ملخص البحث : من المسائل المتعلقة بدراسة معركة بدر: دراسة الرؤى التي وقعت فيها، سواء من المسلمين أم من المشركين، يتولى هذا البحث دراسة ذلك من خلال الإجابة على الإشكالية الآتية: ما الرؤى التي وقعت للمسلمين والمشركين في معركة بدر؟ وما أنواعها وأغراضها؟ وقد سلك الباحث خلال ذلك كلاً من المنهج الاستقرائي التحليلي، والمنهج الوصفي، وتوصل إلى جملة من النتائج منها: أن من أغراض رؤى المشركين النذارة، ومن أغراض رؤى رسول الله البشارة، وأوصى الباحث بدراسة الرؤى التي جاءت في القرآن وصحت عن رسول الله ، وبيان أنواعها وأغراضها، ومدى الاستفادة منها.

الكلمات المفتاحية: الرؤى، معركة بدر، أنواعها، أغراضها.

Research Summary


Issues related to the study of the Battle of Badr: Studying the visions that occurred in the Battle, whether from Muslims or Polytheists. This research undertakes to study that by answering the following questions: What visions did Muslims and Polytheists have in the Battle of Badr? What are its types and purposes? In order to do so, the researcher followed both the analytical inductive approach and the descriptive approach, and reached a number of results, including: Among the purposes of the visions of the Polytheists is warning, while among the purposes of the visions of the Prophet Muhammad (peace be upon him) is giving glad tidings. The researcher recommends studying the visions mentioned in the Quran and those authentically reported from the Prophet Muhammad (peace be upon him), explaining their types and purposes, and the extent to which they can be benefited from.

Key Words: Visions, Battle of Badr, Types, Purposes.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فتبقى معركة بدر مع شهرتها وعظيم منزلتها زاخرة بالمعاني والعبر الكثيرة، حق لها ذلك فقد سمَّاها الله تعالى الفرقان، فرق بها بين الحق والباطل، وغيَّر بها سبحانه وجه الجزيرة العربية، ومسار الدعوة الإسلامية، ونال أصحابها خير الدنيا والآخرة، فهم خير أصحاب رسول الله ، واطلع الله تعالى عليهم فقال: “اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

من العبر التي وقفت عليها في هذه المعركة ما كان فيها من رؤى كثيرة، سواء من المؤمنين وعلى رأسهم رسول الله ، أم من الكافرين في مكة وفي بدر، كان ذلك قبل بدء المعركة بأيام وبين يديها بسويعات أيضًا. صحيح أنه كان في غزوات رسول الله الأخرى رؤىً أيضًا، كرؤيته المشهورة يوم أحد، أو يوم الخندق، أو يوم الحديبية، أو غيرها من الرؤى، ولكن اللافت في معركة بدر أن الرؤى قد وقعت للكافرين أيضًا، ولا شك أن ذلك وقع لحكمة يريدها الله تعالى، وأن لتلك الرؤى -لا سيما رؤى المشركين- أغراضها. هذا البحث يقف على تلك الرؤى بالدراسة بغية الكشف عن أنواعها وأغراضها، وقد وسمته بـ (الرؤى في معركة بدر أنواعها وأغراضها). والله تعالى وحده المسؤول أن ينفع بها، ويجعلها خالصةً لوجهه الكريم.

أسباب اختيار الموضوع

كان من أبرز ما دفع الباحث لكتابة هذا الموضوع: أن الرؤى الكثيرة التي وقعت في هذه المعركة لم تحضَ بدراسة خاصة تبين أنواعها وأغراضها، فآثر جمع تلك الرؤى ودراستها بغية بيان أنواعها وأغراضها.

إشكالية البحث

يقوم البحث على الإجابة على الإشكالية الآتية: ما الرؤى التي وقعت للمسلمين والمشركين في معركة بدر؟ وما أنواعها وأغراضها؟

أسئلة البحث

وقد تفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة الآتية:

  • ما الرؤى التي رآها المشركون في معركة بدر؟ وما أنواعها وأغراضها؟
  • ما الرؤى التي رآها رسول الله في معركة بدر؟ وما أنواعها وأغراضها؟
  • ما الرؤى التي رآها المسلمون والمشركون في معركة بدر؟ وما أنواعها وأغراضها؟

أهمية البحث

تنبع أهمية البحث من كونه يظهر دور الرؤى في تحقيق قدر الله تعالى في وقوع معركة بدر نصرةً للإسلام وأهله، حيث عملت الرؤى على استدراج المشركين، وتثبيت المؤمنين.

