لا يظهر سؤال معنى الحياة دائماً بصورة مباشرة؛ إذ تحجبه حركة اليومي والعادات والعمل والرغبات، ثم يعود حين يختل هذا الانتظام في الملل، والألم، والفقد، والموت. عندها تتجاوز المسألة وجود أهداف نسعى إليها إلى سؤالٍ قبلي؛ ما الذي يجعل هذه الأهداف جديرةً بأن تُطلب، وما الذي يصل تفاصيل الوجود داخل قصةٍ يمكن فهمها ومن ثم العيش على أساسها؟

وتزداد صعوبة هذا السؤال في العالم الحديث؛ مع اتساع حرية الإنسان وتراجع الأطر الدينية والاجتماعية التي كانت تمنح الوجود تفسيراً سابقاً على الفرد، فانتقلت إليه مسؤولية تحديد هويته وغاياته ومعنى حياته. وينطلق كتاب “معنى الحياة في العالم الحديث” تأليف عبد الله الوهيبي من هذا النقاش، متتبعاً ما ترتب على انتقال المعنى إلى الذات؛ من صعود الأصالة وتحقيق الذات، إلى البحث عن بدائل للمقدس في الجسد والحب والدولة والفن والروحانيات، ثم عودة السؤال بصورةٍ أكثر كثافة مع الزمن والألم والموت. ويكشف هذا المسار أن أزمة المعنى لا تنشأ من غياب ما يمكن العيش من أجله، وإنما من صعوبة العثور على إطارٍ يمنح الحياة، بما فيها من تغيرٍ وفقدٍ ونهايةٍ، معنىً متماسكاً.

فردنة المعنى وعبء الاختيار

ينطلق الكتاب من أن المعنى ليس هدفاً جزئياً يضيفه الإنسان إلى حياته، بل الإطار الذي يجعل هذه الحياة مفهومةً بوصفها كلاً. فالأفعال اليومية قد تكون ممتعةً أو نافعةً، لكن سؤال المعنى يبدأ حين نتساءل عما يربط هذه الأفعال بعضها ببعض، وعن الغاية التي تتجه إليها، وما الذي يجعل الألم والفقد والموت أجزاءً قابلةً للفهم داخل قصة الحياة. ولهذا يسعى الكتاب للوصل بين معنى حياة الفرد والأسئلة الأوسع عن أصل الإنسان وغايته ومآله؛ فالمعنى الجزئي يستمد تماسكه، بدرجةٍ أو بأخرى، من تصورٍ أوسع للوجود. ويستند الوهيبي هنا إلى نزوعٍ إدراكي أسبق من النقاش الفلسفي نفسه؛ فالإنسان يبحث في العالم عن الأنماط والاتساق، ويحاول جمع الوقائع المتفرقة داخل صورةٍ تجعل وجوده مفهوماً.

غير أن الحداثة غيّرت طبيعة العالم الذي يُطلب من الإنسان أن يجد داخله هذا المعنى. فقد منحت الثورة العلمية الإنسان قدرةً متناميةً على تفسير الظواهر والسيطرة عليها، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في الفصل بين معرفة كيف يعمل العالم والسؤال عن لماذا ينبغي أن نعيش على نحوٍ معين. ويربط الكتاب ذلك بمسارات العقلنة والعلمنة، حيث لم تعد الطبيعة تُقرأ بوصفها حاملةً لدلالاتٍ أخلاقيةٍ وغاياتٍ سابقةٍ على الإنسان. تستطيع المعرفة العلمية أن تصف الحياة وأن تفسر آلياتها، لكنها لا تستخرج من هذا الوصف وحده جواباً عن الغرض منها أو القيمة التي ينبغي أن توجهها. ولذلك لم يؤد تراكم المعرفة بالضرورة إلى ازدياد وضوح الغاية؛ بل أصبح ممكناً أن نعرف عن العالم أكثر فيما يصبح السؤال عن موضع الإنسان فيه أشد التباساً.

ومع ذلك لا يختفي سؤال المعنى؛ إذ يعود حين يتعطل انتظام الحياة المعتاد وتنكشف محدودية الأهداف الجزئية، كما يحدث في الملل والألم والفقد والموت. في هذه اللحظات يتجاوز السؤال ما يملأ الأيام إلى ما إذا كانت تفاصيل الحياة تنتظم داخل غايةٍ أوسع؛ تمنحها موقعها ومعناها.

