كتاب المناظر للحسن بن الهيثم يتألف من سبع مقالات، وقد أدرجه سيمون الحايك على لائحة الكتابات التي ذكر أن الكريموني ترجمها إلى اللاتينية، ونحن نعلم أن ابن أبي أصيبعة قد أشار إليه (9). ويشير ألدوميلي إلى أنه توجد ترجمة لاتينية لجيرار دي كريمونا عملها لكتاب المناظر لابن الهيثم.

والواقع أن مونتجمري وات في كتابه “تأثير الاسلام في أوروبا خلال العصر الوسيط” (The Influence of Islam on Medieval Europe) الذي ترجم إلى اللغة العربية بعنوان: “فضل الإسلام على الحضارة الغربية”، والذي صدر عن جامعة إدنبرة باسكتلندا عام 1972، يقدم لنا وصفا بالغ الدقة لابن الهيثم يقول فيه: “والعالم الشهير بحق ابن الهيثم المعروف باسم Alhazen والمتوفى عام 1039. لقد استوعب ابن الهيثم كافة مؤلفات الإغريق والعلماء العرب في ميادين الرياضة والطبيعة ممن سبقوا عصره، ثم مضى قدما لحل مسائل أخرى لم يحلوها. وقد بقي لنا أكثر من خمسين من كتبه ومؤلفاته ورسائله، أشهرها (كتاب المناظر) الذي ترجم إلى اللاتينية بعنوان Opticae Thesaurus. ومن بين ما تضمنه هذا الكتاب من موضوعات كثيرة، معارضته لنظريات إقليدس وبطلميوس القائلة بأن الأشعة البصرية تنتقل من العين إلى المبصرات، في حين يذهب ابن الهيثم إلى أن الضوء ينتقل من المبصرات إلى العين. كما ناقش ما يعرف حتى اليوم بمسألة ابن الهيثم التي أوجد فيها حلا لمعادلة من الدرجة الرابعة. وقد أجرى ابن الهيثم تجارب عديدة، واشتغل على المرايا الكروية والقطعية المكافئة، وتمكن بعد دراسته لانكسار الضوء عند تخلله لجسم شفاف، أن يقيس ارتفاع الغلاف الجوي للأرض، بل إنه كان قاب قوسين أو أدنى من اكتشاف مبدأ العدسات المكبرة.”

نحاول أن نقف معا على بنية كتاب المناظر، كما فعلنا مع كتاب القانون، لنعرف لماذا نقله الكريموني إلى اللغة اللاتينية، ولنعرف تأثيراته المهمة في الشرق والغرب ولماذا اعتبره العلماء درة علمية مهمة.

يتألف كتاب المناظر للحسن ابن الهيثم من سبع مقالات هي:

المقالة الأولى: في الإبصار بالجملة

وفيها ثمانية فصول هي:

الفصل الأول: صدر الكتاب ويبحث فيه ابن الهيثم اختلاف آراء المتقدمين في طبيعة الإبصار وفي هيئة الإحساس، ويبين أن معنى الإبصار مركب من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، ويبين آراء المتحققين بعلم الطبيعة وآراء أصحاب التعاليم في حقيقة الإبصار، واختلاف أصحاب التعاليم في هيئة الشعاع وهيئة حدوثه واختلاف طرق مباحثهم، وفيه يكشف ابن الهيثم غايته ومنهجه في كتابه، ويذكر أنه قسم الكتاب إلى سبع مقالات ويذكر عنوان كل منها، ويبين بوضوح تام أنه كانت له مقالة في علم المناظر سابقة على هذا الكتاب وأنه لا حاجة لها الآن.

الفصل الثاني: في البحث عن خواص البصر، وفيه يتناول: شروط إدراك البصر للمبصرات على استقامة: البصر لا يدرك المبصر إلا إذا كان بينهما بعد ما، والخطوط المتوهمة بين البصر والمبصر لا يجب أن يقطعهما ساتر أو جسم كثيف، واعتبار هذا المعنى الأخير بالمساطر والأنابيب، البصر لا يدرك المبصرات إلا إذا كان فيها ضوء ما إما من ذاتها أو من غيرها، البصر لا يدرك المبصرات إلا إذا كان حجمها مقتدرا، البصر لا يدرك المبصر إلا إذا كان كثيفا أو فيه بعض الكثافة، الأبعاد التي منها يصح إدراك البصر للمبصرات تكون بحسب عظم المبصر، الأبعاد التي منها يصح إدراك البصر للمبصرات تكون بحسب الأضواء التي في المبصرات، الأبعاد التي منها يصح إدراك البصر للمبصرات تكون بحسب ألوان المبصرات، الأبعاد التي منها يصح إدراك البصر للمبصرات تكون بحسب قوة البصر، حاصل المعاني التي لا يتم إدراك البصر للمبصرات إلا بها وباجتماعها، الأبعاد المعتدلة والأبعاد الخارجة عن الاعتدال.

الفصل الثالث: في البحث عن خواص الأضواء، وكيفية إشراق الأضواء.

في هذا الفصل يبحث ابن الهيثم في: الأجسام المضيئة من ذاتها يشرق ضوؤها على الأجسام المقابلة لها  ظهور ذلك في الشمس والقمر والنار، إشراق جميع الأضواء إنما يكون على سموت خطوط مستقيمة  اعتبار هذه الحال بتفقد الأضواء النافذة من الثقوب والخروق والأبواب إلى البيوت المغدرة والمظلمة: اعتبار ضوء الشمس، اعتبار ضوء القمر وضوء الكواكب، اعتبار ضوء النار، ظهور هذا المعنى في جميع الأضواء من الأظلال، خاتمة.

الأجسام المضيئة من ذاتها يشرق ضوؤها من كل جزء منها على كل سمت مستقيم يمتد من ذلك الجزء: اعتبار ضوء الشمس، وضوء القمر، وضوء النار، خاتمة، ظهور هذه الحال أيضا في الأجزاء الصغار من الأجسام المضيئة، حاصل  الأضواء الأول.

البحث عن كيفية إشراق الأضواء عن الأضواء العرضية: اعتبار ذلك بالبيوت المظلمة، ضوء العشاء، اعتبار إشراق الأضواء العرضية اعتبارا محررا – ضوء الصباح، الهواء المضيء بأي ضوء كان يصدر من كل جزء منه ضوء إلى كل جهة مقابلة له، خاتمة. اعتراض على هذا المعنى، والرد عليه وبيان العلة التي من أجلها يظهر الضوء في الجو وعلى وجه الأرض عند الصباح وعند العشاء ولا يظهر في سائر الليل، اعتراض آخر، والرد عليه.

اعتبار الأضواء المشرقة من الأضواء العرضية التي تظهر على الأجسام الكثيفة: الاعتبار بحائط أبيض منكشف لضوء النهار، وضوء الشمس، وضوء القمر. خاتمة في إشراق الأضواء عن الأضواء العرضية التي في الأجسام الكثيفة.

الأضواء الثواني العرضية لا على طريق الانعكاس بل كما تصدر الأضواء الأول الذاتية عن الأجسام المضيئة من ذواتها: اعتبار هذا المعنى ببيت يدخله ضوء الشمس، أو ضوء القمر، أو ضوء النار. حاصل الضوء يشرق في جميع الجهات من كل جزء من الأجسام الكثيفة التي فيها الأضواء العرضية.

الأضواء المنعكسة تمتد من موضع الانعكاس على خطوط مستقيمة مخصوصة: اعتبار هذا المعنى.

الأضواء التي تنفذ في الأجسام المشفة المخالفة الشفيف لشفيف الهواء ليس تمتد إلا على خطوط مستقيمة، اعتبار هذا المعنى، إشراق الأضواء الثواني من الموضع من الجسم المشف الذي يخرج منه الضوء النافذ فيه.

حاصل: إشراق جميع الأضواء الذاتية أو العرضية إنما يكون على سموت خطوط مستقيمة، والأضواء الثواني أضعف من الأضواء التي تصدر عنها، والأضواء المنعكسة تمتد على خطوط مستقيمة مخصوصة، وكذلك الأضواء النافذة في الأجسام المشفة.

الألوان التي في الأجسام الكثيفة المضيئة بضوء عرضي تصحب الأضواء التي تشرق من تلك الأجسام، اعتبار هذا المعنى بالبيوت، صور الألوان التي تظهر على الأجسام المقابلة للجسم المتلون المضيء لا يدركها البصر بالانعكاس، الألوان التي في الأجسام المشفة تمتد مع الأضواء النافذة فيها، اعتبار هذا المعنى بالأواني المملوءة شرابا ملونا، حاصل.

احتمال أن يكون الهواء والأجسام المشفة تقبل صور الألوان حضر الضوء أم لم يحضر، واحتمال أن يكون إشراق الضوء على الألوان شرط صدور الصور عنها، إلا أن الذي ليس يتداخله الشك هو أن صورة اللون وصورة الضوء تصدران معا عن الأجسام المتلونة المضيئة.

خطأ من اعتقد أن اللون لا حقيقة له وأنه شيء يعرض بين البصر والضوء، وبيان أن الألوان لها حقيقة وهي صورة في الجسم المتلون، وصورة اللون التي يدركها البصر على الجسم المقابل للجسم المتلون ليست شيئا يعرض بين البصر والضوء ولا بين البصر واللون، وإذن فصورة الضوء واللون اللذين في كل جسم متلون مضيء تكون أبدا ممتدة في جميع الجهات المقابلة حضر البصر أم لم يحضر. صورة اللون كصورة الضوء تمتد من كل نقطة من سطح الجسم المتلون المضيء على كل خط مستقيم يمتد من تلك النقطة – حضر البصر أم لم يحضر. العلة في أن صورة اللون لا تظهر على جميع الأجسام المقابلة للأجسام المتلونة – بيانها عند الكلام في كيفية الإبصار، أي في الفصل السادس من هذه المقالة.

الفصل الرابع: فيما يعرض بين البصر والضوء. تألم البصر وتأثره بالأضواء القوية وبقاء صورتها في البصر. تأثر البصر بالألوان المضيئة وبقاء صورتها في البصر. الأضواء القوية تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات التي أضواؤها ضعيفة. الأضواء القوية التي تكون في المبصرات قد تخفي بعض المعاني التي في بعض المبصرات، والأضواء الضعيفة التي تكون في بعض المبصرات قد تظهر بعض المعاني التي في بعض المبصرات. البصر يدرك ألوان الأجسام المتلونة بحسب الأضواء المشرقة عليها. حاصل. العلة في إعاقة الأضواء القوية البصر عن إدراك بعض المبصرات – بيانها عند الكلام في كيفية الإبصار، أي في الفصل السادس من هذه المقالة.

الفصل الخامس: في هيئة البصر. الطبقات والأغشية والأجسام التي يتركب منها البصر. العصبتان الجوفاوان. ثقبا العظمين. طبقات العين: الملتحمة، العنبية، القرنية، الجليدية، الزجاجية. طرف العصبة. البيضية. ترتيب طبقات العين وشفيفها. الروح الباصر. انخراط العصبة. انحناء العصبة عند حركة العين عند الثقب الذي في مقعر العظم من وراء جملة العين. كرية السطحين الظاهر والداخل من القرنية وتوازيهما. أوضاع طبقات البصر وأوضاع مراكزها ووضع الخط المستقيم الذي يمر بمراكزها. تشابه العينين في جميع أحوالهما. عضلتا العينين والأجفان والأهداب. تركيب البصر بينه أصحاب التشريح في كتب التشريح. صورة العينين.

الفصل السادس: في كيفية الإبصار وفيه: إشراق الأضواء وصور الألوان المضيئة إلى الجهات المقابلة، وامتزاج صور الألوان بصور الأضواء، تحرير ما تألف من ذلك – إحساس البصر بالضوء واللون يكون من صورتيهما، كيفية الإبصار لا تكون بمجرد ورود الصور على البصر، شروط تميز ألوان المبصرات وترتب أجزاء المبصر الواحد عند البصر، ورود صور الأضواء والألوان من كل نقطة من سطح المبصر إلى جميع سطح البصر، شرط تميز الإبصار أن يحس البصر من نقطة واحدة فقط من سطحه بالصورة التي ترد من نقطة واحدة فقط من سطح المبصر، النظر في إمكان موافقة هذا المعنى للوجود: الإبصار إنما يكون بالجليدية، فتميز الإبصار لا يكون إلا بإحساس النقطة الواحدة من المبصر من نقطة واحدة من الجليدية، امتداد الأضواء في الأجسام المشفة المتشابهة الشفيف على سموت مستقيمة وانعطافها عند نفوذها على زوايا غير قائمة في أجسام يختلف شفيفها عن شفيف الأجسام التي هي فيها – بيان ذلك بالاعتبار عند الكلام في الانعطاف أي في المقالة السابعة، انعطاف صور الأضواء والألوان في أكثر الأحوال عند نفوذها في طبقات البصر، وما يترتب على ذلك من امتزاج الصور الواردة من النقاط المختلفة من المبصر عند سطح الجليدية، تميز الصور الواردة على العمود على الجليدية عن سائر الصور، تأثير الأضواء الواردة على الأعمدة أقوى من تأثير ما يرد على الخطوط المائلة. الصور الواردة على الأعمدة على سطح البصر لا تلتقي عند سطح الجليدية، ورود الصور على هيئة مخروط قاعدته سطح المبصر ورأسه مركز البصر وهو مركز سطح الجليدية، حصول الصور على سطح الجليدية في الجزء الذي يحوزه المخروط مرتبة بالأعمدة القاطعة لسطح الجليدية، تميز إحساس الجليدية بالصور الواردة على الأعمدة على سطحها، وعدم تميزه إن أمكن بالصور المنعطفة، فليس تحس الجليدية بشيء من الصور المنعطفة. لا يترتب من صور المبصرات على سطح الجليدية مثل ترتيبها خارج البصر إلا الصور الممتدة على سموت الأعمدة.

اعتبار هذا المعنى اعتبارا محررا عند الكلام في الانعطاف أي في المقالة السابعة، فالبصر لا يدرك من صور المبصرات إلا ما يصل إليه على سموت الخطوط المستقيمة الملتقية عند مركز البصر. إذا كان مركز سطح البصر ليس هو مركز سطح الجليدية لم تترتب الصور في سطح الجليدية ولم تحس بها الجليدية مرتبة، تخصص طبيعة البصر بقبول الصور من سموت مخصوصة هي سموت الخطوط المستقيمة التي تلتقي عند مركز البصر، فالبصر لا يدرك المبصرات إلا من سموت الخطوط المستقيمة التي تلتقي أطرافها عند مركز البصر. تحرير ما استقر من جميع ما تقدم، البصر يحس بالمبصر من شيء يحدثه فيه المبصر، لا يدرك المبصر إلا إذا كان الجسم المتوسط بينهما مشفا، الشيء الذي يفعله المبصر في البصر لا يتم إلا بشفيف الجسم المتوسط، خاصة الشفيف هي قبوله وتأديته لصور الأضواء والألوان، رأي أصحاب الشعاع في أن المشف يقبل من البصر شيئا ويؤديه إلى المبصر، الإبصار على تصاريف الأحوال لا يكون إلا من ورود شيء من المبصر إلى البصر، الذي يرد من المبصر ليس إلا صورة الضوء واللون، فخروج الشعاع إذن عبث وفضل، فالإبصار لا يصح إلا من الصور الواردة على الأعمدة على سطح البصر وعلى سطح الجليدية، فمركز البصر ومركز سطح الجليدية نقطة واحدة. كشف رأي أصحاب الشعاع وبيان الفاسد والصحيح منه، ليس يخرج من البصر إلى المبصر شيء يحس بالمبصر، بيان ذلك – العلة التي دعت أصحاب الشعاع إلى القول بالشعاع، بطلان هذه العلة، خطوط الشعاع التي يستخدمها أصحاب التعاليم هي خطوط متوهمة فقط، ولا يتم الإبصار إلا بها، خاتمة. حاصل، ما تبين هو كيفية الإبصار بالجملة، وهو موافق لرأي المحصلين من أصحاب العلم الطبيعي ورأي أصحاب التعاليم، فالإحساس إنما هو من تأثير الصورة في البصر، وخطوط الشعاع هي خطوط متوهمة تتشكل بها كيفية الوضع الذي عليه ينفعل البصر بالصورة، تشكل مخروط الشعاع بين المبصر ومركز البصر، ترتب الصورة في هذا المخروط وفي الجزء من سطح الجليدية المنفصل بهذا المخروط، الإحساس إنما يكون بالجليدية – الصور تنفذ في جسم الجليدية بما فيه من الشفيف وتثبت فيه بما فيه من الغلظ. الجليدية متهيئة للإحساس بما فيها من القوة الحساسة وهي متهيئة لقبول الصور من سموت خطوط الشعاع، من فعل الصورة في الجليدية وانفعال الجليدية بها يكون الإحساس، تأثير الضوء في الجليدية تأثير من جنس الألم، فإحساس الجليدية بتأثيرات الأضواء هو إحساس من جنس الإحساس بالآلام. امتداد الإحساس إلى الحاس الأخير الإحساس الذي يقع عند الجليدية يمتد في الجسم اللطيف الذي في تجويف العصبة إلى مقدم الدماغ حيث يوجد الحاس الأخير، الناظر يدرك المبصرات ببصرين – التقاء صورتي البصرين في العصبة المشتركة، الدليل على أن الحاس الأخير يدرك الصورة المجتمعة من الصورتين، دليل على أن الإبصار ليس هو بالبصر فقط. إدراك المبصر الواحد في بعض الأحوال واحد وفي بعض الأحوال اثنين، امتداد الإحساس من الأعضاء إلى الحاس الأخير في الأعصاب، دليل على أن الصور تمتد في تجويف العصبة وتنتهي إلى الحاس الأخير.

العلة في التقاء الصورتين في حال إدراك المبصر الواحد واحدا وعدم التقائهما في حال إدراكه اثنين: اختلاف وضع البصرين من المبصر في الحالين. قد يقال إن الصور التي في البصر لا تمتد إلى العصبة المشتركة لكن الإحساس الذي عند البصر يمتد إلى العصبة المشتركة كما يمتد الإحساس بالآلام والملموسات، الإحساس الذي في البصر ليس هو إحساس ألم فقط بل هو إحساس بتأثير هو من جنس الألم وبإضاءة وبلون وبترتيب أجزاء المبصر، حاصل كيفية الإبصار وترتيبه. قد يقال إن امتزاج صور الأضواء والألوان في الأجسام المشفة ووصولها ممتزجة إلى البصر دليل على أن إحساس البصر ليس هو من هذه الصور، فتقول إن الأجسام المشفة لا تنصبغ بالألوان والأضواء وإنما تقبلها قبول تأدية لا قبول استحالة، الدليل على أن الأضواء والألوان لا تمتزج في الهواء والأجسام المشفة: السرج المتفرقة الموضوعة أمام ثقب واحد تظهر أضواؤها على الجدار المقابل للثقب في مكان مظلم متميزة وبعدد السرج، اعتبار ذلك ببيت في ليل مظلم، ما يصدق على الأضواء يصدق على الألوان، وكذلك حال جميع الأجسام المشفة.

