الخشوع من صفات الأنبياء والصالحين، ومن مراتب الصدّيقين ومنازل المقرّبين، وهو حالٌ قلبيٌّ ينشأ عن تمكّن خوف الله تعالى من القلب، فيُخبت العبد لربّه، ويخضع لعظمته، وينكسر لهيبته، ويذلّ لعزّته، ثم تظهر آثار هذا الخشوع على الجوارح، فتنقاد لطاعة الله ربّ العالمين. ويُعدّ الخشوع من أعظم مقاصد العبادات، إذ به تتحقّق حقيقتها، وبه تسمو النفس، ويتجلى أثر العمل الصالح.

دلالة الخشوع في اللغة والاصطلاح

أولاً: دلالة الخشوع في اللغة:

قال ابن فارس رحمه الله: “خشع: الخاء والشين والعين أصل واحد، يدل على التطامن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعاً، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن … والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) قال ابن دريد الخاشع المستكين والراكع….”. -انظر: معجم المقاييس في اللغة-.

وقال ابن منظور رحمه الله: “خشع يخشع خشوعاً، واختشع وتخشع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضه، وخفض صوته.. وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن … والخشوع: في البدن، والصوت والبصر، كقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَن)، أي: سكنت وكل ساكن خاضع خاشع….”. -انظر: لسان العرب-.

وقال الفيروز أبادي رحمه الله الخشوع: “الخضوع كالاختشاع والفعل كمنع – أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، والخشوع السكون والتذلل…”. -انظر: القاموس المحيط-.

وقال محمد بن أبي بكر الرازي رحمه الله: “الخشوع: الخضوع وبابهما واحد، يقال: خشع واختشع وخشع ببصره أي غضه، والتخشع: تكلف الخشوع….. -انظر: مختار الصحاح للرازي-.

وقال الفيومي رحمه الله: “خشع خشوعاً: إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من خشعت الأرض، إذا سكنت واطمأنت”. -انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي-.

وقال أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله: “والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن. -انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر-.

وقال الراغب الأصفهاني: “الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب…..”. -انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني-.

ثانياً: دلالة الخشوع في الاصطلاح:

أما في المعنى الشرعي، فقد تقاربت عبارات العلماء في تعريف الخشوع، وجاءت متعددة لتغطّي جوانب القلب والجوارح. فقيل: “هو قيام القلب بين يدي الله بالخضوع والذل”. وقيل: “هو الانقياد للحق، أي ما يستلزمه الانقياد من خشوع القلب”. وقيل: “هو تذلل القلوب لعلام الغيوب”.

ويقول ابن القيم: “الحق أن الخشوع معنى يلتَثِم من التعظيم والمحبة، والذل والانكسار.

ويضيف الحافظ ابن حجر: “أن الخشوع يكون تارةً من فعل القلب كالخشية، وتارةً من فعل البدن كسكون الجوارح، ولا بد من اعتبار الاثنين معًا”، كما ذكر الفخر الرازي.

ويقول ابن رجب: “أصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب، تبع ذلك خشوع جميع الجوارح، لأنها تابعة له.

ويشير شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الخشوع يتضمن معنيين: “التواضع والذل، والسكون والطمأنينة، وهما مستلزمان لليونة القلب المنافية للقسوة. ولهذا يظهر أن الخشوع في الصلاة يشمل كلاً من التواضع والخضوع الداخلي، والطمأنينة والسكون الظاهر.

وقد جاء في أقوال السلف والتابعين تأكيد أن الخشوع مرادف لخضوع القلب، كما في قول عليّ رضي الله عنه: “الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك. وكذلك ما نقل عن إبراهيم النخعي، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي، ومجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، حيث ربطوا بين الخشوع والقنوت وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله تعالى.

الخلاصة: “أن الخشوع هو معنى ينتظم فيه خضوع القلب وذله وانكساره وعبوديته، مع سكونه وتواضعه وطمأنينته، مصحوبًا بالتعظيم والمحبة وخشية الله تعالى. ويظهر أثر هذا الخشوع على الجوارح بسكونها وتواضعها للخلق، فيكون القلب عامرًا بالسكون والطمأنينة، والتذلل والمحبة والتعظيم، مصحوبًا بخضوع الجوارح، وتواضع العبد، وسكون الجسم، وانخفاض البصر، وانضباط الأطراف”.

