مقدمة: مئة عام على “نجم شمال إفريقيا” ومسألة الذاكرة

تستحق ذكرى مصالي الحاج ومنظمته “نجم شمال إفريقيا” أن تُستعاد اليوم، لا من باب الاستطراد التاريخي، بل لأنها تلامس همًّا راهنًا يشغلنا جميعًا: كيف نقرأ تاريخنا بإنصاف، وكيف نردّ إلى كل صاحب دور دوره كاملًا غير منقوص، وكيف ننقّي ذاكرتنا الجماعية مما علق بها من تزييف وتوظيف سياسي؟ فهذا العام يصادف الذكرى المئوية لتأسيس المنظمة في باريس سنة 1926، وهي مناسبة تتقاطع مع مسار آخر تشهده الجزائر هذه الأيام: ردّ اعتبار متأخر لمصالي الحاج ولغيره من رواد التجربة الاستقلالية، بعد عقود طويلة من التعتيم والتشويه، بل والتخوين.

غير أن ما يجعل هذه العودة ملحّة أكثر من مجرد إحياء لمناسبة أو تصحيح لموقف، هو أن سردية “الذاكرة الرسمية” لا تزال، حتى اليوم، تتغذى من مزيج متعمَّد من النسيان والخلط السياسي حول الأصول الحقيقية للحركة الاستقلالية الجزائرية (كما لغيرها بالطبع)، على الرغم من أن الوقائع والوثائق التي تكشف هذه الأصول متاحة وسهلة التحقق في أرشيف الصحافة الاستعمارية وصحف تلك الحقبة نفسها. ولسنا، نحن اللبنانيين، بعيدين عن هذا النمط من فقدان الذاكرة التاريخية؛ فقد عرفناه كما عرفته شعوب أخرى كثيرة، وما زلنا نعيش تبعاته. ويمكن ردّ هذا النسيان المتعمَّد إلى خمسة عوامل متداخلة:

1. الأسطرة والاختزال: حصر الذاكرة البطولية للثورة في محطة واحدة هي أول نوفمبر 1954، والاقتصار على تمجيد العمل المسلح وحده، مع تهميش عقود من النضال السياسي والدستوري الذي خاضه “نجم شمال إفريقيا” ثم “حزب الشعب الجزائري” (وغيرهما) منذ عشرينيات القرن الماضي.

2. التهرّب من الإقرار بالتعددية: التحرّج من الاعتراف بدور التنظيمات والكيانات الوطنية الأهلية التي سبقت الثورة، وبما جسّدته من جمعٍ نادر بين راديكالية النضال وممارسة التعددية السياسية الفعلية.

3. الخلط الأيديولـوجي وسردية النظام الحاكم: ميل الأطراف التي ورثت تيارات الحركة الوطنية إلى تعمية مواقف كل تيار الحقيقية من قضية الاستقلال، خدمة لشرعيتها الخاصة.

4. التلفيق التاريخي: طمس الدور الريادي للتيار الاستقلالي المنبثق من “نجم شمال إفريقيا” و”حزب الشعب” – ومعهما، رغم الاختلاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – وهو التيار الذي سبق غيره إلى فكرة الانفصال التام عن فرنسا، وإلى تصميم العلم الوطني، وإلى صياغة عقيدة التحرير التي توّجها استقلال الجزائر.

5. الصمت عن المأساة: التعتيم على المصير الدموي الذي آل إليه هذا التيار وزعيمه عشية الاستقلال وبعده، بفعل صراع على الزعامة ومبدأ “التمثيل الواحد” – وهي مأساة تتكرر، بصيغ مختلفة، في تجارب عربية أخرى، عنوانها الثابت: الحزب الواحد، والزعيم الأوحد، والسردية الواحدة، ناهيك عن الأسطرة والتقديس، ومعهما التكفير والتخوين.

وإذا كان “نجم شمال إفريقيا” (Étoile Nord-Africaine) قد وُلد داخل الحاضنة العمالية للحركة الشيوعية العالمية في مهجر باريس، فإن ما يُعرف بـ”منعطف 1936″ شكّل المحطة الأكثر حسمًا في تاريخه؛ إذ انتقل التنظيم بفكرته الراديكالية من باريس ليضرب جذوره في التـراب الجزائري، فتحوّل من حركة عمالية مهاجرة إلى نواة سياسية صلبة صاغت العقيدة الاستقلالية وقادت المسار الذي توّج بثورة نوفمبر 1954. وتقتضي قراءة هذا التحوّل الوقوف عند نشأة “النجم” وعلاقته الشائكة بالحزب الشيوعي الفرنسي، ثم عند الواقعة الرمزية الكبرى في ملعب بلكور (الاسم التاريخي لما يُعرف اليوم بـ”ملعب 20 أوت 1955″ في حي بلوزداد بالعاصمة) في آب/أغسطس 1936، وذلك عقب الالتقاء بالتيار العروبي الإسلامي الذي مثله شكيب أرسلان (1935)، وصولًا إلى تأسيس “حزب الشعب الجزائري” وتجذّره الشعبي، وانتهاءً بمآلات هذا التيار وزعيمه بعد اندلاع الثورة.