ليس قبول الرطوبة الجليدية لصور الأضواء والألوان كقبول الأجسام المشفة الغير حساسة لها – الجليدية متهيئة للإحساس بالصور والتألم بها دون أن تنصبغ بها انصباغا ثابتا، الاعتراض على هذا القول بما يعرف من بقاء آثار الأضواء والألوان القوية في البصر زمانا محسوسا، ولكن زوال آثار الأضواء والألوان القوية بعد زمان يسير هو الدليل على أن البصر لا ينصبغ بها انصباغا ثابتا، فالبصر متهيئ للتأثر بالأضواء والألوان والإحساس بها وتأدية صورها، حاصل. العلة في ظهور صور بعض الألوان وعدم ظهور بعضها الآخر على الأجسام المقابلة لها وبيان ذلك بالاعتبار والاستقراء. العلة في أن الأضواء والألوان القوية تعوق البصر عن إدراك بعض المبصرات وتخفي عن البصر بعض المعاني التي تكون في المبصرات، الصور التي ترد إلى البصر على سمت واحد يدركها البصر ممتزجة، البصر لا يدرك الكواكب في ضوء النهار لأن ضوء الشمس الذي يحصل في الهواء أقوى من ضوء الكواكب، استظهار صورة الضوء القوي كضوء الشمس على صورة الأضواء الضعيفة التي تكون في وسطها، كصور النار أو الحيوان المسمى اليراع، خفاء الأضواء الضعيفة إذا حل في البصر ضوء قوي، والعلة في ذلك، نظائر التباس الأضواء الضعيفة المجاورة للأضواء القوية في الألوان، خاتمة.

الفصل السابع: في منافع آلات البصر وفيه: طبقات البصر آلات بهيئتها وأوضاعها يتم الإبصار، منفعة القرنية، منفعة البيضية، منفعة العنبية، منفعة الجليدية، منفعة الغشاء الذي على الجليدية، منفعة العصبة الجوفاء، لم كان مبدأ العصبتين الجوفاوين من جنبتي مقدم الدماغ، لم كان البصر أن اثنين، لم كان التقاء العصبتين الجوفاوين عند وسط مقدم الدماغ. هيئة سطوح طبقات البصر  لم كانت سطوحا كرية متوازية مركزها نقطة واحدة، لم كان البصر لا يدرك المبصرات إلا من سموت الأعمدة على سطوح طبقاته. منفعة الملتحمة، لم كانت جملة العين مستديرة، منفعة الأجفان، منفعة الأهداب، خاتمة.

الفصل الثامن: في علل المعاني التي لا يتم الإبصار إلا بها وبإجتماعها، وفيه: حاصل المعاني التي لا يتم الإبصار إلا باجتماعها، العلل في حاجة البصر إلى كل واحدة من هذه المعاني، علتان في حاجة البصر إلى البعد عن المبصر، العلة في حاجة البصر إلى خطوط مستقيمة غير متقطعة بينه وبين المبصر، العلة في حاجة البصر إلى وجود الضوء في المبصر، لم لا يدرك البصر المبصر إلا إذا كان المبصر مقتدر الحجم، لم لا يكون الإدراك إلا إذا كان الجسم المتوسط بين البصر والمبصر مشفا، لم لا يدرك البصر المبصر إلا إذا كان المبصر كثيفا أو فيه بعض الكثافة، خاتمة.

المقالة الثانية: في تفصيل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها

وفيه: الفصل الأول: صدر المقالة. حاصل ما تبين في المقالة الأولى، اختلاف كيفية إحساس البصر بالمبصرات، موضوع المقالة الثانية بيان اختلاف أحوال الشعاع وتفصيل المعاني المبصرة وكيفية إدراك البصر لكل واحد منها.

الفصل الثاني: في تمييز خطوط الشعاع، وفيه: حاصل ما تبين في المقالة الأولى من أمر خطوط الشعاع وامتداد الصور في طبقات البصر، الإبصار لا يتم إلا بعد وصول الصورة إلى العصبة المشتركة على هيئتها، وليس يكون ذلك إلا بانعطاف الصورة التي تحصل في سطح الجليدية قبل وصولها إلى مركز البصر، انعطاف الصور عند وصولها إلى الرطوبة الزجاجية، سطح الزجاجية متقدم لمركز البصر ومتشابه الترتيب وهو إما مستوي وإما من كرة مقتدرة وليس مركزه مركز البصر، حاصل. قبول العضو الحاس (الجليدية) للصور ليس كقبول الأجسام المشفة لها، فامتداد الصور في الجسم الحاس إنما يكون بحسب امتداد أجزاء الجسم الحاس، قبول الزجاجية للصور ليس كقبول الجسم المتقدم من الجليدية والقوة القابلة فيهما مختلفة، انعطاف الصور عند الزجاجية بحسب اختلاف كيفية القبول الحسي، علة اختلاف الشفيف في الجليدية والزجاجية. امتداد الصورة في الجسم الحاس الممتد في تجويف العصبة مرتبة على هيئتها رغم انحناء العصبة، صور النقط المتشابهة الوضع من البصرين تصل إلى نقطة واحدة من العصبة المشتركة، شفيف الجسم الحاس الذي في تجويف العصبة شبيه بشفيف الزجاجية، وفي هذا الجسم أيضا بعض الغلظ لتظهر الصور فيه للقوة الحساسة. سهم مخروط الشعاع عمودي على سطح الجليدية، وبيان ذلك، الصور الممتدة على سهم مخروط الشعاع أشد تحققا من غيرها، الصور التي تحصل في موضع انحناء العصبة على السهم والتي تكون قريبة منه أشد تحققا مما بعد عن السهم، فالصورة التي تدركها القوة الحساسة من العصبة المشتركة تكون مختلفة الأحوال، بيان موافقة أحوال المبصرات للمعنى المحدد بالاستقراء والاعتبار والاستدلال.

الفصل الثالث: في كيفية إدراك كل واحد من المعاني الجزئية التي تدرك بحاسة البصر، وفيه:

المعاني المبصرة يدركها البصر في الأجسام، وليس إدراكه لكل واحد من المعاني المبصرة بمجرد الحس، البصر يدرك تشابه الأشخاص والصور واختلافها بالقياس، ويدرك التشابه والاختلاف بين الألوان، وكذلك التشابه والاختلاف بين الأضواء لا بمجرد الحس، إدراك الشفيف يكون بالتمييز والقياس والاستدلال، وكذلك إدراك الكتابة يكون بالتمييز والقياس، فكثير من المعاني المبصرة لا يدرك إلا بالتمييز والقياس، والتمييز يكون لقوة التمييز وإن تم بتوسط حاسة البصر. البصر يدرك الكثير من المبصرات بالمعرفة، كإدراك مائية الشيء، والإدراك المعرفة إدراك بضرب من ضروب القياس، المعرفة بالشخص والمعرفة بالنوع، قياس الإدراك بالمعرفة متميز عن جميع المقاييس – المعرفة تكون بالأمارات لا باستقراء جميع المعاني فيها، الذي يدرك المعرفة يدرك بالأمارة وليس كذلك كل ما يدرك بالقياس، حاصل. المعاني المدركة بالتمييز والقياس يدرك البصر أكثرها في زمان في غاية الصغر، وكذلك جميع المقاييس التي مقدماتها الكلية ظاهرة، القوة المميزة ليس تقيس بترتيب وتأليف، المعاني المبصرة التي تكرر إدراكها بالقياس يصير إدراكها بالمعرفة من غير استئناف القياس. كثير من المعاني المدركة بالقياس يظن خطأ أنها علوم أول وأنها مدركة بفطرة العقل، مثل أن الكل أعظم من الجزء، وهي مدركة بالمعرفة، حاصل. المعاني المدركة بالقياس وبالمعرفة ليس يظهر في أكثر الأحوال كيفيات إدراكها في حال إدراكها، وإنما يكون ذلك بقياس ثان، والقياس الثاني ليس قياسا في غاية السرعة بل يحتاج إلى فضل تأمل، الإنسان مطبوع على التمييز والقياس ولا يحس بالمقاييس المألوفة، والطفل يميز ويقيس دون معرفة معنى القياس، حاصل. تبيين كيفيات إدراك كل واحد من المعاني الجزئية وكيفيات مقاييس القوة المميزة في إدراك المبصرات، قسمة المعاني الجزئية إلى اثنين وعشرين قسما وما يدخل تحتها، المعاني المبصرة إنما تدرك من صور ألوان المبصرات وأضوائها، فالتمييز والقياس هو للمعاني التي تكون في صور المبصرات، التمييز والقياس يقعان عند إدراك الحاس الأخير للصورة بعد حصولها في تجويف العصبة المشتركة، تلون الجسم الحاس الذي في العصبة المشتركة وإضاءته بلون وضوء المبصر، ومن هذا التلون وهذه الإضاءة يدرك الحاس الأخير لون المبصر وضوءه، والقوة المميزة تدرك أكثر المعاني الجزئية من تمييزها للمعاني التي في صورة المبصر، تميز اللون والضوء الممتزجين في ورودهما إلى البصر من فعل القوة المميزة. إدراك البصر للضوء بما هو ضوء وللون بما هو لون، إدراك القوة المميزة لمائية اللون يكون بالمعرفة، وكذلك إدراك البصر لمائية الضوء، وكيفية الضوء في القوة والضعف يدركها البصر بالتمييز والقياس، فالذي يدركه البصر بمجرد الحس هو الضوء بما هو ضوء واللون بما هو لون، وما عدا ذلك إنما يدرك بالتمييز والقياس، إدراك اللون بما هو لون (والضوء بما هو ضوء) سابق على إدراك مائية اللون وإدراك مائية الضوء – بيان ذلك باعتبار أمثال المبصرات، إدراك مائية اللون لا تكون إلا في زمان – اعتبار ذلك بالدوامة المختلفة الأصباغ، وأيضا إدراك اللون بما هو لون وإدراك الضوء بما هو ضوء لا يكون إلا في زمان – تشبيه وصول الصورة في الجسم الحاس إلى العصبة المشتركة بوصول الضوء من المنافذ والثقوب، الصورة لا تصير من الهواء الحامل لها إلى داخل العصبة المشتركة إلا في زمان، وانفعال العضو الحاس بالصور لا يكون إلا في زمان، وأيضا لا يماس سطح البصر الهواء الحامل للصورة إلا في زمان، فلا يكون الإحساس باللون والضوء إلا في زمان، خاتمة.

إدراك البعد: البعد وكمية البعد والجهة ثلاثة معان يتقوم منها موضع المبصر، كمية البعد غير معنى البعد بما هو بعد، إدراك كمية البعد من إدراك العظم، وإدراك البعد والجهة من إدراك الوضع، إدراك الضوء واللون والبعد والجهة وكمية البعد خمسة معان يتقوم منها إدراك المبصر في موضعه، من إدراك المبصر في موضعه احتج أصحاب الشعاع بأن الإبصار يكون بخروج الشعاع – الرد على أصحاب الشعاع، نعت كيفية إدراك البعد، إدراك القوة المميزة للبعد يكون بالتمييز، القوة المميزة تدرك البعد في حال الإبصار من غير حاجة إلى تفصيل، إدراك البعد مع الوضع يتبين عند الكلام في كيفية إدراك الوضع. إدراك البصر لكمية البعد إما محقق وإما غير محقق، ذلك أن أبعاد المبصرات إما معتدلة وإما خارجة عن الاعتدال، والأبعاد الخارجة عن الاعتدال لا يتيقن البصر مقاديرها، والأبعاد التي لا تسامت أجساما مرتبة متصلة لا يدرك البصر كمية أبعادها، وجود هذا المعنى في كثير من المبصرات التي على وجه الأرض وبيان ذلك بالاعتبار، نظائر هذا الاعتبار في كثير من المبصرات. إدراك أبعاد المبصرات المتفرقة بعضها من بعض يكون من إدراك التفرق، وإدراك كمية هذه الأبعاد كإدراك أبعاد المبصرات عن البصر، حاصل. إدراك القوة المميزة بالحدس لمقادير أبعاد المبصرات غير المحققة، وقد تحدس القوة المميزة على أبعاد المقادير المعتدلة القابلة للتحقق، حاصل، إدراك الأبعاد التي بين المبصرات المتفرقة وإدراك كمية هذه الأبعاد، إدراك أبعاد المبصرات المألوفة التي تكون على الأبعاد المألوفة.

إدراك الوضع: أنواع الوضع الثلاثة: وضع جملة المبصر عند البصر أو المقابلة، وضع سطح المبصر عند البصر، وأوضاع أجزاء سطح المبصر بعضها عند بعض، وضع الشيء الموضوع عند غيره يتقوم من بعد عن الغير ونصبته عند الغير، القوة المميزة تدرك أن المبصر في الجهة المحاذية للبصر، كيفية تمييز المبصرات بجهاتها من تمييز البصر مواضع صور المبصرات المتفرقة على سطح البصر، نظير ذلك في المسموعات، الحاس يدرك السمت الذي عليه ينفعل البصر بصورة المبصر – ظهور ذلك فيما يدرك بالانعكاس من المرايا، حاصل إدراك البصر للمبصر وأجزائه كل في موضعه، إدراك المواضع الحقيقية والمظنونة بحسب الأبعاد المتيقنة وغير المتيقنة. قسمة السطوح المدركة إلى مواجهة ومائلة بحسب موضعها من سهم الشعاع، نهايات سطوح المبصرات والخطوط التي تكون في المبصرات والمسافات التي بينها وبين أجزائها إما مقاطعة لخطوط الشعاع وإما موازية لخطوط الشعاع المسامتة لها، البصر يدرك ميل السطوح والخطوط ومواجهتها من إدراكه لاختلاف أبعاد أطراف السطوح والخطوط وتشابهها، وكذلك إدراك أوضاع الخطوط والمسافات المواجهة والمائلة، المواجهة إما في الغاية وإما مختلفة بالشدة، إدراك أوضاع الخطوط والمسافات الموازية لخطوط الشعاع من إدراك المقابلة، خاتمة. إدراك البصر لميل السطوح والخطوط والمسافات المفرطة الميل على خطوط الشعاع يكون من إدراكه لجهة طرفيها، السطوح والخطوط والمسافات اليسيرة الميل والمواجهة للبصر لا يدرك البصر ميلها ومواجهتها إدراكا محققا إلا إذا كانت أبعادها معتدلة، وكذلك إدراك ميل ومواجهة السطوح والخطوط والمسافات المعتدلة الأبعاد إذا لم تسامت أبعادها أجساما مرتبة، السطوح والخطوط والمسافات المفرطة الميل لا يدرك البصر ميلها إلا إذا كانت أبعادها معتدلة بالقياس إلى أعظامها، وكذلك لا يتحقق وضع السطح أو الخط أو المسافة إذا كانت صورة المبصر مشتبهة أو كانت بينة ولم يكن الميل مفرطا ولم يكن البعد مسامتا لأجسام مرتبة، خاتمة، المسافات التي بين المبصرات المتفرقة إذا كانت أبعادها من البصر متفاوتة تدرك مواجهة ولو كانت مائلة، أكثر ما يدركه البصر من أوضاع المبصرات إنما يدرك بالحدس، خاتمة. أوضاع أجزاء المبصر وأوضاع نهايات سطح المبصر أو سطوحه وأوضاع المبصرات المتفرقة عند بعضها البعض (وجميعها يدخل تحت الترتيب) يدركها البصر من مواضع صورها على سطح البصر ومن تمييز أجزاء صورة المبصر، أوضاع أجزاء المبصر بعضها من بعض في التقدم والتأخر يدركها البصر من إدراك كميات أبعاد الأجزاء عنده، أوضاع أجزاء سطح المبصر بعضها عند بعض في اختلاف الجهات وفي التفرق والاتصال يدركها البصر من إدراكه لأجزاء الصورة في البصر.

إدراك التجسم: التجسم، وهو امتداد الجسم في الأبعاد الثلاثة، يدركه البصر من إدراك سطوح الأجسام وتقاطعها، إدراك التجسم في الجسم الذي سطحه المحدب يلي البصر، إدراك التجسم في الجسم الذي فيه سطح مقعر، البصر يدرك تجسم الأجسام من إدراكه لانعطافات سطوحها من الأبعاد المعتدلة.

إدراك الشكل: الشكل إما شكل محيط البصر أو محيط جزء من أجزائه وإما شكل تجسم المبصر أو تجسم جزء من أجزائه، والنوع الأخير هيئة سطح المبصر أو هيئة الجزء من أجزائه، إدراك الحاس لشكل محيط المبصر، هيئة سطح المبصر يدركها البصر من أوضاع سطح المبصر، إدراك تقعير السطح، إدراك استواء السطح، إدراك تحديب السطح، كيف يتحقق الحاس هيئة السطح أو هيئة جزء منه، حاصل.

إدراك العظم: رأي جمهور أصحاب التعاليم في إدراك العظم (أو مقدار البصر) من مقدار الزاوية الحادثة عند مركز البصر، ورأي بعضهم في الاعتبار ببعد البصر ووضعه مع القياس بالزوايا، وليس يصح أن يكون إدراك العظم مقياس الزوايا فقط وبيان ذلك بالاعتبار. تحرير كيفية إدراك العظم، الأصل الذي تعتمد عليه القوة المميزة في تمييز عظم المبصر هو الجزء من البصر الذي تحصل فيه صورة المبصر والزاوية التي يوترها هذا الجزء عند مركز البصر، إلا أن التمييز لا يقتنع باعتبار هذه الزاوية وهذا الجزء، القوة المميزة تعتبر بالزاوية والبعد معا، القوة المميزة تدرك أن خطوط الشعاع كلما تباعدت عن البصر اتسعت المسافة بينها، ومن ذلك تدرك مقدار المبصر إذا أدركت مقدار الزاوية ومقادير أطوال هذه الخطوط، والحاس والقوة المميزة يدركان السموت ويدركان مقدار الجزء من البصر الذي فيه صورة المبصر، والبصر يدرك في حال الإبصار بعد المبصر إما بالتيقن وإما بالحدس، فيحصل للقوة المميزة إدراك مقدار المبصر، دليل ظاهر على أن إدراك العظم يكون بالقياس إلى البعد. اعتياد البصر لتمييز أبعاد المبصرات – كيفية إدراك مقادير الأبعاد التي تسامت الأجسام المرتبة المتصلة، كيفية إدراك مقادير أبعاد المبصرات المألوفة، كيفية ابتداء إدراك الحاس لمقادير أجزاء الأرض المتوسطة بينه وبين المبصرات. المعاني تتحقق بتكرار النظر والتأمل والتمييز – البعد يتحقق بهذه الطرق، البصر لا يتحقق مقادير الأبعاد الخارجة عن حد الاعتدال، الحاس يحس بتيقن مقدار المسافة والتباس حقيقة المسافة وكذلك حاله مع الصور، البصر يتحقق مقدار المبصر من تحقق مقدار البعد – البعد المعتدل القياس إلى المبصر، الحاس قد يدرك بالحدس مقدار بعد المبصر من مقدار الزاوية التي يوترها المبصر، وذلك حين يدرك عظم المبصر المألوف بالمعرفة، البصر قد يستدل على مقادير أبعاد المبصرات الغير مألوفة من تشبيه أعظام المبصرات الغير مألوفة بأعظام المبصرات المألوفة. تمييز إدراك البصر لأعظام المبصرات، أنواع المقادير التي يدركها البصر عند مقابلة المبصر – مقدار التجسم يدرك بالحركة، إدراك البصر لأعظام المبصرات يكون متيقنا أو مظنونا بحسب كون إدراك الأبعاد متيقنا أو مظنونا – تحقق الحاس لعظم المبصر ومقدار البعد بتحريك سهم الشعاع على أجزاء المبصر والبعد، وحركة السهم تكون بحركة جملة العين، كيفية تأمل البصر للمبصر بهذه الحركة وتحققه لأعظام المبصرات بواسطة التأمل، إحساس المبصر بميل السطوح (أو المسافات) أو مواجهتها من إدراكه لأطوال مقادير خطوط الشعاع، مقدار أبعد الأبعاد المعتدلة بالقياس إلى المبصر يكون بحسب ميل المبصر أو مواجهته للبصر، حاصل، العلة في إدراك المبصر من البعد المتفاوت أصغر من مقداره الحقيقي تتبين عند الكلام في أغلاط البصر – أي في المقالة الثالثة.