أهداف البحث

يهدف البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف منها:

  1. بيان بعض التفصيلات التي وقعت في معركة بدر مما لم يلتفت لها.
  2. بيان خصوصية هذه المعركة في طبيعة الرؤى التي وقعت فيها.
  3. بيان أهمية الرؤى في البشارة والنذارة.

حدود البحث

اقتصر الباحث على ذكر الرؤى التي وقعت في معركة بدر وبيان أنواعها وأغراضها فقط.

الدراسات السابقة

على الرغم من كثرة البحوث والدراسات حول معركة بدر؛ إلا أن الباحث لم يقف على دراسة خصت موضوع الرؤى في المعركة بالدراسة والبحث، وما جاء من ذكر للرؤى في بعض الدراسات إنما جاء على سبيل السرد التاريخي للأحداث فقط. وكان من الدراسات التي وقفت عليها ما يأتي:

  1. بحث محكم بعنوان: الرؤيا في القصة القرآنية. علي بن محمد الحمود، نشرته: مجلة العلوم الشرعية والعربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ع2/ عام: 1428/ 2008. اقتصر فيه الباحث على ذكر الرؤى التي جاءت في القرآن مما يتعلق بمعركة بدر، ولم يذكر رؤى المشركين المتعلقة بها.
  2. بحث محكم بعنوان: الرؤيا في القرآن الكريم: دراسة سيميائية. أناهيد عبد الحميد حريري، نشرته: مجلة كلية دار العلوم جامعة القاهرة، ع86/ 2015. اقتصرت الباحثة على ذكر الرؤى التي جاءت في القرآن مما يتعلق بمعركة بدر بطريقة تحليلية (سيميائية) ولم تتطرق لرؤى المشركين في معركة بدر. ذكر الرؤى التي جاءت في القرآن مما يتعلق بمعركة بدر بطريقة تحليلية (سيميائية) ولم تتطرق لرؤى المشركين في معركة بدر.
  3. بحث محكم بعنوان: غزوة بدر الكبرى دروس وعبر. عبد النبي عالم، نشرته: مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة عبد الملك السعدي بتطوان، ع/ 12، عام: 2006. ذكر الباحث الرؤى التي كانت في معركة بدر ومنها رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب ورؤيا جهيم بن الصلت على سبيل السرد للأحداث، دون بيان أغراضها وأنواعها.

جاءت هذه الدراسة لتقف على كل الرؤى التي وقعت قبل معركة بدر، سواء التي وقعت للمسلمين أم للمشركين، وتبين أنواعها وأغراضها.

منهجية البحث

اتبع الباحث المنهج الاستقرائي التحليلي، والمنهج الوصفي، وذلك من خلال تتبع الرؤى التي وقعت في معركة بدر، وبيان أغراضها وأنواعها سواء كانت من المسلمين أم من المشركين.

خطة البحث

  • تمهيد.
  • المبحث الأول: رؤى المشركين قبل معركة بدر أنواعها وأغراضها.
  • المطلب الأول: رؤية عاتكة بنت عبد المطلب
  • المطلب الثاني: نوع رؤية عاتكة والغرض منها
  • المطلب الثالث: رؤية جهيم بن الصلت
  • المطلب الرابع: نوع رؤية جهيم والغرض منها
  • المبحث الثاني: رؤى رسول الله في بدر أنواعها وأغراضها.
  • المطلب الأول: الرؤى التي ذكرها القرآن لرسول الله
  • المطلب الثاني: الرؤيا التي صحَّت بها الأحاديث
  • المطلب الثالث: نوع رؤى رسول الله في بدر والغرض منها
  • المبحث الثالث: رؤى المؤمنين والمشركين في بدر أنواعها وأغراضها.
  • المطلب الأول: رؤى المؤمنين والمشركين في بدر
  • المطلب الثاني: نوع رؤى المؤمنين والمشركين والغرض منها
  • الخاتمة: أهم النتائج والتوصيات

تمهيد

حظيت الرؤى بمكانة عالية في الإسلام، فقد قصَّ القرآن الكريم علينا كثيرًا منها، سواء رؤى الأنبياء والصالحين، أم رؤى الكافرين والمشركين، وصحَّت أحاديث كثيرة عن رسول الله تدل على مكانة الرؤيا، وفضلها، وأنواعها، والآداب التي تتعلق بتأويلها، وخطورة الكذب فيها، وغير ذلك من شؤونها، وكل ذلك وغيره ينبغي أن يحمل المؤمن على الاهتمام بشأنها وتعظيمها، ووضعها في المكان الذي وضعها فيه الإسلام.


