قد تتغير الفتوى في مسألة وبائية خلال أسابيع، فيحسب بعض الناس أن الحكم الشرعي قد اضطرب، مع أن الذي تغير أحيانًا ليس الدليل ولا طريقة فهمه، وإنما صورة الواقعة التي بُني عليها الحكم. فمرض ظُنَّ في البداية محدود الانتقال قد يتبين أنه شديد العدوى، وإجراء اعتُقد أنه ضروري قد يظهر له بديل أقل كلفة وضررًا، ودواء بُنيت عليه آمال واسعة قد تكشف المتابعة أن نفعه أضيق مما قُدِّر أول الأمر.
لهذا لا تبدأ الفتوى في النازلة الطبية بالسؤال: ما الحكم؟ بل بسؤال أسبق منه: ما الذي حدث على وجه الدقة؟ هل المرض معدٍ؟ وكيف تنتقل عدواه؟ وما درجة خطورته؟ وهل يتعدى أثره من الفرد إلى المجتمع؟ وما مقدار اليقين في المعلومات المتاحة؟ وهل الإجراء المقترح يمنع المرض، أم يخفف آثاره، أم لا تزال جدواه موضع بحث؟
هذه الأسئلة ليست حواشي طبية تضاف إلى الفتوى بعد اكتمالها، بل هي جزء من مادتها؛ لأن الحكم الشرعي لا ينزل على اسم مجرد، وإنما على واقعة محددة بأوصافها وآثارها وملابساتها. ومن هنا يتجدد السؤال مع كل وباء ودواء ولقاح: من يصنع حكم النازلة الطبية، الطبيب أم الفقيه؟
الحكم يبدأ من فهم الواقع
يقرر علماء الأصول أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وليس المراد بالتصور معرفة اسم المسألة أو تلقي وصف موجز لها، بل الإحاطة بالقدر المؤثر في حكمها.
في النوازل الوبائية يتولى أهل الطب وعلم الأوبئة بيان طبيعة المرض، وطرائق انتقاله، ودرجة خطورته، والفئات الأشد تعرضًا له، وجدوى وسائل الوقاية والعلاج، وما يحيط بهذه المعطيات من يقين أو ظن أو احتمال. أما الفقيه فيتلقى هذه المعرفة ليحرر محل الحكم، ثم ينظر في الأدلة والقواعد والمقاصد المتصلة به.
فلا يصح للفقيه أن يقرر أن مخالطة المصاب مأمونة أو خطرة اعتمادًا على انطباع شخصي، كما لا يصح أن يبني حكمًا عامًا على خبر شائع، أو دراسة منفردة، أو معلومة أولية لم تستقر بعد. وكلما اتسع أثر النازلة، ازدادت الحاجة إلى تعدد الخبرات والمصادر، وإلى الرجوع إلى المؤسسات العلمية المعتبرة، حتى لا تتوقف مصالح مجتمع كامل على تقرير ناقص أو رأي فردي قابل للخطأ.
هذا التثبت لا يعطل الفتوى، بل يحفظها من أن تجيب عن واقعة متخيلة تشبه النازلة في اسمها وتفارقها في حقيقتها. وكم من حكم قوي الدليل اختل تنزيله؛ لأن الواقعة التي أُنزل عليها لم تُفهم على وجهها.
لكل علم حدوده
الطبيب يصف المرض، ويقدّر درجة الخطر، ويبين أثر الوسيلة الطبية بحسب ما انتهت إليه المعرفة المتاحة، لكنه لا يستقل بتحديد الحكم الشرعي المترتب على ذلك. والفقيه يبين الحكم الشرعي الذي ينتهي إليه اجتهاده في النازلة، لكنه لا يملك أن ينشئ حقيقة طبية أو ينفيها بمجرد النظر الفقهي.
فإذا حفظ كل تخصص حدوده نشأ بينهما تكامل محمود. أما إذا استغنى أحدهما عن الآخر، خرج الطبيب من التقرير إلى الإفتاء، أو خرج الفقيه من الاستنباط إلى التشخيص.
وتزداد الحاجة إلى هذا التكامل حين لا يتوقف أثر القرار عند صاحبه. فامتناع شخص عن علاج لا يتعدى أثره إلى غيره ليس كامتناعه عن إجراء وقائي في مرض قابل للانتقال؛ لأن حقه في الاختيار يجاوره حينئذ حق الآخرين في السلامة.
