موضوعنا في هذا المقال هو الحديث عن حالةٍ من الوعي السلبيّ التي تصحبها حالة شعورية تجعل من الإنسان فردًا أو مجموعًا يشعر بالانفصال عن واقعه، وكرهه لهذا الواقع، ومحاولة الهروب منه، واللجوء شعوريًّا وفكريًّا إلى واقع مُتَخيَّل، أو إلى واقع وُجِدَ في الماضي أو في مكان وسياق اجتماعي وثقافي وحضاري مختلف.
يمثّل هذا الوعي السلبي والشعور بالانفصال عائقًا خطيرًا من عوائق تحقيق نهضتنا الحضارية التي تسعى إليها أمتنا، وهو ما يسمّى بالاغتراب، زمانيًّا ومكانيًّا، حيث نستعير هذا المصطلح من الأدبيات الماركسية، فقد صكّه ماركس في نطاق تأطيره لأفكاره الاشتراكية، ولكنه انتقل بعد ذلك إلى علم النفس ومن ثم إلى نطاق الفكر الاجتماعي عمومًا، على أيدي كثير من رواد علم النفس الاجتماعي والفلاسفة والمفكرين في العالم.
حالة الاغتراب.. الآثار المباشرة
تدفع حالة الاغتراب قطاعًا كبيرًا من أبناء أمتنا وبناتها، إلى الشعور بفقدان القوة، وفقدان المعنى، والتوجّه نحو العزلة، وغياب المعيارية، وتصاعد الغربة عن الذات، ممّا يدفعهم إلى الهامشية في الحضور وفي المشاركة في هموم وآمال مجتمعهم، وربما يؤدي بهم ذلك إلى نكران المجتمع، وعدم الشعور بالاندماج فيه، نتيجة عدم وجود قيم مشتركة بينهم وبين محيطهم الاجتماعي.
كل ما تقدّم يحمل معاني حالة من الشعور بالغربة أو العزلة عن المجتمع، أو بين الأفراد أنفسهم، مما يؤدي إلى اضطراب في مواضع عديدة وركائز مهمة، كالاضطراب في تحديد المرجعية، والشعور بالانتماء، وفي تحديد كيفية الإسهام في النشاط الاجتماعي بإيجابية، وفي تحديد العلاقة مع الانتماء الثقافي والحضاري للمجتمع، وفي تحديد العلاقة مع الكيانات الحضارية الأخرى.
وهذا الاغتراب في الحقيقة هو في ذاته ثمرة تجاهل متغيرات الزمان والمكان، وتحولات التاريخ، وتجاهل أو عدم إدراك للثابت والمتغيّر في مرجعيّتنا وواقعنا، وفقدان التصور صحيح للذات وللآخر وللزمن الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان.
انعكاسات تجاهل الواقع على مسار نهضة الأمة
إن إغفال الواقع ومراعاته والخروج من انتكاساته انعكس على مسار كثير من المشاريع الإصلاحية والتجديدية، وبرز في جهود الخروج من التخلف، وتحقيق النهضة الحضارية لشعوبنا، إذ نرى أبناء أمتنا سواء منهم الأصاليون أو الحداثيون، يتجاهل كثير منهم واقع أمتهم كنقطة انطلاق أساسية لبناء مشروعيهما النهضويين، فترى طائفة من الأصاليين –بتعبير الدكتور مولود قاسم رحمه الله- قد عادت بأفكارها إلى الماضي للتشبث به والدفاع عنه دون تمحيص ولا نقد.
في حين لاذ الحداثيون بمذاهب فكرية وتوجهات غربية لها واقعها الخاص الذي نشأت فيه، فنشأ عن الفريقين العظيمين من الأمة اغتراب زماني ومكاني، أدّى إلى التلفيق والفوضى أحيانًا، وإلى اصطدام الجهود أحايين أخرى، مما عرقل السير في طريق النهوض.
