قبل التعرف عى أسباب تميز مناسك الحج نعلم أن الحج هو الركن الخامس المفروض في السنة التاسعة الهجرية بنص القرآن الكريم: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] واللام في الآية للإيجاب، ثم خطب رسول الله الناس فقال:” أيها الناس، إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج فحجوا [1]

والحج شرعا: هو قصد بيت الله المحرم والمشاعر المقدسة لأداء المناسك في شهر ذي الحجة، وأكثر عدد أيامه ستة أيام، بدءا بيوم التروية اليوم الثامن من ذى الحجة إلى يوم الثالث عشر آخر أيام التشريق، وفي يوم التروية يدخل الحاج في نية الإحرام  متمتعا أو قارنا أو مفردا من مواقيت الحج المحددة، ثم يدخل مكة بطواف القدوم، ثم ينصرف إلى منى مستعيدا للعرفة، وفي اليوم التاسع يتوجه إلى عرفة للوقوف، ثم يفيض من عرفة بعد الغروب إلى المزدلفة للمبيت، وفي اليوم العاشر يتوجه إلى منى ليرمي جمرة العقبة الكبرى ويذبح الهدي ويحلق الشعر أو يقصر، ثم يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة والسعي، ثم يعود إلى منى لقضاء أيام التشريق يرمي فيها الجمرات الثلاثة، ثم يرجع إلى مكة لطواف الوداع لينتهى من جميع أعمال مناسك الحج.

وقد تميز مناسك الحج بمميزات فريدة بارزة عن سائر العبادات ومن أشهرها:

الحج أفضل الجهاد تمسكا بظاهر فتوى النبي عليه الصلاة والسلام فيمكن جزم القول بأن أفضل الجهاد هو الحج.

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور»[2]

الحج عبادة تكفر جميع الذنوب

تظاهرت نصوص الوحيين على أن الحج الخالص مكفر جميع الذنوب،وجاء في صحيح مسلم أنه لماجعل الله الإسلام في قلب عمرو بن العاصأتى النبي فقال: ابسط يمينك فلأبايعنك، فبسط يمينه، قال عمرو: فقضبت يدي، فقال عليه الصلاة والسلام: « ما لك يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط،فقال عليه الصلاة والسلام: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي. فقال عليه الصلاة والسلام:” أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله … وأن الحج يهدم ما كان قبله“[3]

وإذا كان الحج يهدم الكفر وما دونه من الذنوب من باب الأولى، ومما يعضد هذا أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه»[4]وكذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم « الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة »[5] وهذه الأحاديث في مطلق الصراحة على دلالة تكفير الحج للآثام بل دل على ذلك ظاهر آية الحج القائلة:{فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى }[البقرة:203] وعن ابن مسعود قوله:” فلا إثم عليه”، قال: خرج من الإثم كله” ومن تأخر فلا إثم عليه”، قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصَّدَر عن الحج.[6]

ولكن هذا التكفير خاص في حق من كان حجه مبروراً، أي لمن حج وأحسن مناسكه مخلصا لوجه الله تعالى ومجتهدا في اتباع سنة رسوله وهديه على التمام، ولم يقترن بحجه ما ينافي اقتضاء نيل ثواب الحج، ومن حاله هذه فإنه يرجى له أن يكون حجه منقيا وغفرانا لجميع الآثام السالفة، كما أنّ الإسلام يهدم ركام كل خطايا الكفر، فيرجع من الحج صافيا من الخطايا والذنوب كيوم ولدته أمه كما قال عليه الصلاة والسلام.

العبادة الوحيدة التى تصح من الطفل

وهذا واضح وصريح من بعض فتاوى النيى عليه الصلاة والسلام في الحج لما:” رفعت امرأة صبيا لها. فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»[7]

والصَّبِىُّ يطلق على الطفل منذ ولادته إلى أن يُفْطَم[8] .

وقال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث من الفقه الحج بالصبيان، وأجازه جماعة العلماء: بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحج بهم، وقولهم مهجور عند العلماء، لأن النبي صبى الله عليه وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب، وقال في الصبي: “له حج وللذي يحجه أجر. وحج أبو بكر رضي الله عنه بابن الزبير رضي الله عنهما في خرقة… وحج السلف قديما وحديثا بالصبيان والأطفال يعرضونهم لرحمة الله تعالى[9]

والصبي كالكبير في جميع أعمال الحج ومحظوراته لا فرق، ولكن ما لم يمكن مباشرته بنفسه من المناسك فإنه يناب عنه، ولذا كان ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما يجردان الصبيان في الحج، ويطوفان بهم بين الصفا والمروة[10].