ولهذا لا تستوعب النوازل العامة خبرة فرد واحد، مهما رسخ في تخصصه. فقد يحتاج النظر فيها، إلى جانب الفقهاء والأطباء، إلى خبراء في الصحة العامة والاقتصاد والاجتماع والقانون؛ لأن القرار الذي يبدو نافعًا من زاوية قد تترتب عليه مفاسد لم تظهر إلا عند النظر من زاوية أخرى.
ويؤصل التوجيه النبوي في شأن الطاعون لهذا التكامل؛ ففي الحديث: “إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه” متفق عليه. فالنص يقرر أصل الاحتراز ومنع انتقال الضرر، أما إثبات أن المرض القائم يندرج في هذا الوصف، وتحديد التدابير التي تحقق مقصوده في عالم السفر المعاصر، فيحتاجان إلى الخبرة الطبية والفقهية معًا.
ثلاث مراحل تسبق الفتوى
يمكن رد مسار النظر في النازلة إلى ثلاث مراحل مترابطة: التصور الصحيح، والتوصيف أو التكييف الفقهي، ثم التنزيل.
- التصور الصحيح في هذه المرحلة تُجمع الحقائق المؤثرة، ويُحرر السؤال تحريرًا يمنع الإجابات العامة المضللة. فلا يكفي مثلًا أن يقال: ما حكم اللقاح؟ إذ لا يوجد حكم واحد يطابق كل لقاح، وكل مرض، وكل فئة من الناس. لا بد من السؤال عن المرض المقصود، ودرجة خطره وانتشاره، ومأمونية اللقاح وفعاليته للفئة المستهدفة، والبدائل المتاحة، والآثار المتوقعة من أخذه أو تركه. وقد تختلف الإجابة الطبية من فئة عمرية إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، أو من مرحلة زمنية إلى أخرى؛ فيتأثر الحكم بهذا الاختلاف بقدر تأثير تلك الأوصاف فيه.
- التوصيف الصريح أو التكييف الفقهي بعد اكتمال التصور يبحث الفقيه عن الوصف الشرعي للواقعة: إلى أي باب فقهي ترد؟ أهي من التداوي الذي يبقى في دائرة الاختيار، أم من الوقاية التي يتعدى أثرها إلى المجتمع، أم من تصرف ولي الأمر لحماية المصلحة العامة؟ وفي هذه المرحلة تُجمع الأدلة، ويُنظر في وجوه الاستدلال وما قد يعارضها، وتُستحضر المقاصد والقواعد وموازين النظر المتصلة بالنازلة؛ كمقصد حفظ النفس، وقاعدة إزالة الضرر، ومراعاة المصلحة العامة، وضبط تصرف ولي الأمر بالمصلحة. ولا يكفي أن تُذكر هذه الأصول مجتمعة، بل لا بد من تحديد وظيفة كل واحد منها، والموازنة بينها، ومنع التوسع في استعمالها؛ فالمصلحة العامة ليست عبارة مفتوحة تبرر كل إجراء، كما أن حق الفرد ليس مطلقًا إذا تحول استعماله إلى مصدر ضرر متعدٍّ.
- التنزيل والنظر في المآل في هذه المرحلة يُختبر الحكم في واقعه: هل يلائم الحال التي سيطبق عليها؟ وهل روعيت الفروق بين الأشخاص والبلدان والظروف؟ وما النتائج المتوقعة من تطبيقه؟ وهل يحقق المصلحة المقصودة أم يفضي إلى مفسدة أكبر؟ قد يكون الحكم صحيحًا في أصله، ثم يختل تطبيقه بسبب التعميم، أو سوء التوقيت، أو إغفال أصحاب الأعذار، أو استمرار التدبير بعد زوال سببه. ولهذا لا يكون النظر في المآلات أمرًا زائدًا على الاجتهاد، بل هو جزء من سلامة تنزيله؛ إذ لا يكفي أن نسأل: ما أصل الحكم؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا سيصنع هذا الحكم حين يتحول إلى إجراء في حياة الناس؟
التطعيم الإلزامي نموذجًا
تكشف مسألة التطعيم الإلزامي أثر هذه المراحل بوضوح. فالنظر المتعجل قد يحصرها بين حق الإنسان في جسده وحق الدولة في الإلزام، ثم يطلب جوابًا مطلقًا، مع أن الحكم يتغير بتغير أوصاف النازلة. إذا كان المرض محدود الخطر، أو كانت منفعة التطعيم فردية في الغالب، أو وُجدت وسائل كافية لدفع الضرر العام من غير إلزام، بقي الأصل في التداوي قائمًا، ولم ينتقل الحكم تلقائيًا إلى الإجبار.
