تحدثنا في مقالات سابقة عن عوائق النهضة، وركزنا على العوائق الداخلية النابعة من التطور التاريخي لمجتمعاتنا المسلمة، واعتبرنا أن العوائق الداخلية تمثّل العامل الأساس في تخلّف نجاح مشروع النهضة الحضاريّة، بالرغم من الجهود المتضافرة الكثيرة المتتابعة لأجيال أمتنا في عصورها الأخيرة.
ولكن ما ينبغي ألّا نتجاهله، هو أن هناك عوائق تحول دون نجاح جهود النهضة، ولكنها عوائق آتية من خارج أمتنا أساسًا، وهذا ما سماه مالك بن نبي “معامل الاستعمار” أو الاحتلال والاستخراب بصيغة أصح.
وصحيح كذلك أنه لولا “القابلية للاستعمار” التي تملّكت نفوسنا لأجيال، وجعلتنا مستعدين لأن نكون تابعين لا متبوعين، وخاضعين لا سادة، وهامشيّين لا روّادًا، فإن المعامل الاستعماري، أو الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي بصورة دقيقة، عمل ولا يزال يعمل بطرق تقليدية وأخرى مبتكرة على تعميق تخلفنا، والاستثمار فيه، وتفكيك نسيجنا الاجتماعي والثقافي، وتفكيك وحدتنا السياسية، وسلب خيراتنا الاقتصادية، وتحريف مقوماتنا الدينية والحضارية.
بين الواقع الداخلي والسبب الخارجي
لعل مالك بن نبي كان محقاًّ لما لاحظ أن هناك جانبًا خارجياً هو جانب الاستعمار، وهو لا يظهر هنا في صورة أسطورة تكف العالم الإسلامي عن التطوّر، وذهان يشلّه عن التغلّب على مصاعبه النفسية والاجتماعية فحسب، بل يظهر أيضاً في صورة مُحَسَّة، وأعمال سالبة تهدف إلى طمس قيم الفرد، وإمكانيات تطوره.
وإن تركيزنا على العوائق الذاتية والعوامل الداخلية، لا ينبغي أن يصرفنا عن النظر إلى هذا العامل الخارجي، الذي له مشروع استراتيجي في إبقائنا متخلفين، وتابعين، ومشتتين، نتناحر داخليّا، ونعجز عن تحقيق وجودنا الحضاري بأي وجه من الوجوه.
فالقوى الغربية مجتمعة ومتفرقة، بفعل تفوقها الحضاري واحتلالها لبلداننا لعقود من الزمن، ولوجود أتباع لها في شكل أفراد وجماعات وأنظمة ومؤسسات، ولسعيها للهيمنة، فإنها تعمل فينا بطريقة منظمة لتعيق أي تحرر، أو نهضة حضارية أو وحدة، ولعل عمل القوى الغربية يكون عن طريقين متعاونين؛ زرع الشقاق واختراق المبادرات.
طريق زرع الشقاق
أما طريق زرع الشقاق، فإن هذه القوى تعمل على تفكيك كل القيم والمفاهيم والبنى والمؤسسات التي تشكّلت عبر التاريخ في أمتنا، وتمثل ركائز وجودها. فقيم الإسلام يتم استبعادها وتشويهها لتحلّ محلها الشعوبيات والانتماءات والتقاليد التي كانت ما قبل الإسلام، والمفاهيم الإسلامية يتم الترهيب منها والتخلّص منها، واستبدالها بمفاهيم قوميّة وعرقيّة وعنصريّة وإلحاديّة وعلمانيّة، والبنى والمؤسسات التقليدية الموروثة من الأسرة والجماعة والأمة والجامع والشورى والخلافة وغيرها، فيتم محاصرتها وتفكيكها، حتى تفقد أمتنا انتماءها الجامع الذي يجمع شعوبها، ويوحّد مشاعرها، ويصوغ تصوراتها ومفاهيمها، ويفعّل بُناها ومؤسساتها الشرعية.
وعلى سبيل المثال، نجد المستشرق الفرنسي كاراديفو الذي كان ضليعًا في الفلسفة الإسلامية وعضوًا في المعهد الكاثوليكي الفرنسي، يقول: “إننا يجب أن نقسم العالم الإسلامي، ونحطّم وحدته المعنوية مستخدمين في هذا الانقسامات العرقية والسياسية.. ولذلك فعلينا أن نؤكّد هذه الخلافات من أجل أن نزيد من جهة الشعور القومي، ومن جهة أخرى نضعف الجماعة الدينية لدى الأجناس الإسلامية المتعددة، وبعبارة مختصرة: دعنا نقطع الإسلام”.
هذا مثال واحد من طرق التفكير والعمل التي سعت إليها القوى الاستعمارية لتفكيك وحدتنا وزرع الشقاق بيننا، وإحياء الشعوبيات القديمة، والتمكين لمشروع الاسترداد المستمر منذ سقوط الأندلس.
طريق اختراق المبادرات
أما عن طريق اختراق المبادرات، فإن هذه القوى في خططها ومؤامراتها تسعى باستمرار لتحطيم الأفكار الفعالة والعملية وتفكيكها، وإحداث أفكار مناسبة لها ولمصالحها، وتسعى لنشرها لتصبح جزءًا من يوميات أبناء الشعوب الإسلامية، بل إنّ حماسة الشعوب وانفعاليتها تجعلها تنظر إلى هذه الأفكار بأنّها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها.
وقد ذكر الأستاذ محمد لعاطف في رسالته القيمة عن (معيقات النهضة وسبل مواجهتها) أن هذه القوى الاستعمارية توظف مجموعة من الأدوات والآليات وجعلها قيودًا وحواجز تمنعنا من تحقيق أهدافنا الإنسانية والحضارية، ومن أهمها العمل على اختراق مختلف المبادرات التي يهدف أصحابها لتغيير أوضاعهم وأحوالهم، من خلال إدخال مجموعة من المتغيرات تساهم في الانحراف بها عن هدفها الرئيسي، للمحافظة على المصالح الاستعمارية وإجهاض المبادرات الأصيلة من خلال إبعادها عن مسارها الصحيح.
انظر حولك تجد كلا الأمرين مُجَسّدَين؛ في جهود ومؤسسات دولية، وفي اتفاقات ملزمة، ودعم للأقليات الأيديولوجية، ومحاربة للقيم الإسلامية والشعائر والشرائع بدعوى مواجهة التطرف والإرهاب، وبدعوى الحداثة والتنوير، والتسامح والإنسانية.
من جهة أخرى نرى إجهاض تجارب التحرر المختلفة، وتحطيم الدول التي بها ممكنات نهضة، كما فعلوا مع العراق وسوريا ومصر وليبيا، والمؤامرات المستمرة على الجزائر، وغيرها. كما تتمثل أيضًا تدخلات المعامل الاستعماري، في دعم الانقلابات، وإجهاض الديمقراطيات، ومساندة الأقليات الهجينة، وتوظيفها، والتخلص من القيادات التي لها رؤية ومشروع تنمية ونهضة واستقلال.