أولاً: مصالي الحاج – النشأة وتشكّل الوعي النضالي

لا يمكن فهم مسار “نجم شمال إفريقيا” و”حزب الشعب الجزائري” بمعزل عن سيرة زعيمهما أحمد مصالي الحاج، المعروف تاريخياً بلقب “أبو الحركة الوطنية”.

المولد والبيئة الأولى. وُلد مصالي الحاج في 16 أيار/مايو 1898 بمدينة تلمسان غرب الجزائر، وتوفي ودُفن في 3 حزيران/يونيو 1974. نشأ في أسرة متواضعة الحال: كان والده حرفياً إسكافياً منتسباً إلى الطريقة الصـوفية الدرقاوية، وكانت والدته من أسرة قضاء شرعي. تلقّى تعليمه الأول في زاوية الشيخ محمد بن يلس، ثم التحق بالمدرسة الأهلية الفرنسية، حيث بدأت عيناه تنفتحان مبكراً على الفوارق الطبقية والتفرقة العنصرية التي يمارسها النظام الاستعماري، وعلى محاولاته الممنهجة لطمس تاريخ الجزائريين وجغرافيا وطنهم لصالح رواية تمجّد “فرنسا المنتصرة.

الخدمة العسكرية والهجرة إلى باريس. استُدعي مصالي عام 1918 لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي، ونُقل إلى بوردو، فكانت هذه تجربته الأولى مع التناقض الصارخ بين شعارات الحرية والإخاء والمساواة التي ترفعها فرنسا في الداخل، وبين ما تمارسه من استبداد وقمع وفقر في مستعمراتها. بعد تسريحه وعودته المؤقتة إلى الجزائر، هاجر مجدداً واستقر في باريس عام 1923، حيث انخرط سريعاً في أوساط العمال المهاجرين ودخل في تماس مع اليسار المناهض للإمبريالية. وفي تلك الفترة تعرّف إلى الناشطة الفرنسية إميلي بوسكان (Émilie Busquant) وتزوجها، فكانت رفيقة دربه ونضاله وسنداً في تأمين اتصالاته.

ثانياً: نجم شمال إفريقيا (1926-1937) من الهجرة إلى العالمية

1. مخاض التأسيس والدور الشيوعي (1924-1926)

بعد الحرب العالمية الأولى، تضخّمت الجالية الجزائرية والمغاربية في باريس إلى نحو 15 ألف شخص (8 آلاف داخل العاصمة و7 آلاف في ضواحيها الصناعية)، وكانت تفتقر إلى إطار ينظّم حقوقها، فنشأت في البداية جمعية إغاثية تعاونية دينية باسم “جمعية الإخوة الإسلامية”.

تختلف الروايات حول لحظة التحول إلى تنظيم سياسي: يذكر المناضل الشيوعي عبد القادر حاج علي أن الولادة الفعلية كانت عام 1924، حين اجتمع 49 مناضلاً مغاربياً في مقر جمعية “العائلة الجديدة” بشارع بريتان في باريس – لكن هذه الشهادة، التي أدلى بها بعد ربع قرن، لا يؤكدها أثر معاصر في الصحافة الشيوعية لعام 1924. وتشير أغلب الدراسات والوثائق الأرشيفية إلى أن التأسيس الرسمي جرى في النصف الأول من عام 1926، وفي المقر نفسه: فقد أنشأت النواة العمالية المغاربية داخل “الاتحاد بين-الكولونيالي” (Union intercoloniale) قسماً شمال إفريقياً في مطلع شباط/فبراير 1926، تحوّل رسمياً في 2 آذار/مارس من العام نفسه إلى منظمة مستقلة باسم “نجم شمال إفريقيا”، عقدت جمعيتها العامة التأسيسية في 20 حزيران/يونيو 1926.

وممّا لا شك فيه أن المبادرة انطلقت من دوائر الحزب الشيوعي الفرنسي، وتحديداً من “القسم شمال الإفريقي” التابع للجنته الاستعمارية، وبمبادرة من عبد القادر حاج علي، بمعاونة محمد معزوف وأحمد بغلول ومحمد سعيد سي الجيلالي، والشاب أحمد مصالي الحاج الذي كان قد انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي في خريف 1925 – وهي “الأبوة الشيوعية” التي لم ينكرها مصالي نفسه في مذكراته.

2. البرنامج الراديكالي في بروكسل (1927)

سعت المنظمة في بداياتها إلى إعطاء نفسها طابعاً مغاربياً عاماً، فارتبط اسمها بالرئاسة الشرفية للأمير خالد (حفيد الأمير عبد القادر الجزائري) المنفي في فرنسا والمحظوظ بشعبية واسعة، وانضمت إليها عناصر تونسية كالشاذلي خير الله، عضو حزب الدستور التونسي، الذي طردته الشرطة الفرنسية في كانون الأول/ديسمبر 1927.

وكان أول ظهور علني لافت للمنظمة في اجتماع بلفيل (26 حزيران/يونيو 1926)، حين ألقى مصالي الحاج – بتوجيه من حاج علي الذي فضّل البقاء خلف الكواليس لشهرته كإطار شيوعي – الخطاب الرئيسي. تلته تجمعات أخرى، منها لقاء “الغرانج-أو-بيل” الذي هاجم فيه مصالي تدشين مسجد باريس بوصفه “استعراضاً كولونيالياً”، ولقاء “قاعة المهندسين المدنيين” في تشرين الأول/أكتوبر، حيث رُفع علناً شعار “حتى الاستقلال”.