التحول الأهم، مع ذلك، لم يقع في صورة العالم وحدها، بل في الجهة التي أصبحت مسؤولةً عن إعطائه معنىً. ففي الأطر التقليدية كان الإنسان يلج عالماً سبقته فيه تصورات عن الخير والغاية والدور والمصير، وكانت الأسرة والدين والجماعة والتقاليد تنقل إليه جانباً كبيراً من هذه التصورات. ومع تراجع قدرة هذه الأطر على تعريف الحياة الجيدة، اتسعت حرية الفرد، لكن اتسعت معها مسؤوليته عن اختيار الغاية التي يعيش لها. وهنا يحدد الكتاب المحور المركزي في أزمة المعنى المعاصرة؛ والمتمثلة في فردنة معنى الحياة. إذ لم يعد المعنى يُستمد تلقائياً من منظومةٍ اجتماعيةٍ جامعة، بل أصبح شأناً يخص الفرد، عليه أن يحدد بنفسه ما يستحق الالتزام به وما الذي يجعل حياته ذات قيمة.

ولا تعني هذه الفردنة مجرد تعدد الاختيارات؛ فهي تنقل إلى الفرد أيضاً عبء تسويغ اختياراته. فإذا لم تعد الغايات الكبرى موضحة، وجب عليه أن يختار بينها أو أن يصنع غايته الخاصة، وأن يحدد في الوقت نفسه المعيار الذي يجعلها جديرةً بالاختيار. ومن هنا تظهر حدود الإجابات التي تكتفي بالنجاح أو المتعة أو العلاقة أو الإنجاز؛ فهي قد تجيب عن حاجاتٍ حقيقية، لكنها لا تحسم السؤال عما يمنح هذه الأشياء قيمتها داخل الحياة. ولذلك تتنوع الإجابات الحديثة التي يرصدها الكتاب بين إنكار السؤال، والهروب من لوازمه، ومحاولة تقديم معنىً إثباتيٍ، لكن المشترك بينها أنها تواجه واقعاً لم يعد فيه الجواب موروثاً بالدرجة نفسها التي كان عليها من قبل. وبهذا المعنى، تتجاوز أزمة الحداثة تراجع المعنى إلى تحميل الفرد مسؤولية إنتاجه.

اكتشاف الذات وهوس البحث عن الأصالة

تكونت الذات التي أصبحت مسؤولةً عن معنى حياتها عبر تاريخ طويل جعل الداخل الإنساني موضعاً متزايد الأهمية للحقيقة والهوية. يتتبع الكتاب أحد جذور هذا التحول في الانتقال إلى فكرة الحقيقة في الذات؛ أي أن معرفة ما هو حقيقيٌ لا تمر فقط بالعالم الخارجي، بل بالرجوع إلى النفس وفحصها. غير أن العودة إلى الداخل لم تبق ممارسة روحية أو أخلاقية؛ فقد اكتسبت مع التحولات الفلسفية الحديثة معنىً معرفياً آخر، حتى أصبح وعي الإنسان بنفسه نقطة انطلاق لليقين.

ثم امتد الاستقلال من مجال المعرفة إلى السياسة والأخلاق والحياة الشخصية. فقد ربطت الحداثة النضج بقدرة الإنسان على استخدام عقله والخروج من الوصاية، واتسعت تبعاً لذلك مساحة ما ينبغي أن يقرره الفرد بنفسه؛ معتقداته، وأدواره، وعلاقاته، والمسار الذي يتخذه لحياته. إذ لم يعد الامتثال لنظام سابق عليه كافياً لإثبات صلاح الحياة؛ فقد أصبح الإنسان مطالباً بأن يكون شريكاً في اختيارها. ويلتقط الكتاب هنا توتراً سيبقى ملازماً للذات الحديثة؛ فهي كلما تحررت من السلطات التي كانت تحدد لها ما ينبغي أن تكونه، ازدادت حاجتها إلى العثور على أساسٍ آخر تحدد به كينونتها ومرادها في هذه الحياة.

