لفت حيوان اليربوع انتباه العرب لما تبديه غريزته في استشعار الخطر؛ حيث يعمد إلى حفر مخرج ثان لجحره مع ترك طبقة رقيقة من التراب، حتى إذا داهمه الخطر دفع التراب برأسه وخرج. فسمّت العرب المخرج الأول (قاصعاء)، والثاني (نافقاء)، لأن ظاهره التراب، وباطنه حفرة عميقة قد تصل إلى مترين.
لكن بعد هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى يثرب، برز انحراف عقدي وسلوكي خطير، لم يألفه المسلمون من قبل، ويكاد يقارب في دلالته ما يفعله اليربوع بغريزته. فقد تشكلت طائفة من الذين أظهروا الإسلام بألسنتهم، لكن قلوبهم وأفعالهم تشي بالكفر والعناد، والسعي للنيل من الجماعة المسلمة.
وبدا الموقف خطيراً بحيث نزل الوحي مراراً ليحذر من مكائدهم، ويفضح أعمالهم، ويُبقي المسلمين في حال من اليقظة والانتباه إزاء تبريراتهم، وذرائعهم التي يتخذونها (نافقاء) للإفلات من المسؤولية. وسماهم الله تعالى “منافقين”، ووصف أفعالهم بالنفاق والكفر، كما توعدهم بأشد العذاب يوم القيامة.
وكما أن الإيمان شُعب، فإن النفاق أيضاً شُعب، وهي مجمل الخصال والصفات الذاتية، والتصرفات السلوكية التي جمعها القرآن الكريم والحديث الشريف تحت مسمى النفاق. وبما أنها الينبوع الذي تتفجر منه الشرور والمآسي، فمن واجب المسلم أن يعرفها ليتجنبها، وأن يرصد مظاهرها في المجتمع ليُحذر من خطرها ومضارّها، وشبهاتها التي تفتن ضعاف القلوب.
البناء النفسي والانفصام الداخلي للمنافق
يعيش المنافق كما جرى تعريفه، حالة انفصام بين انتسابه الظاهر للمجتمع المسلم، وبين موقف سلبي من الدين وتعاليمه. وهذه الحالة يتولد عنها كيانان يعاكس أحدهما الآخر، فيعاني المنافق عذاباً نفسياً مستمراً، وصفه القرآن الكريم بالمرض في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [سورة البقرة: 10]. غير أن المرض لا يفتك بصاحبه فحسب، وإنما يستشري إلى المجتمع، من خلال إصرار المنافق على نقل عدواه إلى الآخرين، وتدمير البنيان الاجتماعي والاقتصادي، وتهديد السلم العام.
وفي مساجلة بين المؤمنين والمنافقين يوم الحساب، يزعم هؤلاء أنهم كانوا في صف الإيمان، وبالتالي يحق لهم أن يقتبسوا من نوره ما يُنجيهم من العذاب، لذا يسألون في لؤم: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}، فيأتي الرد المفحم الذي يكشف بواطن الأمور: {بَلَىٰ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَترَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 13]. وهو الرد الذي حدد وصفاً بليغاً لأربع خصال لهم:
- أولها أنهم أظهروا خلاف ما يُبطنون.
- والثانية تربصهم بالمسلمين، وتورطهم في المؤامرات التي تستهدف وجودهم.
- والثالثة هي الريبة والشك في الدين، وفي الوعد الإلهي بالتمكين.
- أما الرابعة فهي الاغترار بالدنيا وسراب آمالها الخادعة.
تشكل هذه الخصال بنود ميثاق عمل الطابور الخامس في بلاد المسلمين، والشُعب الكبرى التي تتفرع عنها مظاهر وسلوكيات تنخر كيان المجتمع، وتهدد استقراره، وتُميت الروح المعنوية لأبنائه، لاسيما حين تداهمهم الأزمات والخطوب. لذا كان التشخيص الذي عرضته نصوص القرآن الكريم لشخصية المنافق وسلوكه، تأكيداً على خطورة هذه الفئة، وما ينجم عن النفاق من ضياع واضطراب وانهيار.