وجاء المنعطف الأبرز في شباط/فبراير 1927، حين سافر مصالي وحاج علي إلى بروكسل للمشاركة في “مؤتمر الرابطة العالمية لمناهضة الاضطهاد الاستعماري والإمبريالية”، الذي أدارته الأممية الشيوعية (Komintern) تحت غطاء تعددي. هناك ألقى مصالي خطاباً صدم الأوساط الفرنسية بجرأته وراديكاليته، وتضمّن برنامجاً سياسياً واقتصادياً متكاملاً يطالب بـ:

  • الاستقلال التام للجزائر وسحب قوات الاحتلال الفرنسية؛
  • تشكيل جيش وطني وحكومة وطنية ديمقراطية؛
  • إلغاء “قانون الأهالي” (Code de l’indigénat) والمحاكم الاستثنائية فوراً؛
  • إنشاء برلمان جزائري منتخب بالاقتراع العام بدل “الوفود المالية” ذات التمثيل الصوري؛
  • مصادرة الأراضي التي استحوذ عليها الإقطاعيون والشركات الكولونيالية والمستوطنون، وإعادتها إلى الفلاحين الذين جُرّدوا منها، مع احترام الملكيات الصغيرة والمتوسطة؛
  • استعادة الدولة الجزائرية للأراضي والغابات والمرافق التي أمّمتها الإدارة الفرنسية؛
  • إقرار حرية الصحافة والتجمّع وتأسيس الجمعيات، والمساواة السياسية والنقابية مع المعمّرين الفرنسيين؛
  • تعميم التعليم بجميع مراحله، مع فتح مدارس لتعليم اللغة العربية؛
  • تطبيق القوانين الاجتماعية والعمالية، وتوسيع القروض الزراعية لصغار الفلاحين.

ورغم الطابع المغاربي لاسم المنظمة، ركّز مصالي مطالبه على القضية الجزائرية أساساً؛ وسمّت المنظمة جريدتها الرسمية باسم “الإقدام شمال الإفريقي” (L’Ikdam nord-africain)، وهو الاسم الذي ورثته عن جريدة “الإقدام” الأقدم التي كان قد أسّسها الأمير خالد (حفيد الأمير عبد القادر) في الجزائر العاصمة عام 1919 ضمن حركة “الشباب الجزائري”؛ فلما تأسس “النجم”، تبنّى هذا العنوان وحوّله إلى لسان حاله بصيغة ثنائية اللغة، فرنسية وعربية، طوال عامي 1926 و1927، قبل أن تحظرها السلطات الفرنسية بقرار وزاري في شباط/فبراير 1927، فاحتجّت “نجم شمال إفريقيا” على القرار في بيان نشرته صحيفة “الإنسانية” الشيوعية.  وفي عدد تشرين الأول/أكتوبر 1927، كتب الشاذلي خير الله في الجريدة نفسها مقالاً يدعو إلى تنسيق نضالات تونس والمغرب والجزائر، معتبراً أن استقلال أي قطر مغاربي مرهون بنضال القطرين الآخرين، غير أن الواقع الميداني أبقى “النجم” حركة جزائرية بالتركيبة والامتداد طوال مسيرته.

3. الانفكاك عن الحزب الشيوعي وبقاء التقارب مع اليسار (1927-1935)

نجح “النجم” في استقطاب الجالية الجزائرية، فبلغ عدد أعضائه النشطين في الثلاثينيات نحو أربعة آلاف، وبرزت كاريزما مصالي كقائد جماهيري، فشعرت قيادة التنظيم بضرورة التحرر من التبعية المطلقة للحزب الشيوعي الفرنسي. وبحلول خريف 1927، أوقف الحزب تفرّغ مصالي المالي، في انفكاك بدا مصلحة متبادلة: فالشيوعيون لم يطيقوا “رفيق طريق” يرفض الانصياع الكامل للقيادة المركزية، ومصالي كان يطمح إلى الانفتاح على قوى يسارية فرنسية أخرى وإلى تجذّره في محيطه العربي الإسلامي. فتواصل مع قيادات في “الفرع الفرنسي للأممية العمالية” (SFIO) وشخصيات مثل دانييل غيران وروبير لونغيه. ومع ذلك بقيت العلاقة الميدانية بين مناضلي “النجم” والشيوعيين والاشتراكيين وثيقة في مواجهة القمع الحكومي: فحين حظرت السلطات اجتماعاً للنجم في 25 حزيران/يونيو 1934 وحلّت المنظمة واعتقلت مصالي ورفاقه، تطوّع محامون اشتراكيون وديمقراطيون – منهم روبير وجان لونغيه، وإدوار ديبرو، وأنطوان حاجي – للدفاع عنهم في محاكمات أفضت إلى إسقاط التهم. ومع تصاعد الخطر الفاشي في أوروبا، انخرط “النجم” في المعسكر المناهض للفاشية، فدعا إلى المشاركة في إضراب 12 شباط/فبراير 1934 العام، ووقّع في 19 آب/أغسطس 1935 “ميثاق وحدة العمل” مع الحزب الشيوعي و”النجدة الحمراء” والرابطة المناهضة للإمبريالية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1935، شهدت قاعة “الموتواليتيه” تجمعاً تضامنياً حاشداً ضد قرار حلّ “النجم”، اعتلى منصته عمار إيماش وإميلي بوسكان (نائبة عن زوجها المسجون) إلى جانب قياديين اشتراكيين وشيوعيين؛ ووصفت صحيفة “الإنسانية” الشيوعية قادة “النجم” بـ”الرفاق”، بل إن القيادي الشيوعي أندريه فيرات دافع عنه علناً في المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الفرنسي (كانون الثاني/يناير 1936).