دفعت الرومانسية هذا التحول خطوةً أخرى حين منحت الداخل الإنساني قيمةً لا تقوم فقط على العقل المشترك بين البشر، بل على فرادته. إذ أصبح لكل إنسانٍ، وفق هذا التصور، طريقته الخاصة في الوجود، وصار صدقه مع نفسه قيمةً بحد ذاتها. هكذا تبلورت فكرة الأصالة؛ أن توجد حياةٌ تخصني أنا، وأن تكون مهمتي اكتشافها والوفاء لها، لا مجرد التكيف مع ما يتوقعه الآخرون. ويبين الكتاب كيف ارتفعت تبعاً لذلك مكانة العاطفة والمخيلة والتجربة الشخصية، حتى صار الداخل الإنساني يحتوي، في التصور الحديث، على حقيقةٍ لا يستطيع المجتمع أن يحددها نيابةً عن صاحبها. لكن جعل الداخل مرجعاً للهوية لا يلغي الحاجة إلى الاعتراف الخارجي بها؛ فالذات التي تريد أن تستمد تعريفها من نفسها تظل محتاجةً إلى الآخرين ليعترفوا بهذا التعريف. وهكذا يبقى الخارج حاضراً في بناء ذاتٍ تعلن استقلالها عنه.

غير أن الأصالة تحول الحياة نفسها إلى مشروعٍ دائم. فحين تكون الذات مطالبةً باكتشاف حقيقتها، لا تعود الهوية معطى مستقراً، بل شيئاً يحتاج إلى البحث والتفسير وإعادة البناء. ومن هنا تأتي أهمية الاعترافات والسير الذاتية واليوميات وغيرها من ممارسات الكتابة عن النفس التي يناقشها الكتاب؛ فالإنسان لا يسجل ما حدث له فقط، بل يصوغ عبر السرد صورةً عن نفسه ويحاول أن يحافظ على استمراريتها.

ويصل هذا المسار إلى مفهوم تحقيق الذات، حيث لم يعد المطلوب أن يمتلك الإنسان حياةً ناجحةً وفق معايير خارجية، بل أن يشعر بأنها تعبّر عنه وتحقق إمكاناته الخاصة. ولهذا أمكن للفكرة أن تنتقل من الفلسفة وعلم النفس إلى المؤسسات وسوق العمل؛ فتقدم الشركات نفسها أحياناً بوصفها فضاءاتٍ يستطيع الموظف داخلها أن يحقق ذاته، بما يكشف قدرة هذا التصور على إعادة تفسير حتى النشاط الاقتصادي بلغة النمو الشخصي، وهكذا استطاعت المؤسسات أن تستوعب مطلب تحقيق الذات داخل منطق الإنتاج.

وتظهر آثار هذا التصور بوضوحٍ في تغير طبيعة المشكلات النفسية التي يرصدها الكتاب؛ فمع اتساع دور العلاج النفسي في القرن العشرين، امتدت الشكاوى من الأعراض التقليدية إلى الفراغ وفقدان المعنى واضطراب الإحساس بالذات. وهكذا أصبحت الذات نفسها موضع الأزمة، بما تحمله من شعورٍ بالتبعثر والركود وغياب المعنى. وقد تنجح بعض العلاجات الحديثة في احتواء هذا التبعثر وتنظيم صورة الفرد عن نفسه وتخفيف مشاعره المؤذية، فيما يظل السؤال الأخلاقي عن نوع الحياة التي تستحق أن تعاش خارج نطاق ما تستطيع هذه العلاجات حسمه.

وتندرج المراهقة وأزمة منتصف العمر داخل المسار نفسه. فالمراهقة لم تعد مجرد انتقالٍ بيولوجيٍ، بل أصبحت في الثقافة الحديثة مرحلةً يُطلب فيها من الإنسان أن يجد نفسه ويحدد هويته، وهو ما يربطه الكتاب بتراجع بعض آليات التوريث الثقافي وضعف الأدوار الاجتماعية. أما منتصف العمر فيكشف الوجه الآخر للمشكلة؛ إذ يعود السؤال بعدما قطع الفرد جزءاً كبيراً من حياته؛ هل الحياة التي بناها هي بالفعل الحياة التي أرادها؟ مع ضرورة وضع حدود واضحة لتعميم هاتين الظاهرتين تاريخياً وثقافياً، حتى لا تعامل خبرةٌ تشكلت في سياق غربيّ حديث بوصفها وصفا عاما وثابتاً للطبيعة الإنسانية.

وهكذا تنتقل الذات من شيءٍ يُكتشف إلى مشروعٍ يُنتج ويُراجع باستمرار. غير أن قدرتها على اختيار غاياتها لا تمنح هذه الغايات قيمتها النهائية؛ فالذات تستطيع تحديد ما تريد، لكنها لا تستخرج من مجرد إرادتها سبباً يجعل ما تريده جديراً بأن يحمل معنى حياتها، ومن هذه الفجوة يبدأ البحث عما يتجاوزها.