ولـمَّا غالى كثير من الناس في أمر الرؤى؛ حتى صار يأخذ منها أحكام الدين، أو الحكم على الآخرين، وربما ادعى بعضهم أن بعض تكاليف الإسلام وضعت عنه لرؤية رآها، أو خالف آداب تأويلها، وغير ذلك من أنواع الغلو والخطأ فيها؛ حمل ذلك البعض على التقليل من شأن الرؤيا، والعزوف عن تفسيرها، وعدم الالتفات لما جاء صادقًا منها، وهذا من الخطأ أيضًا.

والمسلم يضع الشيء في الموضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، أيًّا كان ذلك الشيء، ولا يحمله خطأ البعض فيه على تركه، أو التقليل من شأنه، وإلا لترك المسلم كثيرًا من أحكام الدين التي غالت فيها جماعات وأحزاب ممن ينتسبون إلى الإسلام، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105]. وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10].
وقد عظَّم الله تعالى ورسوله شأن الرؤيا؛ حتى عدها رسول الله جزءًا من أجزاء النبوة -كما سيأتي،- ولا ينبغي للمسلم بعد ذلك أن يعزف عنها، أو يقلل من شأنها.

وقد كان مما لفت نظري عند قراءة تفاصيل أحداث معركة بدر؛ ما وقع خلالها من رؤى متعددة، رأى بعضها رسول الله ، ورأى المسلمون بعضها أيضًا، ولكن الذي ميَّز هذه الغزوة عن غيرها أن المشركين قد رأوا رؤًى متعددة أيضًا، سواء قبل المعركة أم قبيلها، ولا شك أن لذلك غرضه، فاستعنت الله تعالى على جمع تلك الرؤى وبيان أنواعها وأغراضها، وقبل أن أدلف لذكر ذلك كان لا بد من بيان حقيقة الرؤى، وذكر بعض الأحاديث التي جاءت في بيان مكانتها وفضلها.

الفرع الأول: تعريف الرؤى لغة واصطلاحا

  1. تعريف الرؤى لغة: الرؤى جمع رؤيا، وهي مشتقة من الفعل رأى. قال ابن فارس (ت: 395 هـ): “الراء والهمزة والياء أصل، يدل على نظر وإبصار بعين أو بصيرة”(1). وفرق بين الرؤيا والرؤية بأن الأولى مشتقة من رأى وتعني ما يراه النائم. والثانية مشتقة من الفعل رأى وهي ما يراه الشخص بعينه حال اليقظة(2). قال الهروي (ت: 433 هـ): “فالرؤيا تكون للمتوهم المظنون، والرؤية للمتحقق المبصر”(3).
  2. تعريف الرؤيا اصطلاحًا: عرَّف الفقهاء الرؤيا بتعريفات عدة، منها ما أورده ابن حجر (ت: 852 هـ) عن القاضي ابن العربي (ت: 543 هـ) أنه عرف الرؤيا بقوله: “الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليط”(4).

وعرفها ابن القيم (ت: 571 هـ) بقوله: “فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل الرائي بما ضرب به من المثل على نظيره، ويعبر منه إلى شبهه”(5). وقد فرَّق رسول الله بين الحلم والرؤيا بقوله: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ»(6)، ولذا قال النووي (ت: 676 هـ) في التفريق بين الحلم والرؤيا: “فالرؤيا اسم للمحبوب، والحلم اسم للمكروه”(7).


الفرع الثاني: الأحاديث الدالة على مكانة الرؤيا الصالحة

صحَّ عن النبي أحاديث كثيرة تدل على مكانة الرؤيا وعظيم منزلتها، وقبل أن أذكر بعض تلك الأحاديث؛ أذكر أن مما يدل على مكانة الرؤيا في الإسلام أن أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»(8). وكذا كان حال الأنبياء أول ما يوحى إليهم، قال ابن حجر: “أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب بن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام؛ حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة (9).

