وَجّه القرآن الكريم أنظار الناس إلى المعاني والمبادئ والحقائق العليا، بأساليب عديدة ومتنوعة، يُناسب كل منها وترا من أوتار النفس البشرية. فنزلت الآيات لتقرر المعاني والحقائق بالتكرار، وبالترغيب والترهيب، وبالمحاجة، وبالقسم، وبالاستنكار، وبضرب الأمثال، وغيرها.

وكان للخطاب القرآني أثره البالغ على العلماء والأدباء الذين لم يترددوا في محاكاة أساليبه، واستعارة أدواته لتبليغ معانيه، تعبيرا عن النقلة العجيبة التي أحدثها نزوله، من طور الوثنية والسكون، إلى طور التوحيد والحركة الفاعلة.

ويعد ضرب الأمثال من بين أكثر الأساليب تقريبا للمفاهيم والمعاني المجردة، وأبلغها أثرا في نفس القارئ والسامع؛ خاصة حين تكون صوره المحسوسة مستلهمة من البيئة الاجتماعية والثقافية، مما يحقق المقصد منه، سواء كان الوعظ والزجر، أم التدبر والتفكر. ذلك أن بعض القلوب لا تهتز لجلال الفكرة وجمالها، إلا إذا وردت في صورة مثل يراه السامع بأم عينيه، ويلمسه بيديه، فيتحقق الأثر وتبلغ الرسالة مقصدها.

من أمثلة ذم الرياء والنهي عن الوقوع فيه، قول أحد الحكماء:

” مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة، كمثل رجل خرج إلى السوق وملأ كيسه حصاة. فيقول الناس: ما أملأ كيس هذا الرجل! فلا منفعة له سوى مقالة الناس. ولو أراد أن يشتري به شيئا لا يُعطى به شيئا”. فالذي عمل للرياء والسمعة لا نفع له سوى ما قاله الناس، ولا ثواب له في الدار الآخرة، مصداقا لقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} – الفرقان: 23.

ما أشد حسرة الإنسان وخزيه، حين تصير جبال الحسنات في صحيفة أعماله هباء منثورا، تذروها الرياح كاليابس من أوراق الشجر، فلا ينتفع بها في هذا الموقف العظيم، ولا تفتح لصاحبها بابا إلى النعيم! وكيف تفتح له بابا إلى رضوان الله وهو الذي كان جلُّ همه رضى الناس ومقالتهم؟ لذا تواترت الآيات والأحاديث النبوية التي تحذر من الرياء، وتكشف مغبته وضرره على الإخلاص وقبول الأعمال.

أصل الرياء مشتق من الرؤية. ومعنى راءى فلان أي فعل الشيء ليراه الناس، فيحظى لديهم بالجاه والمنزلة، وينتفع بجلب قلوبهم ودنياهم. وفي حال المسلم الذي يصله الإيمان بربه، ويجعل لعمله قيمة ووزنا، فإن الرياء يصبح حركة مبتورة خارج المنهج المرسوم، وخطوة شاردة عن سبيل العمل الصالح وغايته.

في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني من رواية محمود بن لبيد الأنصاري، يقول الرسول ﷺ:” إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدوا عندهم جزاء. وفي لفظ الشرك الأصغر تأكيد على العاقبة الوخيمة التي يجرها الرياء على صاحبه، حين يُحبط عمله لخلوه من شرط الإخلاص؛ فهو مردود على صاحبه، فلا أجر له ولا جزاء.

يملأ حامل الكيس كيسه بالحصى ثم يحمله على ظهره، كناية عن الجهد الذي يبذله المرائي في تحقيق الطاعات والأعمال، والتظاهر بالفضائل والقيم. ولا شك أن بلوغ هذا الإنجاز يتطلب استمرارية وعناية بأدق التفاصيل، لأن رضى الناس غاية لا تدرك.