وما تقدّم من قول ليس دعوة إلى تجاهل الماضي، وإنكار منجزاته، ولا دعوة إلى الانعزال عن تجارب الأمم الأخرى وإنكارها، ولكن هي دعوة إلى “توطين” الذات على ألّا تنكر مرجعيّتها، ولا تنكر زمانها، فعند كثير من الشعوب التي سلكت طريق الحضارة والتنمية في عالمنا المعاصر كان التاريخ مصدر إلهام لها، وكانت تجارب الأمم الأخرى مصدر خبرة مفيدة دون الوقوع في عقدة النقص. بينما بقينا نحن نراوح المكان والزمان، فلم نستطع أخذ العبرة من التاريخ، ولا تخلّصنا من عقدة النقص والدونية تجاه الغرب تحديدًا، وغيره من الأمم بشكل عام، ولم نتعلم من تجارب الأمم التي اختارت طريقًا ثالثًا، ولنا في هذا أمثلة كثيرة مثل كوريا الجنوبية، واليابان، وتركيا، وسنغافورة، وماليزيا، وغيرها.
شروط الحضور الفاعل في وجه الاغتراب
صار التاريخ عبئًا ثقيلاً علينا، فقد وقعنا في الاغتراب التاريخي، واستوردنا منه أفكارًا “ميتة” -بتعبير الأستاذ مالك بن نبي– بعثنا فيها الحياة، فأوقعتنا في حروب التاريخ، بدل التوجه إلى المستقبل. كما وقعنا في عقدة نقص تجاه شعوب سبقتنا في التنمية والتحضر، فصرنا نجلد أنفسنا، وننكر أصلنا. وبات قطاع واسعٌ منا يعيش محاولات استحضار تفاصيل التاريخ ومجرياته، بدل استحضار القِيَم المنتجة له. وصرنا نعيش على أمل أن يظهر لنا “ثوب عمر المُرقَّع”، بدل أن نبني رجالًا ونساء يحملون قِيَم عمر وعدله.
صرنا -من جهة أخرى- مغتربين -كما يقول طه عبد الرحمن- في زمان غيرنا وجغرافية غريبة عنا، نفكّر كما يفكر الآخر، ونستشكل ما يستشكل، وننتج من داخل صندوق حضارته وأفكاره، ولكن باعتبارنا مقلّدين لا مبدعين، فتكدّست منتجات الغرب التي أُنتِجَت في سياقه الاجتماعي والحضاري والثقافي والاقتصادي، كما “نكدّس” أفكاره وتوجهاته، التي تجاوزها هو، وانتقل إلى غيرها بعد أن مارس عليها النقد.
إن هذا الاضطراب العام الذي أصاب الوعي المسلم والضمير المسلم الحديث، التائه بين حلّين، يبعث على الأسى والحزن، وقد لاحظ مالك بن بني هذا منذ عقود، ويبدو أن الحال مازال على حاله.
يقول بن نبي: “ويبدو أن رجال الإصلاح في كثير من المجالات يبحثون عن حل ثالث أكثر توافقًا مع فكرة الإسلام ومع ضرورات العصر، بيد أن هذا البحث في ذاته يطفح بألوان التردّد والمعاناة. ولا شكّ أنّ اضطراب أقطاب الفكر المسلمين يحدث وقفة في تطور الأفكار، إذ ليس في وسع المجتمع الإسلامي أن يعود إلى الوراء، وإلى مرحلة ما بعد الموحّدين، أو أن يطفر إلى الأمام طفرة عمياء في حركته (نحو الغرب). وهكذا تشعرنا حالة العالم الإسلامي بأنه يقف في منطقة (حرام) في التاريخ، ما بين فوضى ما بعد الموحدين والنظام الغربي” [وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي].
وكلا الوضعين مُهلِك، ويقود إلى الاغتراب في التاريخ وخوض معاركه، أو الاغتراب في حاضر غيرنا والوقوع في عقدة النقص نحو الغالب المهيمن على مجريات الحاضر اليوم، والوقوع في أسر مقولاته، ومُنجَزاته، ونظرته للكون والحياة، وطريقة عيشه، وهذا ما ينبغي تحرير وعي المسلم منه، ليخرج من اغترابه، ويمارس الحضور بين الأمم والشهادة عليهم.