المقدسات الأرضية وعبء المعنى

إذا كانت الذات الحديثة قد أصبحت مسؤولةً عن منح حياتها معناها، فإنها سرعان ما تكتشف أن المعنى يحتاج إلى ما يتجاوز تقلبات الرغبات الفردية. ومن هنا ينتقل الكتاب من تاريخ الذات إلى تاريخ المقدسات البديلة؛ أي الأشياء والتجارب والمؤسسات التي تبدأ دنيويةً، ثم تُحمَّل تدريجياً بوظائف كانت تؤديها المرجعيات الدينية؛ كمنح الانتماء، وتحديد ما يستحق الولاء والتضحية، وربط الحياة بقيمةٍ أعلى منها، وتوفير قدرٍ من الثبات أمام الفناء. ولا تقوم حجة الوهيبي هنا على أن الإنسان الحديث عاد إلى الدين في صورٍ خفيةٍ بالمعنى الحرفي، بل على أن تراجع المقدس التقليدي لم يُلغِ الحاجة الإنسانية إلى ما يؤدي بعض وظائفه؛ فتتحول عملية نزع القداسة، في مواضع مختلفةٍ، إلى إعادة توزيعٍ لبعض وظائف المقدس داخل العالم الدنيوي.

ويبدأ هذا البحث من أقرب ما يملكه الإنسان؛ والمتمثل في الجسد. ففي عالم تزداد فيه التجريدات وتتراجع فيه اليقينيات الكبرى، يبقى الجسد حقيقة حسية مباشرة يمكن للفرد أن يراها ويشكلها ويتدخل فيها. ولهذا يربط الكتاب بين تصاعد مركزية الجسد وبين مشاريع الحمية والصحة والتجميل والوشوم والثقوب والخوف من الشيخوخة، بل وبين تعمد بعض أشكال الألم والمخاطرة. إذ وفقاً لذلك، لا يصبح الجسد مجرد وعاءٍ للذات في هذا العصر، بل مادةً يعمل عليها الفرد ليؤكد تفرده ويكثف إحساسه بأنه حيٌ موجود.

يمنح الجسد المرء كثافة الحضور أكثر مما يمنحه إطاراً يتجاوز حياته الفردية، ولذلك يتحرك البحث عن المعنى أيضاً نحو كياناتٍ تستطيع استيعاب الفرد داخل كلٍ أكبر. وهنا يناقش الكتاب صعود الدولة القومية والأيديولوجيات السياسية بوصفها من أبرز المحاولات الحديثة لتكوين ولاءٍ جامع بعد انحسار كثيرٍ من الروابط الدينية والمحلية التقليدية. إذ لم تعد الأرض والأمة والدولة مجرد ترتيباتٍ سياسيةٍ؛ فقد أُحيطت بالرموز والطقوس والذاكرة والتضحية، وأصبحت قادرةً على مطالبة الفرد بولاءٍ يتجاوز مصلحته الخاصة. ويستعيد الكتاب في هذا السياق التشابه الوظيفي بين المقدس الديني وبعض صور الوطنية الحديثة؛ والمتمثل في السعي إلى إنتاج رموز وطقوس واستعداد للتضحية. غير أن تجارب القرن العشرين، بما حملته من صراعاتٍ أيديولوجيةٍ واسعةٍ، أضعفت بدورها الثقة في المطلقات الجماعية، فانتقلت محاولات المعنى مرةً أخرى باتجاه صيغ أكثر فردانيةً وأقل إلزاماً.

ومن هنا يفسر الكتاب انتشار الروحانيات البديلة واستعادة بعض فلسفات الحياة القديمة. فالإنسان يسعى إلى تجربة تتجاوز اليومي، لكنه لا يريد بالضرورة مؤسسة دينية تحدد أنماط من العقيدة والسلوك. ولهذا يصبح التدين نفسه، في بعض أنماطه المعاصرة، شخصياً وانتقائياً؛ ينتقي الفرد منه ما يمنحه السكينة أو الامتلاء، ويترك ما يفرض عليه التزاماً. وهكذا يبقى طلب التجاوز حاضراً، لكن مركزه ينتقل من العقيدة والمؤسسة إلى الأنا وتجربتها الخاصة.

