تُعدّ الهجرة النبوية من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ الإسلامي، إذ لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، ولا مجرد وسيلة للنجاة من الاضطهاد، وإنما كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا أعاد بناء الإنسان والمجتمع والدولة على أسس جديدة قوامها الإيمان والحرية والعدل والتعايش. ومن ثم فإن فهم الهجرة يقتضي النظر إليها باعتبارها عملية تأسيس شاملة شاركت فيها مختلف فئات المجتمع، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، مهاجرين وأنصارًا.
ومع ذلك، فقد انصرفت كثير من الدراسات إلى إبراز الأدوار القيادية للرجال، بينما بقي حضور المرأة في الهجرة يُتناول غالبًا بوصفه حضورًا ثانويًا أو مرافقًا، رغم أن القراءة الاستقرائية للسيرة النبوية تكشف أن المرأة كانت حاضرة في جميع مراحل المشروع الحضاري للهجرة، وأسهمت في مختلف وظائفه؛ من الثبات على العقيدة، والهجرة واللجوء، إلى الدعم اللوجستي، وحماية الأمن، وبناء الأسرة، والمشاركة في التعاقد السياسي، والإسهام في تأسيس المجتمع الجديد.
وانطلاقًا من المنهج الاستقرائي الذي يجمع الشواهد الجزئية ليستخلص منها رؤية كلية، يسعى هذا المقال إلى بيان أن المرأة في الهجرة لم تكن مجرد شاهدة على الحدث، وإنما كانت أحد صُنّاعه، وأن مشاركتها لم تكن استثناءً فرضته الضرورة، بل كانت تجسيدًا للرؤية الإسلامية التي جعلت الرجل والمرأة شريكين في عمارة الأرض وتحمل مسؤولية الاستخلاف، كما قال تعالى: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ آل عمران: 195.
المرأة في الهجرة إلى الحبشة: المشاركة في أول مشروع للحرية الدينية
مثّلت الهجرة إلى الحبشة أول تجربة جماعية للجوء الديني في الإسلام، حيث غادر المسلمون وطنهم حفاظًا على حقهم في الاعتقاد والعبادة، بعد أن اشتد عليهم أذى قريش. ولم يكن هذا القرار مقتصرًا على الرجال، بل شاركت فيه النساء منذ اللحظة الأولى، بما يؤكد أن الإسلام لم يحصر مسؤولية حماية الدين في جنس دون آخر.
وتبرز في مقدمة هؤلاء رقية بنت رسول الله ﷺ التي هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما. ولم تكن هجرتها انتقالًا عائليًا فحسب، بل كانت تضحية واعية تركت فيها الوطن والأهل طلبًا لحرية العبادة، حتى قال النبي ﷺ في شأن عثمان ورقية: “إنهما أول من هاجر إلى الله بعد لوط”، في إشارة إلى عظم هذه التضحية ومكانتها في تاريخ الدعوة، وإن كان الأثر ضعيفا.
كما تمثل أسماء بنت عميس نموذجًا آخر بالغ الدلالة؛ فقد هاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وأقامت سنوات في الحبشة تحت حكم النجاشي، في بيئة يغلب عليها الطابع المسيحي. ويكشف حضورها هناك عن قدرة المرأة المسلمة على المحافظة على هويتها الدينية، وفي الوقت نفسه التفاعل الإيجابي مع مجتمع متعدد الأديان، وهو ما يجعل من هجرتها نموذجًا مبكرًا للتعايش الديني واحترام التنوع الثقافي.
وتكشف هذه التجربة أن المرأة شاركت منذ البدايات في ترسيخ أحد المبادئ الكبرى التي يقوم عليها الإسلام، وهو أن حماية العقيدة قد تستلزم التضحية بالوطن والمصالح الشخصية، وأن الحرية الدينية قيمة إنسانية تستحق الهجرة من أجلها.
المرأة في المرحلة المكية: الثبات قبل التحول
لم تبدأ مشاركة المرأة مع الهجرة نفسها، وإنما سبقتها مرحلة طويلة من الصمود في مكة، حيث واجهت النساء صورًا متعددة من الاضطهاد بسبب الإيمان.