الشعبة الأولى: إظهار المنافق خلاف ما يُبطن
لم يكتفِ القرآن الكريم برصد سلوك المنافق، بل تغلغلت آياته في أعماق هذا الكائن لتصفها وصفاً دقيقاً، وتكشف سبب عجزه عن بلوغ الانسجام بين ما يعلن عنه، وبين ما تخفيه سريرته. فسمى ما يعتلج في قلب المنافق مرضاً، في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10]. والسر في ذلك أن أصل المرض هو الضعف، وكما يُضعف المرض البدن، فإن النفاق يُضعف الدين ويهز القيم، ويسبب معاناة شديدة نتيجة الخوف المستمر من انكشاف الحقيقة.
يثير المنافق استنكار مَن حوله حين يدعي مبادئ أخلاقية لا يطبقها عملياً، أو من خلال إدانته لسلوك أو موقف يمارسه سرا. وهذا الاستنكار والنفور مرده، بحسب دراسة نشرتها مجلة Psychological science، إلى التضليل المتعمد الذي يرتكبه المنافق عندما يرسل إشارة زائفة عن فضيلته الأخلاقية، وبالتالي يهز توقعاتنا الاجتماعية بوجود نوع من الاتساق بين القيم والسلوك، مما يفضي لاحقاً إلى تآكل واسع النطاق للثقة وللتماسك الاجتماعي بشكل عام.
وما يعتبره علم النفس إشارة زائفة يتوافق بشكل واضح مع التحذير النبوي الذي نص على آية المنافق، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين قال: قال رسول الله ﷺ: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف” (رواه البخاري ومسلم).
إن شعور الخداع الذي يولده المنافق يتحول إلى قناع اجتماعي، يُخفي التناقض بين الداخل الأصيل والواجهة الخارجية التي يسيطر عليها. وسرعان ما يفرض السياق الاجتماعي تكيفاً مع هذا التناقض، حين يصبح شرطاً للحفاظ على العلاقات الإنسانية، وتجنب الصراعات والانقسامات؛ بمعنى أن إدانة النفاق من منظور أخلاقي لا تمنع من تبني بعض أشكاله، إما لإرضاء الناس حين تكون الصراحة مؤلمة، أو بسبب الخوف العميق من الرفض والأحكام السلبية.
من منظور علم النفس فإن النفاق يتخذ ثلاثة أشكال رئيسية:
- النفاق اللاواعي: ويُقصد به عدم التوافق غير المقصود بين القيم والسلوكيات، بمعنى أن التناقض في هذه الحالة غير مسبوق بنية الخداع، ولا يراد به التسبب بالأذى. وبالتالي فإن مستوى الاستياء الاجتماعي يكون في الغالب منخفضا، لكون النفاق جزءاً جوهرياً من الطبيعة البشرية.
- نفاق الموقف: وهو سلوك المنافق نتيجة ظروف معينة، أو في وضعيات طرحت صعوبة لتطبيق المبادئ الأخلاقية. ويبرز هذا النوع بشكل واضح في المجال السياسي والمهني.
- نفاق التلاعب: وهو النفاق المتعمد الذي يسعى صاحبه لتحقيق مكاسب شخصية.
وتمكن خطورة هذه الشُعبة من النفاق في آليات الدفاع التي يُطورها المنافق للإيهام بنزاهته الأخلاقية، منها: طرح تفسيرات عقلانية لأفعاله، واللجوء إلى الإنكار رغم وجود أدلة، والتعاطف مع الذات من خلال الإقرار بالتناقض مع السعي إلى التحسن.
الشعبة الثانية: التربص بالمسلمين والتورط في المؤامرات والدسائس
حين يجيد المنافق أسلوب التلون، تصبح الانحرافات الخلقية عادة بل فطرة. فيُكسبه ذلك جرأة في ارتكاب الجرائم والمعاصي، وجرأة أعظم على تغطيتها بالإنكار وتزوير الدعاوى، والحلف الكاذب بأغلظ الأيمان. على هذا المنوال يمارس النفاق حفره العميق في أغوار النفس البشرية إلى أن تنطمس البصيرة، فلا يتفكر صاحبها في عواقب الأمور.