ويظهر المنطق نفسه في مجالاتٍ تبدو أبعد من سؤال الدين، كالرياضة والسوق؛ فالرياضة تنتج جماعاتٍ وانتماءاتٍ وطقوساً ورموزاً تتجاوز المتعة البدنية، بينما يستطيع السوق ربط السلع بهوياتٍ وأنماط حياةٍ وصورٍ عن الإنسان الذي يريد المرء أن يكونه. ولهذا يستخدم الكتاب فكرة تديين بعض الممارسات الاستهلاكية والتسويقية بوصفها استعارةً تكشف قدرتها على إنتاج الولاء والتكرار والرغبة، لا باعتبار السوق ديناً بالمعنى العقدي.

ويبلغ تحميل العلاقات بعبء المعنى ذروته في الحب؛ إذ تبدو العلاقة العاطفية قادرةً على جمع الاعتراف والانتماء والحميمية وتحقيق الذات في تجربةٍ واحدةٍ، حتى يغدو الشريك مطالباً بأن يكون حبيباً وصديقاً ومصدراً للأمان والمعنى معاً. ومع تراجع الأطر الخارجية، قد يحتل الحب موقعاً يقارب المطلق أو المقدس داخل الوجود الشخصي، فيصبح موضعاً ينتظر منه الإنسان تثبيت قيمته ومنح حياته معنىً. غير أن تضخم هذه التوقعات يزيد هشاشة العلاقة؛ فإذا غدا الآخر مسؤولاً عن تأكيد قيمة الذات، صار تغير مشاعره تهديداً لها. ومن هنا تنشأ المفارقة؛ كلما ارتفعت منزلة الحب بوصفه مصدراً للمعنى، اتسعت المطالب الموضوعة عليه وازدادت صعوبة الوفاء بها.  

أما الفن فيقدم صورةً أخرى من التجاوز؛ فهو لا يعد بامتلاك الحقيقة النهائية، لكنه يستطيع أن يخرج الإنسان مؤقتاً من محدودية تجربته المباشرة ويمنحه امتلاءً وجدانياً أو رؤيةً مختلفةً للعالم. ويرى الكتاب أن استقلال الفن الحديث سمح له بأن يشغل مساحات كانت قريبة تاريخياً من التجربة الدينية؛ فأصبح البحث عن الجمال والكثافة الشعورية والتجربة الجمالية إحدى الطرق التي يُقاوم بها فراغ الحياة اليومية. غير أن كثرة المنتجات الثقافية وإمكان استهلاك التجربة الجمالية بلا نهاية يحملان المفارقة التالية؛ ما يمنح لحظةً من الامتلاء يمكن أن يتحول، مع تكراره، إلى وسيلةٍ لتأجيل السؤال الذي استدعاه أصلاً؛ فيوفر الفن إشباعاً روحياً مؤقتاً من دون أن يحسم سؤال المعنى.

تكشف هذه البدائل أن المشكلة ليست في افتقار الحياة الحديثة إلى ما يمنحها قيمة، وإنما في حجم العبء الذي يوضع على الأشياء المحدودة. فما يقع داخل الحياة قد يمنحها معنىً جزئياً، لكنه يصبح هشاً حين يُطلب منه تفسير الحياة كلها، وهو ما ينقل السؤال من مصدر المعنى إلى قدرته على الاستمرار عبر الزمن.

الزمن والسردية ووحدة الحياة

المعنى لا يحتاج إلى مصدرٍ فقط، بل إلى زمنٍ يستطيع أن يمتد داخله. فقد يمنح الجسد والحب والفن والتجربة الروحية اللحظة كثافةً، لكن الحياة المتغيرة تحتاج إلى ما يصل بين لحظاتها ويمنحها الوحدة والاستمرار. وتبرز المشكلة في العالم الحديث مع صعود ما يسميه الكتاب “الحاضرية”؛ أي تضخم اللحظة الراهنة حتى تكاد تستوعب علاقة الإنسان بالزمن كله. إذ يعرض الكتاب تحولاً تاريخياً في الوعي الزمني انتهى إلى تراجع الثقل الذي كان يحمله الماضي بوصفه مصدراً للهوية والخبرة، وضعف حضور المستقبل بوصفه امتداداً تتوجه إليه حياة الفرد والجماعة، وهو ما أفضى إلى تآكل إحساس الإنسان بكونه جزءا من استمرارية تاريخية تسبقه وتمتد بعده.

ويكمن الإشكال وقت تحول الحاضر من جزءٍ من الزمن إلى أفقٍ يكاد يستنفده، فحين تنقطع اللحظة عن الماضي الذي يفسرها والمستقبل الذي يمنحها وجهةً، يصبح على الإنسان أن يستخرج منها كل قيمتها فوراً؛ فتتضخم الحاجة إلى التجربة المكثفة والتجدد المستمر. وبهذا تتصل الحاضرية بما سبقها من محاولات تحميل اللحظة من المعنى ما لم تعد الحياة الممتدة قادرةً على ضمانه.