وتظل سمية بنت خياط المثال الأبرز في هذا السياق؛ فهي أول شهيدة في الإسلام، وقد تعرضت لأشد ألوان التعذيب حتى استشهدت ثابتة على عقيدتها. ولا تمثل قصتها مجرد حادثة تاريخية، وإنما تعبر عن أن المرأة كانت في طليعة من دفع ثمن الحرية الدينية، وأنها شاركت في تأسيس المجتمع الإسلامي بدمها قبل أن تشارك في بنائه بجهدها.
أما أم سلمة (هند بنت أبي أمية) فقد قدمت نموذجًا آخر لمعاناة المرأة المؤمنة، إذ فُرّق بينها وبين زوجها وابنها عند خروجها للهجرة، وبقيت مدة طويلة تعاني ألم الفراق حتى أذن لها قومها بالالتحاق بزوجها في المدينة. وتعكس هذه القصة حجم التضحيات النفسية والاجتماعية التي تحملتها المرأة في سبيل الحفاظ على دينها، كما تكشف عن قوة الإرادة والإيمان التي مكنتها من تجاوز تلك المحنة.
المرأة في الهجرة إلى المدينة: من الصمود إلى صناعة الحدث
إذا كانت المرحلة المكية قد أبرزت صبر المرأة وثباتها، فإن الهجرة إلى المدينة كشفت انتقالها إلى مرحلة أكثر فاعلية، حيث أصبحت شريكًا مباشرًا في تنفيذ المشروع الحضاري للهجرة.
وتأتي أسماء بنت أبي بكر، المعروفة بذات النطاقين، في مقدمة الشخصيات النسائية التي جسدت هذا التحول. فقد تولت إيصال الطعام والشراب إلى النبي ﷺ وأبي بكر أثناء اختبائهما في غار ثور، وأخفت حقيقة مكانهما رغم ما تعرضت له من ضغوط، بل وتحملت اعتداء أبي جهل عليها دون أن تكشف سر الهجرة.
ولا يمكن النظر إلى هذا الدور باعتباره مجرد عمل منزلي أو خدمة عابرة؛ بل هو جزء استراتيجي مهم لنجاح الهجرة، إذ كان نجاح خطة الاختفاء يعتمد على السرية والإمداد المنتظم، وهو ما قامت به أسماء بكفاءة ومسؤولية عالية.
كما برزت أم سلمة مرة أخرى بعد وصولها المدينة، حيث أسهمت في إعادة بناء أسرتها واستقرارها داخل المجتمع الجديد، لتقدم نموذجًا لدور المرأة في إعادة إنتاج التماسك الاجتماعي بعد الأزمات والهجرات القسرية.
المرأة والمشاركة في تأسيس المجتمع المدني
لم يقتصر حضور المرأة على البعد الأسري أو الإنساني، بل امتد إلى المجال العام، ويتجلى ذلك بوضوح في بيعة العقبة الثانية، حيث شاركت النساء في البيعة التي مهدت لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة؛ لأنها تمثل اعترافًا مبكرًا بأهلية المرأة للمشاركة في الالتزام الجماعي، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في بناء المجتمع. كما أنها تؤكد أن المشروع الإسلامي لم يقم على الإقصاء، وإنما على مبدأ الشراكة في المسؤولية، كل بحسب موقعه وقدرته.
المرأة وبناء الأسرة: الركيزة الأولى للاستقرار الحضاري
تكشف الهجرة كذلك عن أن بناء المجتمع الجديد لم يكن ممكنًا دون بناء الأسرة. فالأسرة هي المؤسسة الأولى التي تُغرس فيها القيم، وتُنشأ فيها الأجيال، وتُبنى من خلالها الروابط الاجتماعية.
ومن هنا فإن دور النساء المهاجرات لم يقتصر على تحمل مشقة السفر، وإنما امتد إلى تأسيس الأسر الجديدة في المدينة، وإعادة بناء الحياة الاجتماعية في بيئة مختلفة. وقد جسدت رقية، وأسماء بنت عميس، وأم سلمة، وغيرهن هذا الدور الحضاري الذي جعل الأسرة المسلمة إحدى أهم مؤسسات الاستقرار بعد الهجرة.
