فقدت الساحة الفكرية والأكاديمية، السودانية والعربية والإسلامية، علماً من أعلامها البارزين، بوفاة المفكر والأكاديمي البروفيسور التجاني عبد القادر حامد، الذي رحل عن عالمنا في العاصمة القطرية الدوحة في منتصف سبتمبر من عام 2026، عن عمر ناهز الثمانين عاماً. لم يكن البروفيسور التجاني مجرد أستاذ جامعي تقليدي، بل كان عقلاً حراً انشغل بأسئلة الدين، والدولة، والمجتمع، واختار محراب الفكر والبحث العلمي على إغراءات السلطة وبريق المناصب. لقد ترك غيابه حزناً عميقاً في نفوس محبيه وتلاميذه، وخلف وراءه إرثاً يضيء طريق الباحثين عن الحقيقة والعدالة.
كان البروفيسور التجاني من أصحاب المشاريع الفكرية التي لا تقف عند حدود التخصص الضيق؛ فقد جمع في تكوينه وكتاباته بين الفلسفة والعلوم السياسية والفكر الإسلامي والدراسات القرآنية والاجتماع السياسي، وظلت أسئلة الدولة والمجتمع والإصلاح والسلطة والعدل والفقر والتحولات السياسية حاضرة في جانب كبير من إنتاجه العلمي. واستفدت من علمه وفكره وكان من الشخصيات التي أثرت بي في مسيرتي الأكاديمية في السودان.
النشأة والتكوين الأكاديمي
ولد البروفيسور التجاني عبد القادر حامد عام 1951م في منطقة أم دم بشمال كردفان في السودان، ونشأ في بيئة سودانية أصيلة، ثم التحق بجامعة الخرطوم ودرس في كلية الآداب، قسم الفلسفة، وتخرج فيها بمرتبة الشرف.
وواصل دراساته العليا في جامعة الخرطوم، فنال درجة الماجستير في فلسفة السياسة عام 1984م، وكانت دراسته في تلك المرحلة مرتبطة بموضوع أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، وهو المجال الذي ظل يشغل جانباً مهماً من مشروعه الفكري بعد ذلك.
ثم انتقل إلى بريطانيا، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن عام 1989م، فاجتمع له تكوين فلسفي وسياسي مع عناية عميقة بالقرآن الكريم والفكر الإسلامي، وانعكس ذلك على أبحاثه وكتبه التي حاول فيها أن يعيد قراءة قضايا السياسة والمجتمع والإصلاح من منظور يستفيد من الوحي والتراث والخبرة الإنسانية المعاصرة.
مسيرة مهنية عابرة للقارات
بدأ حياته العملية أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة الخرطوم، وتعاون مع جامعات سودانية أخرى كجامعة الجزيرة وجامعة أم درمان الإسلامية. ولكن مع التحولات السياسية في السودان خلال تسعينيات القرن الماضي، وضيق مساحات الفكر الحر، اختار الهجرة ليفتح آفاقاً أرحب لعطائه الأكاديمي.
تنقل البروفيسور التجاني بين عدة دول؛ فعمل في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وجامعة زايد بالإمارات، ليستقر به المقام في سنواته الأخيرة بدولة قطر. وفي جامعة قطر، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث وجد بيئة خصبة للبحث والتأليف والتأمل.
كما تولى رئاسة تحرير مجلة “تجسير” العلمية المحكمة التي يصدرها مركز ابن خلدون ودار نشر جامعة قطر، وكان حاضراً في مشروعها القائم على تشجيع الدراسات البينية، ومد الجسور بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومحاولة تجاوز العزلة بين التخصصات، وهي فكرة تنسجم مع طبيعة تكوينه العلمي ومساره الفكري الذي لم يكن أسير حقل معرفي واحد.
حظي القرآن الكريم بمكانة أساسية في المشروع الفكري للبروفيسور التجاني، فلم يتعامل معه باعتباره مجالاً للوعظ المجرد، وإنما حاول استكشاف ما يتضمنه من أصول ومفاهيم كبرى تتصل بالإنسان والمجتمع والسلطة والإصلاح والعمران.