ولهذا يتحفظ الكتاب على بعض الخطابات الروحانية التي تجعل الانغماس الكامل في الحاضر طريقاً للخلاص. فالإشكال في تصور إمكان التحرر من أعباء الزمن عبر الانفصال عن الماضي والمستقبل؛ إذ يتجاهل ذلك أن الوجود الإنساني منغرسٌ في التاريخ، وأن الحاضر نفسه مشبعٌ بما عاشه الإنسان وما ينتظره ويأمله ويخشاه.

وتصبح السردية هنا أكثر من مجرد قصةٍ نرويها عن أنفسنا؛ إذ هي الآلية التي تجمع الأزمنة المتفرقة في حياة واحدة. فالسرد يستوعب الماضي من دون أن يبقى أسيراً له، ويجعل الحاضر مفهوماً في ضوء ما سبقه، ويوجه الفعل إلى مستقبل لم يقع بعد. ولذلك يربط الكتاب بين ضعف الامتداد الزمني واضطراب الهوية نفسها؛ أي أنه كلما زادت هيمنة الحاضر على الماضي والمستقبل؛ قل الاستقرار، وتشوشّت الهوية، لأن الذات تفقد القصة التي تجعل تغيراتها المتعددة تحولاتٍ داخل حياة واحدة لا ذواتاً منفصلة تتعاقب بلا رابط.

ويمتد أثر ذلك إلى الجماعات أيضاً؛ فهي في حاجة إلى ذاكرة ومشروع يصلان حاضرها بمن سبقها ومن سيأتي بعدها. فضعف الامتداد الزمني لا يبعثر هوية الفرد وحده، بل يضعف أيضاً إحساس الجماعة باستمرارها ومسؤوليتها عبر الأجيال.

المعنى عند حدود الألم والموت

إذا كانت السردية المتصلة تمنح الحياة تماسكها عبر وصل الماضي بالحاضر والمستقبل، فإن الألم والموت يختبران قدرة هذه السردية على الصمود وقت انكسار الحياة. ولا تُختبر قدرة المعنى على حمل الوجود ما دامت الحياة تسير كما يرغب المرء؛ إذ تتكشف حاجته الأشد حين يفقد ما يحب، أو يعجز عن تغيير ما يؤلمه، أو يواجه نهايةً لا يمكن تحويلها إلى بدايةٍ جديدة. ولهذا يعود الكتاب في نهايته إلى سؤالين أساسيين؛ ماذا يعني الألم داخل قصة الحياة؟ وهل يستطيع معنىً ينتهي عند الموت أن يمنح هذه القصة غايتها النهائية؟

وتتضح المعضلة أكثر حين يبدو الألم بلا دلالة؛ فالطب قد يفسر مصدره ويخففه، والعلاج النفسي قد يساعد على احتماله، بينما يبقى موقعه داخل قصة الحياة سؤالاً مفتوحاً. وهنا تظهر حدود المعاني الجزئية التي ناقشها الكتاب؛ كمرض الجسد، والعلاقات المنتهية بالفقد، والانتماءات غير الرافعة للمعاناة الفردية، والكثافة الوجدانية غير القادرة على منح الألم أي معنى. ولذلك لا تكفي المقدسات الأرضية وحدها لحمل تعاسات الإنسان وآلامه.

أما الموت فيدفع أزمة المعنى إلى حدها الأكثر وضوحاً؛ إذ يضع نهايةً لصاحب المشاريع نفسه، ويكشف قصور المعاني التي تمنح الحاضر قيمةً من دون أن تجيب عما يبقى منها عند الفناء. ومن هنا يستعيد الكتاب فكرة الخلود بوصفها استجابة لمطلب أعمق من إطالة العمر؛ أي إمكان أفق مستقبلي يعوض ما تعذر تعويضه في الدنيا، ويعيد وصل ما قطعه الموت.

عند هذه النقطة ينتقل الوهيبي من تشخيص أزمة المعنى إلى تقديم الجواب الإسلامي. فالسردية الكافية ينبغي أن تشمل المنشأ والمصير وما بينهما، ولهذا يقدم السردية القرآنية بوصفها إطاراً يبدأ من الخلق، ويحدد موقع الإنسان في العالم وغاية وجوده، ويجعل الحياة الأرضية مرحلةً محدودةً تتصل بزمنٍ لا ينتهي عند الموت، بل ينفتح على الأبدية.