التأصيل القرآني والنبوي للشراكة الحضارية
إن استقراء النصوص القرآنية يظهر أن مشاركة المرأة في الهجرة لم تكن اجتهادًا تاريخيًا، وإنما كانت منسجمة مع الرؤية القرآنية التي تقرر وحدة التكليف ووحدة الجزاء بين الرجل والمرأة.
قال تعالى: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ [آل عمران: 195]، وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن المهاجرين والمجاهدين، بما يؤكد أن الهجرة والعمل من أجل الدين يشملان الرجال والنساء معًا.
وقال سبحانه: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [النحل: 97]، فجعل معيار التفاضل هو العمل والإيمان، لا الجنس.
كما قرر القرآن الأصل الإنساني المشترك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ [الحجرات: 13]، وهو أصل يؤسس للمساواة في الكرامة الإنسانية، وللتكامل في الأدوار والمسؤوليات.
ومن السنة النبوية، يتجلى هذا المعنى في قول النبي ﷺ: “إنما النساء شقائق الرجال”، وهو أصل نبوي يقرر الشراكة الإنسانية والتكامل في تحمل المسؤولية، مع مراعاة الخصائص التي تميز كلًا من الرجل والمرأة.
دلالات حضارية معاصرة
تكشف هذه القراءة الاستقرائية أن المرأة في الهجرة أدت وظائف متعددة ومتكاملة؛ فقد كانت مؤمنة ثابتة، ومهاجرة مضحية، وأمًا تبني الأسرة، وعضوًا مشاركًا في التعاقد الاجتماعي، وعنصرًا فاعلًا في منظومة الأمن والدعم اللوجستي، وصاحبة إسهام مباشر في نجاح المشروع الحضاري الإسلامي.
ومن منظور الفكر الاجتماعي المعاصر، فإن هذه الأدوار تنسجم مع ما تؤكد عليه نظريات رأس المال الاجتماعي التي ترى أن نجاح المجتمعات يعتمد على الثقة والتعاون والمشاركة المجتمعية، كما تتقاطع مع فلسفات المواطنة التشاركية التي تجعل بناء المجتمع مسؤولية جماعية لا تنحصر في فئة دون أخرى. غير أن التجربة الإسلامية سبقت هذه التصورات؛ إذ لم تجعل مشاركة المرأة مطلبًا حقوقيًا مجردًا، وإنما جعلتها جزءًا من التكليف الشرعي ومن مسؤولية الاستخلاف في الأرض.
كما تقدم الهجرة نموذجًا عمليًا لفهم العلاقة بين الحقوق والواجبات؛ فالمرأة لم تطالب بالمشاركة من خارج المجتمع، وإنما شاركت في بنائه، فاستحقت مكانتها من خلال عطائها وإسهامها، وهو ما يمنح التجربة الإسلامية خصوصيتها في معالجة قضايا المرأة بعيدًا عن ثنائية الصراع أو الإقصاء.
خاتمة
إن القراءة الاستقرائية للسيرة النبوية تؤكد أن الهجرة كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا، وأن المرأة شاركت في جميع وظائف هذا المشروع منذ بدايته حتى اكتمال بناء المجتمع الإسلامي الأول. فقد أسهمت في حماية العقيدة، وتحملت تبعات الاضطهاد والهجرة، وشاركت في تأمين انتقال النبي ﷺ، وأسهمت في تأسيس الأسرة، وشاركت في البيعة، وفي ترسيخ قيم التعايش والاستقرار.
ومن ثم، فإن الحديث عن المرأة في الهجرة ليس استعادةً لسرد تاريخي، وإنما إعادة اكتشاف لأحد الأبعاد الحضارية في التجربة الإسلامية، الذي يؤكد أن بناء المجتمعات لا يتحقق إلا بالشراكة والتكامل بين الرجل والمرأة، وأن الإسلام، منذ لحظاته التأسيسية الأولى، قدم نموذجًا عمليًا لمشاركة المرأة في صناعة التحول الحضاري، ضمن رؤية تجعل الكرامة الإنسانية، والحرية، والمسؤولية، قيمًا مشتركة بين جميع أفراد المجتمع.