وروي عن جابر رضي الله عنه قوله:” حججنا مع رسول الله ، ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم”[11]

قال البغوي: “إن كان الصبي يعقل عقل مثله يحرم بنفسه، وإن كان لا يعقل عقل مثله يحرم عنه وليه، ويجرد، ويمنع الطيب، وما يمنع منه الكبير.[12]

العبادة الوحيدة التى لابد من إتماتمها بعد الشروع فيها

أجمع أهل العلم على وجوب إتمام الحج بعد الشروع فيه فرضا كان أو نفلا، لقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وقال ابن زيد والشعبي في تفسيرها:” إتمامهما أن لا تفسخ وأن تتمهما إذا بدأت بهما”[13]

وقال ابن كثير: “أمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: (فإن أحصرتم) أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما. ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء[14]

وقال ابن عباس:”من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل[15]

قال الشيخ ابن عثيمين: مسألة: هل جميع العبادات تبطل بالعزم على القطع؟

الجواب: نعم، إلا الحج والعمرة، فإن الحج والعمرة لا يبطلان بإبطالهما؛ حتى لو صرح بذلك وقال: إني قطعت نسكي، فإنه لا ينقطع ولو كان نفلا، بل يلزم المضي فيه ويقع صحيحا، وهذا من خصائص الحج والعمرة أنهما لا يبطلان بقطع النية؛ لقول الله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196][16]

ووجوب إتمام الحج بعد الشروع فيه من تعظيم حرمات الله تعالى، { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

العبادة الوحيدة التى لا تصح إلا في أماكن المناسك

المشاعر المقدسة “منى، وعرفة، ومزدلفة” وبيت الله الحرام هي الأماكن الوحيدة على وجه الأرض التى أٌمر الناس أن يشدوا إليها الرحال وأن تهفو القلوب نحوها من كافة بقاع الأرض لأداء الحج حتى قيام الساعة، وفي سبيلها أن يبذل النفس والمال والجهد والغربة عن الأهل والأموال والأوطان، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27 – 28] ويتوجهون إلى مكة وأراضها المقدسة بالعناء والمشاق حبا غبرا شعثا.

وجاء عن أمير المؤمنون عمر بن الخطاب أنه خرج يوما على طريق مكة وهو يحدث نفسه:” يشعثون ويغبرون ويتفلون ويضجون لا يريدون بذلك شيئا من عرض الدنيا ما نعلم سفرا خيرا من هذا” يعني الحج.[17]

وعن أبي الشعثاء جابر بن زيد قال: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن. فرأيت الحج أفضل من ذلك كله.”[18] وهذا العناء والتعب لأجل النسك من خصائص مكة وأماكنها المقدسة.

وأما شد الرحال إلى غير مكة مكرمة لأداء مناسك الحج فإنه من الأمور المحرمة قطعا، ولذا اشتد نكير المسلمين شرقا وغربا لمحاكاة الكعبة والمناسك في بعض البلدان وصاحوا بأهلها من جهات شتى، أفرادا وجماعات، وبالغوا في الإنكار لما فيه من الاستفزاز والاعتداء على الثوابت الدينية وهدمها في النفوس، بل منعت المجامع الفقهية والهيئات الدينية الرسمية والمؤسسات الإفتائية في قرارتهم صنع مجسم للكعبة لتعليم الطواف وحذروا أشد التحذير من فتنة انتهاك قداسة المشاعر الدينية.

والمقصود أنه تصح الصلاة في كل مكان طاهر ويصح الصيام في أي مكان، وهكذا سائر العبادات إلا الحج فإنه لن يقبل إلا في أراض مكة المقدسة وفي أيامه المعلومة.  

العبادة الوحيدة التى تجب مرة واحدة في العمر

بإجماع أهل القبلة قاطبة أن الصلاة واجبة خمس مرات كل يوم، وأن الزكاة واجبة في كل سنة وصوم رمضان كذلك، وأن الحج لا يجب إلا مرة في العمر لحديث أبي هريرة:” خطبنا رسول الله فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكلَّ عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه”[19]

وهذا الحديث بمنطوقه ومفهومه دليل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة في عمر المكلف المؤمن المستطيع، لأن العبادة لا تخلو من كونها عبادة بدنية كالصلاة والصيام أو عبادة مالية كالزكاة أو عبادة بدنية مالية كما هي الحال في الحج، من حيث جمع بين مشقة الرحلة وتأدية المناسك ونفقات التى قد لا تقدر قدرها في بعض الأحايين، ولذا لم يوجب الشرع الحج في كل السنة تخفيفا على العباد، ولكن لا بأس لمن يريد التطوع.