إدراك التفرق: البصر يدرك التفرق بين المبصرات من إدراكه تفرق صور المبصرات – تفصيل المعاني التي يدرك البصر تفرق الأجسام بالاستدلال منها، التفرق بين الجسمين المنفصلين وغير المنفصلين، إدراك التفرق الفسيح والتفرق الضيق. إدراك الاتصال، يكون من إدراك عدم التفرق، إدراك التماس. إدراك العدد – يكون بالاستدلال من المعدودات المتفرقة.

إدراك الحركة: يكون من قياس المتحرك إلى غيره من المبصرات، إدراك الحركة يكون من قياس المتحرك إلى عدة مبصرات أو إلى مبصر واحد أو إلى البصر – بيان الوجهين الأولين، كيفية قياس المبصر المتحرك إلى البصر، البصر قد يدرك الحركة بكل واحد من هذه الوجوه وإن كان متحركا، إدراك البصر لكيفية الحركة إذا تحرك المبصر بجملته أو على نفسه، إدراك الحركة المركبة من الاستدارة مع انتقال المتحرك من موضعه، إدراك الحركة لا يكون إلا في زمان، وهو زمان محسوس، اقتصاص جميع ما تبين من أمر إدراك الحركة. إدراك السكون – يكون من إدراك المبصر في زمان محسوس في موضع واحد وعلى وضع واحد.

إدراك الخشونة: يكون في الأكثر من الصورة التي تظهر في سطح الجسم الخشن، وكذلك إدراك الخشونة المسرفة، إدراك الخشونة المسرفة يكون من اختلاف صور الضوء التي يظهر منها تفرق الأجزاء واختلاف وضعها.

إدراك الملاسة: الملاسة، وهي استواء سطح الجسم، يدركه البصر من صورة الضوء الذي يظهر في سطح الجسم الأملس، الصقال، وهو شدة الملاسة، يدركه البصر من بريق الضوء ولمعانه، اجتماع الملاسة والخشونة في سطح واحد.

إدراك الشفيف: إدراك الشفيف يكون بالاستدلال من إدراك البصر لما وراء الجسم المشف، ولا يدرك شفيف الجسم إلا إذا كان فيه بعض الكثافة وكان أغلظ من شفيف الهواء المتوسط بينه وبين البصر، إدراك الشفيف إذا كان وراء المشف جسم كثيف يحس البصر أن لونه غير لون الجسم المشف. إدراك الكثافة – يكون من عدم الشفيف.

إدراك الظل: يكون بالقياس إلى ما يجاوره من الأضواء أو بما تقدم العلم به من الأضواء. إدراك الظلمة – يكون بالاستدلال من عدم الضوء.

إدراك الحسن: البصر يدرك الحسن من المعاني الجزئية ومن اقترانها بعضها ببعض، علة الحسن إما معنى واحد من المعاني الجزئية، وإما عدة من المعاني، وإما اقتران المعاني، وإما تألف المعاني، المعاني الجزئية التي قد تفعل الحسن منفردة: الضوء، اللون، البعد، الوضع، التجسم، الشكل، العظم، التفرق، الاتصال، العدد، الحركة، السكون، الخشونة، الملاسة، الشفيف، الكثافة، الظل، الظلمة، التشابه، الاختلاف، المعاني السابقة لا تفعل الحسن في كل المواضع ولا في كل الصور. المعاني الجزئية قد تفعل الحسن باقتران بعضها ببعض، حسن الخط يكون من اقتران الشكل والوضع، أمثلة أخرى على الحسن الذي يكون من اقتران المعاني الجزئية، أكثر الحسن إنما يتقوم من اقتران المعاني. تقوم الحسن من التناسب والائتلاف وتميز ذلك من حسن المعاني المفردة أو المقترنة بعضها ببعض، التناسب وحده يفعل الحسن، حاصل.

إدراك القبح: يكون من الصور التي عدمت جميع المحاسن.

إدراك التشابه: يكون من تشابه الصورتين في معنى من المعاني.

إدراك الاختلاف: يكون من قياس الصورتين المختلفتين إحداهما بالأخرى ومن إدراك عدم التساوي بينهما. خاتمة.

الفصل الرابع: في تمييز إدراك البصر للمبصرات، وفيه: البصر يدرك في كل واحدة من صور المبصرات عدة من المعاني الجزئية، ثم من تمييزه للمعاني يدرك كل واحد منها على انفراده، المعاني الجزئية منها ما يظهر في حال الملاحظة ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفقد والتأمل، البصر لا يتحقق من إدراك الصورة الحقيقية للمبصر إلا بعد التفقد، حقائق صور المبصرات لا تدرك إلا بالتأمل، إدراك البصر للمبصرات يكون إذن إما بالبديهة وإما بالتأمل، التأمل يكون بالبصر وبالتمييز. كيف يتأمل الحاس المبصر الفسيح الأقطار، القوة المميزة تميز جميع ما يرد عليها من الصور، والبصر مطبوع على حركة التأمل، وكذلك لا يتم تأمل المبصر الذي في غاية الصغر إلا بإمرار سهم البصر فيه، كيفية تحقق الحاس لصورة المبصر بالتأمل والحركة. الصور المدركة للمبصرات تبقى في النفس وفي التخيل – التذكر دليل ذلك، الصور المتكررة على البصر والأكثر تحققا لديه أثبت في النفس وفي التخيل، الاعتبار بما يحدث في حفظ العلوم والآداب والأخبار. كيفية حصول الصور الكلية لأنواع المبصرات في النفس وفي التخيل، معرفة الحاس بالمبصرات تكون من قياس الصورة المرئية بالصورة الشبيهة لها الثابتة في التخيل، وبذلك يكون إدراك مائية للبصر. إدراك المبصرات بالتأمل إما إدراك بمجرد التأمل وإما إدراك بالتأمل مع تقدم المعرفة – والأول إدراك المبصرات الغريبة أو التي لا يذكر البصر إدراكها من قبل، الإدراك بالتأمل مع تقدم المعرفة هو إدراك جميع أنواع المبصرات التي أدركها البصر من قبل وهو ذاكر لها، إذا استأنف تأملها مع معرفتها – والمعرفة إما بالنوع وإما بالنوع والشخص معا. الإدراك بالتأمل لا يكون إلا في زمان قد يقصر في التأمل مع تقدم المعرفة، المبصرات التي تقدم إدراك البصر لها وهو عارف بصورها وذاكر لها قد يدركها بالأمارات – البصر يدرك المبصرات المألوفة ويدرك مائياتها بالأمارات وبتقدم المعرفة، إدراك البصر لنوعية المبصر يكون في زمان أقصر من إدراكه لشخصيته، المبصرات المألوفة تختلف أزمان إدراك نوعيتها، حاصل، زمان التأمل يختلف أيضا باختلاف المعاني المتأملة. الإبصار بتقدم المعرفة إذا كان بالأمارات واليسير من التأمل ليس يكون إدراكا محققا. الإبصار بالبديهة وهو إدراك المعاني الظاهرة من المبصر يكون بمجرد البديهة أو البديهة مع تقدم المعرفة، والإبصار بالتأمل وهو إبصار المبصرات التي لم يدركها البصر من قبل أو ليس يذكر إدراكه لها يكون بمجرد التأمل أو بالتأمل مع تقدم المعرفة، وبالجملة الإدراك المحقق لا يكون إلا بتأمل جميع المعاني التي في المبصر، خاتمة.

المقالة الثالثة: في أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها

الفصل الأول: صدر المقالة، البصر لا يدرك المبصرات دائما على حقيقتها وربما لا يحس بغلطه، موضوع المقالة الثالثة بيان أنواع أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها وكيفيتها.

الفصل الثاني: في تقديم ما يجب تقديمه لتبين الكلام في أغلاط البصر، وفيه: مقدمة، كيف يدرك المبصر الواحد بالبصرين معا واحدا، تشابه أفعال البصرين عند الإبصار، النقطة من المبصر التي يلتقي عليها سهما البصرين يكون وضعها من البصرين متشابها، وكذلك صورة المبصر إذا كان صغير الحجم تحصل صورته في موضعين من البصرين متشابهي الوضع، وقد يلتقي السهمان على مبصر ويدرك البصران مبصرا آخر يكون وضعه من البصرين مختلفا في الجهة، خاتمة. الخطان الواصلان من ثقبي العظمتين إلى وسط تجويف العصبة المشتركة وضعهما متشابه من الخط الواصل بين مركزي الثقبين، السهم المشترك، وهو المستقيم الممتد من وسط العصبة المشتركة إلى منتصف الخط الواصل بين ثقبي العظمتين والعمودي عليه، خط ثابت، وضع سهمي البصرين حين يلتقيان على نقطة على السهم المشترك وأثره في الإبصار، الصورتان الحاصلتان في النقطتين من سطحي البصرين اللتين على السهمين تحصلان على السهم المشترك في وسط تجويف العصبة المشتركة، وكذلك تنطبق في العصبة المشتركة الصورتان الحاصلتان للمبصر في سطح البصر، خاتمة. النقطة التي في تجويف العصبة المشتركة على السهم المشترك تسمى المركز، صورتا المبصر الذي على السهم المشترك اللتان تحصلان في سطحي البصرين أشد تشابها من صورتي المبصر الخارج عن السهم المشترك، المبصر المتفاوت البعد عن السهم المشترك تحصل صورته واحدة في العصبة المشتركة ولكن مشتبهة، إذا التقى سهما البصرين على ذلك المبصر، علتا اشتباه حواشي المبصر العظيم الحجم إذا ثبت سهما البصرين على نقطة منه، التباس صور المبصرات من أجل اختلاف وضع الشعاعات التي تخرج إليها. المبصر إذا كان أقرب أو أبعد من الذي يلتقي عليه السهمان، وكان فيما بين السهمين، تحصل صورتاه اثنتين في العصبة المشتركة، وكذلك إذا كان المبصر على أحد السهمين وكان خارجا عن الآخر، خاتمة. اعتبار المعاني السابقة باللوح والأشخاص، حاصل الاعتبار، العلة في رؤية كل واحد من المبصرات المألوفة واحدا في الأكثر، خاتمة، استئناف الاعتبار بأحوال القطرين اللذين في اللوح، الاعتبار بالجزازات، ونتائجه. الاعتبار بالقرطاس المواجه للبصر أو المائل على سهم الشعاع، ونتائجه. الاعتبار بالقرطاس والشخص، ونتائجه. الاعتبار بالقرطاس والشخص والجزازات، ونتائجه. العلة في اشتباه صورة المبصر المسرف الميل وبيان صورة المبصر المواجه للبصر، وصلة.

الفصل الثالث: في العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط، وفيه: حاصل ما تبين في المقالتين الأولى والثانية من شروط الإبصار المحقق، صحة البصر أيضا شرط للإبصار المحقق، حاصل ما تبين في الفصل السابق من شروط الإبصار المحقق، المعاني التي بها يتم الإدراك المحقق ثمانية، لكل واحد منها بالقياس إلى كل مبصر عرض ما فيه يدرك البصر المبصر على ما هو عليه ويسمى عرض الاعتدال – بيان ذلك في البعد، بيانه في الميل، بيانه في الضوء، بيانه في المقدار، بيانه في الشفيف والكثافة، بيانه في الحركة، بيانه في صحة البصر وآفته، حاصل. عرض الاعتدال – حده واختلاف غايته بحسب اختلاف المبصرات، بيان ذلك في البعد بحسب المعاني في المبصرات: بيان اختلاف غايته بحسب المعاني اللطيفة التي في المبصر، وبحسب وضع المبصر من سهم البصر، وبحسب الضوء في المبصر، وبحسب حجمه، وبحسب كثافته، وبحسب شفيف الهواء، وبحسب زمان الإدراك، وبحسب صحة البصر، خاتمة. وكذلك يختلف عرض الاعتدال في الوضع، وفي الضوء، وفي الحجم، وفي الكثافة، وفي الشفيف، وفي الزمان، وفي صحة البصر، حاصل، علل جميع أغلاط البصر هي خروج المعاني التي بها يتم الإبصار المحقق عن عرض الاعتدال.

الفصل الرابع: في تمييز أغلاط البصر، وفيه: أغلاط البصر ثلاثة أنواع: فهي إما غلط في مجرد الإحساس وإما غلط في المعرفة وإما غلط في القياس، مثال في الغلط الذي يعرض في مجرد الإحساس، مثال في الغلط الذي يعرض في المعرفة، مثال في الغلط الذي يعرض في القياس والتمييز، خاتمة.

الفصل الخامس: في كيفيات أغلاط البصر التي تكون بمجرد الحس، وفيه: غلط البصر في مجرد الحس يكون في الضوء بما هو ضوء وللون بما هو لون، ويكون في اختلافهما من حيث القوة والضعف، وربما عرض في اختلاف الألوان وعددها، كيفية الغلط في مجرد الحس بحسب كل واحد من العلل التي سبق تفصيلها، غلط البصر في مجرد الحس من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، والعلة فيه، غلط البصر في مجرد الحس من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، ومن أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، ومن أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال، ومن أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال، ومن أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال، ومن أجل خروج الزمان عن عرض الاعتدال، العلة في أن البصر لا يدرك اختلاف الألوان إذا كان المبصر في موضع مغدر، غلط البصر في مجرد الحس من أجل خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال، خاتمة.

الفصل السادس: في كيفيات أغلاط البصر التي تكون في المعرفة بحسب كل واحد من العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط، وفيه: غلط البصر في مائية المبصر هو غلط في المعرفة، والمعرفة تكون بالشخص أو بالنوع أو بمجموعهما، عادة البصر في تشبيه الصور والمعاني بأمثالها التي يعرفها، ويعرض الغلط في المعرفة إذا لم يدرك المبصر على غاية التحقيق، وذلك إذا كان واحد أو أكثر من المعاني التي يتم بها إدراك المبصر على ما هو عليه خارجا عن عرض الاعتدال. كيفيات أغلاط البصر في المعرفة بحسب كل واحد من المعاني التي من أجلها يعرض للبصر الغلط: غلط البصر في المعرفة من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال، كثرة هذا النوع من الغلط، قد يعرض الغلط من البعد المتفاوت في نوعية المبصر، وقد يعرض الغلط في المعرفة في معان غريبة أيضا من أجل خروج البعد عن عرض الاعتدال، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، وعلته، الغلط في نوعية المبصر من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال، وعلته، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال، وعلته، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال، وعلته، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال، وعلته، العلة في إدراك الجسم المتلون من وراء الثوب المشف ممتزج اللون بلون الثوب، الغلط في إدراك الخيال الذي يظهر من خلف الإزار، والعلة في الغلط في مائيته، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج زمان الإدراك عن عرض الاعتدال، وعلته، غلط البصر في المعرفة من أجل خروج البصر نفسه عن عرض الاعتدال – وعلته، خاتمة.

الفصل السابع: في كيفيات أغلاط البصر التي تكون في القياس بحسب كل واحدة من العلل التي من أجلها يعرض للبصر الغلط، وفيه:

(1) وجوه أغلاط البصر في القياس: غلط البصر في القياس من أجل خروج بعد المبصر عن عرض الاعتدال. الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في أوضاع المبصرات، الغلط في التجسم، وهو هيئة سطح الجسم، وهي شكل جملة السطح، الغلط في شكل سطح المبصر، الغلط في عظم المبصر، الغلط في التفرق، الغلط في الاتصال، الغلط في العدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة، الغلط في الملاسة، الغلط في الشفيف، الغلط في الكثافة، الغلط في الظل، الغلط في الظلمة، الغلط في الحسن، الغلط في القبح، الغلط في التشابه، الغلط في الاختلاف، خاتمة.

(2) غلط البصر في القياس من أجل خروج وضع المبصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق، الغلط في الاتصال، الغلط في العدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة، الغلط في الملاسة، الغلط في الشفيف والكثافة، الغلط في الظل، الغلط في الحسن، الغلط في القبح، الغلط في التشابه، الغلط في الاختلاف، خاتمة.

(3) غلط البصر في القياس من أجل خروج الضوء الذي في المبصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق والاتصال والعدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة والملاسة والشفيف والكثافة، الغلط في الظل والظلمة، الغلط في الحسن والقبح، الغلط في التشابه والاختلاف، خاتمة.

(4) غلط البصر في القياس من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق والاتصال والعدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة والملاسة، الغلط في الشفيف والكثافة، الغلط في الظل والظلمة، الغلط في الحسن والقبح، الغلط في التشابه والاختلاف، خاتمة.

(5) غلط البصر في القياس من أجل خروج كثافة المبصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار البعد وفي الوضع، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق والاتصال والعدد، الغلط في الحركة والسكون، الغلط في الخشونة والملاسة، الغلط في الشفيف والكثافة، الغلط في الظل، الغلط في الظلمة، الغلط في الحسن والقبح، الغلط في التشابه والاختلاف، خاتمة.

(6) غلط البصر في القياس من أجل خروج شفيف الهواء عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق والاتصال والعدد، الغلط في جميع المعاني السابقة إذا حدث في الهواء دخان قوي، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة والملاسة والشفيف والكثافة والظل والظلمة، الغلط في الحسن والقبح والتشابه والاختلاف، خاتمة.

(7) غلط البصر في القياس من أجل خروج الزمان الذي فيه يدرك المبصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار البعد، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في العظم، الغلط في التفرق والاتصال والعدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة والملاسة، الغلط في الشفيف والكثافة، الغلط في الظل والظلمة، الغلط في الحسن والقبح والتشابه والاختلاف، خاتمة.

(8) غلط البصر في القياس من أجل خروج صحة البصر عن عرض الاعتدال: الغلط في مقدار بعد المبصر، الغلط في وضع المبصر، الغلط في الشكل، الغلط في التفرق والاتصال، الغلط في العدد، الغلط في الحركة، الغلط في السكون، الغلط في الخشونة والملاسة والشفيف والكثافة، الغلط في الظل والظلمة، الغلط في الحسن والقبح والتشابه والاختلاف، خاتمة. حاصل الكلام في أغلاط البصر.

المقالة الرابعة: في كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الصقيلة

وفيها خمسة فصول هي:

الفصل الأول: صدر المقالة.

الفصل الثاني: في أن صور المبصرات تنعكس عن أجسام صقيلة.

الفصل الثالث: في كيفية انعكاس الصور عن الأجسام الصقيلة.

الفصل الرابع: في أن ما يدركه البصر في الأجسام الصقيلة هو إدراك بالانعكاس.

الفصل الخامس: في كيفية إدراك البصر للمبصرات بالانعكاس.

المقالة الخامسة: في مواضع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الصقيلة

وفيها فصلين هما:

الفصل الأول: صدر المقالة.

الفصل الثاني: القول في الخيال.

المقالة السادسة: في أغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها

وفيها فصول، هي:

الفصل الأول: صدر المقالة.

الفصل الثاني: أغلاط البصر التي تعرض من أجل الانعكاس.

الفصل الثالث: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا المسطحة.

الفصل الرابع: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا الكرية المحدبة.

الفصل الخامس: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا الإسطوانية المحدبة.

الفصل السادس: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا المخروطية المحدبة.

الفصل السابع: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا الكرية المقعرة.

الفصل الثامن: في أغلاط البصر التي تعرض في المرايا المخروطية المقعرة.

المقالة السابعة: في كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة لشفيف الهواء

وفيها تسع فصول هي:

الفصل الأول: صدر المقالة.

الفصل الثاني: في أن الضوء ينفذ في الأجسام المشفة على سموت خطوط مستقيمة.

الفصل الثالث: وينعطف إذا صادف جسما مخالفا الشفيف لشفيف الجسم التي هو فيه.

الفصل الرابع: في كيفية انعطاف الأضواء في الأجسام المشفة.

الفصل الخامس: في أن ما يدركه البصر من وراء الأجسام المشفة المخالفة الشفيف لشفيف الجسم التي في البصر.

الفصل السادس: إذا كان مائلا عن الأعمدة القائمة على سطوحها هو إدراك بالانعكاس.