إنه يطأطئ رقبته تظاهرا بالخشوع، فيقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب وإنما الخشوع في القلوب!

ويبكي في سجوده ليسمع الناس، فيقول أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: أنت أنت لو كان هذا في بيتك.

ويقول لعبادة بن الصامت رضي الله عنه: أقاتل بسيفي في سبيل الله، أريد به وجه الله تعالى ومحمدة الناس. فيرد عبادة قائلا: لا شيء لك!

ويقول: إن الناس يسمونني صالحا، فيجيب شقيق بن إبراهيم: أظهِر سرك عند الصالحين فإن رضوا به فأنت صالح، وإلا فلا. واعرض قلبك على الدنيا فإن ردها فأنت صالح، وإلا فلا. واعرض الموت على نفسك فإن تمنته فأنت صالح، وإلا فلا.

ولأن حامل الكيس رجل سوء، فإنه بريائه يريد أن يغلب قدر الله تعالى، ليقال إنه رجل صالح؛ فيصير لريائه علامات يبصرها أولوا الألباب. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للمرائي أربع علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذُمّ.

في العالم الرقمي الذي نحياه بكل مزاياه ومزالقه، وجد الرياء تربة خصبة لينتعش، وليحقق مستويات من الأداء لم تخطر على بال. فمن كان يتوقع أن ينتهك المسلم حرمة بيته، حين يسمح للملايين من المشاهدين بأن يشاركوه أدق خصوصياته؟

ومن كان يظن أن يصبح إفشاء الأسرار، وفضح ما يجري في الخلوات وسيلة لحصد المشاهدات، وتحقيق عائد مادي لا يقل في قذارته عن كسب البغيّ؟

وكيف يهدر المسلم ساعات طوال في إنتاج محتوى غير هادف، مضيعا أوقات الطاعات، وجاعلا من الكاميرا وثنا يطوف بساحته ليل نهار؟

إن العزة الحقيقية لا تتيسر إلا بالذلة عند الناس، وأن يكون مراد المسلم رضى ربه وإن سخط غيره. بهذا المعنى فقط تنطفئ شعلة الرياء التي تأكل حسنات المرء كما تأكل النار الحطب.

هل يلقي حامل الكيس بكيسه، أم يتخذ من راعي الغنم مثلا؟ يقول بعض الحكماء:

“ينبغي للعامل أن يأخذ الأدب في عمله من راعي الغنم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن الراعي إذا صلى عند غنمه، فإنه لا يطلب بصلاته محمدة غنمه. كذلك العامل ينبغي ألا يبالي من نظر الناس إليه، فيعمل لله تعالى عند الناس وعند الخلاء بمنزلة واحدة، ولا يطلب محمدة الناس.”

يجدر بحامل الكيس إذن أن يخلص العمل لله تعالى. وهذا الإخلاص يتأتى بلزوم آداب وخطوات تجفف منابع الرياء في صدره.

يقول شقيق بن إبراهيم الزاهد: يخلص العمل بثلاثة أشياء:

أولها: أن يرى الإذن في العمل من الله تعالى، بمعنى أن الله سبحانه هو الذي وفقه لهذا العمل، وبذلك يكسر العجب في نفسه.

وثانيها: أن يبتدئ برضا الله تعالى ليكسر به هوى نفسه الأمارة بالسوء.

وثالثها: أن يبتغي ثواب العمل من الله تعالى، فيجعل عمله خالصا لوجهه، ولا يبالي بمقالة الناس رضوا أم سخطوا.

قد يجد راعي الغنم في نفسه سرورا لا يجده حامل الكيس. والسر في ذلك أن غايته هي ترغيب الناس في الاقتداء به، والحث على إتيان الطاعات، ونشر الفضائل والسلوك الحسن بين الناس، فيكافئه الحق سبحانه بوقوع محبته في قلوب الناس، وتلك عاجل بشرى المؤمن كما قال الرسول ﷺ.