4. شكيب أرسلان والمنعطف العروبي الإسلامي

مثّل لقاء مصالي الحاج بالأمير شكيب أرسلان في المؤتمر الإسلامي الأوروبي بجنيف (12 أيلول/سبتمبر 1935) نقطة تحوّل محورية في مسار الحركة الوطنية الجزائرية؛ فقد جمع اللقاء بين زعيمين ناهضا الاستعمار الفرنسي من موقعين مختلفين – أرسلان باسم الأمة العربية والتضامن الإسلامي، ومصالي باسم الفكر التحرري ذي الجذور اليسارية – وأحدث تأثيراً واضحاً في توجهات مصالي، إذ فتحه على البعد العربي والإسلامي الذي كان غائباً عن أدبيات “النجم”. فبعد هذا اللقاء اقترب مصالي من التيارات المغاربية ذات الطرح الوحدوي الإسلامي، وابتعد عن الحزب الشيوعي وأفكاره اليسارية الثورية، وانفتح على “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” التي شاركها الارتكاز على الدين واللغة والهوية كأداة لتعبئة الجماهير ومناهضة الاستعمار. وهكذا صار شكيب أرسلان المرجعية الفكرية التي ربطت القضية الجزائرية بالفضاء العربي الإسلامي الأوسع، فاستفاد مصالي من توجيهه ليعيد صياغة مشروعه السياسي على أساس يجمع الهوية العربية الإسلامية بالمطلب الاستقلالي.

ثالثاً: منعرج 1936 وصدمة ملعب بلكور

شهدت فرنسا في ربيع 1936 تحولاً سياسياً كبيراً بفوز تحالف “الجبهة الشعبية” (راديكاليون واشتراكيون وشيوعيون) في انتخابات أيار/مايو التشريعية، فأصدرت حكومة ليون بلوم عفواً سياسياً أنهى نفي مصالي في جنيف وأسقط الملاحقات القضائية عنه. ونزل قادة “النجم” إلى الشارع؛ ففي مسيرة 14 تموز/يوليو 1935 بباريس، شكّلوا كتلة مستقلة رفعت لأول مرة علماً وطنياً خاصاً (الأخضر والأبيض بهلال ونجمة حمراء – وهو ما سيصبح لاحقاً علم الجزائر المستقلة)، وكرروا التجربة في 14 تموز/يوليو 1936 رافعين شعار: “حرروا إفريقيا الشمالية، حرروا سوريا، حرروا العالم العربي”.

في هذا الجو المشحون بالآمال، قرر مصالي نقل نضاله إلى أرض الوطن، فوطئت قدماه العاصمة الجزائرية في 2 آب/أغسطس 1936، تلبية لدعوة نواة صغيرة من قراء مجلة “الأمة” (El Ouma) الناطقة باسم التنظيم. وصادف اليوم نفسه دعوة “المؤتمر الإسلامي الجزائري” – الذي تشكّل في حزيران/يونيو 1936 من تحالف جمعية العلماء المسلمين وفيدرالية المنتخبين المسلمين والحزب الشيوعي (الذي أصبح رسمياً “الحزب الشيوعي الجزائري” في تشرين الأول/أكتوبر 1936) – إلى تجمّع حاشد في الملعب البلدي ببلكور، لتقديم تقرير عن نتائج مفاوضات وفدٍ عاد لتوّه من باريس بشأن مشروع الإصلاح المعروف بـ”بلوم-فيوليت”.

حضر التجمّع بين 12 و15 ألف شخص، وهو رقم غير مسبوق في تجمعات النخب “الأهلية” آنذاك. نزل مصالي من السفينة فجراً، وتوجّه مباشرة إلى الملعب، واقتحم المنصة على حين غرة لم يتوقعها منظمو المؤتمر. وألقى خطاباً غيّر مجرى الحركة الوطنية الجزائرية: انحنى نحو الأرض، وقبض حفنة من ترابها، ثم رفع قبضته نحو السماء وهو يصرخ: “هذه الأرض ليست للبيع!” – مازجاً في هذا المشهد بين رمزية تقليدية تستحضر الأرض والسماء والوطن النابع من الإسلام الشعبي، وبين رمزية حديثة تتمثل في القبضة المرفوعة، الرمز العمالي المضاد للتحية الفاشية الأوروبية. وبهذا الأداء قدّم مصالي نفسه للجماهير، ولجيل جديد من الشباب، بوصفه القائد والرمز الذي افتقدته الجزائر منذ نفي الأمير خالد عام 1923.

