مقدمة: سؤال قديم بامتدادات معاصرة
تعد قضية القدر من أكثر القضايا التي كشفت عن عمق التصور الإسلامي للإنسان؛ فهي لا تتعلق فقط بمسألة غيبية حول علم الله تعالى بالمستقبل، بل ترتبط بأسئلة عملية تمس حياة الإنسان: هل الإنسان مسؤول فعلًا عن قراراته؟ وهل الإيمان بأن كل شيء مقدر يقود إلى السلبية والاستسلام؟ أم أن القدر في الرؤية الإسلامية يمنح الإنسان قدرة أكبر على العمل والتحرر من القلق؟
وقد أدرك علماء الإسلام منذ وقت مبكر أن الإشكال الحقيقي ليس في إثبات القدر، وإنما في فهم العلاقة بين سبق العلم الإلهي وفاعلية الإنسان الأخلاقية. ولذلك قرروا أن الخطأ يقع عندما يُفهم القدر على أنه إلغاء للتكليف، أو عندما يُفهم الاختيار الإنساني على أنه استقلال عن مشيئة الله.
أولًا: غاية خلق الإنسان بين العبودية والتكليف
يقول الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
لم يفهم علماء التفسير هذه الآية على أن الإنسان خُلق للعبادة بمعنى الإكراه والجبر؛ لأن العبادة التي يترتب عليها الثواب والعقاب لا تكون إلا فعلًا اختياريًا. ولهذا نقل أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معنى الآية: “إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم إلى عبادتي”، وهو المعنى الذي اختاره الزجاج أيضًا.
وتكمن أهمية هذا التفسير في أنه ينقل العبادة من مفهوم الحركة القهرية إلى مفهوم الاستجابة الواعية؛ فالإنسان لم يُخلق كالملائكة في مقام الطاعة المستمرة التي لا تعرف المخالفة، وإنما خُلق في مقام الاختبار والتكليف، حيث تتحدد قيمة الفعل بكونه صادرًا عن اختيار وإرادة.
ولهذا قرر الثعلبي أن خلق الإنسان للعبادة ليس “خلق جبلة وإجبار”، وإنما هو “خلق تكليف واختيار”. وهذه العبارة تختصر جانبًا أساسيًا من التصور الإسلامي للإنسان: فهو عبد لله، لكنه عبد مكلَّف، ومسؤوليته ناشئة من قدرته على الاختيار؛ بخلاف الكثير من المخلوقات الأاخرى التي لا خيار لها ولا حرية ولا مسؤولية، مثل النبات والجماد والحيوان.
ثانيا: بين القدر الكوني والتكليف الشرعي
يظهر جانب كبير من الإشكال عند الخلط بين نوعين من الإرادة الإلهية: الإرادة الكونية التي يقع بها ما شاء الله في هذا العالم، والإرادة الشرعية التي تتعلق بما يحبه الله ويرضاه من عباده. وهذه الحقيقة من أهم القواعد التي أصلها علماء العقيدة رحمة الله عليهم.
فالإنسان لا يستطيع الخروج عن القدر الكوني؛ فهو يولد في زمان ومكان معينين، وتجري عليه سنن الحياة والموت والصحة والمرض. لكنه في مجال التكليف الشرعي يملك القدرة على الطاعة والمعصية، ولذلك يستحق المدح أو الذم والثواب والعقاب.
وهذا هو المعنى الذي أشار إليه العلماء عند مناقشة السؤال: إذا كان الله خلق الإنسان للعبادة فلماذا يقع الكفر والمعصية؟ فالجواب أن وقوع الشيء بعلم الله وقدره لا يعني أن الله أجبر العبد عليه؛ لأن مجال التكليف قائم على الاختيار الذي جعله الله جزءًا من طبيعة الإنسان.
ثالثا: علم الله السابق لا يلغي اختيار الإنسان
من أكثر القضايا التي تحتاج إلى ضبط علمي التفريق بين “العلم” و”الإجبار”. فالله تعالى يعلم ما سيختاره الإنسان، لكن هذا العلم لا يحول الاختيار إلى فعل قسري.
وقد ناقش ابن عاشور هذه المسألة عند تفسير قوله تعالى: ﴿والله يعلم أعمالكم﴾ [محمد: 30]، فبيّن أن علم الله تعالى يتعلق بأعمال العباد قبل وقوعها، كما يتعلق بها بعد صدورها؛ لأنه سبحانه يعلم ما سيكون من أحوالهم وأعمالهم، ويعلم استعدادهم للاستجابة لدعوة التكليف أو الإعراض عنها. غير أن هذا العلم السابق لا يعني إكراه العباد على أفعالهم، ولا يؤدي إلى سقوط معنى التكليف والمسؤولية؛ إذ إن أفعال الإنسان تقع منه على وفق اختياره وإرادته التي جعلها الله مناطًا للتكليف. ويقول ابن عاشور: “فبيّن بهذه الآية أن من حكمة التكاليف أن يظهر أثر علم الله بأحوال الناس وتقدم الحجة عليهم” (التحرير والتنوير، ج26، ص123).
فالعلم الإلهي كاشف عن الفعل وليس مُكرهًا عليه. وهذه قاعدة مركزية في فهم العلاقة بين القدر والمسؤولية.
رابعا: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له”: القدر الذي يدفع إلى العمل
جاء الحديث النبوي: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له”
ليضع حدًا لفهمين متطرفين: فهم يجعل القدر ذريعة لترك العمل، وفهم يجعل الإنسان مستقلًا عن إرادة الله.