العبادة الوحيدة التى تمثل أعظم مؤتمر المسلمين

شرع الله تعالى صلاة الجماعة لاجتماع المسلمين خمس مرات كل يوم حيث يتعارف الجيران بعضهم على بعض، فيتعاونون فى أمور الدين والدنيا من حسن العشْرة والبر والتقوى مما يقوى رابطة الأخوة وتعظيم الشعيرة، وكذا شرع الله تعالى صلاة الجمعة كل أسبوع تقام في مسجد الحي بحضور عدد أكبر من عدد صلاة الجماعة على غرار الحكم السابقة، وهكذا الأمر في إقامة صلاة العيد كل سنة بين أهل البلد الواحد لمقصد الوحدة والمودة والقوة وتعظيم الشعيرة.

ولكن الله تعالى جعل الحج أعظم مؤتمر يعقد كل عام في أيام معلومات من أشهر الحج، مؤتمر عالمي قائم على مبدأ عقدى واحد، يفد إليه الناس من بقاع شتى ومن كل حدب وصوب رجالا وركبانا بمختلف الألوان والألسنة والأعراف والأعراق والمشارب والطبقات ليؤدوا عبادة واحدة من طواف وسعي ومبيت ووقوف ورمي وذبح وحلق أو قصر، وإنه مؤتمر لم يكن له نظيرا في تاريخ البشر من لدن إبراهيم الخليل {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ – لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ }[الحج: 27 – 28]

ومن أهم ما يستفاد من هذا التجمع العظيم:

– أنه أكبر مظاهرة اجتماعية إنسانية منظمة تحت أديم السماء وفي جو طاعة خالق الخلائق سبحانه وتعالى.

– أنه أكبر التجمع الفريد لا يعرف الانقسامات والانتماءات بل جاء الجميع إلى صعيد واحد بلباس واحد من أجل الهدف المشترك،“لبَّيك اللهم لبيك!” وفى هذا دعوة واضحة لعامة المسلمين بالعودة إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة وفق ما

كان عليه الرعيل الأول الصالح.

– أنه أكبر التجمع تتجلى فيه  قوله تعالى{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وهؤلاء الحجيج أتوا من بلدان شتى، وعشائر وقبائل شتى من شعوب الدنيا لم يكن بينهم أرحام إلا رحم الأخوة الإسلامية، ولذا كان هذا المشهد أعظم فرصة التعارف والتآخى على مستوى كافة المجتمعات البشريةوالذى يسهم في تقوية رابطة التآلف والوحدة بين أبناء الأمة

– أنه أكبر التجمع الفريد يبزر فيه مبدأ المساواة المقرر في الإسلام بكل معانيها، والناس على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية – فقيرهم وغنيهم مالكهم ورئيسهم…دون تفريق بين جنس وجنس وكلهم- متساوون في اللباس والوقوف والطواف والرمي وغيرها من أعمال الحج، وقد عزز النبي عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ في خطبة حجة الوداع قائلًا: ((يا أيها الناس، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجمي، ولا عجميٍّ على عربيٍّ، ولا أحمرَ على أسودَ، ولا أسودَ على أحمرَ، إلا بالتقوى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ألا هل بَلَّغْتُ؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((فلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ))؛[20] وهكذا أذهب الله بالإسلام التعاظم والتفاخر بالأعراق والأنساب والمناقب وجعل معيار التفاضل الحقيقي بمدى التقوى والقرب من الله تعالى. 

– أنه فرصة لجلب منافع من أوجه شتى، كمنافع علمية وتربوية تحصل بين أهل العلم والطلاب والعوام، أو منافع اجتماعية وثقافية واقتصادية وغيرها، سواء على مستوى فردي أو مجتمعى أو دولي.

– أنه مجال لتذكير بالوقوف بين يدى الخالق سبحانه وتعالى في عرصات يوم القيامة، والحجاج جميعا في مكان واحد مجتمعين متجردين من الثياب المعتاد،  ومبتهلين متضرعين إلى الله تعالى ومعرضين عن الدنيا في زحام شديد الذى يصحبه الحر والعرق، وهذا يصور لنا بعض منظر يوم المحشر حيث ” يُحشر الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرلاً”[21] والخلق كلهم في مكان واحد «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم»[22] والمقارنة بين أحوال الحجاج وأحوال الناس في عرصات العرفة كثيرة.

العبادة الواجبة الوحيدة يتسع فيها تقلب النيات

تغيير النية في العبادات المفروضة بعد الشروع فيها مما يضيق نطاقها، ولا يصح تحويل العصر ظهرا مثلا، وكذا يمنع الانتقال من صيام رمضان إلى صيام النذر أو الكفارة بعد الشروع فيه، ولكن ذلك يصح في مناسك الحج بشكل أوسع، ومن أمثلته:

  • لو حج شخص عن غيره ولم يحج عن نفسه من قبل فإن الحج يحسب له تلقيا.