ومما صحَّ عن رسول الله في بيان مكانة الرؤيا وعظيم منزلتها: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة»(10). وروى الإمام أحمد وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه سأل رسول الله فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك»، قال: «تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له» (11).

وروى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي»، قال: فشق ذلك على الناس فقال: «ولكن المبشرات»، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة» (12)، وروى الترمذي عن أبي رزين العقيلي، قال: قال رسول الله : «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة»(13).

وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة» (14).

وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (15). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»(16)، وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله أنه قال: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه؛ فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت، ولا يخبر بها أحدًا» (17). وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة، فمن رأى خيراً فليحمد الله عليه وليذكره، ومن رأى غير ذلك؛ فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها فإنها لا تضره» (18).

قال ابن حجر في أحاديث أجزاء النبوة: “فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه، أقلها جزء من ستة وعشرين، وأكثرها من ستة وسبعين، وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين، وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين، أصحها مطلقًا الأول ويليه السبعين”(19).

وقد ذكر العلماء في معنى أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة كلامًا طويلاً وتفسيرات كثيرة ومن هؤالء العلماء القاضي عياض (ت: 544 هـ)، وخلص -رحمه الله- إلى القول: “وبالجملة في هذا كله صحة أمر الرؤيا وتعظيم شأنها وعلمها، وأنها جزء من النبوة، وخاصية من خصائصها، وكانت حقيقة من أجزاء النبوة؛ لما فيها من الإعلام الذي هو معنى النبوة على أحد الوجهين”(20).

ومن أجمل ما قيل في تفسير معنى أجزاء النبوة ما ذكره ابن عبد البر (ت: 463 هـ) حيث قال: “اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة، ليس ذلك عندي باختلاف تضاد وتدافع والله أعلم؛ لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها، على ستة وأربعين جزءًا أو خمسة وأربعين جزءًا، أو أربعة وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا، على حسب ما يكون الذي يراها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا، تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد، والله أعلم، فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى أجزاء النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون، والنبوة كذلك، والله أعلم، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الإسراء: 55]”(21).

ومن الأحاديث الدالة على مكانة الرؤيا وعظيم منزلتها عند الله تعالى أنه كان دائمًا ما يسأل أصحابه عن الرؤى. روى البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا»؟ قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص(22). إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على مكانة الرؤيا وعظيم منزلتها.


الفرع الثالث: الأحاديث الدالة على أصناف الرؤى

صحَّ عن النبي أنه بيَّن لأمته أصناف ما يراه النائم في منامه وما يفعله عندها، فمن الرؤى ما يكون رؤية صادقة لها تعبير وتأويل، ومنها ما يكون حلمًا من الشيطان ليحزنه، ولا تأويل له، ومنها ما يراه المرء في يومه يراه في منامه، وذلك لا معنى له أيضًا. روى ابن ماجه وغيره عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»(23). وقال : «الرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه؛ فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا، وليقم فليصل»، قال: «وأحب القيد في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين»(24).

قال ابن حجر: “قلت وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاث؛ لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس،… وبقي نوع خامس وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر،… ونوع سادس وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة،… وسابع وهو الأضغاث”(25).قلت: والمتأمل فيما ذكره ابن حجر من الأنواع الزائدة على الثلاث المذكورة في الحديث؛ يجد أنها كلها ترجع إلى معنى الحلم، فتبقى القسمة على ثلاثة والله أعلم.

روى البخاري ومسلم ومالك وهذا لفظ مالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه؛ فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوَّذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله». قال أبو سلمة: «إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل عليَّ من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها»(26). وزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»(27).

وفي رواية ابن ماجه قال: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه؛ فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»(28).

ورواه الدارمي بنحوه وزاد: «فإذا رأى أحدكم ما يحب فليحمد الله»(29). وفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب»(30). وروى الإمام أحمد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله عز وجل، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها، وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها»(31). وفي رواية: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان»(32).