أهمية الخشوع ومكانته

الخشوع بلا شك في غاية الأهمية، ومن فقده فقد فقد واجبًا من واجبات الإيمان، ويتبين ذلك من وجوهٍ متعددة، منها:

أولًا: أن الخشوع واجب من واجبات الصلاة عند طائفة من أهل العلم:

وممن قال بذلك: القرطبي صاحب التفسير، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وطائفة من السلف والخلف. وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على وجوب الخشوع في الصلاة بأدلة متعددة، منها:

  1. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، قال في بيان وجه الاستدلال: إن في الآية ذمًّا لغير الخاشعين، والذم لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرَّم، كما دلّ عليه نظائرها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: 143]. وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دل ذلك على وجوب الخشوع، ولا بد أن يكون المراد به الخشوع في الصلاة، إذ لو حُمل على الخشوع خارجها لفسد المعنى.
  2. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ۝ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 1–11]. فبيّن سبحانه أن هؤلاء هم ورثة الفردوس، مما يدل على وجوب هذه الخصال؛ إذ الجنة تُنال بأداء الواجبات دون المستحبات.
  3. وعيد النبي لفاعل ما ينافي الخشوع في الصلاة، كما في رفع البصر إلى السماء، حيث قال : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» أخرجه البخاري، فدل ذلك على وجوب الخشوع في الصلاة، وبهذا استدل الحافظ العراقي أيضًا – انظر: طرح التثريب -.

وقد ذمّ الله تعالى قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 74]. قال الزجاج: القسوة في اللغة الغلظة واليبس، وتأويلها في القلب ذهاب الدين، والرحمة، والخضوع والخشوع. – أنظر: معاني القرآن للزجاج -. وقال ابن تيمية: قوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، بل ينبغي أن يكون قويًا بلا عنف، لينًا بلا ضعف. – أنظر: مجموع الفتاوى -.

ثانيًا: أن العبادة المصحوبة بالخشوع أفضل من العبادة الخالية منه:

وقد قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في صلاة واحدة، وإن بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. – أخرجه نعيم بن حماد في “زوائد الزهد” -.

ثالثًا: أن الخشوع أول ما يُرفع من هذه الأمة:

قال النبي : “أول ما يُرفع من هذه الأمة الخشوع” – أخرجه الطبراني في الكبير -، وقال حذيفة رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون الصلاة. – أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم وصححه -.

رابعًا: أن الله تعالى استبطأ المؤمنين في تحقيق الخشوع:

قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]. فدلّ ذلك على أن خشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب.

خامسًا: أن الشريعة راعت الخشوع في توقيت الصلاة:

فمع أن الصلاة في أول وقتها أفضل، شُرع الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحر؛ لما في شدة الحر من ذهاب الخشوع وحضور القلب.

السبيل إلى الخشوع

الخشوع من أجلِّ أعمال القلوب، وهو ثمرة المعرفة بالله، وملازمة مراقبته، وحضور القلب بين يديه. وهو لا يختص بالصلاة وحدها، بل هو عبادة قلبية يظهر أثرها على الجوارح في سائر أحوال العبد. وفيما يلي جملة من الوسائل الموصلة إليه:

  1. استحضار نظر الله تعالى إلى العبد: وذلك باستشعار اطلاع الله تعالى على العبد في حركاته وسكناته، في صلاته وقراءته، وفي قيامه وقعوده؛ فإن الخشوع لا يفارق القلب إلا عند الغفلة عن مراقبة الله واستحضار نظره. قال ابن القيم رحمه الله: “الخشوع هو الاستسلام للحكمين: الديني الشرعي بعدم معارضته برأي أو شهوة، والقدري بعدم تلقيه بالتسخط والكراهية والاعتراض، وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه، والاتضاع لنظر الحق، وهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارهما لنظر الرب إليهما واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح… وإنما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه”. -انظر: مدارج السالكين-. وهذا الاستحضار هو الذي أورث قلوب السلف خشية الله في السر والعلن، فظهر أثر ذلك على جوارحهم وهيئاتهم. فعن عبد الله بن أبي سليمان قال: «كان علي بن الحسين زين العابدين إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخلد رغدة، فقيل له: ما لك؟ فقال: “ما تدرون بين يدي من أقوم، ومن أناجي؟”. -أخرجه أحمد في الزهد-. وعن عبد الرحمن بن حفص القرشي قال: “كان علي بن الحسين إذا توضأ اصفرّ، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك؟ فيقول: تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟”. -أخرجه أحمد في الزهد-.
  2. مراقبة النفس ونقد العمل، ورؤية فضل الآخرين: فينبغي للعبد أن يرجع إلى نفسه فينظر في عيوبها وتقصيرها، فإن ذلك يورثه انكسارًا وخضوعًا. وأما الخلق، فينظر إلى محاسنهم وفضائلهم، لا إلى عيوبهم، فيورثه ذلك شعورًا بالتقصير، وافتقارًا إلى عفو الله ومغفرته، وحثًّا على مزيد من الطاعة. -انظر: مدارج السالكين-.
  3. معرفة الله معرفة صحيحة تورث التعظيم: فكلما كان العبد أعلم بالله، كان له أخوف وأشد تعظيمًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: 28]. فإذا عرف العبد ربه بصفات كماله ونعوت جلاله، وعرف نفسه بضعفها وفقرها وعجزها، انكسر قلبه وخشع لله رب العالمين. -انظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب-. فإذا بلغ العبد هذه المنزلة، خضع قلبه وجوارحه في الصلاة وخارجها، ولما كان القيام بين يدي الله في الصلاة أكمل أحوال الخاشعين، جعلت قرة عينه فيها، فإذا دخلها استكان لها، وإذا خرج منها اشتاق إليها.
  4. أن يصلي صلاة مودِّع: وذلك بأن يصلي صلاة من يظن أنه لا يعود إليها أبدًا، فإن هذا أدعى إلى حضور القلب وتعظيم الموقف. فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي : عظني وأوجز، فقال: “إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع…”، الحديث. -أخرجه ابن ماجه-. وفي حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: “اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لَحَرِيٌّ أن يُحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاة غيرها…”، الحديث. -أخرجه الديلمي في الفردوس، وحسنه ابن حجر في المقاصد-.
  5. استحضار الوقوف على الصراط والحساب: وذلك بأن يستشعر العبد أنه على الصراط فوق جهنم، وكأنه يشاهد الجنة والنار، وكأنه قائم بين يدي الله في موقف الحساب. وكان السلف إذا سمعوا الأذان تغيرت ألوانهم، كأنه يذكرهم بالنداء يوم العرض الأكبر. قال أبو عبد الرحمن الأسدي: “قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم”. -أخرجه أبو نعيم في الحلية-. ومن استشعر هذه المعاني لم يختلف حاله في السرية والجهرية، ولا في النافلة والفريضة، وإن تفاوت خشوعه من صلاة لأخرى. وقال مسلم بن يسار رحمه الله: “لو كنت بين يدي ملك تطلب حاجة، لسرّك أن تخشع له”. -أخرجه ابن المبارك في الزهد-.
  6. تفريغ القلب للصلاة وتقديمها على ما سواها: قال ابن كثير رحمه الله: “والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها. -انظر: تفسير ابن كثير-. وعن عامر بن عبد القيس أنه قيل له: أتحدّث نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال “أوَشيء أحب إليّ من الصلاة أحدث به نفسي؟”. -انظر: مجموع الفتاوى-. فينبغي للمصلي أن يفرغ قلبه من شواغل الدنيا، كما يفرغ مكان صلاته مما يشغل بصره، فإن كثرة الشواغل سبب رئيس لذهاب خشوع القلب. قال الحسن البصري رحمه الله: “إذا قمت إلى الصلاة، فقم قانتًا كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات؛ أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره. -أخرجه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة-.
  7. تدبر القرآن: فتدبر القرآن يفتح مغاليق القلوب، ويشغل النفس بمعانيه، فتدمع العين، ويرق القلب، ويخشع العبد بين يدي ربه. فإذا مر بآيات الرحمة سأل، وإذا مر بآيات العذاب استعاذ، فهو بين خوف ورجاء. قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَم عَلى قُلوبٍ أَقفالُها﴾ [محمد: 24]. وقال ابن جرير الطبري رحمه الله: “عجبت لمن يقرأ القرآن ولا يعرف معانيه، كيف يلتذ بقراءته؟. فمعرفة المعاني طريق التدبر، والتدبر طريق الخشوع. وكان السلف يردد أحدهم الآية الواحدة إلى الفجر باكيًا خاشعًا. -انظر: الزهد لأحمد بن حنبل-. وقال مالك بن دينار عند قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21]: “أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه”. -أخرجه أحمد في الزهد-. وخلاف ذلك حال من يقرأ القرآن بغير تدبر، فيخشع بدنه دون قلبه، كما وصف النبي الخوارج، إذ كانوا يكثرون القراءة ولا ينتفعون بها، لأن القرآن لم يجاوز تراقيهم.