أما إذا قرر أهل الاختصاص المعتبرون أن مرضًا معديًا يهدد الناس تهديدًا جادًا، وغلب على تقدير الجهات الطبية المعتبرة مأمونية لقاح معين وفعاليته للفئة المستهدفة، وكان تركه يعرض المجتمع لضرر عام لا يندفع بوسيلة أخف؛ جاز لولي الأمر الإلزام به تحقيقًا للمصلحة العامة ودفعًا للضرر المتعدي. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره بشأن العلاج الطبي أن لولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال، وذكر منها الأمراض المعدية والتحصينات الوقائية.
لكن هذا الجواز لا يعني تفويضًا مفتوحًا. فالإلزام حكم مرتبط بوجود سببه، ويُقدَّر بقدر الحاجة. ولا بد فيه من تقرير علمي موثوق، وتناسب بين درجة الخطر ومقدار التقييد، ومراعاة موانع الاستعمال والأعذار الطبية، ومراجعة القرار كلما تغيرت المعطيات. فإذا انخفض الخطر، أو ظهرت أضرار مؤثرة، أو وُجد بديل كافٍ أقل تقييدًا، وجب أن يعاد النظر في الإلزام.
وهنا تظهر ثمرة التصور الصحيح: الفقيه لا يغير الحكم تبعًا لمزاج متقلب، وإنما يعيد النظر لأن الوصف المؤثر في النازلة قد تغير. فالتداوي الذي كان نفعه فرديًا قد يصبح، في ظرف مخصوص، وسيلة لرد ضرر متعدٍّ، وما كان للفرد أن يتركه في الأحوال العادية قد يتعلق في حال أخرى بحقوق غيره. فإذا زالت العلة أو تغيرت، تغير ما بُني عليها من حكم.
لماذا تخطئ الفتوى المتعجلة؟
لا تقف آثار الخطأ في النوازل الطبية عند خلل نظري. فقد تحمل الفتوى المتعجلة الناس على الاستهانة بخطر ثابت، أو تبث فيهم خوفًا لا يسنده العلم، أو تحول مسألة فنية قابلة للمراجعة إلى خصومة بين الإيمان والطب. ومن أخطر صور الخلل أن تُربط معلومة طبية متغيرة بحكم شرعي قطعي، فيتوهم الناس أن رجوع العلم عن تلك المعلومة رجوع عن الدين نفسه. وقد يقع العكس أيضًا، فتُعامل التوصية الطبية المؤقتة كأنها حقيقة نهائية لا تقبل النقد أو المراجعة. لهذا كان من أمانة الفتوى أن تميز بين الثابت والمتغير، وبين الحكم الشرعي وثبوت الأوصاف التي بُني عليها، وبين ما يقال للفرد وما يشرع للمجتمع. ومن الأمانة كذلك أن تصرح بدرجة المعرفة المتاحة: أهي حقيقة مستقرة، أم تقدير غالب، أم احتمال احترازي؟ هذا البيان لا يضعف الفتوى، بل يضعها في موضعها الصحيح، ويحفظها من ادعاء يقين لا تملكه.
وبين تقرير الطبيب واجتهاد الفقيه مساحة مشتركة لا يصح أن تبقى خالية. فيها تُفهم النازلة قبل أن تُكيَّف، وتُكيَّف قبل أن يُنزَّل حكمها، ويُراجع أثر الحكم بعد تنزيله. وبهذا المسار يحتفظ العلم بصدقه، والفقه بعمقه، والإنسان بحقه في أن تُصان نفسه من غير أن يتحول الخوف إلى ذريعة لتجاوز الحدود.
ذلك هو المدخل الأقوم إلى فقه الأوبئة: اجتهاد يبدأ بسؤال الواقع، ويهتدي بنصوص الشرع وقواعده ومقاصده، ثم يعود إلى الواقع ليتبين أثر الحكم حين يصير فعلًا في حياة الناس.