الفصل السابع: في الخيال.

الفصل الثامن: في كيفية إدراك البصر للمبصرات بالانعطاف.

الفصل التاسع: في أغلاط البصر التي تعرض من أجل الانعطاف.

إذن كتاب المناظر يتألف من أربع وأربعين فصلا، فضلا عن المقدمات التي تقدم بها كل مقالة من المقالات السبع. ومن الواضح أن مقالات الكتاب تتناول موضوعين هما الضوء والبصريات من جوانب مختلفة، وهو ما سوف نشير إليه تفصيلا في المواضع المختلفة من تحليلاتنا.

والواقع أن المطالع لبنية كتاب المناظر لابن الهيثم، يكتشف أن ابن الهيثم كرس جهده وتصوراته العلمية لبيان كيف اتحدت العلوم الرياضية والعلوم الفيزيائية معا لتشكل بنية علم المناظر ككل، وهو ما لم يدركه العلماء الذين سبقوه (والذين يحلو لبعض الكتاب أحيانا بوصفهم بمصطلح “أسلاف ابن الهيثم”) في هذا الميدان اعتبارا من بطلميوس وإقليدس وصولا إلى الرياضيين والفيزيائيين العرب الذين سبقوا ابن الهيثم، والذين قد يتصور البعض أنه أخذ معارفه عنهم، والمسألة جد مختلفة، ولا يعد ابن الهيثم، في هذا الصدد، امتدادا لأي منهم.

إن السابقين على ابن الهيثم يعبرون عن “اللا – نموذج” Non – Paradigm على حين أن ابن الهيثم يعبر عن نموذج Paradigm علمي متسق ومختلف ومستقل تماما. إن من سبقوا ابن الهيثم كانوا حلقة من حلقات العلوم القديمة، تواصلوا معها وفقا لأسبابها وأصولها، وكرسوا جهدهم لشرح الكتابات اليونانية وترجمتها إلى اللسان العربي، ولم يخرجوا من إطارها، ومن ثم فهم من هذه الوجهة من النظر يعتبرون امتدادا للعلوم القديمة، أقصد علوم اليونان والإسكندرانيين التي وفدت إلى البيئة الإسلامية العربية وترجموها إما من اليونانية رأسا أو عبر الوسيط السرياني، ومن ثم لم يقدموا دليلا علميا واحدا على استقلالهم عن النموذج الهليني أو الهلينستي، على عكس ما يرى بعض مؤرخي العلوم العربية الذين اعتبروهم أسلافا واعتبروا “ابن الهيثم” امتدادا لهم، وهذا يعني أنهم وجدوا فيهم أصالة وابتكارا، وأنهم بذلك يعدون الجذر الرئيسي لأعمال ابن الهيثم، ويصبح ابن الهيثم عالة عليهم، ويصبح متمما لمسيرتهم ومكملا لها، وهؤلاء، في هذه الحالة، لم يقدموا أوراق اعتمادهم لتدعيم هذا الرأي.

على خلاف ذلك أزعم أن ابن الهيثم في كتاب المناظر قدم عملا يعد ثورة علمية، لم يتم الحفاظ عليها ومتابعتها من اللاحقين له، وفكر بصورة مختلفة عن السابقين، فكر ابن الهيثم من خارج الصندوق الذي تخندق فيه أتباع بطلميوس في العالم الإسلامي. ولذا فإن ابن الهيثم لا يرتبط بجماعة المترجمين والشراح الهلينيين الذين جاءوا قبله، ولا بالعلم البطلميوسي. لقد تفحص وقرأ وعرف ما كتبوه، وفهم موقفهم المتابع للعلوم الهلينية والهلينستية، الحذو بالحذو، وفهم أيضا كيف أنهم اعتمدوا التقاليد اليونانية بكل أخطائها، وساروا على نهج علماء اليونان دون أن يقدموا موقفا يعبر عن أصالتهم، الأمر الذي جعلهم محافظين أمناء على التراث اليوناني، يعرضونه كما هو مترجما، ولا يذهبون إلى أبعد مما فيه. إن هؤلاء في رأي “ابن الهيثم” لا يقدمون حجة يمكن تأسيس البرهان عليها، ولا يشكلون منطلقا جديدا لفهم علم الفلك أو المناظر أو البصريات ككل، وهو ما استوقف “ابن الهيثم”، الذي اكتشف تناقضات بطلميوس وعددها دون “الشكوك على بطلميوس”.

والذي لا ريب فيه أن “ابن الهيثم” وجد صراحة أنه مختلف عن السابقين عليه منذ اكتشف أن آراء أصحاب التعاليم مختلفة ومباينة لرأي أصحاب العلوم الطبيعية في مسألة الرؤية، وكل منهما ليست لديه البراهين أو الحجج الدامغة على دعم موقفه، الأمر الذي جعله يبحث المسألة جذريا في كتاب المناظر بعد نقد أصحاب المذهبين وتفنيد آرائهم بصورة علمية، ليبين بعد ذلك أن ما سيقدمه في كتاب المناظر شيء مختلف ويبدأ بمقدمات مختلفة، اعتبارا من المقالة الأولى وانتهاء بالمقالة السادسة، وينتهي إلى نتائج محددة انحصرت في جماع القول في المقالة السابعة والأخيرة من كتاب المناظر.

ومعنى قولنا السابق أن المقالات الست الأولى (1 – 6) تشكل مقدمة لحجة ابن الهيثم التي أقامها في المقالة السابعة، كما أشرت، أنه في هذه المقالات يفك الاشتباك بين الالتباس في الآراء، ليبين في النهاية أن طبيعة علم الضوء لا يمكن التوصل إليها إلا بمنهج يتألف من الرياضيات والفيزياء معا، وهو ما نبه إليه في مقدمة كتاب المناظر، وهو أيضا ما غاب عن السابقين عليه ولم يفهموه، وهو ما فهمه علماء اللاتين بعد أن ترجم كتاب المناظر إلى اللغة اللاتينية، وهو ما فهمه إسحق نيوتن.

أمر آخر لابد من الإشارة إليه في هذا الصدد وهو أن كتاب المناظر لابن الهيثم يختلف عن كتابات السابقين عليه، وهو ما لم ينتبه له من أرخوا لهذا العالم الأصيل، وحاولوا الانتقاص من قدره ومكانته بإدخال نظرية “الأسلاف”.

أمر آخر لابد من الإشارة إليه وهو أن كتاب المناظر، وفقا لبنيته التي عرضناها، كتاب علمي يغيب عنه السرد، ويسيطر عليه بصورة فاعلة الأسلوب العلمي الرياضي المنطقي الفيزيائي، في الوقت نفسه. وهو كتاب يقول لنا أين نحن من علوم الآخر، كما يقول لنا أن صفحة الحقيقة لم تكشف بعد، وبذا فإنه يخاطب الوعي العلمي العربي الإسلامي، وقد كتب هذا الكتاب بقلم عربي وعقل عربي.

كتاب الفجر للحسن بن الهيثم

وهذا الكتاب يشكل إشكالية تاريخية مهمة لابد من التوقف عندها. يقول الدكتور عبد الحميد صبره في هذا الصدد “في سنة 1572 نشر فريدرش رزنر في مدينة بازل مجلدا من القطع الكبير بعنوان (الذخيرة في البصريات) اشتمل على ثلاثة مصنفات: أولها ترجمة لاتينية لكتاب (المناظر) لابن الهيثم في سبع مقالات، وثانيها ترجمة لاتينية لمقال في (الفجر والشفق) نسب إلى ابن الهيثم، وثالثها كتاب في البصريات للعالم البولندي فيتيلو في عشر مقالات. ويتابع صبره قائلا: وقد بينا في مقال لنا نشر عام 1967 خطأ نسبة مقالة (الفجر والشفق) إلى ابن الهيثم، وإن مؤلفها هو العالم الأندلسي أبو عبد الله محمد بن معاذ الجياني الذي عاش في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، أما كتاب فيتيلو فقد دون في القرن الثالث عشر الميلادي وسبق نشره في نورنبرج مرتين – سنة 1535 وسنة 1551 . والمعروف أن فيتيلو صنف كتابه بعد اطلاعه على الترجمة اللاتينية المخطوطة لكتاب ابن الهيثم، ويتبين من مقارنة نص الكتابين أن العالم البولندي قد سار في كتابه على نهج كتاب ابن الهيثم فاستقى منه موضوعاته وأشكاله بل نقل ألفاظه في كثير من المواضع.

ويقرر صبره بصورة قاطعة أن المقالة التي عنوانها (الفجر والشفق) لا تصح نسبتها إلى ابن الهيثم لأنها ليست له، وإنما هي للعالم الأندلسي (الجياني). وبطبيعة الحال، ما كان لهذا التقرير أن يتم إلا بناء على مقارنات في الأسلوب والتركيب وغير ذلك، يستند بالضرورة إلى تحليل المضمون؛ لكن هل تنبه الدكتور صبره، وهو الذي قضى معظم حياته العلمية مع ابن الهيثم، إلى أن جيرارد الكريموني قد ترجم هذه المقالة لابن الهيثم في القرن الثاني عشر، وظهرت في أوروبا باللاتينية في ذلك الوقت؟ أم أنه افترض منذ البداية أنها ليست من عمل ابن الهيثم؟ المسألة قد تحتاج إلى دراسة وبحث، خاصة إذا كان الأمر متعلقا بترجمة لاتينية عليها اسم الكريموني هذا من جانب.

والأمر المهم هنا أن سيمون الحايك كشف، وبصورة قاطعة، ومن خلال خبرته بمخطوطات الإسكوريال، عن صحة نسبة المقالة لابن الهيثم من خلال مخطوطته التي كشف عنها في الإسكوريال، والممهورة بتوقيع المعلم جيرارد الكريموني.

العقل والنقد عند ابن الهيثم

نبدأ تحليلاتنا أولا بوضع نص كتاب “الشكوك على بطلميوس” الذي دونه الحسن بن الهيثم، ثم نتقدم بعد ذلك لتحليل أفكار ابن الهيثم من جوانبها الإبستمولوجية والميثودولوجية المتعددة.

الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعنى طالبه غير وجوده، ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات، وحسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس، فالناظر في كتب العلماء إذا استرسل مع طبعه، وجعل غرضه فهم ما ذكروه، وغاية ما أورده، حصلت الحقائق عنده هي المعاني التي قصدوا لها، والغايات التي أشاروا إليها. وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل. ولو كان ذلك كذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آراؤهم في شيء من حقائق الأمور، والوجود بخلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه.

ولما نظرنا في كتب الرجل المشهور بالفضيلة، المتفنن في المعاني (ب163و) الرياضية، المشار إليه في العلوم الحقيقة، أعني بطلميوس القلوذي، وجدنا فيها علوما كثيرة، ومعاني غزيرة، كثير الفوائد، عظيمة المنافع. ولما خصمناها وميزناها، وتحرينا إنصافه وإنصاف الحق منه، وجدنا فيها مواضع مشبهة، وألفاظا بشعة، ومعاني متناقضة، إلا أنها يسيرة في جنب ما أصاب فيه من المعاني الصحيحة. فرأينا أن في الإمساك عنها هضما للحق، وتعديا عليه، وظلما لمن ينظر بعدنا في كتبه في سترنا ذلك عنه. ووجدنا أولى الأمور ذكر هذه المواضع، وإظهارها لمن يجتهد من بعد ذلك في سد خللها، وتصحيح معانيها، بكل وجه يمكن أن يؤدي إلى حقائقها.

ولسنا نذكر في هذه المقالة جميع الشكوك التي في كتبه، وإنما نذكر المواضع المتناقضة، والأغلاط التي لا تأول فيها فقط، التي متى لم يخرج لها وجوه صحيحة، وهيئات مطردة، انتقضت المعاني التي قررها، وحركات الكواكب (س 2و) التي حصلها. فأما بقية الشكوك فإنها غير مناقضة للأصول المقررة، وهي تنحل من غير أن ينتقض شيء من الأصول ولا يتغير. والله المعين لنا على جميع ذلك بمشيئته.”

تعتبر مقالة “الشكوك على بطلميوس” التي دونها الحسن بن الهيثم (355-430ه) بالإضافة إلى مقدمته التي أعدها لكتاب “المناظر” من أهم الكتابات الإبستمولوجية التي دونت في أواخر القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس الهجري، فإذا نظرنا إليهما معا أمكن لنا أن نقف على مفاهيم وتصورات إبستمولوجية ومنهجية ذات قيمة علمية. وسوف يتبين لنا إلى أي مدى كان ابن الهيثم يعبر عن حالة المجتمع العلمي الذي كان يمثله في ذلك العصر، ونظرة هذا المجتمع للبحث العلمي وقيمته. فهل أراد ابن الهيثم أن يقدم لنا رؤية إبستمولوجية للمنهج يجتمع فيها العقل والنقد معا في رؤية متكاملة من خلال قراءة النص العلمي ذاته؟ إن هذه المسألة تحتاج منا أن نتوقف قليلا عند نصوص ابن الهيثم.

البعد الإبستمولوجي للشكوك

تبين ابن الهيثم أهمية نص بطلميوس وهذا ما جعله يصنف مقالته لتبدأ بعنوان “الشكوك”، مما يكشف لنا أنه واجه مشكلة إبستمولوجية علمية بالدرجة الأولى. فنص بطلميوس بالنسبة لابن الهيثم يشكل أثرا معرفيا وعلميا مهما إذ تترتب عليه نظريات علمية تنطلق من مفاهيم وتصورات محددة. ومن ثم تصبح كلمة “الشكوك” هنا بمثابة المنطلق النقدي الذي لم يكن يهدف أصلا إلى تأسيس نظرية علمية بناء على النص الذي أمامه، وإنما بيان الدلالة المعرفية للنظرية العلمية التي تأسس عليها النص. إن أهم ما نلاحظه هنا أن الحسن بن الهيثم كتب بالإضافة إلى “الشكوك على بطلميوس” كتاب “الشكوك على إقليدس”. لقد ترجمت كتب اليونان إلى اللغة العربية وتعلم منها أجيال سبقت ابن الهيثم وطبقت وعملت وفق المعرفة التي وصلت إليها من هذه الكتابات، فكأن هذه الكتابات مارست تأثيرا عقليا واسعا في أجيال المتعلمين؛ ولم يتبين كل هؤلاء أن هناك مواضع متناقضة وتنطوي على أغلاط وكان يجب اكتشافها في أثناء عملية تحليل المعرفة وتطبيق نتائجها. وعندما يبدأ ابن الهيثم نصه بمصطلح “الشكوك” يريد أن يشد انتباه القارئ، أو العلماء الجدد في هذا المجال، عن عمد وقصد إلى أهمية نقد النص، ومن ثم يتخذ مصطلح “الشكوك” عنده بعدا آخر يتمثل في إحلال موضوع عقلي محل موضوع آخر. ولا جدال أن هذا المصطلح، كما استخدمه ابن الهيثم أيضا، يرتبط بهدف العلم عنده، إذ العلم يهدف إلى تزويدنا بنظريات كافية من الناحية الإمبريقية، ومن ثم فإن قبول النظرية يتضمن الاعتقاد في أنها كافية من الناحية الإمبريقية، وصادقة بصورة تقريبية.

طالع ابن الهيثم كتابات العلماء السابقين عليه، خاصة علماء اليونان، ودرس كتاباتهم، ووقف على أصول نظرياتهم، ومن ثم فقد أعد نفسه عقليا ليناقش النص (وهو هنا الرؤية الإبستمولوجية التي تمثل حصيلة العلم الذي تناهى إليه) على المستوى المنهجي والإبستمولوجي معا. ومعنى أن ابن الهيثم يعمل هذا التصور ويتخذ موقفا من رؤية النص عقليا، فإن هذا يطلعنا مباشرة على أنه لم يكن بمثابة المتلقي الإيجابي (Positive) للنص، وإنما كان يعبر عن موقف آخر يسمح له بالانطلاق إلى آفاق النص الرحبة ليطابق بين رؤية النص وما يمليه العقل. هذا الموقف هو الذي يجعلنا نقول إن ابن الهيثم في ضوء المصطلح الذي يضعه، وأعني به “الشكوك”، يمثل إبستمولوجيا المتلقي السلبي (Negative) الذي لا تبهره رؤية النص بقدر ما يكون غرضه الأساسي الوصول إلى “الحق” (Right) وهو ما عبر عنه ابن الهيثم في مطلع مقالته بقوله “الحق مطلوب لذاته”. هنا نجد أنفسنا مباشرة في مواجهة أول قاعدة إبستمولوجية يزودنا بها ابن الهيثم، إذ الحق من وجهة نظر العلماء العرب هو الواقع الثابت الذي لا يحتمل التأويل، وهو الذي لا يمكن أن يدرك على خلاف ما هو عليه إما لأنه مشاهد بالحس أو قائم بالعقل.

وقد اعتمد ابن الهيثم على الأمرين، فهو من جانب يذكر بعد سطور قليلة “ولما نظرنا في كتب الرجل المشهور بالفضيلة..”، أي بطلميوس، اتضح أن هذه الكتب “فيها مواضع مشبهة، وألفاظا بشعة، ومعاني متناقضة..”. لقد طابق ابن الهيثم هنا بين “النظر” و”إعمال العقل”، وهو ما تدل عليه عبارته “معاني متناقضة”، إذ التناقض لا يكتشف إلا بالعقل، ولا يتوصل إليه إلا بإعمال العقل في المقدمات والنتائج، فإذا جاءت النتائج على خلاف ما تقرره المقدمات وقع التناقض، ومن ثم انقلب الحق باطلا.

وفق هذه الرؤية سوف نجد أن العقل عند ابن الهيثم بوصفه جوهرا سيشكل محور الأنا المفكرة الواعية التي تحلل وتنقد في وعي، تلك الأنا التي تنتقل من مستوى الذاتية إلى مستوى الموضوعية اعتمادا على الخبرة وقوة الاستنباط العقلي. وهنا يصبح العقل قوة تجريد وإبداع في نفس الوقت تؤدي إلى إنتاج ما هو جديد على مستوى الرؤية الإبستمولوجية والتطبيق أيضا. أما من الناحية الإبستمولوجية فإن العقل سوف يكشف عن الأبعاد التي تؤدي بالعقل إلى التحول من نموذج إلى نموذج آخر جديد لا تكتنفه تناقضات. وأما من ناحية التطبيق فإن التخلص من التناقضات وإحلال نموذج آخر بديل سيؤدي بالضرورة إلى مطابقة النظر، والنتائج التي نحصل عليها، مع الخبرة، على اعتبار أن الخبرة تشكل الأساس الصلب للجانب الإمبريقي.

هنا نتبين أن ابن الهيثم نظر “في” (وأركز هنا على “في” التي تفيد الغوص في بنية النسق المعرفي الذي وصل إلى ابن الهيثم من كتب القدماء) الترابط بين أفكار النسق العلمي عند بطلميوس وعلاقتها بالحجة العلمية ككل، وهو ما جعله أيضا يحدد أن الحق هدفه الأول. فإذا كانت أقوال بطلميوس باعتبارها تمثل حجة (Argument) خالية من التناقض، كانت الحجة التي صاغها من حيث الشكل، أو الصورة المنطقية، صحيحة، لأن مقدمتها في هذه الحالة تفضي إلى نتيجتها، لكن هذا لا يعني أن الحجة تكون صادقة، إذ الصدق (Truth) يختلف عن الصحة (Validity): الصدق يرتبط بالحق، والصحة ترتبط بالشروط المنطقية. كذلك يشكل الصدق قوام الخطاب العلمي إبستمولوجيا، على حين أن الصحة تشكل الهيئة الخارجية للحجة، أو صورتها.