وروى مسلم في صحيحه عن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره؛ فقال رسول الله للأعرابي: «ال تحدث الناس بتلعُّب الشيطان بك في منامك»(33).
ثم إن تلك الرؤى على اختلاف أصنافها فإنها إما أن تكون واضحة في دلالتها لا تكاد تحتاج إلى تأويل، أو تكون قد أتت على شكل رموز تدل على شيء، وهي التي تحتاج إلى تأويل.


الفرع الرابع: أغراض الرؤى الصالحة

ذكرت في كتاب الله تعالى رؤى كثيرة، وصحَّ عن رسول الله أحاديث كثيرة في رؤيا رآها هو ، أو رآها أصحابه وأولها لهم، وقد دلت تلك الآيات والأحاديث إما صراحة أو كنايةً على أن للرؤى أغراضًا متنوعة، فمنها ما يكون الغرض منه الابتلاء والاختبار، ومنها ما يكون غرضه البشارة، ومنها ما يكون غرضه التعليم، ومنها ما يكون غرضها النذارة، وغيرها من الأغراض التي تضمنتها تلك الرؤى مما ذكره أهل العلم(34).

يورد الباحث في هذا المقام أمثلة على أربعة أغراض من أغراض الرؤى وهي:

  1. غرض الابتلاء والاختبار: رؤية نبي الله إبراهيم يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام. يقول تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 101-102]. ابتلى الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام بأن رأى في منامه أن الله تعالى يأمره أن يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي(35)، فجاء إبراهيم بابنه فأضجعه ممتثلاً أمر الله تعالى له؛ فحيل بينه وبين ذبحه، وأنزل الله تعالى كبشًا فداء لإسماعيل، ثم بين الله سبحان الغرض من تلك الرؤيا فقال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } [الصافات: 103-107]. قال القرطبي (ت: 671 هـ) في بيان غرض الرؤيا: “وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء المكروه”(36). وقال ابن كثير (ت: 774 هـ): “أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته”(37).
  2. غرض البشارة : رؤية نبي الله يوسف عليه السلام. يقول الله تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]. فقد رأى نبي الله يوسف هذه الرؤيا، وكانت بشارة له أنه سيكون نبيًا من أنبياء الله تعالى، وأنه سيكون له شأن في الدنيا يرتفع به على إخوته. عرف ذلك أبوه يعقوب عليهما السلام فأمره أن يخفي هذه الرؤيا عن إخوته حتى لا يؤذوه غيرةً وحسدًا. قال تعالى في ذلك: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [يوسف: 5-6]. ثم أتم الله تعالى على يوسف نعمته، وتحققت رؤيته فكانت الكواكب التي رآها هي إخوته، والشمس والقمر أبوه وأمه(38)، كلهم سجدوا له سجود احترام وإجلال. قال تعالى في ذلك: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].
  3. غرض النذارة : رؤية ملك مصر. رأى ملك مصر زمن نبي الله يوسف عليه السلام رؤيةً قصها الله علينا في كتابه فقال: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43]. أرعبت هذه الرؤيا ذلك الملك فطلب من كهنته تأويلها، فلم يستطيعوا ذلك، ثم صار أمر تأويلها إلى يوسف عليه السلام، وتبين من تأويله لها أن هذه الرؤيا تنذر بوقوع جدب في مصر إذا لم تؤخذ لها التدابير. قال تعالى على لسان يوسف في تأويل رؤيا الملك: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } [يوسف: 47-49]. فأخذ الملك بتأويل يوسف عليه السلام، وجنب الله تعالى بذلك مصر من مجاعة مهلكة، وكانت تلك الرؤيا نعمة وخيرًا على يوسف عليه السلام أيضًا، إذ بسببها أخرج من السجن، ومكن له بعدها في حكم مصر.
  4. غرض التعليم : رؤية الصحابي الجليل عبد الله بن زيد الآذان. روى الإمام أحمد وغيره عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال: “لما أجمع رسول الله أن يضرب بالناقوس يجمع للصلاة الناس وهو له كاره؛ لموافقة النصارى، طاف بي من الليل طائف وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران، وفي يده ناقوس يحمله قال: فقلت له: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة . قال:أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر غير بعيد. قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت. قال: فقال رسول الله : «إن هذه لرؤيا حق إن شاء الله» ثم أمر بالتأذين”(39). غرض هذه الرؤيا واضح جلي وهو تعليم المسلمين الأذان بعد أن اختلفوا فيما يجعلونه إهلاما لصلاتهم؛ فرأى هذا الصحابي الجليل عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه من يعلمه الأذان، فأقره رسول الله على ما رأى، وقال بأنها رؤيا حق، وصار هذا الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة.