يلتقي خبث النفس مع المراوغة والتلون ليمنحا المنافق فرص الصعود على مسرح الأحداث، والنفاذ إلى الأجهزة والتنظيمات ودوائر التخطيط والتوجيه. وهو ما يتيح له صناعة النكبات والفتن الداخلية، وإرباك الصف المسلم في المنعطفات التي تتطلب التكاتف والعمل الوحدوي والمنظم.
واجه الرعيل الأول من المسلمين كفر قريش وعداءها بالصبر والتحمل، والرد في حدود ما نص عليه الوحي المنزل بمكة. غير أنها كانت مواجهة صريحة، حيث تُعرب قريش عن كفرها وإعراضها، ومناوءتها للرسول ﷺ وأصحابه، وتجاهر بعدواتها لمن آمن، وبدفاعها عن شركها وأوثانها وعاداتها الاجتماعية. لذا كان الخط واضحاً بين الفريقين، والمواجهة تتم في وضح النهار دون الحاجة لأقنعة.
غير أن الواقع الجديد الذي أفرزته هجرة المسلمين إلى يثرب، أنضج شروطَ مواجهة غير متكافئة في نظر جيوب الشرك المتبقية. وصار لزاما البحث عن أسلوب جديد لمقاومة الدعوة الإسلامية. ولولا أن القرآن فضح تلك الجيوب، وكشف للنبي ﷺ أهدافها ومكائدها، لكانت مقاومتها والتصدي لها أشرس من مواجهة العدو الصريح.
أظهرت معايشة المنافق للمسلم في يثرب ألوانا من الغلظة والإهانة والشماتة، والمسارعة إلى اللجج والخصومة، والتلبيس عليه وبث الفتنة والفُرقة. فكان الصحابة رضوان الله عليهم يلتمسون عند النبي ﷺ النصح والإرشاد، للتعامل مع هذا النمط السلوكي المقيت، والذي كان العربي حتى في جاهليته، يأنف منه، ويعدّه لؤماً يُدنس شرفه ومكانته في قومه.
عرض القرآن الكريم لألوان من دسائس المنافقين وأدوارهم الخبيثة على صعيد الحرب والسلم. وكشف التناقض بين أقوالهم وتصرفاتهم على مستوى العلاقات الاجتماعية، والحرص الشديد على إيقاد الفتنة والاضطراب. ولصد خطرهم على الدولة الناشئة، تكرر وجوب الحذر منهم في آيات عديدة، بل ورد النهي الحازم عن اتخاذهم بطانة تطلع على الأسرار والمخططات.
لكن بعد انقطاع الوحي بوفاة النبي ﷺ، سيُشهر النفاق ويلاته، ويسطر التاريخ صفحة أخرى من مآسيه ونكباته، وما كان يتم في الخفاء سيجاهر به المتربصون بهذا الدين وأهله. يروي ابن أبي شيبة عن حذيفة قوله: “المنافقون الذين فيكم اليوم شرّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، إن أولئك كانوا يُسرّون نفاقهم وإن هؤلاء أعلنوه”.
الشعبة الثالثة: الريبة والشك في الدين، وفي الوعد الإلهي بالتمكين
من أبلغ الأوصاف التي تعبّر عن الصراع الداخلي، والتوتر الذي يعيشه المنافق قوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَى هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَٰؤُلَاءِ} [النساء: 143]، وقول النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه ابن عمر: “مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيُّها تتّبع” (أخرجه مسلم وغيره).
يقف الدارس لشخصية المنافق في نصوص القرآن الكريم، مذهولاً أمام ضروب الآلام والمعاناة التي تتفجر بداخله، جراء التحير والتذبذب الذي يهيمن على تفكيره وسلوكه. إنها شخصية من المستحيل أن تنعم بالهدوء والاستقرار لعجزها عن الحسم، واتخاذ موقف واضح دون مراعاة لرضا الغير أو سخطه. وأمام هذا الوضع الشاذ يكون المنافق أسرع الناس إلى إظهار التخاذل والخوف، والهروب من المواجهة حتى وإن كان يتمتع بالصفات اللازمة.