رابعاً: التمايز الأيديولـوجي والقطيعة السياسية عام 1936

لم يكن خطاب بلكور مجرد إثارة حماسية، بل إعلان قطيعة جذرية مع أطروحات المؤتمر الإسلامي الجزائري التي كانت تتحرك بكاملها داخل السقف الاستعماري الفرنسي. وقد تميّز مشهد الحركة الوطنية في منتصف الثلاثينيات بثلاثة تيارات رئيسة تختلف جذرياً حول غاية النضال:

1. الهوية والوطن : كان “نجم شمال إفريقيا” وحزب الشعب يريان الجزائر أمة قائمة بذاتها، كاملة السيادة ومستقلة تماماً عن فرنسا، بينما نظر “الحزب الشيوعي الجزائري” إلى المسألة من منظور أممي عمالي؛ فتماشياً مع توجيهات المؤتمر السابع للأممية الشيوعية (1935) التي أولت الأولوية للتحالف المناهض للفاشية، تخلى الحزب عن سياسته السابقة القائمة على “عربرة الكوادر”، وتبنّى شعار “اتحاد الشعب الجزائري مع شعب فرنسا” – وهو تحوّل أدى إلى تجميد المطالب المناهضة للاستعمار، ووصل إلى حد إقصاء بعض قادته المتشددين كأندريه فيرات وجان شانترون. أما جمعية العلماء المسلمين، فصاغت موقفاً وسطاً: تمسّكت بالهوية الدينية واللغوية عبر شعارها “الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا”، لكنها ميّزت سياسياً بين “الجنسية القومية” و”الجنسية السياسية” (التي تقرّ بالسيادة الفرنسية)، فجمعت بذلك بين الدفاع عن الدين واللغة والولاء السياسي المؤقت للسلطة الاستعمارية، إلى أن انضمت لاحقاً إلى جبهة التحرير الوطني.

2. السقف السياسي والمطالب الدستورية: بينما ذهبت النخب المنتخبة والعلماء والشيوعيون إلى المطالبة بإصلاحات ضمن السيادة الفرنسية – كإلغاء الحاكمية العامة وإلحاق الجزائر بفرنسا لنيل حقوق المواطنة – وقف تيار مصالي وحيداً رافضاً هذا الطرح الإدماجي، معتبراً “الإلحاق” ذوباناً وانتحاراً سياسياً، وطارحاً بديلاً ديمقراطياً ثورياً: “برلمان جزائري منتخب دون تمييز عرقي أو ديني” – صيغة جمعت الخصوصية الثقافية بقيم المساواة الديمقراطية الكونية، وضمنت حقوق الأقليات حتى بعد زوال الاستعمار.

3. مشروع “بلوم-فيوليت”: شكّل هذا المشروع – الذي اقترح حقوقاً انتخابية لبعض النخب الجزائرية دون اشتراط تخليها عن أحوالها الشخصية الإسلامية – محكّاً فعلياً لهذه المواقف: علّق عليه الشيوعيون والعلماء والمنتخَبون آمالاً كبيرة، بينما وحده “نجم شمال إفريقيا” شكّك فيه؛ ووصفه مصالي في خطاب بلكور بـ”الوهم والسراب” المُراد به تخدير الجماهير، مؤكداً أن أي حقوق لا تنبع من سيادة برلمانية جزائرية ستبقى منقوصة، وسرعان ما سيتراجع عنها المستعمر تحت ضغط المستوطنين – وهو ما حدث فعلاً لاحقاً.

4. أسلوب النضال: ركّز الشيوعيون على العمل النقابي في المدن، وركّزت جمعية العلماء على النضال الثقافي والتربوي عبر المدارس الحرة والدروس الدينية بعيداً عن المواجهة السياسية المباشرة، بينما مارس حزب الشعب نضالاً شعبياً راديكالياً معتمداً على التعبئة الجماهيرية في الشوارع وخلق الرموز الوطنية، مستهدفاً صغار الكسبة والحرفيين والشباب المهاجر – فصار الحاضنة الفعلية التي هيّأت الأذهان لفكرة الكفاح المسلح.

ورغم أن كلمة “الاستقلال” لم تُكتب صراحة في وثائق ذلك اليوم تحاشياً للملاحقة القضائية، لم يخطئ أحد من الحاضرين فهم المعنى الانفصالي لخطاب مصالي؛ فقد ضجّ الملعب بالتصفيق وحُمل على الأكتاف. ويلخّص القيادي التاريخي محمد بوضياف هذا الأثر في شهادته عام 1992، حين سُئل عن الحدث الأكثر تأثيراً في جيله فأجاب: “لم ننسخ ولم نستورد من الثورتين الروسية أو الفرنسية؛ إن ثورة أول نوفمبر 1954 وُلدت في 2 أغسطس 1936 بالملعب البلدي بالجزائر العاصمة حول مصالي الحاج”.