المبحث الأول: رؤى المشركين قبل معركة بدر أنواعها وأغراضها

قسم الباحث هذا المبحث إلى مطلبين اثنين كما يأتي :

المطلب الأول: رؤية عاتكة بنت عبد المطلب(40)

قال ابن إسحاق (ت: 151 هـ): “أخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم (41) مكة بثلاثِ ليالٍ رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطحِ، ثم صرخ بأعلى صوته: أَلاَ انفروا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاثٍ، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: أَلاَ انفروا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاثٍ، ثم مَثَلَ به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دارٌ إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النَّبيّة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة. قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ وقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاثٍ، فسنتربص بكم هذه الثلاثَ، فإن يكن حقًا ما تقول فسيكون، وإن تمضِ الثلاثُ ولم يكن من ذلك شيء نكتبْ عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير شيء إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئًا.

قال: ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبقَ امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غَيْرَةٌ لشيء مما سمعت؟ قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضنَّ له، فإن عاد لأكفينَّكُنَّه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأَمْشِي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفًا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر.

قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي: ما له لعنه الله! أكل هذا فَرَقٌ مني أن أشاتمه؟ قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث! قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر” (42).

وروى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق وزاد بعد قوله: (فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر): “فلم يكن إلا الجهازُ حتى خرجنا، فأصاب قريشًا ما أصابها يوم بدر من قتل أشرافهم وأسر خيارهم. فقالت عاتكة بنت عبد المطلب فيما رأت وما قالت قريش في ذلك:


ألم تكن الرؤيا بحق وجاءكم
بتصديقها فَلٌ من القوم هارب
فقلتم -ولم أكذب- كذبْتِ وإنما
يكذبنا بالصدق من هو كاذب (43).

المطلب الثاني: نوع رؤية عاتكة والغرض منها

رؤية عاتكة وإن كانت رموزًا؛ إالا أنها أشبه بالرؤيا الواضحة، فهي تشير بوضوح إلى مصيبة ستحل قريبا بمكة، وقد كان.

وكان غرض الرؤيا واضح تماما – لا سيما بعد مجيء ضمضم الغفاري يستنفر قريشًا – وهو الإنذار من مصيبة ستحل بجميع بيوتات مكة، لعل ذلك يجعلهم يراجعون أنفسهم في موقفهم من دعوة النبي ، ولكن اللعين أبا جهل حال دون ذلك، وجعل يستهزئ بآل عبد المطلب -أقارب رسول الله - ويقول: قامت فيهم امرأة نبيَّة أيضًا، ويتوعدهم أن يكتب عليهم كتابًا أنهم أكذب أهل بيت في العرب.

المطلب الثالث: رؤية جهيم بن الصلت (44)

ذكر ابن إسحاق: أن قريشًا لما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال: “إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قُتِلَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، فعدّد رجالاً ممن قُتِلَ يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلَّا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضًا نبيٌّ آخر من بني عبد المطلب! سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا”(45).


المطلب الرابع: نوع رؤية جهيم والغرض منها

اجتمع في رؤيا جهيم بين كونها رؤيا واضحة صريحة، وهو ذكر قتل عتبة وشيبة وأبي الحكم وغيرهم، وأنها رؤيا جاءت رموزًا تشير لشيء، وهو نضح الدم في العسكر حتى وصل جميع أخبيته، وهو دلالةٌ على أن مصيبة ستقع فيهم تنال كل بيوتات القوم.

وغرض الرؤيا واضح أيضًا، وهو أنها ليست مجرد نذير لقريش كرؤيا عاتكة، بل إن هذه الرؤيا جاءت تبين لهم حقيقة المصيبة التي كانت في رؤيا عاتكة؛ من أن المصيبة هي موت سينزل بهم إذا ما أقدموا على الدخول في هذه الحرب ضد رسول الله ، ولكن القوم أطاعوا سيدهم أبا جهل فهلكوا، وتحقق فيهم تأويل هذه الرؤيا.