يلقي علم النفس السريري مزيداً من الضوء على صفة التذبذب، حين يعتبرها نتيجة صراع داخلي بين من نحن حقا، وبين الصورة التي نعرضها. وهذا الصراع قد يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، وحتى الشعور بالاغتراب الذي يسبب نوعاً من الانفصال العاطفي.
بسبب العجز عن إظهار قناعاته، تتقلب نفس المنافق في جحيم داخلي حين يضطر للتظاهر بالإيمان، وهو المشهد الذي صوره الحق سبحانه تصويراً دقيقاً في قوله: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119]. أو حين يجد نفسه أمام اختبار التضحية، وبذل النفس والمال في سبيل قضية عادلة، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد: 20].
يؤسس التذبذب والريبة لمنظومة سلوكية، من أهم سماتها: غياب الصدق الداخلي الذي يكشف حقيقة الشعور، والتجرد من المسؤولية الأخلاقية، بالإضافة إلى تعزيز المظهرية الزائفة التي تصبح شيئاً فشيئاً بمثابة عدوى اجتماعية، تسهم في حالة التفكك القيمي.
الشعبة الرابعة: الاغترار بالدنيا وسراب آمالها الخادعة
لا يولد النفاق من فراغ، فهو متجذر في الطبيعة البشرية؛ بل يمكن القول بأنه وليد الغرائز في أوضاعها الضالة والشقية، ونابع من احتياجاتنا الأساسية المتعلقة بالأمان والانتماء. لكن النفس مطالبة بأن تستشرف كينونتها وإنسانيتها، عبر الدفاع عن أصالتها، والولاء للقيم والمبادئ التي تمنح الوجود الإنساني معناه وغايته.
بحسب التوصيف القرآني فإن هذه الطبيعة الجوفاء والمتنكرة لأصالتها، هي التي جعلت المنافق مقبلا على الغنيمة ومدبراً عن الجهاد، لا يريد من الإيمان سوى ثماره العاجلة في الدنيا، ويجعل حضوره في مسرح الأحداث اليومية رهيناً بالمكاسب التي يحصدها، بغض النظر عن الدواعي والأسباب.
حين يحمل المجتمع في داخله تناقضات بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، ينحرف الجهد الفردي عن مساره الصحيح. في هذه الحالة يصبح النفاق آليات دفاعية، تضفي الالتباس على المفاهيم القيمية الرائجة في واقعنا المجتمعي بكل مجالاته؛ حيث تتعرض مفاهيم من قبيل: النجاح، والطموح، والترقي الاجتماعي، والتنافسية، للمسخ والزيف عندما تتحرر من أية ضوابط أو معايير.
يدمر النفاق إنسانية الإنسان حين يحدد سقفا دنيويا لحركته في الوجود. هذه الحركة التي تصبح في خدمة الغرائز السفلى، من شهوة، وحب للمال والنفوذ والرئاسة، واندفاع مجنون للتملك والإقصاء. وفي زمننا الذي يشهد صعود وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي، يضيف النفاق سلوكاً جديداً حين يحفز الناس على تقديم صورة مثالية عن أنفسهم، ويوهمهم بأن شعور الرضا والسعادة رهين بالانخراط في سلوك منافق، وإلغاء الحيز الفاصل بين التفاعلات الحقيقية والزائفة.
إن شُعب النفاق هي في حقيقتها اليوم، ألغام يتم دسها في مفاصل المجتمع، وتفجيرها وفق مخطط مدروس. وهو ما نعاينه على سبيل المثال، من خلال دعوات لإطلاق الغرائز، وتفكيك القيم، وحصر التدين في مظاهره الشخصية، واستهداف أدوار المرأة والرجل، وغيرها من القضايا المثيرة لجدل مستمر. ويزداد الأمر خطورة بفعل تعقد الحياة المعاصرة، حيث يجد الإنسان نفسه أمام مواقف معقدة، تُلزمه بالتكيف مراعاة لمصلحته، أو حرصاً على مكانته، أو تفادياً للتهميش والحرمان، فينخرط بشكل غير واع في نفاق اجتماعي يهدد كيانه.
يصف ابن القيم رحمه الله النفاق بالنبتة الخبيثة التي تنبت على ساقيتين: ساقية الكذب وساقية الرياء. ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربعة استحكم نبات النفاق وبنيانه.