خامساً: ولادة حزب الشعب الجزائري (1937-1939) والتجذّر الميداني

أثبتت الوقائع صحة قراءة “النجم”؛ فتحت ضغط المستوطنين، تراجعت حكومة الجبهة الشعبية عن وعودها، ولم يُعرض مشروع “بلوم-فيوليت” على البرلمان الفرنسي أصلاً، ودخل “المؤتمر الإسلامي” في أزمة سريعة التفكك.

التأسيس السري ونقل القيادة إلى الداخل: لم يتأخر الرد الفرنسي: ففي 26 كانون الثاني/يناير 1937 حلّت حكومة الجبهة الشعبية “نجم شمال إفريقيا” رسمياً، بمباركة صامتة من الحزب الشيوعي الفرنسي. فاجتمع مصالي ورفاقه في 11 آذار/مارس 1937 ببلدية نانتير، وأعلنوا ميلاد “حزب الشعب الجزائري” (PPA) خلفاً للنجم، وقرروا نقل مركز ثقل التنظيم إلى الداخل الجزائري. ويشهد القيادي محمد مستول أن “مجيء مصالي إلى الجزائر هو الذي أعطى دفعة قوية وحاسمة، وإن صدى خطاب 2 أغسطس نقل عمل التنظيم من الانطلاق الصوري إلى الانطلاق الفعلي”. فتوسّع الحزب في تجنيد الأنصار متجاوزاً خلاياه التقليدية، وأسس فروعاً في العاصمة وتلمسان ووهران ومنطقة القبائل، ضمّت الطلبة وصغار التجار والحرفيين وعمال النقل.

معركة العلم والصدام الانتخابي: تجلّى هذا التجذّر في مظاهرات 14 تموز/يوليو 1937 بالعاصمة، حين شكّل حزب الشعب مسيرة مستقلة رُفع فيها للمرة الأولى في الشارع العلم الجزائري (الأخضر والأبيض بالهلال والنجم الأحمرين)، إلى جانب لافتة عربية كتب عليها “حزب استقلال الجزائر”، ما دفع الحاكم العام إلى التحذير من “عمل تنظيمي في الأعماق يشبه العنكبوت الذي يقبع مركزه في العاصمة وينسج شباكه على القطر كله”. وأثار هذا النجاح توجّس “الحزب الشيوعي الجزائري”، فشنّ أمينه العام بن علي بوقورت حملة في جريدة “الكفاح الاجتماعي” اتهم فيها حزب الشعب بأنه طابور خامس للحزب الفرنسي الفاشي بقيادة جاك دوريو – وهي الحملة التي وفّرت للسلطات الفرنسية ذريعة حملة اعتقالات واسعة في أواخر آب/أغسطس 1937 طالت مصالي وأغلب المكتب السياسي، أودعوا على أثرها سجن الحراش.

ورغم اعتقال القيادة، أثبت الحزب تفوقه في صناديق الاقتراع؛ ففي الانتخابات المحلية لتشرين الأول/أكتوبر 1937، رشّح مصالي السجين في العاصمة، ورغم إلغاء أهليته الانتخابية، حصد خمسة أضعاف أصوات منافسه الشيوعي عمار أوزغان (الذي تحوّل لاحقاً إلى تيار إسلامي ثوري، وطُرد من الحزب الشيوعي عام 1947 قبل أن ينضم إلى جبهة التحرير الوطني). وتكرر الانتصار في الانتخابات البلدية التكميلية بدعم قائمة المحامي الشاب أحمد بومنجل، وفي انتخابات نيسان/أبريل 1939 حين فاز مرشح الحزب، عامل الترامواي آيت سي سعيد. وعلى الصعيد السري، أصدرت القيادة المعتقلة سبعة أعداد من جريدة “البرلمان الجزائري” حتى تموز/يوليو 1939، تؤكد التمسك بخيار المؤسسات السيدة. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول/سبتمبر 1939، فرضت السلطات الأحكام العرفية وحظرت حزب الشعب نهائياً، فدخلت الحركة الوطنية طوراً جديداً من العمل السري مهّد لاحقاً لثورة نوفمبر عبر أطر أخرى، أبرزها “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” وجناحها العسكري “المنظمة الخاصة.

من حزب الشعب إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية: بعد مجازر 8 أيار/مايو 1945 واعتقال مصالي، أُعيد تنظيم الحزب في تشرين الثاني/نوفمبر 1946 تحت اسم “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” (MTLD)، بوصفها واجهة علنية شرعية بينما ظلّ “حزب الشعب” جناحاً سرياً نشطاً. وفي 15 شباط/فبراير 1947 تأسست “المنظمة الخاصة” (OS) بقيادة محمد بلوزداد جناحاً عسكرياً سرياً للحركة، مهمته تدريب المناضلين وتوفير السلاح، وانضم إليها لاحقاً قادة بارزون كأحمد بن بلة ومحمد خيضر وحسين آيت أحمد. وعلى الرغم من اكتشاف الجيش الفرنسي لها عام 1950 واعتقال المئات من أعضائها، بقيت نواة العمل المسلح الذي استُؤنف لاحقاً عبر “مجموعة 22” و”مجموعة 6″؛ إذ خرج من صفوفها كثير من قادة “مجموعة 22” الذين خططوا لإطلاق الثورة، وشكّلت تجربتها في التدريب والتسليح القاعدة العملية التي انطلقت منها جبهة التحرير الوطني عام 1954.