وقد كانت قريش مع أبي جهل في حرب رسول الله وأصحابه؛ كالأقباط مع فرعون في حرب نبي الله موسى وبني إسرائيل؛ فقال تعالى في فرعون موسى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]، وقال فيه أيضًا: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 98-99]. وهكذا فعل فرعون هذه الأمة أبو جهل بقومه قريش؛ استخفهم فأطاعوه فأوردهم النار. قال رسول الله في أبي جهل: «هذا فرعون هذه الأمة» (46). وقال رسول الله في قتلى بدر الذين أُلقوا في قليب بدر: «وأُتبِعَ أصحابُ القَلِيبِ لعنةً» (47).

ولعل الغرض الجامع لرؤيا عاتكة وجهيم هو أن هذه الرؤى نذارة لهم من الله تعالى قبل وقوع أول معركة بينهم وبين رسول الله ، ولأنه ليس مقيمًا بينهم ليحذرهم عواقبها في الدنيا والآخرة؛ فساق الله إليهم تلك الرؤى لعلها تكون رادعًا أخيرًا لهم، ولكن اللعين أبا جهل حال دون اعتبارهم بها، فهلكوا.


المبحث الثاني: رؤى رسول الله في بدر أنواعها وأغراضها


رأى رسول الله في هذه الوقعة عدة رؤى، جاء ذلك في كتاب الله تعالى، وصحَّت به الأحاديث عنه ، يتناول الباحث ذلك في ثلاثة مطالب كما يأتي:


المطلب الأول: الرؤى التي ذكرها القرآن لرسول الله


قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلُكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43]. قال مقاتل (ت: 150 هـ): “وذلك أن النبي رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين”(48). مع أن القوم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف كما ذكر أهل المغازي والسير.

إنَّ هذه الرؤيا التي رآها رسول الله من قِلة عدد المشركين كانت رؤيا في المنام كما هو مذهب جمهور العلماء، وليست رؤيةَ عينٍ رآهم بها في مكان نومه كما قال البعضُ. قال الماوردي (ت: 450 هـ): “أرى الله تعالى المشركين أقلة في عين النبي في المنام، وهذا مذهب الجمهور؛ حملوا المنام على رؤية النوم، بخلاف من قال: مكان النوم” (49). ثم إنه داخلٌ في عموم المؤمنين أيضًا الذين أراهم الله تعالى قلة المشركين، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44]. فالرؤيا في الآية السابقة كانت خاصة به ، وفي هذه الآية كانت الرؤيةُ له وللمؤمنين جميعًا (50).

المطلب الثاني: الرؤيا التي صحَّت بها الأحاديث

صحَّ عنه أنه رأى قبل المعركة مصارع القوم، وأخبر بذلك أصحابه. فقد روى الإمام مسلم وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “إن رسول الله ، كان يرينا مصارع أهل بدر باألمس، يقول: «هذا مصرع فلان غدًا، إن شاء الله»، قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله »(51).

وروى البيهقي أن رسول الله قال للناس لما أفلتت منه قافلة أبي سفيان: «سيروا على اسم الله عز وجل، فإني قد أريت مصارع القوم فعمد لبدر»(52). وروى البيهقي أنه قال أيضا: «سيروا وأبشروا فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم»(53).

المطلب الثالث: نوع رؤى رسول الله في بدر والغرض منها

رؤى رسول الله هذه رؤًى واضحة، لا سيما رؤيته مصارع القوم، فقد وقعت كما رأى ، كما قال عمر رضي الله عنه: “فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله ” (54).

وكان لتلك الرؤى التي رآها رسول الله الأثر الأكبر في نفوس المسلمين لا سيما من كره منهم القتال لما علم بإفلات أبي سفيان وقافلته منهم؛ فثبتوا، واستبشروا بالنصر، وساروا على اسم الله كما أمرهم . قال الماوردي: “وإنما أراه ذلك على خالف ما هو به؛ لطفا أنعم به عليه وعلى أمته، ليكون أثبت لقلوبهم، وأقدم لهم على لقاء عدوهم، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ}”(55).