مؤلفاته في الفكر السياسي والقرآني.. قراءة متجددة للتراث
على صعيد الفكر السياسي، قدم البروفيسور التيجاني قراءات عميقة ومجددة للنصوص التأسيسية. يُعد كتابه “أصول الفكر السياسي في القرآن المكي” من أهم ما كُتب في هذا المجال، حيث فصل فيه بين المنهج المكي في بناء الوعي وتأسيس الدولة، والمنهج المدني في التطبيق. كما تناول قضايا الإصلاح، والديمقراطية، والفقر، من منظور إسلامي نقدي، رافضاً الاستيراد الحرفي للنماذج الغربية.
ترك البروفيسور التجاني عبد القادر تجربة امتدت أكثر من أربعة عقود، تنقل فيها بين التعليم والبحث والتأليف، وبين الجامعات ومراكز الدراسات والمجلات العلمية، وظل باحثاً عن الصلة بين القرآن والواقع، وبين الفكر والسياسة، وبين المعرفة ومشكلات المجتمع
ومن أبرز أعماله:
- مشكلة الفقر: مقدمات في أصول الاقتصاد السياسي في الإسلام.
- أصول الفكر السياسي في القرآن المكي.
- الإصلاح في القرآن: استكشاف المفهوم وبناء النظرية.
- مقدمة في فلسفة السياسة.
- إشكالية القرآن المكي في دراسات المستشرقين.
- المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي.
- عدد من الدراسات في العلوم الاجتماعية والمنهج والتجسير المعرفي وقضايا المجتمع والأسرة والدولة.
الخُلُق والمُعلِّم.. زهدُ العُلماء وصفاءُ المعدن
ما يميز التيجاني ليس فقط علمه، بل “هيئته” وأخلاقه. وكما وثق تلاميذه وزملاؤه (كالدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك، والدكتور أبوبكر محمد أحمد، والدكتور نايف بن نهار):
- الزهد في السلطة: حين عُرضت عليه المناصب السياسية والإدارية العليا، اختار محراب الفكر؛ إذ أدرك أن العقل الذي خُلق للسؤال لا ينبغي أن يتحول إلى أداة في يد تنظيم أو سلطة.
- الوفاء والامتنان: حتى في لحظات انتهاء عقده مع جامعة قطر، لم ينسَ الفضل، بل رد الجميل بقوله: “ناس الجامعة ما قصّروا”، في موقف يعكس نبل معدنه.
- الأب والمربي: لم يكن التعليم عنده مهنة تنتهي بانتهاء المحاضرة، بل كان “صحبة فكرية”. كان يفتح أمام طلابه أبواب الأسئلة المغلقة، ويضيق دوائر اليقين السهل، ويعاملهم بروح الأب والأخ الأكبر.
خاتمة
رحل البروفيسور التيجاني عبد القادر حامد، لكنه ترك خلفه أكثر من ستين كتاباً وبحثاً، ومؤسسات مالية إسلامية تسير على منهجه، وتلاميذ في شتى بقاع الأرض يحملون مشعله. لقد أثبت أن العالم الصادق لا تحدّه الجغرافيا، فالدوحة التي احتضنته أصبحت جزءاً من سيرته، والسودان الذي أحبه سيبقى حاضراً في كل سطر كتبه.
شُيع جثمان البروفيسور التجاني عبد القادر حامد في موكب مهيب إلى مثواه الأخير بمقابر مسيمير في العاصمة القطرية الدوحة. وقد نعاه رئيس جامعة قطر، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولفيف من المفكرين والسياسيين وتلاميذه الذين عرفوه أباً ومعلماً، متواضعاً لا يصانع في الحق، ولا يبتغي بعلمه عرضاً من الدنيا.
“إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، رحم الله البروفيسور التجاني، فقد غاب جسده، لكن أسئلته وأفكاره ستبقى حية تنير طريق الأجيال القادمة. رحم الله هذا المفكر العالم، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علمٍ وصلاحٍ في ميزان حسناته.