تكمن قوة هذا الجواب في أنه لا يضيف الآخرة إلى الحياة بعد اكتمال تفسيرها، بل يعيد ترتيب معنى الحياة وفقاً لذلك. فالحياة الأرضية تصبح إقامةً مؤقتةً، ويمنح التكليف الفعل الأخلاقي موقعه، ولا تعود الدنيا الزمن النهائي للقيمة أو الوجود. وهو ما يكسب الخلود موقعه المركزي؛ إذ لا يعود المستقبل مقصوراً على ما يستطيع الإنسان تحقيقه في عمره البيولوجي الدنيوي، ولا تصبح الخسارة الأخيرة بالضرورة خسارةً نهائيةً. وبذلك يستوعب هذا التصور الفقد والموت داخل امتدادٍ لا ينتهي عندهما.

غير أن الوهيبي ينبه في ختام الكتاب إلى أن الدين أوسع من أن يُفهم بوصفه مورداً علاجياً لتوفير المعنى أو تخفيف القلق الوجودي فحسب؛ فهو تصورٌ للوجود والحقيقة، والإنسان، والعمل، والغاية. ومن ثم يعترض على علمنة سؤال المعنى حين يتحول الدين إلى خيارٍ ضمن موارد متعددةٍ لتحقيق التوازن والرضا الداخلي. فالسردية التي يقدمها الكتاب تنطلق من كون المولى -عزوجل- أصلاً لتفسير وجود الإنسان وغايته، ومن هذا الأصل يتحدد معنى الحياة وما ينبغي فعله تالياً لذلك.

قيمة الكتاب وحدوده

تكمن قيمة كتاب “معنى الحياة في العالم الحديث” أولاً في أنه لا يعامل سؤال المعنى بوصفه مسألةً فلسفيةً منعزلةً عن الحياة الحديثة، بل يلاحق الشروط التي جعلت السؤال نفسه يتغير. فالمشكلة عند الوهيبي لا تختزل في أن الإنسان المعاصر فقد جواباً قديماً، وإنما في أن العالم الذي كان يمنح هذا الجواب بداهته قد تغير، وأن الذات نفسها أصبحت مطالبةً بأن تنتج من داخلها ما كانت تستمده من الدين والجماعة والتاريخ. لهذا استطاع الكتاب أن يصل بين تاريخ الأفكار والتحولات النفسية والاجتماعية، ثم بين الفردانية والأصالة والجسد والحب والفن والزمن والموت، من دون أن يتعامل معها بوصفها موضوعاتٍ متجاورةً فقط. وهذه القدرة على جمع ظواهر متباعدةٍ تحت سؤالٍ واحدٍ هي أبرز إضافات الكتاب؛ إذ تجعل أزمة المعنى مدخلاً لقراءة صورة الإنسان الحديث، لا مجرد أزمةٍ من أزماته.

ويزيد من قوة الكتاب اتساع مادته وقدرته على نقل السؤال بين حقولٍ متعددةٍ من دون حصره في الفلسفة المتخصصة. فقد استند إلى مادة واسعة من علم النفس والاجتماع وتاريخ الأفكار والأدب والفن والدين، وهو ما يجعلنا نصف الكتاب بأنه فهرس واسع للأجوبة والنقاشات المتصلة بسؤال المعنى. غير أن قيمة هذه المادة لا تكمن في كثرتها، بل في قدرة المؤلف على توظيفها لرصد المواضع التي انتقل إليها طلب المعنى بعد تغير أطره السابقة.

غير أن اتساع المادة يضعف الحجة في بعض المواضع. فالكتاب يصرح بأنه لا يسعى إلى بناء نظرية تفسيرية مكتملة ومتماسكة لكل ما يناقشه، وإنما يجمع ملاحظات وتحليلات من حقولٍ متعددة لمحاولة تفسير أزمة المعنى المعاصرة. ولذلك يكون أقوى حين يكشف التشابه الوظيفي بين الظواهر، وأقل حسماً حين ينتقل من هذا التشابه إلى تفسيرها تفسيراً سببياً. فارتباط الاكتئاب أو المراهقة أو أزمات الهوية بتصاعد الفردانية وتراجع الأطر التقليدية يفتح مساراً تفسيرياً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن هذه التحولات هي السبب الأهم في انتشار تلك الظواهر؛ إذ تتداخل معها تغيرات التشخيص، والبنية الأسرية، وسوق العمل، وأنماط التعليم، والتحولات الاقتصادية، وغيرها.