كان ابن الهيثم إذن على وعي تام بهذا التمييز وأصوله معتبرا أن الوصول إلى الحق في نقد الآراء إنما يلزم عنه أن نفحص في الحجة العلمية أمرين أساسيين وهما: الأول، الاتساق (Consistency) الذي يوجب ألا تكون الحجة متناقضة. والثاني هو التضمن (Implication) الذي يسمح باستنباط النتيجة من المقدمات (الاتساق يشير إلى الجانب الإبستمولوجي، والتضمن يشير إلى الجانب المنطقي). وبهذا المعنى كان ابن الهيثم رائدا للعقلانية العلمية.

أضف إلى هذا أن “النظر” و”إعمال العقل” يعني بالنسبة لابن الهيثم تقديم العقل على النص، مما يشير إلى أنه كان على درجة كبيرة من الوعي والإدراك بالنص وسياقه على مستوى الخبرة العلمية، وهو ما يشير إلى الالتحام المباشر مع بنية النص ليصل إلى الحق، وهو ما أشار إليه حين حدد أدق الواجبات الإبستمولوجية على قارئ النص الذي ينظر في كتب العلوم التي تناهت إليه ليلتحم مع بنيتها المعرفية بصورة دقيقة حيث “يجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه”، ليعطي النص وزنه الحقيقي “فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه”، وهذا لا يتسنى الوصول إليه ما لم ننفذ إلى أعماق النص، ليصبح النص في بؤرة الوعي، ويأتي النقد معبرا عن البنية العميقة (Deep Structure) للنص، لا لمجرد قراءة لظاهر النص، فالعالم “إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق”.

هنا إذن نكتشف أن ابن الهيثم يحدد مفهوم الاختلاف مع النص ونقده. وهذا في حد ذاته يعني أنه يستخدم الجدل بصورة منهجية. وهو يحدد أيضا من خلال هذه الصورة أن النص -على الرغم من كل ما يمكن أن يوجه له من نقد وتفنيد- لا يمكن تجنبه. ولا ريب أن هذا التصور جعل ابن الهيثم يعمل على تحليل النص بكامله، وهذا التحليل يأتي من وجهة نظره بمثابة عمل أشبه بالتفكيك (Deconstruction) للحجة العلمية التي تأسس عليها النص، لأنه تدرج من المركب إلى عناصره، أي من البناء ككل إلى جزئياته وتفاصيله، أو من الحجة إلى مكوناتها (مقدماتها) أو عناصرها التكوينية. ومن خلال هذا المنهج يكون ابن الهيثم قد سمح لفكره أن يخترق النص، ولكنه في الوقت نفسه لم يلغ النص، وإنما ترك النص، وخطابه عليه أو قراءته له، مفتوحا للعلماء من بعده لمراجعته وتصحيحه. ومن خلال هذا المنهج أيضا استخدم ابن الهيثم اللغة كحامل طبيعي للأفكار حتى ينقل للقارئ رسالة محددة.

جوانب النقد وبنية النص

إن ابن الهيثم هنا يقدم لنا رؤية معرفية متكاملة حول النقد، وهو ما ينبغي أن يفهم في هذا السياق، وهو ما يميز نص ابن الهيثم عن مجرد الانتقاد الذي يرمي أصلا إلى بيان العيوب والمآخذ، ويقف عند هذا الحد الذي يضفي طابعا سلبيا على الانتقاد؛ على حين أن النقد الذي يقدمه ابن الهيثم يشكل نظرية إيجابية في نشاط العقل ودعم فاعليته. ومع أنه في هذا الجانب يقدم لنا أصول نقده للنص، إلا أنه يطلعنا في نفس الوقت على جوانب رؤيته النقدية. إذ النقد بالدرجة الأولى سوف يؤدي إلى إصدار حكم على النص، وهذا الحكم سوف يكشف عن الجوانب التي أصاب فيها صاحب النص وتلك التي أخفق فيها وامتلأت بالتناقضات، ثم بيان أو كشف تناقضات النص، وهو ما يبدو بوضوح من قوله “وجدنا فيها مواضع مشبهة، وألفاظا بشعة، ومعاني متناقضة، إلا أنها يسيرة في جنب ما أصاب فيه من المعاني الصحيحة”. والمدقق هنا يجد أن ابن الهيثم يصور لنا إعمال النقد على أنه جزء من نظرية يقدمها في الخطأ، لأن بيان التناقضات بالنسبة له يعني أن هناك حقيقة واحدة للشيء، وحين يتدخل العقل بالنقد يعمل على التقويم وبيان جادة الصواب. فكأن التناقضات هنا تشكل جوهر نظرية الخطأ عند ابن الهيثم.

ولكن ما الذي يعنيه نقد النص والحكم عليه؟ إن هذه المسألة تعني بوضوح تام أن ابن الهيثم الناقد امتلك بالفعل معيارا للصواب وهو الاتساق المنطقي، وما وافق الخبرة والعقل.

إذن فإن ابن الهيثم يتحاور مع النص، ولا يتماس معه من خارج، من أجل الوصول إلى الحق. وهذا الحوار فيه خصومة، على ما سوف نرى.

إن طريقة ابن الهيثم هذه تعلمنا درسا جديدا على مستوى الرؤية الإبستمولوجية، إذ أن النفاذ إلى بنية النص العميقة يستتبعه بالضرورة حالة متوازنة من الألفة مع النص، وفي هذه الحالة لن يكون النص غريبا عنا، ولن نشعر نحن باغتراب عن النص وجوهره. وهذه الحالة المتوازنة من الألفة تشكل وعيا ذاتيا بقيمة النقد وأبعاده. وهذا ما جعل ابن الهيثم يشير إلى جانبين مهمين للنقد، أولهما الجانب الإيجابي الذي يفرض على العالم الذي يهدف إلى الوصول للحق “أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه”. والخصومة هنا تهدف أولا إلى الحق، فهي ليست خصومة ذاتية، وإنما هي خصومة تعبر عن درجة العقلانية التي شكلتها رؤية العالم لما وقع في النص من تناقضات وأغلاط. وهذه الخصومة تجعل العالم في موقف يتسم بالوعي لأنه في هذه الحالة يخصم النص “من جميع جهاته ونواحيه”. الخصومة هنا تشكل جوهر الحوار مع النص، وهي نزاع بين ابن الهيثم والنص من أجل الوصول إلى الحق، وهو ما يبدو من كلمة ابن الهيثم (ويخصمه). ومن ثم فإن دلالة استخدام كلمة الحق هنا عند ابن الهيثم تشير إلى أنه يميز بين نوعين من الحوار هما: النوع الأول ويشكل الحوار الحقيقي، أو الجدل الحقيقي الذي يهدف إلى إظهار الحق أصلا. وأما النوع الثاني من الحوار الذي يفهمه ابن الهيثم ولا يريده ومن ثم ينبه القارئ إليه، هو الحوار الزائف الذي يتأسس على الباطل، ومن ثم لا يهدف إلى الحق. ولذا كان حوار ابن الهيثم مع النص وبيان الأغاليط والمعاني المتناقضة التي وقعت فيه بمثابة الخصومة التي ترفع أبعادها إلى القارئ ذي الإدراك الواعي بالنص ليحتكم إليه فيها.

إذن الحوار بالمعنى الذي ذهب إليه ابن الهيثم هو أول خطوة نحو تأسيس جدل علمي حقيقي بين الأنا والآخر، أو بين الذات التي تلقت العلوم الوافدة، وما تمثله هذه العلوم من بعد معرفي، والآخر الذي شكل بعدا إبستمولوجيا من خلال النسق العلمي. الحوار الذي تأسس إذن من خلال هذا المنهج تحكمه غائية محددة تتمثل في الوصول إلى الحق.

من الواضح إذن أن الجدل والحوار مع النص عند ابن الهيثم يهدف إلى غايتين أساسيتين هما: الغاية الأولى تتمثل في الوصول إلى اليقين العقلي، وهذه ميزة يحققها نص ابن الهيثم ويكشف بها عن أصول تيار العقلانية الذي تحرك من خلاله الخطاب العلمي العربي في تلك الفترة من حياة العلم العربي. وأما الغاية الثانية فتتمثل في خطابه إلى العلماء من بعده.. علماء المستقبل.. العلماء الجدد حيث لا يريد لهم أن يمتثلوا لكتب التقليد وآراء الثقاة وكبار العلماء، لأنه يفهم أن هذا الامتثال سيحيل المنظومة العلمية التي تواصلت عبر الأجيال إلى مجرد علم إستاتيكي لا إبداع فيه. إنه يريد للعلماء الجدد أن يستمروا في بحثهم وألا يتوقف هذا البحث أو ينقطع، وهو ما يبدو من قوله “وإظهارها لمن يجتهد من بعد ذلك في سد خللها”، وهذا المعنى هو الذي يجعل من الالتحام بالنص وسبر بنيته نظاما علميا ديناميكيا يشكل صورة من صور الإبداع الإبستمولوجي. وبهذا المعنى أيضا لا تتوقف الفلسفة، أو الرؤية الإبستمولوجية، وإنما تظل في حالة تدفق مستمر.

وأما الجانب الثاني للنقد فهو الجانب السلبي الذي يفرض على العالم أن “يتهم أيضا نفسه عند خصامه”، حتى لا تتحامل الذات على الآخر، وحتى لا تضيع الفكرة الكامنة وراء النص. فإذا أمكن للعالم أن يقيم هذا التوازن بين جانبي النقد “ظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه”. إن أدق ما يوصف به النقد في هذه الحالة صفة العلمية، حيث يمارس النقد دوره في تنظيم الرؤية الإبستمولوجية في علاقة العقل مع الخبرة من خلال النص. أما إذا فقد النقد هذا الدور فإنه في هذه الحالة سيصبح نقدا أعمى وغير علمي وهداما، وهو ما سبق أن أشار إليه بقوله “فلا يتحامل عليه”، إذ التحامل يفرض التعصب والتحيز والهوى مكان الموضوعية والعلمية. ومن وجهة النظر الإبستمولوجية إذا جاءت قراءة النص من خلال منظور التحيز والهوى يكون كاتب النص قد حقق هدفه تماما إذ في هذه الحالة ستكون قراءة النص استرسالا مع الطبع، وفهما لما ذكره صاحب النص، وسوف تتحقق الغاية المنشودة من النص، وستصبح الحقائق عند قارئ النص “هي المعاني التي قصدوا لها والغايات التي أشاروا إليها”. ومقصود ابن الهيثم هنا أن رؤية العلماء القدامى سوف تستشري في روح العلماء الجدد الذين يقرءون النص، ومن ثم لن يحدث التجديد المنشود، لأن الرؤى الإبستمولوجية ستأتي متطابقة في الحالتين. ويترتب على هذا أن يصبح النص إستاتيكيا لا حياة فيه. إذن ابن الهيثم يريد أن يحرر العلماء الجدد من أسر كتب النصوص التي يمكن أن تجعلهم يرون في العلم ما رآه القدماء فقط فيحذون حذوهم دون ابتكار أو تصحيح أو نقد.

ينبغي إذن أن نعترف أن ابن الهيثم يربط تصوره النقدي بالحوار المتواصل مع النص، وينبه العلماء الجدد في المستقبل إلى أن الرؤية النقدية للنص في تكاملها مع الجدل ستحفظ للفلسفة حيويتها وتدفقها، ومن خلالها سوف تحتل الفلسفة بؤرة الذاكرة، وسيصبح النظر الفلسفي في النسق العلمي مركز الإبداع العقلي دوما. ومن خلال هذا المعنى يمكن تفسير تواصل الاتصال الإبستمولوجي بين الأجيال. جيل سابق ينقل خبرة إبستمولوجية معينة لجيل لاحق، وهذه الخبرة تشكل جوهر الخطاب العلمي في هذه الفترة أو تلك. ومن خلال هذا المنظور لا يحدث انقطاع بين الماضي والحاضر، وإنما تأتي الرسالة من مرسل بطريقة محددة وعلى المستقبل أن يلتقط مضمونها وينظر في بنيتها ليقف على أبعادها. عند هذا الفهم نلتقي بابن الهيثم الذي يمثل حضور العقل في الثقافة العربية، والذي يثبت من خلال نصه حضور النص الفلسفي.

إذن يطلعنا موقف ابن الهيثم في هذا الصدد أن النص الذي يتعامل معه هو عبارة عن تصورات يتم التعبير عنها. وحتى نكتشف معاني هذه التصورات، ونقف على صحتها وندرك أبعادها، علينا أن نخضعها للتحليل والنقد. وأما التعبيرات التي تشير إلى التصورات فإنها تكشف عن محتوى عقلي، وهي في الوقت نفسه وسيلة للاتصال الذي يتم عبر العديد من الوسائل، ويعبر عن معلومات انتقلت من جيل إلى جيل. ومن ثم فإنه إذا فهمنا هذه المعلومات ووقفنا على مفتاح الشفرة التي تعمل من خلالها، أمكننا أن نفهم التعبيرات المعبرة عن تصورات النص، وانكشف النص أمامنا. وهذا بالضرورة يشير إلى قاعدة إبستمولوجية مهمة وهي: إذا فهمنا النص ملكناه. وقد طبق ابن الهيثم هذه القاعدة بدقة متناهية في تعامله مع الكتابات السابقة.

وتأسيسا على ما سبق فإن ابن الهيثم، من خلال التحليل والنقد، قدم خطابا معرفيا على خطاب بطلميوس، وهذا الخطاب انتقل إلى أجيال لاحقة في الشرق والغرب وقدمت خطابات أخرى عليه، ثم آل الأمر إلينا في التاريخ المعاصر وصيغ أكثر من خطاب على نص ابن الهيثم ذاته.

وقبل أن نمضي في بيان أبعاد موقف ابن الهيثم علينا أن ننظر في الأسس المنطقية التي انطلق منها في تأسيس مذهبه في اليقين. ما هي هذه الأسس؟ وكيف استطاع ابن الهيثم أن ينطلق منها لبيان البعد الإبستمولوجي الكامن في بنية الكتابات القديمة؟ إن هذه النقطة في رأينا تؤسس نظرية الحسن بن الهيثم في اليقين.

نظرية اليقين المنطقية

دخل العلم العربي مرحلة التأسيس الإبستمولوجي مع نهاية القرن الثاني الهجري، ففي تلك الفترة كانت حركة ترجمة العلوم الوافدة قد قطعت شوطا مهما، إذ وجدنا أن معظم كتب العلوم والفلسفة قد نقلت في مترجمات احتاج بعضها إلى تصحيح فيما بعد، لكن النقل الأول شكل منطلقا لحركة الإبداع الفكري عند فلاسفة العرب ومفكريهم، فبدأت حركة الإبداع ذاتها تواكب حركة النقل والترجمة العلمية بصورة موازية، مما شكل بعدا جديدا من أبعاد المعرفة القائمة على الفهم والإدراك الواعي لطبيعة التصورات والتمييز بينها، وكيفية توظيفها بصورة تلائم طبيعة الفكر العربي ذاته إبستمولوجيا.

وفي مطلع هذه الفترة الإبداعية كان ظهور الفارابي الذي بذل جهدا تأسيسيا واضحا في إطار تشكل نظرية العلم العربي إبستمولوجيا، ولذا فإنه ليس بالمستغرب أن يعرف الفارابي بالمعلم الثاني، إذ في هذا المصطلح من الدلالات ما يكفي لمعرفة مكانته في تاريخ العلم العربي ككل. وقراءة فكر الفارابي تطلعنا على تأسيسه لنظرية معرفية ومنطقية في نفس الوقت حول الظن واليقين بحيث استقرت هذه النظرية في الكتابات العربية اللاحقة، وأصبحت من أبجديات المعرفة العلمية، بل من شدة التصاقها بالفكر العلمي أصبحت مكونا ثقافيا مهما في إطار تأسيس نظرية العلم ككل.

يذهب الفارابي إلى أن “الظن في الجملة: هو أن يعتقد في الشيء أنه كذا، أو ليس كذا؛ ويمكن أن يكون ما يعتقد فيه على خلاف ما عليه وجود ذلك الشيء في ذاته”.

هنا نجد الفارابي يفهم أن الظن يخالف الحقيقي أو اليقيني، ولكنه في الوقت نفسه يفهم أن الظن واليقين كلاهما رأي، “والرأي هو أن يعتقد في الشيء أنه كذا، أو ليس كذا، وهو كالجنس لهما، وهما كالنوعين”، ومن ثم فالقضايا المعبرة عن الآراء الظنية أو اليقينية منها ما هو ضروري وما هو ممكن.

أما القضايا الضرورية فهي في قسمين “منها ضرورية على الإطلاق، ومنها ضرورية في أوقات ما، وقد كانت قبل تلك أوقات ممكنة الوجود واللاوجود”. وهنا يربط الفارابي اليقين بالضروري، ليس هذا فحسب؛ بل إن درجات اليقين تشبه درجات الضروري، وهو ما يقرره الفارابي في نص مهم يؤكد فيه “والييقين يوجد في الضروريات فقط، ويشبه أن تكون أصناف اليقين بحسب أصناف الضروري، فيكون منه يقين على الإطلاق، وما هو يقين في وقت ما، ويزول.

إذن اليقين بحسب هذا النص عند الفارابي إما مطلق أو مؤقت، والطبيعي أن اليقين المؤقت هو الذي يكون في وقت ما، ثم لا يصبح كذلك، بعد أن تتأسس بينة قوية على عدم يقينيته، أو نحصل من النظر في البنية المنطقية للنص على تناقضات يزول معها اليقين، وهذا ما جعل الفارابي يشير إلى أن اليقين إلى وقت ما “فيزول بتلف الأمر، أو تغيره إلى مقابله”(21). على حين أن اليقين المطلق “لا يزول أصلا مع سلامة المعتقد، وسلامة ذهنه”.

وأما الظن فإنه “يقوى ويضعف” وتكون قوته “بحسب قلة معانده، وضعفه بحسب كثرته”والقوة والضعف هنا يرتبطان بالعقل وملكاته، إذ أن ملكة النقد التي يتمتع بها العقل هي التي تمكنه من تفنيد النص وبيان تناقضاته والكشف عن التمييز بين ما هو يقيني وما هو ظني. أما من ضعفت ملكة النقد العقلي لديه فلن يتبين هذا التمييز.

وهنا ينبه الفارابي على خاصية إبستمولوجية مهمة للظن طبقها ابن الهيثم ببراعة في متن نظريته النقدية وتتمثل في أن “كل اعتقاد حاصل في وقت ما أمكن أن يزول في المستقبل بعناد فهو ظن. وكل اعتقاد تام إلى وقت ما ثم زال بعناد، فقد كان من قبل أن يزول ظنا لا يشعر به صاحبه أنه ظن”. لقد كانت نظرية بطلميوس تمثل اعتقادا يقينيا في عصرها، لأن أحدا من العلماء اللاحقين لم يستطع أن يقدم تفنيدا منطقيا لها، ولم يتبين ما بها من أغلاط، ولكن منذ أن قدم ابن الهيثم شكوكه وتفنيداته لنظرية بطلميوس، أصبحت ظنا، ولم يكن بطلميوس أو أتباعه يشعرون أنها بمثابة الظن، ومن ثم “فإن الظن متى لم يظهر له معاند، فكأنه عند معتقده يقين” وأضعف الظن “ما لم يوقف على معانده، لأجل أنه لم يفحص عنه لتوان أو غفلة، أو تشاغل بأشياء أخر، أو لحسن الظن به”.

نص بطلميوس إذن كان بمثابة اليقين إلى وقت ما، وقد زال هذا اليقين بتلف الأمر، أي بيان تناقضاته وأغلاطه ومعانيه المتناقضة.

كان نص بطلميوس يمثل الاعتقاد اليقيني حتى وقت ابن الهيثم، لكن بعد أن بين ابن الهيثم مواضع أغلاطه وتناقضاته (وهذا جاء في زمن تال) أصبح هذا النص ظنا، لأن الاعتقاد في يقينية النص زال بعناد أي ببيان التناقضات والأغلاط والنقد والتفنيد الذي أثبت على النص.