يتبيَّن مما سبق أن الخشوع منزلةٌ قلبيةٌ جليلة، لا تُنال بكثرة الأعمال الظاهرة وحدها، وإنما تُثمر عن معرفةٍ صحيحةٍ بالله تعالى، وملازمةٍ لمراقبته، وحضورٍ صادقٍ بين يديه. وقد تنوَّعت وسائل تحصيله بين استحضار نظر الله إلى العبد، ونقد النفس ومحاسبتها، وتعظيم الرب سبحانه بمعرفته، واستشعار الوقوف بين يديه في الصلاة والحساب، وتفريغ القلب من شواغل الدنيا، مع دوام تدبر القرآن الكريم. كما يظهر جليًّا أن الخشوع لا يختص بالصلاة فحسب، بل هو حالٌ عامٌّ يلازم العبد في عبادته وسائر شؤونه، غير أن الصلاة تبقى أعظم ميدانٍ يتجلَّى فيه صدق هذا الخشوع وحقيقة العبودية. وإذا غاب حضور القلب، لم تنفع كثرة الأفعال، وكانت العبادة حينئذٍ صورةً بلا روح. ومن هنا كانت عناية السلف رحمهم الله بإصلاح القلوب أعظم من عنايتهم بزخرفة الأعمال، إذ علموا أن صلاح الظاهر ثمرةٌ لصلاح الباطن، وأن الخشوع مفتاح القبول، وسبيل القرب، وراحة القلب في الدنيا، وسبب الرفعة عند الله في الآخرة.

آثار الخشوع وثمراته في القلب والعمل

للخشوع ثمراتٌ جليلة، وفوائدُ عظيمة، تعود على العبد في قلبه، وعبادته، وأخلاقه، ومنزلته عند الله، ومن ذلك:

أولًا: حراسة القلب من وساوس الشيطان وهواجس النفس: فالخطرات والوساوس التي تعرض للعبد من هواجس النفس ووساوس الشيطان تشغل قلبه وتقطعه عن ربه، والخشوع هو خضوع القلب بكليته لله تعالى؛ وصاحب القلب الخاشع لا يجد الشيطان إلى قلبه سبيلًا. ولذلك قال بعض أهل العلم: “من خشع قلبه، لم يقرب منه الشيطان”. -انظر: مدارج السالكين-.

ثانيًا: الرفعة وسمو المنـزلة في الدنيا والآخرة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: “وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله. -أخرجه مسلم-. قال النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم: “وفيه وجهان: أحدهما: يرفعه في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس. والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا وقد يكون المراد الوجهين معًا في الدنيا والآخرة”. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “من تطاول تعظُّمًا خفضه الله، ومن تواضع لله تخشُّعًا رفعه الله عز وجل”. -أخرجه وكيع وأحمد، كلاهما في الزهد-.

ثالثًا: تحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة: قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1–2]. فوصفهم بالفلاح المحقق، وجعل أول أوصافهم التي نالوا بها الفلاح خشوعهم في الصلاة. والفلاح: تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب. وقال رجل للحسن البصري رحمه الله: أوصني، فقال: “رطِّب لسانك بذكر الله، ونَدِّ جفونك بالدموع من خشية الله؛ فقلَّ من طلبتَ لديه خيرًا فلم تُدركه”. -أخرجه ابن أبي الدنيا-. فمن كان بهذه المثابة، نال مطلوبه من ربه، فأكرمه وقربه.

رابعًا: الخشوع وأثره في تزكية النفس ومحاسن الأخلاق: قال ابن القيم رحمه الله: «”أصل الأخلاق المحمودة كلها: الخشوع وعلو الهمة، وأصل الأخلاق المذمومة كلها: الكبر والمهانة والدناءة…”. ثم عدَّد رحمه الله ما ينشأ عن الكبر من الأخلاق الذميمة، وما ينشأ عن المهانة وصغر النفس، وبيَّن أن الأخلاق الفاضلة كالصبر والشجاعة والعدل والعفة والمروءة ثمرةٌ لخشوع الظاهر والباطن. وبيَّن رحمه الله أن السجود غاية خشوع الظاهر، إذ يعفِّر العبد وجهه في التراب استكانةً وتواضعًا وخضوعًا، وهو أكمل أحوال العبودية للجوارح. -انظر: كتاب الصلاة لابن القيم-. وقال مسروق لسعيد بن جبير رحمهما الله: “ما بقي شيء يُرغَب فيه إلا أن نُعفِّر وجوهنا في التراب لله”. -أخرجه أحمد في الزهد-. “وكان النبي لا يتقي الأرض بوجهه قصدًا”. -أخرجه أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها-. بل إذا اتفق له ذلك فعله، “ولذلك سجد في الماء والطين”. -أخرجه البخاري ومسلم-.