المبحث الثالث: رؤى المؤمنين والمشركين في بدر أنواعها وأغراضها


قسم الباحث هذا المبحث إلى مطلبين على النحو الآتي:


المطلب الأول: رؤى المؤمنين والمشركين في بدر

وقد كان لعموم المؤمنين والمشركين في هذه الوقعة رؤية أيضا قال الله تعالى في ذلك: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44]. فقد رأى المؤمنون الكافرين أقلة أي عد ًدا أقل بكثير من عددهم الذي هم عليه، ورأى المشركون المؤمنين أقلةً أي ًضا. روى الطبري أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا”(56). قال ابن عباس: “استقلَّ المسلمون المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ بعضهم على بعض”(57).

وقد كانت تلك الرؤيا قبل بدء القتال والتحام الحرب؛ فلما بدأ القتال كثَّر الله تعالى المؤمنين في أعين الكافرين؛ فكان ذلك من أسباب هزيمتهم، وهو معنى قول الله تعالى: {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13]. وروى الثعالبي في تفسيره عن محمد أبي الفرات، عن سعيد بن أبي أوس في قوله تعالى: {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} قال: “كان المشركون يرون المسلمين مثليهم، فلما أسروهم سألهم المشركون: كم كنتم؟ قالوا: ثلاثمائة وبضعة عشر، قالوا: ما كنا نراكم إِلَّا تضاعفون علينا، قال: وذلك مما نُصِرَ به المسلمون” (58).


المطلب الثاني: نوع رؤى المؤمنين والمشركين والغرض منها

رؤى المؤمنين والمشركين بعضهم بعضا رؤى واضحة لا تحتاج إلى تأويل، سواء حال رؤيتهم قلة أم كثرة، وقد كان من أكثر ما ذكره أهل التفسير من أغراض هذه الرؤى لكلا الفريقين: أن يجترأ بعضهم على بعض(59)؛ فيكرم الله تعالى عباده بالنصر، ويخذل عدوه ويهزمه ويذله(60). وقد ذكر ابن الجوزي (ت: 597 هـ) في أغراض تلك الرؤيا فقال: “فإن قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى لمكان إعزازهم. فعنه ثالثة أجوبة:

  • أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم لم يقدموا عليهم فلم يكن قتال، والقتال سبب النصر فقللهم لذلك.
  • والثاني: أنه قللهم لئلا يتأهب المشركون كل التأهب فإذا تحقق القتال وجدهم المسلمون غير مستعدين فظفروا بهم.
  • والثالث: أنه قللهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم فيغلبهم المسلمون فيكون ذلك آية للمشركين ومنبها على نصرة الحق”(61)

ومن أغراض هذه الرؤيا الخاصة بالمؤمنين ما قاله السمرقندي (ت: 373 هـ) في تفسيره: “وذلك أن النبي رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا، فأخبر النبي أصحابه بما رأى في المنام: أن العدو قليل، فقالوا: رؤيا النبي حق، والقوم قليل. فلما التقوا ببدر، قلَّل المشركين في أعين المؤمنين؛ لتصديق رؤيا النبي ”(62). قال الزمخشري (ت: 538 هـ): “فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده ليجترؤوا عليهم قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا وكثرتهم آخرا”(63).

الخاتمة

ضمن الباحث خاتمة البحث أهم النتائج التي وصل إليها البحث، ثم أردفها بأهم التوصيات وذلك كما يأتي:


أولاً: النتائج

  • كانت رؤى المشركين على أنواع، منها رؤى جاءت واضحة في دلالتها، ومنها رؤى كانت رموزًا تشير إلى شيء.
  • كان من أغراض رؤية عاتكة وجهيم قبل معركة بدر النذارة.
  • كانت رؤى رسول الله في بدر رؤى واضحة في دلالتها.
  • كان من أغراض رؤى رسول الله البشارة والثبات.
  • كانت رؤى عموم المؤمنين والمشركين رؤى واضحة في دلالتها.
  • كان من أغراض رؤى المؤمنين والمشركين أن يجترأ بعضهم على بعض فينصر المؤمنون ويخذل المشركون.

ثانيا : التوصيات

يوصي الباحث نهاية بحثه بجملة من الوصايا من أهمها ما يأتي:

  • دراسة الرؤى التي جاءت في القرآن وبيان أنواعها وأغراضها، وبيان مدى الاستفادة منها.
  • دراسة الرؤى التي رآها رسول الله في معاركه، وبيان أنواعها وأغراضها، ومدى الاستفادة منها.
  • دراسة الرؤى التي عبرها رسول الله ألصحابه، وبيان مدى الاستفادة منها.