ويظهر التحدي نفسه في مفهوم الأديان البديلة أو إعادة إنتاج المقدس، فمن أقوى أفكار الكتاب ملاحظة أن تراجع الدين المؤسسي لا يعني اختفاء الحاجة إلى الولاء والطقس والانتماء والتجاوز، وأن هذه الوظائف قد تنتقل إلى الدولة والحب والرياضة والفن والسوق والروحانيات المعاصرة. لكن اتساع المفهوم يهدد أحياناً بإذابة الفروق بين ظواهر مختلفةٍ جداً؛ فالدولة القومية التي تطالب بالولاء والتضحية ليست من النوع نفسه الذي تنتمي إليه العلاقات العاطفية أو التجارب الفنية أو الممارسات الاستهلاكية، حتى إذا تشابهت بعض الوظائف التي تؤديها. لذلك تكون فكرة المقدس البديل أكثر إقناعاً حين تُستخدم للكشف عن آلية التحميل الزائد للمعنى، وأقل دقةً إذا تحولت إلى تصنيف واحد يضع كل هذه الظواهر في مستوى تفسيري واحد.

كما أن تاريخ الأزمة الذي يعيد الكتاب بناءه هو، في جوهره، تاريخ غربي حديث. والمؤلف واعٍ بذلك؛ إذ يوضح أن الفرد المقصود في جانبٍ كبيرٍ من التحليل هو الإنسان الغربي داخل المجتمعات الصناعية الحديثة، مع ملاحظة أن المنتجات الثقافية وأنماط الذات التي نشأت في هذا السياق تجاوزته بفعل الانتشار العالمي. وهذه الإشارة مهمة، لكنها لا تلغي السؤال عن حدود الانتقال من تاريخٍ خاصٍ إلى تشخيصٍ أوسع للإنسان المعاصر. فقد تصل الفردانية وتحقيق الذات والثقافة العلاجية إلى مجتمعاتٍ أخرى، لكن دخولها في أنساق أسرية ودينية وسياسية مختلفة يمكن أن ينتج أشكالاً هجينة لا يفسرها التاريخ الغربي وحده. ومن ثم فإن تاريخانية الأفكار التي يستخدمها الكتاب لنقد هيمنتها ينبغي أن تُطبق أيضاً على طرائق استقبالها خارج موطنها الأصلي.

الخاتمة

تكشف أزمة المعنى الحديثة تحولاً في موقع المعنى نفسه؛ فقد تراجعت الأطر التي كانت تمنح الحياة تفسيراً سابقاً على الفرد، وانتقلت إليه مسؤولية تحديد هويته وغاياته وما يستحق أن يعيش من أجله، فاتسعت حرية الاختيار واتسع معها عبء التبرير. ومن هنا تظهر هشاشة المعاني الجزئية؛ فالجسد والحب والدولة والفن والروحانيات والسوق قد تمنح الحياة قيمةً أو كثافةً، لكنها تظل معرضةً لتغير الزمن والفقد والانطفاء، وهو ما يجعل الألم والموت اختباراً لقدرتها على حمل الوجود كله. وعند هذه النقطة يتغير موضع السؤال؛ إذ لا يكفي العثور على شيءٍ نعيش من أجله، وإنما نحتاج إلى إطارٍ يجعل هذه الغاية جديرةً بهذه المنزلة، ويصل منشأ الإنسان بأفعاله وآلامه ومصيره داخل سردية واحدة.

ويقدم الوهيبي في كتابه “معنى الحياة في العالم الحديث” السردية القرآنية بوصفها جوابه عن هذا المطلب؛ إذ تصل الخلق بالتكليف والمصير، وتفتح الزمن الإنساني المحدود على أفق الخلود. غير أن الأثر الأدق لمسار الكتاب يكمن في إعادة صياغته سؤال المعنى؛ فبعد أن بدا شأناً تستطيع الذات أن تستخرجه من داخلها أو تبنيه من اختياراتها، ينتهي بنا إلى أن معنى الحياة يتوقف في النهاية على التصور الذي يفسر العالم الذي توجد داخله، ويحدد موقع الإنسان فيه، وما الذي يجعل حياته، في لحظات الامتلاء كما في الألم والفقد والنهاية، قابلةً للفهم وجديرةً بأن تعاش.