لقد اعتقدت أجيال العلماء السابقة على ابن الهيثم في يقينية نص بطلميوس الذي لم يظهر له معاند، ولذا شكل النص عندهم سياق اليقين، كما شكل بنية إبستمولوجية قوية على يقينية النص استمرت لأجيال، ولم يفكر أحد إزاء هذا أن يراجع اعتقاداته عن النص، أو يعاند النص، مما جعل النص هو الموجه للنشاط العلمي.

نستنتج مما سبق أنه إذا أمكن مراجعة النص فإنه لن يشكل سلطة معرفية علينا. أما إذا لم يمكن إجراء المراجعة، أو ترك النص خلوا من القراءة، فإنه في هذه الحالة سيصبح سلطة ذات تأثير ونفوذ ويشكل أيديولوجيا راسخة تؤثر في نظرتنا بصورة محددة، وتجعلنا نرى من خلال منظور واحد. ومن ثم تصبح للنص سيادة عقلية علينا، ويشكل سلطة معرفية توجه البحوث والدراسات التالية.

واضح إذن أن الحسن بن الهيثم لم يكن حسن الظن بما وصل إليه من كتابات القدماء، ومنذ اللحظة التي تنبه فيها إلى هذا بدأت دراساته المعمقة لبنية العلوم القديمة، وهو ما شكل بعدا معرفيا جديدا بدأ “بالشكوك” وانتهى إلى تأسيس العلم في “المناظر”. هذا البعد الجديد عند ابن الهيثم يمكن أن نوضحه تصوريا كما يلي:

مخطط يوضح مفهوم العلم، يتضمن الأقسام الرئيسية: المشكلات، المنهج العلمي، فلسفة العلم والمنطق، البرهنة والمناهج. يتفرع إلى الجوانب المختلفة مثل الجانب التصوري، الأسس، المصادرات، والخطوط العلمية والاستراتيجية.
( المخطط التصوري للبعد المعرفي وبنية العلم عند الحسن بن الهيثم)

إن ابن الهيثم يقف هنا وقفة جادة ودقيقة لينبه القارئ، أو العالم الجديد، إلى خطورة التسليم بآراء العلماء القدماء وقبول ما ورد في كتاباتهم من أفكار استرسالا مع الطبع، فقد يعتري هذه الأفكار بعض النقص والقصور والخطأ الذي يحتاج إلى عقل واع وتحليل بارع، وهو ما يبدو من قوله “وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل”، مما يفيد بضرورة النظر والنقد العقلي. ويتكامل مع هذه المنظومة الفكرية اعترافه بأن قراءته الإبستمولوجية والمنهجية لكتابات العلماء القدامى تفرض عليه رسالة فكرية محددة، إذ ما دام قد اكتشف “ألفاظا بشعة، ومعاني متناقضة”، فإن من واجبه أن يظهر هذا للأجيال العلمية اللاحقة حتى يستقيم النظر للحق وتتحقق رسالة العلم. ومن ثم فإن في الإمساك عن بيان هذه المعاني المتناقضة “يشكل هضما للحق وتعديا عليه، وظلما لمن ينظر بعدنا في كتبه في سترنا ذلك عنه”. إذن لابد من بيان الخلل والتقصير وعدم ستره.

من هذا المنطلق يضع ابن الهيثم نفسه داخل السياق النصي لأنه يطلب من العلماء الجدد فيما بعد رسالة محددة حين يقرءون نصه الجديد وهو أن قراءة الجيل اللاحق للنص وللمواضع المشبهة فيه تقوم أصلا من منطلق “سد خللها، وتصحيح معانيها، بكل وجه يمكن أن يؤدي إلى حقائقها”. ومن الواضح هنا أن ابن الهيثم لا يعفي نفسه من إمكانية الخطأ والتقصير عند النظر العقلي النقدي، وهو ما يتضح من قوله “بكل وجه يمكن أن يؤدي إلى حقائقها”. فالقراءة الجديدة من المنظور الإبستمولوجي ستضع النص القديم وقراءته في منظومة واحدة لتكشف إما التكامل بينهما إذا توحدت الرؤية الإبستمولوجية، أو التقاطع بينهما إذا اختلفت القراءة الجديدة منظورا ومنهجا وأدارت الحوار حول اعتقاد آخر. فإذا حدث وتكاملت القراءة اللاحقة مع النص وقراءته، كان من الطبيعي أن تأتي الرؤية الأيديولوجية المتمثلة في وحدة الاعتقاد بين النص وقراءاته واحدة متسقة. أما إذا تقاطعت القراءات مع النص فسوف تكشف هذه المنظومة الجديدة عن صراعات أيديولوجية بين القديم والحديث، كما ستكشف عن جدل عقلي داخل النص ذاته. كان ابن الهيثم إذن على وعي تام بهذا التصور وأراد إرساءه قاعدة منهجية للعلماء من بعده.

تأسيسا على ما تقدم فإن الاتجاه النقدي الذي كان يمثله ابن الهيثم هو موقف وسط بين الشك واليقين مع ميل عقلي إلى اليقين، وهو في إطار هذا الاتجاه يناقش مقدمات النسق العلمي ونتائجه ويحللها، ويناقش اعتراضات الآخرين ويقبل منها ما يراه مقبولا حتى يستقر في النهاية على اليقين الذي لا يداخله معه شك.

جاء منطلق ابن الهيثم إذن في كتابة مقدمته لكتاب “الشكوك” بمثابة تحذير إبستمولوجي ومنهجي للعلماء، خاصة وقد فطن للدور الذي تمارسه كتب العلماء القدامى، التي جاءت كعلوم وافدة، على عقلية العلماء الجدد، ومدى ما تمثله هذه الكتابات على وجه الخصوص في توجيه الدراسات العلمية التي سيقوم بها العلماء. ومن ثنايا هذا الفهم الذي انطلق منه ابن الهيثم نجده وقد اكتشف أن كتب العلماء القدامى تمثل سلطة على العقل العلمي، إن لم يكن حذرا، لأن هذه الكتب تمتاز بأنها تشكل قوام التقليد العلمي الذي درج عليه العلماء في الماضي ومن ثم فإن تعاليمها مستقرة وتشكل صورة من صور الاستمرار بين الأجيال، ويترتب على هذا أنها تحترم من قبل الذين يدرسونها كاستمرار للتقليد العلمي دون نقد أو تمحيص.

وهناك مسألة أخرى يطلعنا عليها هذا الفهم، وهي أن ابن الهيثم حين احتكم إلى العقل إنما صدر في ذلك عن وعي إبستمولوجي فرض عليه أن يرفض ما يتعارض مع العقل ويستبقي المتسق، وهذه نقطة مهمة لأنه في هذه الحالة قد وضع العقل في مواجهة النص مباشرة بعد أن حدد له دوره وحدوده، وأسند إليه مهمة التفنيد.

ولكن أكان ابن الهيثم يدور حول النص أم يتحدث مباشرة في النص؟ إن هذه النقطة تمثل لب التحول الإبستمولوجي، أو الثورة الإبستمولوجية التي قادها ابن الهيثم في عصره، إذ تبين ابن الهيثم أن الحديث لابد وأن يكون مباشرا “في” النص، يلتقط خيوطه الأساسية، ويقف على بنيته الإبستمولوجية، ويواجه التناقضات والأغاليط التي تبدو في المعاني التي قررها بطلميوس، ويضع في مقابلها البدائل والحلول كلما أمكن. وهذا التوجه من جانب ابن الهيثم يشير إلى وعيه وإدراكه لمفردات الخطاب، أو الحوار مع النص.

العقل ومعيار النقد

إذن تطلعنا إبستمولوجيا النقد العقلي عند ابن الهيثم على بعض المعالم الأساسية لمنهجه العقلاني الذي شكل رؤيته الإبستمولوجية للنص وقراءته له. إذ نجده من جانب يثق بقدرة العقل وثوقا تاما في الوصول إلى الحق، وهذه الثقة تشكل الجوهر الصلب لمذهبه العقلاني الذي لم يغفل أثر الخبرة (Experience) وفاعليتها. فالعقل هو الذي يلتقط التناقضات كما يبرهن على ما نتوصل إليه من الخبرة. واتساقا مع هذا الفهم أسس ابن الهيثم معياره النقدي الثابت الذي اتخذه سلاحا ماضيا لسبر أغوار النص وفك شفرته الأساسية، وقد تمثل هذا المعيار في “التخصيم والتمييز” دون تحيز، ووفق شروط العقل الذي ينفذ إلى أعماق النص. وانطلاقا من هذا المعيار وضع ابن الهيثم النتائج موضع الامتحان والاختبار بصورتين: الأولى صورة انطلقت من العقل الذي يكتشف التناقضات ويبرهن على النتائج أيضا عند صحتها. والثانية صورة انطلقت من الخبرة استقرائيا وهو ما سوف نعالجه بعد قليل. فكأنه جمع بين العقل والحس معا للوصول إلى الحق.

والذي لا ريب فيه أن حوار ابن الهيثم مع نص بطلميوس “الشكوك” واستخراجه للتناقضات التي في النص إنما جاء من أجل الوصول إلى الحقيقة. وهذه الحقيقة من وجهة نظر ابن الهيثم ليست مغلقة، وإنما نجده وقد فتح الآفاق الرحبة للنص أمام العلماء الجدد الذين سوف يأتون بعده لدراسة النص وقراءته له، وشرط ابن الهيثم في هذا أن تصدر قراءة العلماء الجدد من منطلق عقلي، وقد نجح ابن الهيثم في توجيه هذه الرسالة لأن كمال الدين الفارسي الذي جاء بعده بزمن طويل أعاد قراءة النص مرة أخرى وقراءة ابن الهيثم له، في كتاب “تنقيح المناظر”. فكأن ابن الهيثم فتح آفاقا جديدة للنص، وبذا شكل النص وقراءته وثيقة علمية مهمة من وجهة النظر الإبستمولوجية.

ولكن ما الذي تطلعنا عليه توجهات ابن الهيثم من خلال فهمه لدور النقد، وعلاقة العقل بالنقد؟ وما طبيعة هذه التوجهات؟

إن الإجابة على التساؤل المطروح تمثل جوهر المعرفة العلمية (Scientific Knowledge) عند ابن الهيثم الذي وجد أن المعرفة العلمية من حيث المفهوم تقتضي المطابقة التامة بين العقل والعلم كليا كان أو جزئيا (وهذه نقطة سنقف على أبعادها أيضا ونحن بصدد تناول موقف ابن الهيثم من الاستقراء). ولذا فقد حرص ابن الهيثم على إبراز الطابع الخاص بالعقل العلمي وهو أنه يسعى إلى فهم الظواهر بدقة ووضوح، إذ أن ما وجهه ابن الهيثم من نقد إلى بطلميوس في الشكوك إنما جاء بعد فهم طبيعة الظواهر الفلكية التي تناولها بطلميوس. وهذا الفهم يتصل بأمرين: الأول أن الظواهر الفلكية من حيث الوجود هي ظواهر طبيعية تخضع بالضرورة لسياق الفهم الذي ينطبق على العلوم الطبيعية، وإجراءات هذه العلوم، التي تلجأ إلى استخدام الاستقراء مدخلا أساسيا للفهم والتفسير ابتداء من الملاحظات والمشاهدات الحسية الواقعية (وهو ما يبدو في الجانب الاستقرائي عند ابن الهيثم) ولكن يجب أن نتنبه هنا إلى أن الاستقراء عند ابن الهيثم يأتي في مرحلة تالية، لأنه يراجع نتائج الاستنباط على الخبرة استقرائيا، وهو ما نتبينه في كتاب المناظر، على ما سنرى. والثاني أن تفسير هذه الظواهر وفهمها في صورتها النهائية يخضع للفهم الرياضي وتصوراته. وقد تنبه ابن الهيثم إلى هذه المسألة في مواضع متعددة وأشار صراحة إلى هذا المضمون.

وتأسيسا على الفهم السابق فقد ارتبط العقل العلمي (Scientific Reason) عند ابن الهيثم بطبيعة المعرفة العلمية، ولحقت العقل العلمي عنده سمات، أو خصائص معينة انسحبت بالضرورة على المعرفة العلمية. فمن جانب أول وجدنا أن ابن الهيثم في منطلقه لمعالجة آراء بطلميوس أخذ في تحديد المواضع التي سوف يتناولها بالنقد والتفنيد، وهذا التحديد جاء بمثابة تنظيم سببي أدى بصورة مباشرة إلى ارتباط الشكوك (السابق واللاحق) معا في علاقة واحدة يترتب فيها اللاحق على السابق. وهذا التنظيم فرض على ابن الهيثم أن يلجأ إلى البرهان المزدوج، وذلك البرهان الذي يبين من خلاله في عملية أولى هي عملية التفنيد عدم صحة ما ذهب إليه بطلميوس والأغاليط التي وقع فيها وما يترتب عليها من أوهام لا تتصل بالعلم أصلا. وفي العملية الثانية من البرهان أخذ ابن الهيثم يقيم البرهان بالدليل على الفكرة التصحيحية التي قدمها من خلال حجة دقيقة (راجع الشكوك). فكأن البرهان عند ابن الهيثم في هذا الجانب انطوى على عمليتين معا هما الهدم والبناء. وأما عملية الهدم فما كان لتحدث ما لم يكن ابن الهيثم قد وضع المشكلة الإبستمولوجية التي واجهها وضعا صحيحا. وهو ما أتاح له بالضرورة أن يجعلنا نستنبط هذا الفهم من سياق تحليلاته، فقد أصبحت المسألة عنده: ماذا نستطيع أن نعرف؟ وما هي شروط المعرفة؟ لقد تناول ابن الهيثم الشكوك بالبحث واحدا بعد الآخر، وجاء هذا التناول ليكشف بالضرورة عن معايير الفهم الصحيح عنده. وهكذا أصبح الفهم يحتل مكانة إبستمولوجية، كما أصبح عملية معرفية متميزة، وينتج عنه اكتساب المعرفة وهو ما تمثل في الجانب الثاني من البرهان وهو البناء. وهنا نلاحظ أن ابن الهيثم أعاد تشكيل المعرفة التي جاءته من خلال دراسته لآراء بطلميوس. فكأن ابن الهيثم الذي جعل الحق مطلوبه الأساسي والأول كما حدده في صدر “الشكوك” أراد أن يصل إلى المعرفة الحقيقية وحدها لأنها المعرفة التي تنسجم مع العقل وطبيعته، وتتوافق في الوقت نفسه مع بنية العقل.

النقد والتحرر من سلطة النص

ينبغي إذن أن نلاحظ أن ابن الهيثم الذي قصد “الحق” منذ البداية، أراد في الوقت نفسه أن يتحرر من سلطة النص من خلال إعمال سلطة النقد، وهذا التحرر أتاح له أن يكتشف المواضع الملغزة في نص بطلميوس، وحين وضع يديه على ما اعترى النص من تناقض جاءت سلطة الصوت من خلال النقد لتحذر من كتب القدماء، أو كتب النصوص، وهو ما وضح من قوله في عبارتين متتاليتين “فالناظر في كتب العلماء إذا استرسل مع طبعه، وجعل غرضه فهم ما ذكروه، وغاية ما أوردوه، حصلت الحقائق عنده هي المعاني التي قصدوا لها”، وفي العبارة الثانية يقول “فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم”. الواضح إذن من العبارتين أن ابن الهيثم فهم الدور الذي تمارسه كتب القدماء في تشكيل عقول الباحثين والعلماء، وفهم أيضا أن هذه الكتب قد تحول بين العالم وإبداعاته الخاصة. ولذا علت عنده سلطة الصوت في قوله محذرا الباحثين الجدد أو العلماء الشبان الذين سوف ينظرون في هذه الكتب: “وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل”. وهذه النصيحة ترشد العلماء إلى الطريق الواجب اتباعها في الوصول إلى الحق. وهي تتكامل مع ما يذكره من أن التزام العالم بكتب القدماء وتقديسها سيفضي إلى أن تحصل عند العالم المعاني والحقائق التي قصد إليها العلماء القدامى، وسيتوقف الإبداع العلمي، ولن ينتج العالم ما هو جديد.

ما أشبه اليوم بالأمس! إن سياق الإبستمولوجيا المعاصرة يحذرنا من كتب النصوص، أو كتب القدماء وما بها من رؤية خاصة قد لا تتسق مع ما هو قائم. وقد كشف العلامة توماس كون عن هذا الجانب بصورة مركزة في كتابه “تركيب الثورات العلمية” إذ وجه اهتمامه الأصلي إلى نقد سلطة الكتابات القديمة، أو ما يطلق عليه كتب النصوص، ومدى ما تمثله من تأثير على عقلية العلماء، وكيف أن العلماء الذين تخلصوا من تأثير هذه الكتابات أمكنهم إحداث ثورات علمية. هل يا ترى إذن اطلع توماس كون على ما كتبه الحسن ابن الهيثم؟

الواقع إن كتابات ابن الهيثم تم ترجمة معظمها إلى اللغة اللاتينية في فترة مبكرة جدا، واستفادت منها أوروبا خاصة من كتاب “المناظر”، واطلاع العلماء قديما على هذا الكتاب. وقد تتبع الدكتور عبد الحميد صبره مؤلفات ابن الهيثم في الغرب وكرس أكثر من نصف قرن للكشف عن ابن الهيثم العالم، وبين أثره في “المناظر”. أضف إلى هذا أن أبحاث الدكتور عبد الحميد صبره معروفة في الغرب وهو على صلة بالعلامة توماس كون الذي دون كتابه “تركيب الثورات العلمية” في الستينيات. ومع أننا لا نملك الأدلة القاطعة على امتداد هذا التأثير من ابن الهيثم إلى توماس كون عبر كتابات عبد الحميد صبره، إلا أنه يمكن أن نقرر بيقين أمرين: الأول أن التأثير امتد منذ العصور الوسطى ثم بعد ذلك في ثورة العلم الغربي الحديث. والأمر الثاني أن كتابات صبره معروفة في الغرب وكشف من خلالها عن أبعاد فكر ابن الهيثم العلمي في جوانبه المختلفة. ما هي إذن أصول نظرة توماس كون لكتب النصوص؟

إن العلماء، وفقا لرأي كون، في مرحلة العلم السوي تعلموا كيف ينظرون إلى مشكلاتهم البحثية من خلال التعليم الذي تلقوه، والذي جاءهم من المراجع الأكاديمية المألوفة وكتب النصوص. لقد شكلت التجارب والخبرات العلمية والآراء النظرية التي سجلت في تلك الكتب، الأساس الجيد لصقل تعليم هؤلاء العلماء بصورة محددة، وهذه الكتابات تعلم منها كل جيل علمي، وانصب هدفها الأساسي على الإقناع والتعليم، وهذا ما جعل كون يذهب في أول فصول كتابه عن “تركيب الثورات العلمية” محددا دور التاريخ في تشكيل العقل العلمي وتشكيل صورة العلم قائلا: وقد تشكلت هذه الصورة من قبل على يد العلماء أنفسهم خاصة من دراسة الإنجازات العلمية المكتملة كما سجلت في الدراسات القديمة، وفي كتب النصوص (المصادر) التي يتعلم منها كل جيل علمي جديد كيف يمارس مهنته. ومع ذلك فإن هدف مثل هذه الكتب يكون إقناعيا وتعليميا. ولهذا السبب فإن هذه المراجع والكتب، تعرض للعلماء والباحثين هيكل النظرية المقبولة. وتشرح كثيرا من تطبيقاتها الناجحة، أو كل التطبيقات الناجحة، وتقارن هذه التطبيقات بالملاحظات والتجارب وهي أيضا تشير إلى أن محتوى العلم يتضح بصورة فريدة بفعل الملاحظات والتجارب، والقوانين والنظريات التي توصف على صفحاتها.