قال ابن قدامة رحمه الله :” ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، ردّ ما أخذ وكانت الحجة عن نفسه، وجملة ذلك: أنه ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام لما روى ابن عباس أن رسول الله سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة فقال رسول الله :” من شبرمة ؟ قال: قريب لي . قال: هل حججت قط؟ قال: لا  قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة.”[23]

  • وكذا يصح أن يحرم إنسان بما أحرم به غيره من أهل الخير والاقتداء لحديث علي في “الصحيحين”: أن النبي عليه الصلاة والسلام سَأل علياً: « بم أهللت؟ » قال: بإهلال كإهلال النبي وكذا فعل أبو موسى الأشعري أيضا.
  • ويصح مطلق نية النسك بقول: “لبيك اللهم لبيك” فيصرفه المحرم فيما بعد لما أراد من أنواع النسك قبل الشروع في الطواف، لفعل علي وأبى موسى رضي الله عنهما.

قال الحافظ:” وأما مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء؛ لكونه لم ينه عن ذلك”[24] أي لم ينه من فعل ذلك من الصحابة فدل على مشروعيته.

  • ومن ذلك انعقاد الولي نية النسك عن الصبي غير المميز عند الإحرام لما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: ” خرجنا مع رسول الله ، ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم”
  • وكذلك يصح تغيير النية في الأنساك، كأن ينتقل المحرم من التمتع إلى القران، أو من القران إلى التمتع، أو من الإفراد إلى التمتع وكله جائز عند أهل العلم لأدلة دلت على ذلك كما تراها في كتب السنة والفقه.

والشاهد أنه يتسع التصرف في نيات نسك الحج ما لا يتسع في غيره من سائر العبادات الواجبة.

العبادة الوحيدة التى يجب التجرد فيها  من الثياب

من خصائص نسك الحج: التجرد من الثياب المفصل المعتاد؛ ديانة وطاعة الله تعالى في هذا المنسك فحسب دون غيره من العبادات، ولعل من الحكمة في ذلك هو أن يعلم المحرم أنه يجب عليه أن يكون متجردا في عباداته لله تعالى ومخلصا في عمله، ومتجردا من اتباع هوى النفس، ومتذكرا بحال قدومه في هذه الحياة وعند فراقه.

يقول الشيخ ابن العثيمين “الحكمة من التجرد من أجل أن يكمل ذل الإنسان لربه عز وجل ظاهراً وباطناً، لأن كون الإنسان في رداء وإزار ذل، تجد أغنى الناس الذي يستطيع أن يلبس أفخر اللباس تجده مثل أفقر الناس لكمال الذل، وأيضاً: من أجل إظهار الوحدة بين المسلمين وأنهم أمة واحدة حتى في اللباس، ولهذا يطوفون على بناء واحد، ويقفون في مكان واحد، ويبيتون في مكان واحد، ويرمون في موضع واحد .
الفائدة الثالثة: أن الإنسان يتذكر أنه إذا خرج من الدنيا فلن يخرج إلا بمثل هذا، لن يخرج بفاخر اللباس وإنما سيخرج في كفن، والله المستعان”[25]

وخلاصة الباب، أنه قد أبانت الأدلة الشرعية على للحج فضائل وخيرات كثيرة أعدها الله تعالى لمن حج حجة مبرورة، فينبغى للحاج الحرص على اغتنام الفرص وعدم اهمالها.


[1] رواه مسلم (1337)

[2] رواه البخاري (1520)

[3] رواه مسلم (121)

[4] المصدر السابق (1350)

[5] متفق عليه

[6] جامع البيان في تأويل القرآن 4/219

[7]  رواه البخاري (1336)

[8] مقاييس اللغة (ص ب ا)

[9] الاستذكار 4/ 398

[10] رواه ابن أبي شيبة (2757)

[11] رواه ابن ماجه (3038) وضعفه الألباني

[12] شرح السنة 7/ 23

[13] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/265

[14] تفسير ابن كثير 1/530

[15] جامع البيان في تأويل القرآن 3/7

[16] الشرح الممتع 2/ 298

[17] كنز العمال (12388)

[18] صفة الصفوة 2/140

[19] رواه مسلم  1337

[20] رواه أحمد (23536)

[21] متفق عليه

[22] رواه البخاري (6532)

[23] المغني 3 /102

[24] فتح البارى 3/416

[25]  مجموع فتاوى ابن عثيمين 22/ 13