فقد روى الإمام البخاري في صحيحه أن الصحابة لما سألوا النبي ﷺ بعد إخباره بسبق الكتابة: “أفلا نتكل؟” أجابهم: “اعملوا. فالنبي ﷺ لم ينف القدر، لكنه منع أن يتحول الإيمان به إلى تعطيل للسعي.
ويشرح فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب هذا الحديث مبينًا أن النبي ﷺ جمع بين الأمرين: ذكّرهم بسابق القدر، ثم ألزمهم بالعمل. فالتيسير عنده ليس جبرًا، لأن الجبر يسلب الإرادة، أما التيسير فهو أن يفتح الله للإنسان الطريق الذي اختاره وسعى إليه.
خامسا: التيسير ليس جبرًا: الفرق الدقيق الذي غيّر فهم القدر
هذه النقطة من أدق ما قرره علماء السنة؛ فالإنسان لا يُدفع إلى الفعل دفعًا كالآلة، وإنما يُهيأ له من الأسباب ما يناسب توجهه واختياراته.
وقد ناقش ابن بطال هذه المسألة في شرح صحيح البخاري عند شرحه لحديث النبي ﷺ: «اعملوا فكل ميسّر لما خُلق له»، فبيّن أن الحديث يرد على مذهب الجبر؛ لأن التيسير لا يساوي الإكراه، وإنما هو تهيئة العبد لما اختاره وسعى إليه ضمن علم الله تعالى ومشيئته. فالإنسان يباشر أفعاله بإرادته واختياره، ولذلك يتعلق به التكليف والثواب والعقاب، غير أن اختياره لا يخرج عن إحاطة علم الله وحكمته ونفاذ قدره. ويقول ابن بطال: “فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر؛ لأن التيسير غير الجبر” (شرح صحيح البخاري، ج10، ص303).
وهذا الفهم يحفظ في الوقت نفسه جانبين متلازمين: تعظيم سلطان الله، وإثبات مسؤولية الإنسان.
سادسا: القدر والأسباب: لماذا لا يتعارض الإيمان بالله مع التخطيط والعمل؟
من الأخطاء الشائعة اعتبار الأخذ بالأسباب علامة على ضعف التوكل، بينما يؤكد الفكر الإسلامي أن الأسباب نفسها من قدر الله.
فالاعتقاد بالقدر لا يعني ترك الأسباب أو تعطيل العمل؛ لأن الله تعالى قدّر النتائج، وقدّر معها أسبابها وطرق الوصول إليها. فالإنسان لا يترك السعي في طلب الرزق بحجة أن الأرزاق مقدرة، ولا يهمل التداوي بحجة أن الشفاء بيد الله، ولا يتوقف عن العمل والإصلاح بحجة أن النتائج عند الله؛ بل يبذل ما يستطيع لأنه مأمور بالأخذ بالأسباب، ومحاسب على سعيه واختياره، أما النتائج فتبقى ضمن حكمة الله وتقديره.
وقد أكد ابن عاشور في التحرير والتنوير أن الله تعالى أجرى نظام الكون وفق سنن وأسباب، وأن مراعاتها من مقتضيات الحكمة؛ لأن تعطيلها يؤدي إلى فساد حياة الإنسان. فالقدر لا يلغي العمل، بل يجري من خلال الأخذ بالأسباب التي جعلها الله طريقًا لتحقيق ما شاء. ويقول ابن عاشور: “ولولا نظام الأسباب ومراعاتها لصار المجتمع البشري هملاً وهمجاً” (التحرير والتنوير، ج13، ص22).
سابعًا: ما هو القدر إذن؟ بين سلطان الله ومسؤولية الإنسان
بعد بيان أن القدر لا يعني الجبر، وأن العلم الإلهي السابق لا يلغي اختيار الإنسان، يظهر أن القدر في التصور الإسلامي وكما يقرّه علماء السنة هو الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء، وكتابته لما سبق به علمه، ونفوذ مشيئته وحكمته في الكون، مع إثبات ما جعل الله للإنسان من قدرة وإرادة واختيار. فالقدر لا يعني أن الإنسان آلة تتحرك بلا إرادة، ولا يعني أن الإنسان مستقل عن مشيئة الله، وإنما هو قائم على الجمع بين حقيقتين متلازمتين: كمال سلطان الله تعالى، وثبوت مسؤولية الإنسان عن أفعاله.
ولذلك فإن الإيمان بالقدر لا يُنتج عقلية الاستسلام والعجز، بل يوازن بين الثقة بالله والعمل في الحياة؛ فالإنسان مأمور بالسعي، والأخذ بالأسباب، وتحمل مسؤولية اختياراته، بينما النتائج النهائية تجري وفق علم الله وحكمته. ومن هنا كان القدر في الرؤية الإسلامية مصدر طمأنينة وحافزًا للعمل، لا مبررًا لترك العمل أو التنصل من المسؤولية.
خاتمة: القدر ليس ثقافة العجز بل ثقافة المسؤولية
إن أخطر سوء فهم للقدر هو تحويله إلى مبرر للكسل أو الهروب من المسؤولية. بينما يقدم القرآن والسنة رؤية مختلفة تمامًا: الإنسان يعمل لأنه مسؤول، ويطمئن لأنه يعلم أن النتائج ليست عبثًا.
فالقدر يمنع الإنسان من الغرور عند النجاح، ومن اليأس عند الفشل، لكنه لا يعفيه من السعي. ولهذا جاءت القاعدة النبوية جامعة مانعة: “اعملوا، فكل ميسر لما خلق له“.
فالعمل وظيفة الإنسان، والتوفيق فضل الله، والنتائج تجري ضمن حكمة إلهية لا تناقض اختيار الإنسان، بل تتكامل معه.