والملاحظ أن العلماء يقرأون هذه الكتب بصورة منتظمة، إنهم يقرأونها على أنها تقول لنا أن المناهج العلمية هي ببساطة تلك التي تكشف عنها الفنون البارعة التي تستخدم في جمع حقائق كتب المعطيات مع العمليات المنطقية التي تستخدم في ربط هذه المعطيات، بالتصحيحات النظرية لكتب النصوص. ومن ثم فإنه إذا كان العلم مجموعة وقائع ونظريات ومناهج جمعت كلها في كتب النصوص، عندئذ فإن العلماء هم الرجال الذين يصادفون النجاح أو الفشل في كفاحهم من أجل المساهمة بعنصر أو آخر في هذه المجموعة، ويصبح التطور العلمي هو العملية الجزئية التي تضاف بها هذه البنود فرادى ومجتمعة إلى التطور الذي يؤلف التكنيك العلمي والمعرفة، ويصبح تاريخ العلم نظاما يؤرخ هذه الإضافات المتتابعة والعوائق التي تحول دون تراكمها.

ويترتب على هذا أن العلماء الذين تعلموا على كتب النصوص يشكلون ما يطلق عليه توماس كون “المجتمع العلمي” ذلك المجتمع الذي يواجه المشكلات المعروضة عليه بنفس الأسلوب، ونفس التصور. أو إن شئنا الدقة والتحديد أكثر قلنا إنهم يواجهونها من خلال منظور أو “نموذج” محدد لا يمكنهم الخروج على تحديداته، أو على القوالب الفكرية التي رسمها لهم.

إلا أن العلماء في هذه المرحلة، أو قل المجتمع العلمي، تظهر لهم بعض الحالات الشاذة، ويتضح لهم أن النموذج الذي لديهم، ويعملون وفق تصوراته، يفشل في تقديم حلول كافية أو مناسبة للمعضلات التي تصادفهم في أبحاثهم. ومع هذا نجد العلماء يصرون على اتباع النموذج الذي تعلموا أن يطبقوا تصوراته.

ويحدث في فترة من الفترات أن تزداد الحالات الملاحظة لهذا الشذوذ الذي يسجل على النموذج القائم فعلا، وتتراكم هذه الحالات، وتزداد الشكوك حول فاعلية النموذج لدى بعض العلماء، لكنهم مع هذا لا يستطيعون فكاكا، إنهم أسرى لتصوراتهم ولرؤيتهم المحددة سلفا. لكن يحدث أن يتوصل أحد العلماء، إلى كشف علمي يقلب المسائل رأسا على عقب، ويتوصل لنتائج جديدة ومخالفة لكل ما قبله المجتمع العلمي. هذا الكشف يقدم رؤية جديدة لا تثق في النموذج القائم والمعمول به بصورة نمطية. وهذه الرؤية تطالب بتحويل أنظار العلماء عن النموذج القديم، وتطالبهم باعتناق التصور الجديد. لكن هل يسلم المجتمع العلمي بهذا الكشف الجديد؟ وهل من السهولة بمكان أن يعتنق مجتمع العلماء الذي تلقى تصورات معينة، وعمل وفقا لها لفترة تاريخية طويلة، هل من السهولة أن يعتنق رأيا جديدا مخالفا لتصوراته الأصلية؟

لقد مثل ابن الهيثم في عصره نموذج ذلك العالم الذي قلب المسائل رأسا على عقب، فقد بدأ بالشك في، ونقد النظريات القائمة في مجال الإبصار، وبين إلى أي حد شكلت النماذج القديمة عائقا معرفيا أمام التقدم العلمي في مجال علم المناظر، ثم انطلق من النقد إلى التأسيس العلمي، وهو ما سوف نقف على أبعاده.

النقد والنظريات العلمية المتنافسة

الآن سنتطرق إلى رؤية إبستمولوجية لموقف دقيق من مواقف ابن الهيثم في إطار فلسفة العلم، حيث يعرض لموقفه من النظريات العلمية المتنافسة، ويكشف عن أبعاد فكرة التنافس العلمي، وكيف أن هذه الفكرة تشكل مبحثا مهما في إطار فلسفة العلم، كما يعرض في هذا الإطار نظريته العلمية ويبين إلى أي حد يشكل نموذج نظريته بعدا منافسا على مستوى الرؤية المنهجية والفهم الإبستمولوجي أيضا. نقدم أولا نص ابن الهيثم في مقدمة كتاب المناظر “تحقيق عبد الحميد صبرة”، ثم نشرع في تحليل النص وتقديم الاستنتاجات:

“إن المتقدمين من أهل النظر قد أمعنوا البحث عن كيفية إحساس البصر، وأعملوا فيه أفكارهم، وبذلوا فيه اجتهادهم، وانتهوا منه إلى الحد الذي وصل النظر إليه، ووقفوا منه على ما وقفهم البحث والتمييز عليه. ومع هذه الحال فآراؤهم في حقيقة الإبصار مختلفة، ومذاهبهم في هيئة الإحساس غير متفقة، فالحيرة متوجهة، واليقين متعذر، والمطلوب غير موثوق بالوصول إليه. وما أوسع العذر من جميع ذلك في التباس الحق وأوضح الحجة في تعذر اليقين، فالحقائق غامضة، والغايات خفية، والشبهات كثيرة، والأفهام كدرة، والمقاييس مختلفة، والمقدمات ملتقطة من الحواس، والحواس -التي هي العدد- غير مأمونة الغلط. فطريق النظر معفى الأثر، والباحث المجتهد غير معصوم من الزلل، فلذلك تكثر الحيرة عند المباحث اللطيفة، وتتشتت الآراء، وتفترق الظنون، وتختلف النتائج، ويتعذر اليقين.

والبحث عن هذا المعنى مع غموضه وصعوبة الطريق إلى معرفة حقيقته مركب من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية. أما تعلقه بالعلم الطبيعي فلأن الإبصار أحد الحواس، والحواس من الأمور الطبيعية. وأما تعلقه بالعلوم التعليمية فلأن البصر يدرك الشكل والوضع والعظم والحركة والسكون، وله مع ذلك تخصيص بالسموت المستقيمة، والبحث عن هذه المعاني إنما يكون بالعلوم التعليمية. فبحق صار البحث عن هذا المعنى مركبا من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية.

وقد بحث المتحققون بعلم الطبيعة عن حقيقة هذا المعنى بحسب صناعتهم واجتهدوا فيه بقدر طاقتهم، فاستقرت آراء المحصلين منهم على أن الإبصار إنما يكون من صورة ترد من المبصر إلى البصر منها يدرك البصر صورة المبصر. فأما أصحاب التعاليم فإنهم عنوا بهذا العلم أكثر من عناية غيرهم، واستقصوا البحث عنه، فاهتموا بتفصيله وتقسيم أنواعه، وميزوا المعاني المبصرة، وعللوا جزئياتها، وذكروا الأسباب في كل واحد منها، مع اختلاف يتردد بينهم على طول الزمان في أصول هذا المعنى، وتفرق آراء طوائف من أهل هذه الصناعة. إلا أنهم على اختلاف طبقاتهم وتباعد أزمانهم وتفرق آرائهم متفقون بالجملة على أن الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر وبه يدرك البصر صورة المبصر، وأن هذا الشعاع يمتد على سموت خطوط مستقيمة أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وأن كل شعاع يدرك به مبصر من المبصرات فشكل جملته شكل مخروط رأسه مركز البصر وقاعدته سطح المبصر. وهذان المعنيان – أعني رأي أصحاب الطبيعة ورأي أصحاب التعاليم – متضادان متباعدان إذا أخذا على ظاهرهما.

ثم مع ذلك فأصحاب التعاليم مختلفون في هيئة هذا الشعاع وهيئة حدوثه. فبعضهم يرى أن مخروط الشعاع جسم مصمت متصل ملتئم. وبعضهم يرى أن الشعاع خطوط مستقيمة هي أجسام دقاق أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وتمتد متفرقة حتى تنتهي إلى المبصر، وأن ما وافق أطراف هذه الخطوط من سطح المبصر أدركه البصر وما حصل بين أطراف خطوط الشعاع من أجزاء المبصر لم يدركه البصر، ولذلك تخفى عن البصر الأجزاء التي في غاية الصغر والمسام التي في غاية الدقة التي تكون في سطوح المبصرات. ثم إن طائفة ممن يعتقد أن مخروط الشعاع مصمت ملتئم ترى أن الشعاع يخرج من البصر على خط واحد مستقيم إلى أن ينتهي إلى المبصر، ثم يتحرك على سطح المبصر حركة في غاية السرعة في الطول والعرض لا يدركها الحس لسرعتها، فيحدث بتلك الحركة المخروط المصمت. وطائفة ترى أن الأمر بخلاف ذلك وأن البصر إذا فتح أجفانه قبالة المبصر حدث المخروط في الحال دفعة واحدة بغير زمان محسوس. ورأى طائفة من جميع هؤلاء أن الشعاع الذي به يكون الإبصار هو قوة نورية تنبعث من البصر وتنتهي إلى المبصر، وبتلك القوة يكون الإحساس. ورأى طائفة أن الهواء إذا اتصل بالبصر قبل منه كيفية فقط، فيصير الهواء في الحال بتلك الكيفية شعاعا يدرك به البصر المبصرات.

ولكل طائفة من هذه الطوائف مقاييس واستدلالات وطرق أدتهم إلى اعتقادهم وشهادات، إلا أن الغاية التي استقر رأي جميع من بحث عن كيفية إحساس البصر تنقسم بالجملة إلى المذهبين المتضادين اللذين قدمنا ذكرهما. وكل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا، وإما أن يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة. وقد يعرض الخلاف أيضا في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق المباحث، وإذا حقق البحث وأنعم النظر ظهر الاتفاق واستقر الخلاف.

ولما كان ذلك كذلك، وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطراد الخلاف بين أهل النظر المتحققين بالبحث عنه على طول الدهر ملتبسة، وكيفية الإبصار غير متيقنة. رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان، ونخلص العناية به. ونتأمله، ونوقع الجد في البحث عن حقيقته، ونستأنف النظر في مبادئه ومقدماته، ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، ونميز خواص الجزئيات، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس، ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات. وما نحن، مع جميع ذلك، برآء مما هو في طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكننا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية، ومن الله نستمد المعونة في جميع الأمور.

ونحن نقسم هذا الكتاب سبع مقالات: ونبين في المقالة الأولى كيفية الإبصار بالجملة، ونبين في المقالة الثانية تفصيل المعاني التي يدركها البصر وعللها وكيفية إدراكها، وتبين في المقالة الثالثة أغلاط البصر فيما يدركه على استقامة وعللها، ونبين في المقالة الرابعة كيفية إدراك البصر بالانعكاس عن الأجسام الصقيلة، ونبين في المقالة الخامسة مواضع الخيالات وهي الصور التي ترى في الأجسام الصقيلة، ونبين في المقالة السادسة، أغلاط البصر فيما يدركه بالانعكاس وعللها، ونبين في المقالة السابعة كيفية إدراك البصر بالانعطاف من وراء الأجسام المشفة المخالفة الشفيف لشفيف الهواء، ونختم الكتاب عند آخر هذه المقالة.

وقد كنا ألفنا مقالة في علم المناظر سلكنا في كثير من مقاييسها طرقا إقناعية، فلما توجهت لنا البراهين المحققة على جميع المعاني المبصرة استأنفنا تأليف هذا الكتاب. فمن وقعت إليه المقالة التي ذكرناها فليعلم أنها مستغنى عنها بحصول المعاني التي فيها مضمون هذا الكتاب.”

جاءت مقدمة الحسن بن الهيثم لكتاب “المناظر” درسا نقديا واعيا في صميم فلسفة العلم، على الرغم من أن كتاب “المناظر” كتاب في العلم؛ لكن ابن الهيثم قبل أن يعرض لعلمه هذا، أراد أن يبين أبعاد المشكلة الحقيقية فيه، وما الذي انتهى إليه هذا العلم في عصره. وتلك نقطة مهمة، لأنه في هذه الحالة سوف يقدم لنا موقف النظريات المختلفة في إطار علم المناظر، ومدى ما أحرزته من نجاح، وجوانب الإخفاق أيضا. ولذا فإن ابن الهيثم يقرر حقيقة بدت له ولمسها من خلال قراءته ودرسه للتراث العلمي الذي وصل إليه، وهي أن “المتقدمين من أهل النظر قد أمعنوا البحث في كيفية إحساس البصر، وأعملوا فيه أفكارهم.. ومع هذه الحال فآراؤهم في حقيقة الإبصار مختلفة، ومذاهبهم في هيئة الإحساس غير متفقة”. هذا التقرير من جانب ابن الهيثم يكشف أن كيفية إحساس البصر شكلت مشكلة علمية وإبستمولوجية في الوقت نفسه بالنسبة للقدماء، وما دامت هناك مشكلة فلابد وأن الآراء مختلفة، ويترتب على هذا اختلاف المذاهب المعرفية في هيئة الإحساس، ومن ثم فإن “اليقين متعذر” في ضوء اختلاف المذاهب، إذ لا واحد منها يستطيع أن يدعي القول الفصل الذي تتبدد معه الحيرة.

ولكن كيف نشأت المشكلة أصلا؟ وما سبب اختلاف الآراء حول إحساس البصر؟ وإلى أي حد تمثل المشكلة بعدا معرفيا أصيلا يكشف عن وعي العالم وقدرته على التحليل والربط بين جوانب الموضوع؟

يركز ابن الهيثم على أداة الحس الأولى في الإبصار، وهي العين التي ستصبح محور كتاب المناظر بأسره. وهنا يكشف ابن الهيثم عن تكامل البعد الميثودولوجي (المنهجي) مع البعد الإبستمولوجي (المعرفي). وآية ذلك أن العين هي أداة الإبصار والإحساس، والعين تتصفح الواقع وتبصر الأشياء، شأنها كبقية الحواس تماما. ومن ثم فإن المعطيات التي تلتقطها الحواس من الواقع هي ما يتم إدراجه في (مقدمات) تشكل أول خطوة من خطوات الالتحام بالخبرة والواقع. ولكن ابن الهيثم كعالم يعرف ويدرك عن وعي أن “الحواس- التي هي العدة- غير مأمونة الغلط”، والعين واحدة من الحواس، إذن إحساس العين أو إبصارها غير مأمون الغلط. هذه هي النقطة الأولى التي يريد ابن الهيثم كفيلسوف علم، عارض بالمناهج، أن يبرزها لنا بوضوح لأنها ستفسر لنا سر اختلاف “أهل النظر” وهم يتحدثون “عن كيفية إحساس البصر”.

ولكن دعنا الآن نقترب رويدا رويدا مما يريد ابن الهيثم أن يجعله محور اهتمامنا وهو أن “الباحث المجتهد غير معصوم من الزلل”، وهذا الفهم يتكامل مع ما سبق تقريره في “الشكوك على بطلميوس” على ما ذكرنا. ولكن أليس هناك مبرر للخطأ الذي قد يقع فيه الباحث؟

لاشك أن المقدمات التي تكونت لدينا نتيجة لاستقراء الخبرة ستؤدي إلى نتائج. والمقدمات والنتائج معا تشكل قوام الحجة التي يقدمها الباحث أو العالم والتي قد تكشف عن اليقين أو تعذر اليقين إن اختلفت الحجة من مذهب لآخر، ولذا فقد ذهب إلى أنه قد “تكثر الحيرة عند المباحث اللطيفة، وتتشتت الآراء وتفترق الظنون وتختلف النتائج، ويتعذر اليقين”.

يشير ابن الهيثم في هذا السياق إلى أن المشكلة نشأت أصلا لأن المتقدمين من أهل النظر غاب عنهم البعد المعرفي وهو أن إحساس البصر “مركب من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية”. عند هذه النقطة تبدأ عملية الفهم الصحيح لأبعاد المشكلة الخاصة بإحساس البصر، وتبدأ مع مفردات هذا الفهم أول انطلاقة صحيحة لعلم المناظر الذي ارتبط باسم الحسن بن الهيثم، ولكن ما الذي تشير إليه فكرة أن إحساس البصر مركب من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية؟

إن مكونات الوعي بطبيعة العلوم المختلفة جعلت ابن الهيثم يفطن إلى أهمية التمييز بين مجموعات العلوم المختلفة، إذ أن لكل علم من العلوم الموضوعات التي تلائمه، ومن ثم فإنه إذا فهمت طبيعة العلم تماما أمكن للعالم أو الباحث أن يتعامل مع موضوعاته. وهذا ما جعل ابن الهيثم يميز بصورة حاسمة بين مجموعتي العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، إذ العلوم الطبيعية تنصب على دراسة الموضوعات الصادرة عن الخبرة أو الواقع، ودراسة هذه الموضوعات تتطلب بالضرورة استخدام المنهج الملائم لها وهو المنهج الاستقرائي (Inductive Method). على حين أن العلوم التعليمية تدرس ذلك الجزء الحسابي أو الرياضي، ومن ثم فإن موضوعاتها رياضية وتتطلب منهجا يختلف من حيث طبيعته عن منهج العلوم الطبيعية. ولما كانت الرياضيات تشكل ميدان هذه العلوم فإنها بالضرورة عقلية وتصدر عن العقل وحده، ولا علاقة للخبرة بها. إن هذه العلوم بالضرورة تقدم الجانب الاستنباطي الذي يعتمد على العقل، ويمكنها من خلال قوة الحساب والاستنباط أن تصل إلى نتائج ذات طبيعة رياضية دقيقة. ولما كانت الرياضيات، التي يمثل الاستنباط قوام منهجها، ذات طبيعة دقيقة، فإنها حين تتكامل مع الخبرة المعتمدة على الاستقراء، تشكل بعدا يقترب بنتائجها من اليقين بدرجة عالية، أي لا يصبح اليقين فيها متعذرا، ومن ثم لا يلتبس الحق. وهذا هو السر الذي جعل ابن الهيثم يفطن إلى النقطة الحاسمة في نقد النظريات السابقة التي تعذر فيها اليقين والتبس فيها الحق. وعند هذه النقطة أيضا نستطيع أن نفهم وعي ابن الهيثم بالصعوبة الكامنة في هذا العلم المهم الذي أصبح البصر قوامه. والتغلب على هذه الصعوبة في رأي ابن الهيثم إنما يكون عن طريق إدراك أن قوام إحساس البصر الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الحتمية. هذه هي النتيجة التي انتهى إليها ابن الهيثم. ولكن كيف توصل ابن الهيثم أصلا إلى هذه الفرضية؟ ثم كيف أثبتها؟ إننا لكي نعرف طريق ابن الهيثم إلى إدراك هذا التصور لابد وأن نقف على حقيقة موقفه من العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، والقدر الذي يتدخلان به في عملية الإبصار.

الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية

سبق أن أشرنا إلى أن لكل علم من العلوم موضوعاته التي تلائمه. وقد حدد ابن الهيثم هذا المعنى مؤكدا “أما تعلقه بالعلم الطبيعي فلأن الإبصار أحد الحواس، والحواس من الأمور الطبيعية. وأما تعلقه بالعلوم التعليمية، فلأن البصر يدرك الشكل والوضع، والعظم، والحركة، والسكون وله مع ذلك في نفس الإحساس تخصيص بالسموت المستقيمة، والبحث عن هذه المعاني إنما يكون بالعلوم التعليمية”. إذن بين لنا ابن الهيثم البعد الكامن وراء فكرة الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، وهو ما يريده ابن الهيثم. ولكنه في نفس الوقت يدرك بصورة قاطعة أن القدماء لم يدركوا هذا المعنى، ولم يفطنوا إلى أهمية هذا البعد في الإبصار. ولما كان ذلك كذلك “تعذر اليقين” لأن الآراء المختلفة سوف تعتمد على بعد واحد فحسب وتسقط من اعتبارها البعد الآخر، ويترتب على هذا أن تأتي “مذاهبهم في هيئة الإحساس غير متفقة” نظرا لأن “الحقائق غامضة، والغايات خفية، والشبهات كثيرة، والأفهام كدرة، والمقاييس مختلفة”. وربما فسرت لنا كلماته مسألة عدم الاتفاق التي ينبه إليها، وهو ما يفهم من استخدامه في هذه العبارة كلمتي “والمقاييس مختلفة”. إذ في العلوم الطبيعية يشكل الاستقراء من الخبرة المقياس أو المعيار الأصلي، على حين أن العلوم التعليمية تعتمد على معيار (Criterion) آخر وهو الاستنباط الذي يصدر عن قوة العقل. ومن ثم فإن ما يصدر عن الخبرة حسي وواقعي على حين أن ما يصدر عن العقل استنباطي نقدي. هذا إلى جانب أن ما يصدر عن الخبرة يخضع لشروطها التي من أهمها أن الخبرة ذاتها تحتمل وجود الحالات الموجبة والحالات السالبة جنبا إلى جنب. لكن ما يصدر عن العقل إنما يخضع لشروطه التي من أهمها عدم التناقض. إذن أدرك ابن الهيثم التعارض بين المقاييس التي لدى أصحاب المذاهب المختلفة.

وتأسيسا على الفهم السابق كان لابد أن يقوم ابن الهيثم بتقييم المذاهب المختلفة حول حقيقة الإبصار، وبيان الأبعاد التي جعلتها تشكل نظريات متنافسة، لأن هذه النقطة تشكل بعدا جديدا في فهم حقيقة الإبصار، كما تقدم بالضرورة البنية أو الدليل الذي أسس عليه ابن الهيثم فهمه لطبيعة الإبصار المكونة من العلوم الطبيعية والعلوم الحتمية.

أما الرأي الأول الذي يشير إليه ابن الهيثم فهو رأي أصحاب العلوم الطبيعية الذين استقرت “آراء المحصلين منهم على أن الإبصار إنما يكون من صورة ترد من المبصر إلى البصر، منها يدرك البصر صورة المبصر”. وأما الرأي الثاني فيمثله أصحاب العلوم التعليمية وهم “متفقون بالجملة على أن الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر، وبه يدرك البصر صورة المبصر، وأن هذا الشعاع يمتد على سموت خطوط مستقيمة أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وأن كل شعاع يدرك به مبصر من المبصرات فشكل جملته شكل مخروط رأسه مركز البصر، وقاعدته سطح المبصر”.

إن وضع الآراء على هذا النحو يزودنا بعدة أمور أهمها اختلاف المعتقد العلمي لدى أصحاب العلوم الطبيعية وأصحاب العلوم التعليمية، ويكشف أيضا عن أن اختلاف الاعتقاد هو الذي أدى إلى “تعذر اليقين”. وفكرة الاعتقاد هنا يمكن أن نلمسها من عبارة ابن الهيثم التي يقول فيها “فلذلك تكثر الحيرة عند المباحث اللطيفة، وتتشتت الآراء وتفترق الظنون، وتختلف النتائج، ويتعذر اليقين”. إن الظنون التي يعقدها ابن الهيثم هنا هي الآراء (Opinions) التي تشتتت وافترقت فجاء كل رأي بمقدمات مختلفة عن مقدمات الرأي الآخر، وقد ترتب على اختلاف المقدمات، أن اختلفت النتائج. وقد اكتشف ابن الهيثم هذا الاختلاف في طبيعة المذهبين وأكده بقوله “وهذان المعنيان -أعني رأي أصحاب الطبيعة، ورأي أصحاب التعاليم- متضادان متباعدان”. يضيف لنا ابن الهيثم اعتقادا منطقيا يفسر به طبيعة الاختلاف بين المذهبين ليلقي ضوءا كاشفا على طبيعة تدخل العقل المنطقي في تقييم النظريات العلمية، وهي مسألة جديدة تماما في نطاق هذا الفهم النقدي، ويظهر هذا من قوله “متضادان متباعدان”. إن التضاد يمكن فهمه من خلال التقابل بين الآراء، فإذا كان لدينا مذهبان أو نظريتان متعارضتان، فإن وصفهما بالتضاد يعني أنهما لا يصدقان معا وقد يكذبان معا. ومعنى هذا أنه إذا كان رأي أصحاب الطبيعة صادقا فإن رأي أصحاب التعاليم كاذب، ولكننا لا نعرف طبيعة الحكم إذا كان رأي أصحاب الطبيعة كاذبا، إذ قد يصدق رأي أصحاب التعاليم وقد يكذب. عند هذه النقطة بدأ المنطق يتغلغل في طبيعة فهم التعارض بين النظريات العلمية. ولكن رب قائل تساوره الشكوك ويتساءل: قد لا يكون هذا هو المعنى الذي يقصده ابن الهيثم من قوله “متضادان متباعدان”؟ وعند هذا الحد يصبح تفسيرنا لنص ابن الهيثم محملا بمعان لم يقصدها. وهنا تنشأ إشكالية فهم السياق ذاته.

لكننا قبل أن نقدم الإجابة على هذا التساؤل نريد الإشارة إلى أن فيلسوف العلم لا يقف عند حد فهم أو معرفة التعارض بين النظريات أو الآراء، وإنما يحلل النظريات بصورة دقيقة لعله يكتشف من تحليلها أبعادا جديدة داخل طبيعة النظريات ذاتها. وهذا ما حدث من استعراض ابن الهيثم لآراء أصحاب التعاليم. صحيح أنه يقرر أن أصحاب التعاليم يرون أن الإبصار يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر، وبه يدرك البصر صورة المبصر، على ما بين هذا في متن مذهبهم، إلا أنه يشير إلى أنهم “مختلفون في هيئة الشعاع، وهيئة حدوثه”. وهذا الاختلاف نتج بالضرورة عن انقسامهم إلى فرق لكل منها نظرتها الخاصة إلى طبيعة مخروط الشعاع، وهيئة حدوثه”، وقد استعرض ابن الهيثم هذه الفرق بالصورة التي تكشف عن طبيعة الاختلاف ذاته:

أ- بعض هذه الفرق يرى أن “مخروط الشعاع جسم مصمت متصل ملتئم”، وهذه الفرقة تنقسم إلى طوائف:

طائفة ترى “أن الشعاع يخرج من البصر على خط واحد مستقيم إلى أن ينتهي إلى المبصر ثم يتحرك على سطح المبصر حركة في غاية السرعة في الطول والعرض ولا يدركها الحس لسرعتها، فيحدث بتلك الحركة المخروط المصمت”.

وطائفة ترى “أن البصر إذا فتح أجفانه قبالة المبصر حدث المخروط في الحال دفعة واحدة بغير زمان محسوس”.

ب- والبعض الآخر يرى “أن الشعاع خطوط مستقيمة هي أجسام دقاق، أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وتمتد متفرقة حتى تنتهي إلى المبصر، وأن ما وافق أطراف هذه الخطوط من سطح المبصر أدركه البصر، وما حصل بين أطراف خطوط الشعاع من أجزاء المبصر لم يدركه البصر”.

ج- وطائفة ذهبت إلى “أن الشعاع الذي به يكون الإبصار هو قوة نورية تنبعث من البصر، وتنتهي إلى المبصر، وبتلك القوة يكون الإحساس”.

د – وطائفة أخرى ترى “أن الهواء إذا اتصل بالبصر قبل منه كيفية فقط. فيصير الهواء في الحال بتلك الكيفية شعاعا يدرك به البصر المبصرات”.

إذن ابن الهيثم العالم الذي يمارس العلم ويعرف أبعاده، استطاع أن يزود ابن الهيثم فيلسوف العلم بأسس وأصول فهم طبيعة الخلاف بين النظريات. وهنا تتكامل رؤية العالم وفيلسوف العلم معا، ويتدخل المنطق ليكشف عن نظرة جديدة يقدمها لنا فيلسوف العلم إلى طبيعة الخلاف العلمي بين النظريات، وهو ما سبق أن أشرنا إليه في قوله “متضادان متباعدان”. إن فهم التضاد هنا يطبق ببراعة على فهم النظريات المتنافسة، وقد حان الآن وقت الإشارة إلى هذه النقطة.

بعد استعراض النظريات والآراء السابقة كان لابد من تقييم كل هذا المحصول العلمي الذي وصل إلى ابن الهيثم الذي ربط بين الاعتقاد والمذاهب المختلفة بصورة منطقية دقيقة تكشف عن وعيه أثناء فحص الآراء والنظريات لأن “كل مذهبين مختلفين فإما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا، وإما أن يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة ويكون كل واحد من الفريقين الباحثين القائلين بذلك المذهبين قد قصر في البحث، فلم يقدر على الوصول إلى الغاية وقصر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة، وقد يعرض الخلاف أيضا في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق الباحث، وإذا حقق البحث وأنعم النظر ظهر الاتفاق واستقر الخلاف”.

إذن كشف ابن الهيثم باعتباره فيلسوف علم ومنطقيا عن أسباب الخلاف بين المذاهب، وحدودها، وبين لماذا لم تصل المذاهب، التي استعرضها إلى اليقين، ولماذا التبس الحق وتشتت الآراء. وبهذا المعنى يكون فيلسوف العلم قد حدد المشكلة الأساسية التي سيعكف على بحثها، وبين موقف المذاهب المختلفة منها، وما أدت إليه من مشكلات فرعية داخل المذهب الواحد، مبينا أن فلسفة العلم تهتم ببحث المشكلات العلمية، وتقييم هذه المشكلات، ومعرفة نتائجها، والقدر الذي يتدخل به المنطق في تحليلاتها والأهم من هذا أنه يوجه النظر إلى الطرق التي تستخدم في إطار العلوم المختلفة، وهو ما سوف نشير إليه في الفقرات التالية. أضف إلى هذا أن ابن الهيثم باعتباره فيلسوف علم فطن إلى اختلاف المعيار (Criterion) من مذهب إلى آخر وهو ما أشار إليه في استخدامه كلمة “المقاييس”. فضلا عن ذلك إضافته في زمن مبكر لفكرة الاعتقاد، وهو ما يبدو حين يستخدم كلمة “اعتقاد” والكلمة الأخرى المرادفة “بعضهم يرى أن..”، “ثم إن طائفة ممن يعتقد أن… يرى أن…”، وكأنه يريد أن يقول لنا مقولة بعض فلاسفة العلم المعاصرين “إننا نرى ما نعتقد” وهو يتجاوز هذا إلى “أننا نعتقد ما نرى”، في عبارته “إن طائفة ممن يعتقد أن… يرى أن…….”. وهنا نجده على الصعيد الإبستمولوجي يقدم فعل الاعتقاد الذي يشكل الجانب المعرفي في إطار فهم المذاهب المتعارضة. لكن لا ينبغي أن تغيب عنا الارتباط بين الجانب الإبستمولوجي والجانب المنطقي الذي بدا واضحا في تقييم ووزن الآراء منطقيا من خلال شروط العقل الذي يطبق معيار عدم التناقض على الموضوعات التي يبحثها.

يبدأ ابن الهيثم العالم يتدخل تحت تأثير ابن الهيثم فيلسوف العلم، ويبحث في علم المناظر ويحاول تأسيسه بصورة دقيقة وبناء على أسس إبستمولوجية صادرة عن ابن الهيثم فيلسوف العلم، وهو ما يبدو من قوله “رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بعناية الإمكان (أي كيفية الإبصار)، ونخلص العناية به ونتأمله، ونوقع الجد في البحث عن حقيقته”. إذن مشكلة الاختلاف بين المذهبين المتعارضين ولدت مشكلة البحث في العلم على أسس جديدة، سوف يشخصها بدقة فيلسوف العلم، ويبين من خلالها المنهج الذي سوف يستخدمه للوصول إلى “الحق”، وتحديد “العلم”.

ولكن ينبغي علينا الآن وقبل أن ننتقل من هذا التصور، أن نبين أثر هذا الجانب في نطاق فلسفة العلم، وتأسيس إبستمولوجيا تنطلق من مسلمات معرفية محددة.

لقد كشف ابن الهيثم عن فهم دقيق لأبعاد فلسفة العلم وهو بصدد مناقشته للنظريات والمذاهب المتعارضة، وقد استبان هذا الفهم من خلال تأكيده في عبارته التي أشرنا إليها، “ثم إن طائفة ممن يعتقد أن.. يرى أن..”، “إن طائفة ممن يعتقد أن.. يرى أن..”. هل تنبه ابن الهيثم إلى أننا نرى ما نعتقد على غرار ما يرى فلاسفة العلم المعاصرون أمثال فيرابند وهانسون وكون وغيرهم؛ وإذا كان قد تنبه إلى هذا الربط بين سياق الاعتقاد وسياق الرؤية، فلماذا لم يزودنا بمحصول نظري حولهما؟ أم هل طبق الفكرة تطبيقا مباشرا في فهمه لحقيقة الخلاف بين النظريات العلمية المختلفة؟

نشير من جانبنا إلى أن ابن الهيثم لم يقدم لنا نظرية حول الاعتقاد وعلاقته بالرؤية، لكنه قدم على امتداد كتاب المناظر نظرية متكاملة في الرؤية وهي نظرية علمية، ونظرية متكاملة في الإدراك أيضا وهي نظرية فلسفية، وبين إلى أي حد يمكن أن نتبين مستويات للإدراك معرفيا.

تفنيد النظريات

أدرك الحسن بن الهيثم حقيقة التعارض بين نظريات العلماء السابقين عليه، وقد شكل له هذا الإدراك مشكلة معرفية على درجة كبيرة من الأهمية، فالنظريات التي ذهب إليها أصحاب الطبيعة وأصحاب التعاليم متعارضة، وكل منها تستند إلى أدلة مخالفة للأدلة التي تأخذ بها النظرية الأخرى؛ بل الأكثر من هذا أن نظرية أصحاب التعاليم ليست نظرية واحدة، وإنما انقسمت إلى نظريات، وأصبحت الواحدة منها مختلفة عن الأخرى في تأسيس اليقين بنظرية أصحاب التعاليم. ومع أن ابن الهيثم أدرك هذه الفكرة، إلا أنه تصور أن الإتيان بنظرية جديدة لن يتسنى إلا إذا تم تفنيد النظريات القديمة. والتفنيد هنا يعني عند ابن الهيثم تدعيم تصورين أساسيين هما: الأول، التخصيم والتمييز وهو ما سبق أن أشرنا إليه عند تحليلنا لمقالته “الشكوك على بطلميوس”. والثاني بيان التعارض بين النظريات بالصورة التي تبين ما انطوت عليه هذه النظريات من أخطاء، وبعد في التصور. وهو ما يتضح من بيانه للطوائف التي انقسم إليها مذهب أصحاب التعاليم.

أما فيما يتعلق بالنقطة الأولى المتعلقة بالتخصيم والتفنيد فقد ربطها ابن الهيثم بالتقدير المنطقي للمذهبين المتضادين، وهو ما يبدو من فهمه المنطقي لحقيقة التعارض بين المذهبين حول الظاهرة الواحدة. والتعارض هنا يمكن رده إلى الفرض الذي يؤسس كل مذهب من المذاهب المتضادة، إذ لا يمكن لفرضين مختلفين أن يقدما لنا نفس التفسير، أو يقدما لنا نفس النتيجة. هذه حقيقة يعلمها ابن الهيثم العالم، ولقنها ابن الهيثم فيلسوف العلم الذي فكر فيها بصورة منطقية ووجد أن التعارض يثبت أنه “إما أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا، وإما أن يكونا جميعا كاذبين والحق غيرهما جميعا، وإما أن يكونا جميعا يؤديان إلى معنى واحد هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بهذين المذهبين قد قصر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة”. التفنيد هنا إذن يصوره ابن الهيثم بصورة منطقية في تقييمه وتقديره للمذهبين المتعارضين باعتبارهما الأساس الذي شكل المعرفة في حدود الظاهرة. ولذا فإن حل التعارض لن يتسنى إلا إذا تم بحث الظاهرة على أساس جديد، وهو ما أشار إليه ابن الهيثم بقوله “ونستأنف النظر في مبادئه ومقدماته..”، لأن تحديد أي النظريات صحيحة، مسألة تحتاج دراسة الظاهرة ككل من جميع جوانبها، وهنا يأتي دور ابن الهيثم العالم مرة أخرى الذي سيبدأ البحث على أسس منهجية جديدة.

وأما فيما يتعلق بالنقطة الثانية فإن التعارض بين النظريات كشف له عن حقيقة نقطة البداية في التصور الإدراكي الذي شكل قوام النظريات. والواضح هنا أن إدراك نقطة البدء تشكل بعدا إبستمولوجيا مهما، لأن مذهب أصحاب الطبيعة يبدأ تصوره من الواقع الإمبريقي، أي من الخارج، وهذا المذهب يفهم بالضرورة أن العين باعتبارها حاسة من الحواس “غير مأمونة الغلط”، ومن ثم قد تلقننا معرفة غير صحيحة عن الأشياء، أو الظواهر الخارجية. وابن الهيثم في إضافته هذا التصور يقدم لنا فهما دقيقا بطبيعة إدراك الحواس ومنها البصر الذي لا يدرك “شيئا من المبصرات إلا إذا كان حجمه مقتدرا أو كان في مبصر مقتدر الحجم”، والحجم المقتدر هو المتوسط الذي يناسب إدراك حاسة البصر، فلا يكون صغيرا إلى الدرجة التي لا ندركه معها، ولا كبيرا بحيث لا نحصل على صورته.

وتأسيسا على ما سبق فإن الفهم الإبستمولوجي شكل بعدا مهما في معرفة حقيقة موقف أصحاب التعاليم الذين بدأوا من نقطة مختلفة تماما وهي أن الإبصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر. وكأن العين أصبحت مصدر تولد ذاتي للأشعة. وقد فهم ابن الهيثم أن النقطة الأساسية التي تشكل بينة سلبية لهذه النظرية تتمثل في أنه إذا كان هذا المذهب صحيحا لكان من الطبيعي أن يرى الإنسان في الظلام الحالك، ولكن هذا لا يحدث، ومن ثم ينهار مذهب أصحاب التعاليم في تكوينه النظري. هذا عن البينة السلبية الخارجية التي اعتمد عليها ابن الهيثم في رفض نظرية أصحاب التعاليم. لكن الجانب الآخر لهذا الرفض استمد أصلا من البينة السلبية الداخلية المتمثلة في أن هذا المذهب انقسم أنصاره إلى طوائف، كل طائفة ترى مذهبا معينا في الإبصار، على ما هو واضح من نص ابن الهيثم. ومن ثم فإنه من وجهة النظر الإبستمولوجية تشكل البينة السلبية الداخلية علامة واضحة على عدم اتساق النظرية، وتعارض نتائجها في إطار نظرة كل طائفة من الطوائف التي انقسم إليها المذهب.

والواقع أن الطوائف التي يشير إليها ابن الهيثم في هذا الصدد هي في حد ذاتها جماعات علمية متنافسة اتبعت نموذجا علميا محددا، وحاولت كل جماعة أن تثبت وجهة نظرها بالصورة التي تتسق مع موقفها المعرفي. وهذه النقطة تبين إلى أي حد بدأ ابن الهيثم يشد انتباه العلماء والمفكرين في فترة مبكرة إلى فكرة الجماعات العلمية المتنافسة، وبين أن التنافس بين الجماعات العلمية صدر من الفرض التصوري الذي بدأ به كل فريق، ومن النتيجة التي انتهى إليها الرأي، حيث “قد يعرض الخلاف أيضا في المعنى المبحوث عنه من جهة اختلاف طرق البحث..”.