أزمة الحركة والانتقال الثوري: شكّلت “مجموعة 22″ و”مجموعة 6” الحلقتين الأساسيتين في التحضير المباشر لثورة نوفمبر 1954، وكلتاهما خرجت من رحم “المنظمة الخاصة”. تشكّلت “مجموعة 22” من اثنين وعشرين مناضلاً اجتمعوا في حزيران/يونيو 1954 في منزل إلياس دريش بالعاصمة، فقرروا إطلاق الكفاح المسلح بعد فشل العمل السياسي داخل الحركة إثر صراع “المصاليين” و”المركزيين”؛ وكان من أبرز أعضائها ديدوش مراد ومحمد بوضياف ومصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي وكريم بلقاسم وزيغود يوسف، وقد شكّلت من بينها قيادة تنفيذية أصغر هي “مجموعة 6” (بوضياف وبن بولعيد وديدوش مراد وبن مهيدي وبلقاسم ورابح بيطاط)، التي تولّت التخطيط العملي وتقسيم التـراب إلى مناطق عسكرية وتحديد موعد الانطلاق في 1 نوفمبر 1954. فكانت “مجموعة 22″ بمثابة مجلس تأسيسي اتخذ القرار التاريخي، و”مجموعة 6” اللجنة التنفيذية التي حوّلته إلى خطة عملية وأصبحت أول قيادة لجبهة التحرير الوطني – والاثنتان معاً الجسر الذي عبرت عليه الحركة الوطنية من تجربة “المنظمة الخاصة” السرية إلى الانفجار الثوري الذي غيّر مسار الجزائر.

سادساً: مآلات تيار مصالي الحاج بعد اندلاع الثورة

مثّل اندلاع الثورة في 1 نوفمبر 1954 المأساة السياسية والشخصية الكبرى في حياة مصالي الحاج وتياره؛ فالحزب الذي ظلّ ثلاثة عقود الحاضنة الوحيدة لفكرة الاستقلال التام، وجد نفسه خارج قيادة الثورة المسلحة التي أطلقها جيل جديد، في مسار انتهى بصدام دموي ومآل مأساوي.

1. جذور المأساة: الأزمة المصالية-المركزية: عشية الثورة، كان تيار مصالي يعيش انقساماً حاداً بين “المصاليين” الذين نادوا بالولاء المطلق لشخصه ومنحوه صلاحيات استثنائية في مؤتمر هورنو ببلجيكا (تموز/يوليو 1954)، و”المركزيين” أعضاء اللجنة المركزية الذين انتقدوا نزعته الفردية وطالبوا بقيادة جماعية. وفي خضم هذا الصراع العقيم، تحركت مجموعة ثالثة من الشباب الراديكالي وأعضاء “المنظمة الخاصة” (نواة “مجموعتي 22 و6”)، فأسست “اللجنة الثورية للوحدة والعمل” (CRUA)، وقررت تجاوز مصالي واللجنة المركزية معاً، وأعلنت الثورة المسلحة في 1 نوفمبر 1954 باسم تنظيم جديد كلياً هو “جبهة التحرير الوطني” وجناحها العسكري “جيش التحرير الوطني”.

2. ردّ الفعل: تأسيس الحركة الوطنية الجزائرية: فوجئ مصالي، وهو رهن الإقامة الجبرية في فرنسا، بإطلاق الرصاصة الأولى دون علمه. ورفض، بحكم موقعه التاريخي كـ”أب الحركة الوطنية”، أن ينضوي تحت قيادة من اعتبرهم تلامذته السابقين، فأسّس في كانون الأول/ديسمبر 1954 تنظيماً بديلاً باسم “الحركة الوطنية الجزائرية” (MNA) بجناح عسكري خاص. وحظيت الحركة في البداية بدعم واسع بين العمال الجزائريين المهاجرين في فرنسا، الذين ظلّوا أوفياء له تاريخياً، وانضم إليها عدد من القيادات القديمة.

3. الحرب الأهلية بين الجبهة والحركة: تبنّت “جبهة التحرير” منذ أشهرها الأولى مبدأ “التمثيل الواحد”: أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب والثورة، وأن أي تنظيم خارجها خيانة يجب تصفيتها. وأدّى هذا التصلب، مقروناً برفض مصالي التنازل، إلى حرب أهلية جزائرية-جزائرية موازية لحرب التحرير، دارت على جبهتين: ففي فرنسا، شهدت المدن وضواحي باريس الصناعية ما عُرف بـ”حرب المقاهي” (Guerre des cafés)، تصفيات دموية بين مناضلي فدرالية الجبهة في فرنسا ومناضلي “الحركة الوطنية” على السيطرة على اشتراكات العمال المهاجرين وولاءاتهم، أوقعت نحو أربعة آلاف قتيل جزائري وآلاف الجرحى طوال سنوات الثورة، وانتهت بفرض الجبهة سيطرتها شبه الكاملة على المهاجرين. وفي الداخل، أسّس القيادي المصالي محمد بلونيس جيشاً موالياً لـ”الحركة الوطنية” في مناطق جنوب العاصمة (الجلفة والمسيلة وكردادة)، دخل سريعاً في صدام دموي مع الولاية السادسة لجيش التحرير، بلغ ذروته في مجزرة ملوزة (أيار/مايو 1957)، حين صفّت وحدات من جيش التحرير قرية كاملة اتُّهم أهلها بالولاء لمصالي والتعاون مع بلونيس، فقُتل أكثر من ثلاثمئة مدني. وتحت وطأة الحصار، ارتمى بلونيس في أحضان الإدارة العسكرية الفرنسية، ووقّع اتفاقاً سرياً معها للحصول على السلاح والدعم تحت شعار “محاربة الشيوعية والتمسك بمصالي”، قبل أن يتمرد على الفرنسيين لاحقاً فتصفيه القوات الفرنسية نفسها في تموز/يوليو 1958 – لتنهار بذلك بقايا الجناح العسكري المصالي في الداخل نهائياً.