خامسًا: الخشوع وأثره في تفاضل الأعمال وتفاوتها: قال رسول الله : “منكم من يُصلِّي الصلاة كاملة، ومنكم من يُصلِّي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العشر”. أخرجه الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن الكبرى، وصححه النووي في خلاصة الأحكام. وقال حسان بن عطية رحمه الله: “إن الرجلين ليكونان في صلاة واحدة، وإن بينهما من الفضل كما بين السماء والأرض”. ثم فسر ذلك فقال: “إن أحدهما مقبل على الله بقلبه، والآخر ساهٍ غافل”. -أخرجه ابن المبارك في الزهد-.

يتبيّن مما سبق أن الخشوع ليس حالًا عارضًا يقتصر على بعض العبادات، بل هو أصلٌ عظيم من أصول صلاح القلب والعمل، تتفرع عنه آثار جليلة في حياة العبد. فالخشوع سببٌ في حراسة القلب من الوساوس، ورفعة المنزلة عند الله، وتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة، كما أنه يثمر تزكية النفس ومحاسن الأخلاق، ويكون معيارًا في تفاضل الأعمال وتفاوت ثوابها. وتدل النصوص الشرعية وآثار السلف على أن الأعمال لا تتفاضل بكثرة صورها، وإنما بحقيقة ما يقوم في القلوب من حضورٍ وتعظيمٍ وخضوعٍ لله تعالى. فمتى عمر القلب بالخشوع، انعكس ذلك صلاحًا في العبادة، واستقامة في السلوك، ورفعةً في المقام، وكان الخشوع حينئذٍ روح العمل ولبَّ العبودية.

خشوع النبي في صلاته

كان النبي أتقى الناس لربه، وأخشاهم له، وأعظمهم تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى، ومن أكمل مظاهر ذلك خشوعه في صلاته، ورقة قلبه، وحضور فؤاده بين يدي ربه، حتى كانت الصلاة أحبَّ الأعمال إليه، وقرة عينه، وراحة قلبه.

أولًا: هيئته وخضوعه في الصلاة:

كان النبي إذا قام في الصلاة أقبل على ربه بكليته، وخضع له ظاهرًا وباطنًا فقد كان إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، كما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله. وكان في التشهد لا يجاوز بصره موضع إشارته، جمعًا للقلب، ومنعًا لتفرّق البصر. وقد جعل الله تعالى قرة عينه ونعيمه وسروره في الصلاة، فكان يقول: “يا بلال، أرحنا بالصلاة”. ويقول: “وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصلاة”. ومع كمال إقباله على الله، وحضور قلبه بين يديه، لم يكن ذلك يشغله عن مراعاة أحوال المأمومين، فكان يخفف الصلاة رحمةً بهم، مع تمام خشوعه وكمال عبوديته.

ثانيًا: رقة قلبه وبكاؤه في الصلاة:

كان النبي رقيق القلب، سريع العبرة، عظيم الخشية، إلا أن بكاءه لم يكن بصراخ ولا رفع صوت، كما أن ضحكه لم يكن قهقهة، بل كانت تدمع عيناه، ويُسمَع لصدره أزيز، دلالة على امتلاء قلبه خشيةً وتعظيمًا. وكان بكاؤه على أحوال: بكاء خشيةٍ من الله، وبكاء رحمةٍ وشفقة، وبكاء عند سماع القرآن، وبكاء خوفٍ على أمته.

  1. بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل: قام النبي ليلةً يصلي، فبكى، فقال له بلال رضي الله عنه: يا رسول الله، لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها”. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ -أخرجه ابن حبان في صحيحه-.
  2. بكاؤه في الصلاة من شدة الخشوع: عن عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: “أتيت رسول الله وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء”. -أخرجه أبو داود-. وهذا يدل على شدة خشوعه، وحضور قلبه، وخوفه من ربه، مع كمال معرفته به.
  3. بكاؤه عند سماع القرآن: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله :” اقرأ عليّ القرآن. فقلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: “إني أحب أن أسمعه من غيري”. قال ابن مسعود: فقرأت سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال: فإذا عيناه تذرفان. -أخرجه البخاري ومسلم-.
  4. بكاؤه خوفا على أمته: من ذلك ما ورد في بكائه في صلاة الكسوف فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: “انكسفت الشمس يومًا على عهد رسول الله ، فقام رسول الله يصلي، ثم سجد، فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي…. وفيه أنه قال بعد الصلاة: “عُرِضَت عليّ النار فجعلت أنفخها، خشيت أن تغشاكم…”. والحديث في الصحيحين بمعناه.

