هذا الاعتدال اعتبار المحركات جزءاً من تفسير الموقف، مع تقويم القول في ضوء أدلته وسياقه العلمي، والتحقق من صلة الدافع المفترض بصاحبه. ويؤكد المؤلف إمكان اجتماع محركات متعددة في الفكرة الواحدة، وضرورة تجنب التسرع في تعيين أحدها سبباً حاسماً. وفي المسائل الشرعية، يستند هذا المنهج إلى القرآن والسنة وأصول الاستدلال المعتبرة، بما يضبط البحث في الدوافع ويحد من الظن بالمقاصد أو تحميل الأقوال ما لا تحتمله. 

ويستعيد المؤلف منهج ابن تيمية نموذجاً لهذا الاعتبار، من خلال تمييزه بين الخطأ الناشئ عن الاجتهاد، والموقف المدفوع بالهوى، والحالات التي تختلط فيها الشبهة بالميل النفسي. فقد يصل المجتهد إلى نتيجة خاطئة مع صدق قصده وبذل وسعه في طلب الحق، بينما يتبنى آخر موقفاً تدفعه إليه ميوله رغم قيام الأدلة المخالفة. وقد تجتمع الشبهة والهوى بدرجات متفاوتة، مما يجعل فهم الموقف مرتبطاً بمعرفة صاحبه ومقصده وطريقة استدلاله. ويحول هذا التمييز دون التسوية بين الخطأ الفكري والتعمد في مخالفة الحق. 

وتتضح أهمية هذا المنهج في الأحكام المتعلقة بأصحاب الأقوال، خصوصاً في الخلافات العقدية. فيستعرض الكتاب نصوصاً لابن تيمية وغيره تميز بين الحكم على القول والحكم على قائله، وتراعي موانع المؤاخذة كالجهل والتأويل وعدم بلوغ الحجة. فقد يكون القول مخالفاً لأصل شرعي، بينما يتوقف الحكم على صاحبه على معرفة مقصوده وملابساته ومدى إدراكه لقوله. ويتصل بذلك اختلاف دلالات الألفاظ واحتمال قصد المتحدث معنىً يخالف ظاهر عبارته. وهكذا يصبح فهم السياق والمقاصد ضرورياً لتقدير مسؤولية صاحب القول، مع بقاء تقويم مضمونه قائماً على الأدلة والأصول المعرفية. 

وتختلف قوة الاستدلال على الدوافع بحسب طبيعة الشواهد المتاحة؛ فالتصريح بالمقصد يختلف عن استنتاجه من الظروف والقرائن، كما أن تشابه الأقوال لا يستلزم وحدة المحركات التي ولدتها. ومن ثم، فإن توظيف المحركات في القراءة الفكرية يقتضي التمييز بين ما يثبت عن صاحب الفكرة، وما ترجحه الملابسات، وما يبقى في دائرة الاحتمالات.   

من الفكرة إلى الممارسة  

تختلف طريقة معالجة الخلاف الفكري باختلاف المحرك الذي يؤثر فيه؛ فالتباين الناشئ عن سوء فهم المصطلحات يحتاج إلى تحرير المفاهيم، والخلاف المرتبط باختلاف المقدمات المعرفية يتطلب مناقشة تلك المقدمات، بينما قد تحد الانتماءات والمصالح من استعداد الأطراف لقبول الأدلة. ويغير هذا التمييز طرق الحوار، إذ يدفع إلى تشخيص موضع الخلاف قبل تكرار الحجج، وفهم الأسباب التي تجعل دليلاً مقنعاً لدى طرف ومستبعداً لدى آخر. 

ويقتضي استعمال هذا المنهج إخضاع قناعاتنا للفحص نفسه الذي نطبقه على مواقف مخالفينا. فالإنسان أكثر ميلاً إلى ملاحظة أثر الهوى والمصلحة في أفكار الآخرين، بينما قد يرى آراءه الخاصة ثمرةً خالصةً للبحث والاستدلال. ومن هنا تبرز أهمية اختبار استعدادنا لقبول الحجة نفسها إذا صدرت عمن نختلف معه، أو مراجعة موقف ارتبط بانتماءاتنا ومصالحنا. وقد تتوافق المصلحة مع الحقيقة، كما قد يصدر الخطأ عن اجتهاد صادق؛ لذلك يظل تقويم القناعة مرهوناً بفحص أدلتها، مهما تكشفت دوافع صاحبها. 

ويمتد هذا الانتباه إلى قراءة التاريخ الفكري، إذ ينبغي تقدير أثر الظروف السياسية والاجتماعية في نشوء الأفكار دون اختزالها في تلك الظروف، أو إسقاط اهتمامات الحاضر على مواقف الماضي. كما تصبح معرفة المحركات أكثر نفعاً حين تساعد على فهم السياقات والمقاصد، وتمنع التسرع في نسبة الدوافع إلى أصحابها. فكلما اتسع فهمنا لأسباب الاختلاف، ازدادت الحاجة إلى الدقة في تفسيرها والإنصاف في الأحكام الصادرة عنها. 

الخاتمة  

يكشف الكتاب أن تاريخ الأفكار يتجاوز الحجج والمقولات، ليشمل الدوافع والتصورات والظروف التي أسهمت في نشأتها وانتشارها وتحولاتها. وقد حاول الكتاب جمع هذه المؤثرات في إطار تفسيري يوسع فهم الحياة الفكرية، مع إدراك ما ينطوي عليه البحث في الدوافع من مخاطر منهجية، خصوصاً حين تتحول القرائن والظروف إلى أحكام قاطعة على مقاصد أصحاب فكرة ما، أو يصبح تفسير منشأ الفكرة طريقاً للحكم على صحتها. وتبرز قيمة هذا المشروع في السعي للجمع بين الكشف عن المحركات وضبط الاستدلال بها، بما يحفظ لكل من تفسير الأفكار وتقويمها مجاله وأدواته. 

ولعل المسألة الأهم التي يثيرها الكتاب تتعلق بحدود ما نستطيع معرفته عن الأفكار وأصحابها؛ فقد نفهم الظروف التي هيأت لظهور فكرة ما، والدوافع التي رجحت اعتناقها، والعوامل التي ساعدت على انتشارها، ومع ذلك يبقى الحكم على صحتها مقترناً بفحص أدلتها، كما يبقى تقدير مسؤولية صاحبها مرتبطاً بمعرفة قصده وملابسات موقفه. ومن هنا تكتسب دراسة المحركات قيمتها إذ تعمق فهمنا للخلافات الفكرية وتزيد قدرتنا على الإنصاف في قراءتها، دون أن تتحول معرفتنا المحتملة بأسباب معتقد ما إلى بديل عن النظر في حقيقة ذلك المعتقد.