4. العزلة السياسية والمصير الأخير: أمضى مصالي سنوات الثورة الأخيرة رهن إقامة جبرية صارمة في فرنسا (جزيرة إكس ثم شانتيي)، معزولاً عن قواعده الشعبية وعن واقع الميدان. وحاولت الحكومة الفرنسية – خاصة في عهد شارل ديغول – مراراً توظيف “الورقة المصالية” كطرف ثالث في المفاوضات لشقّ الصف الوطني وإضعاف موقع “جبهة التحرير”، غير أن الجبهة فرضت نفسها في مفاوضات إيفيان مفاوضاً وحيداً ومطلقاً باسم الشعب الجزائري.

ومع تحقيق الاستقلال في تموز/يوليو 1962، أُقصي مصالي وتياره كلياً من المشهد السياسي؛ فقد كرّست “جبهة التحرير” نفسها حزباً واحداً حاكماً، وحُظرت “الحركة الوطنية الجزائرية”، ونُعت مناضلوها بـ”الخونة” أو “الحركيين” في السردية الرسمية، فطُمس تاريخ “النجم” و”حزب الشعب” عقوداً طويلة. هكذا تحوّل “أبو الوطنية الجزائرية” من ملهم للجماهير إلى شخصية مُغيَّبة سياسياً وإعلامياً، عاش بقية حياته في فرنسا بعيداً عن الأضواء حتى وفاته في غوفيو (Gouvieux) قرب باريس في 3 حزيران/يونيو 1974، فنُقل جثمانه ليُدفن في مسقط رأسه بتلمسان وسط تكميم إعلامي رسمي، واختُزل تاريخه الحافل في موقفه من الكفاح المسلح عام 1954 وما تلاه من خلاف ونزاع.

خاتمة: من “شرعية الثورة” إلى شرعية التاريخ

شهدت العقود التي أعقبت تسعينيات القرن العشرين مراجعات تاريخية وأكاديمية واسعة، ساهم فيها انفتاح الأرشيف ونشر المذكرات، وتمثلت في التمييز بين الخلاف السياسي على الزعامة وبين الوطنية التاريخية الأصيلة لمصالي الحاج. بدأت كتابات وشهادات أكاديمية عديدة تعترف به بوصفه “أبًا روحيًا للوطنية الجزائرية الحديثة”، تقديرًا لدوره في صياغة خطاب المطالبة بالاستقلال التام منذ عشرينيات القرن الماضي، مع إعادة قراءة مواقفه عشية الاستقلال في سياقها الحقيقي: صراع محتدم على السلطة بين “شرعية الثورة” و”الشرعية التاريخية”، لا خيانة للقضية التي كرّس لها حياته كلها.

وهذه المراجعة، وإن تأخرت عقودًا، تتقاطع اليوم مع اللحظة التي افتُتح بها هذا النص: مئة عام على تأسيس “نجم شمال إفريقيا”، ومسار متجدد في الجزائر لردّ الاعتبار إلى رواد الاستقلال الذين طواهم صمت السردية الرسمية. فحكاية مصالي الحاج ليست، في نهاية المطاف، حكاية رجل واحد أساء التاريخ إليه أو أحسن، بل هي مرآة لمعضلة أعمق تتكرر في أكثر من تجربة تحرر وطني عربي: كيف تتحول ذاكرة النضال الجماعي، بعد الاستقلال، إلى ملكية حصرية لسلطة واحدة تعيد كتابة الماضي على قياس حاضرها؟ وكيف يمكن، بعد أجيال، أن تُستعاد لهذا الماضي تعدديته الأصلية من دون الوقوع في نقيض الخطأ، أي استبدال أسطورة رسمية بأسطورة مضادة؟

فالمطلوب اليوم، في الجزائر كما في لبنان وفي غيرهما من التجارب العربية والإسلامية التي عرفت الاحتكار ذاته للذاكرة والشرعية، ليس تنصيب مصالي الحاج بطلًا بديلًا يُقصى باسمه غيره، بل استعادة صورة أكثر إنصافًا وتعددية لتاريخ التحرر نفسه؛ صورة تتسع لكل من ساهم في صنعه، وتحرّر الذاكرة الوطنية من منطق “الزعيم الأوحد والسردية الواحدة” الذي كان في الأصل جزءًا من المأساة التي عاشها مصالي الحاج نفسه.