ثالثًا: كمال الخشوع مع كمال الرحمة: ومع هذا الخشوع العظيم، لم يكن النبي متكلفًا ولا منقطعًا عن واقع الناس، بل كان أكمل الناس خشوعًا، وأكملهم رحمة، فجمع بين حضور القلب، وحسن القيام بحقوق الخلق، ليكون قدوةً جامعةً في العبودية. فخشوع النبي في صلاته لم يكن هيئةً مجردة، ولا حالًا عارضًا، بل كان ثمرةَ كمال معرفته بربه، وصدق عبوديته له، حتى صارت الصلاة أحبَّ شيءٍ إليه، وأعظم راحةٍ لقلبه، وميدانًا يتجلّى فيه كمال العبودية والخضوع.

صور من الخشوع في حياة الصحابة

اقتدى الصحابة رضي الله عنهم بالنبي في خشوعه في صلاته، فكان خشوعهم ثمرةَ صدق اتباعهم، وكمال تعظيمهم لله تعالى، وحضور قلوبهم بين يديه. وقد حفلت سيرهم بصورٍ مشرقةٍ من الخشوع، من ذلك:

أولًا: خشوع أبي بكر الصديق رضي الله عنه في صلاته: عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثَقُلَ رسولُ الله جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: “مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس. قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس من البكاء، فلو أمرتَ عمر؟ فقال : “مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس”. وفي رواية قالت عائشة: “إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء”. -متفق عليه-. وفي هذا دلالة ظاهرة على خشوع أبي بكر رضي الله عنه في صلاته وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه إذا غلب العبد من غير تكلّف، أما تعمُّده وطلبه فليس من هدي السلف.

ثانيًا: خشوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاته: كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فلما رأى نزف الدم قال: “قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصلِّ بالناس. ثم غُشي عليه، فحُمل إلى بيته، وصلى بالناس عبد الرحمن بن عوف. فلما أفاق عمر رضي الله عنه قال: “أصلى الناس؟”. قالوا: نعم. فقال: “لا إسلام لمن ترك الصلاة”. ثم دعا بوضوء فتوضأ، وصلى، وجرحه ينزف دمًا، ثم قال بعد ذلك لما أُخبر بقاتله: “الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط. -ذكره ابن القيم عن ابن زنجويه بسنده إلى عمر رضي الله عنه في كتاب الصلاة وحكم تاركها-. وفي هذا الموقف تظهر عظمة تعظيم عمر رضي الله عنه للصلاة، وحرصه عليها، وتقديمه لأمرها على نفسه، إذ لم يسأل عن قاتله إلا بعد أن اطمأن إلى إقامة الصلاة. وكان رضي الله عنه ينهى عن خشوع التصنّع، فقد رأى رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال له: «”يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب”. انظر: مدارج السالكين لابن القيم-.

ثالثًا: خشوع سعد بن معاذ رضي الله عنه في صلاته: ذُكر عن سعد بن معاذ رضي الله عنه أنه قال: “ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدِّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها. -انظر: مجموع الفتاوى-. وهذا يدل على كمال حضور قلبه، وصدق توجهه، وسلامة باطنه.

رابعًا: خشوع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في صلاته: ذُكر أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كان يسجد في صلاته، فتأتي المنجنيق فتنال طائفة من ثوبه، وهو لا يرفع رأسه من شدة خشوعه وحضور قلبه. -انظر: مجموع الفتاوى-.

تدل هذه النماذج من حياة النبي وصحابته رضي الله عنهم على أن الخشوع حقيقةٌ قلبية، وثمرة لصدق الإيمان، وكمالِ تعظيم الله تعالى، لا مجرد هيئاتٍ ظاهرة أو حركاتٍ متكلّفة. وقد انتقل هذا المعنى العظيم إلى التابعين ومن بعدهم من العلماء والصالحين، فكان الخشوع سِمَةَ عبادتهم، وحالَ قلوبهم، يظهر أثره في صلاتهم وسائر طاعاتهم، حتى صار علامةَ حياة القلب، وروح العمل، وميزان التفاضل عند الله تعالى في كل زمان.