لا يكاد علم يستغني عن المصطلح؛ فالمصطلح يضبط المفاهيم، ويميز الظواهر، وييسر تداول المعرفة، ويكشف أحيانا عن تحولات عميقة في الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه والعالم. والعلم يقوم على معرفة المصطلحات بمفاهيمها، ومن ثم الحكم عليها. يضاف إلى هذا أنه ليس من المنهج العلمي أن يرفض مصطلح لمجرد حداثة لفظه، كما لا يصح قبوله لمجرد شيوعه. الواجب أولا أن يفهم المصطلح، وتعرف نشأته ودلالته وسياقه، ثم ينظر في مضمونه ويحكم عليه.

وهذا المعنى يجد له أساسا دقيقا عند ابن خلدون. ففي حديثه عن التعليم، يستدل على كونه صناعة باختلاف الاصطلاحات فيه، ثم يبين أن لكل إمام اصطلاحه، وأن اختلاف الاصطلاحات ظاهر في الكلام وأصول الفقه والعربية وسائر العلوم. والأهم أنه يميز بين الاصطلاح والعلم نفسه؛ فالاصطلاح عنده من صناعات التعليم، وليس هو العلم ذاته [1] ثم يربط ازدهار المراكز الحضارية بازدهار العلم، فيقول إن بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، حين كثر عمرانها، “زخرت فيها بحار العلم” و”تفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون. [2]

وعليه، فالموقف العلمي من المصطلحات ليس المنع ولا التسليم، وإنما التصور قبل الحكم. ولا مشاحة في الاصطلاح من حيث هو اصطلاح، لكن المشاحة قد تكون في المعنى والمضمون والآثار، إذا تبين أن وراء اللفظ تصورا يحتاج إلى نقد أو مراجعة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة عدد من المصطلحات المعاصرة التي أصبحت جزءا من الأدبيات الفكرية وأدبيات المؤسسات الدولية في التعامل مع الاختلاف الديني والثقافي والحضاري.

المسلم والمؤمن والآخر

قبل هذه المصطلحات الحديثة، وضع القرآن الكريم منظومته الاصطلاحية الخاصة بوصف الانتماء الديني، وفي مقدمتها المسلم والمؤمن، وفي مقابلها الكافر، مع مصطلحات أخرى تفصل طبيعة الكفر وأنواعه بحسب المقام، كأهل الكتاب والمشركين والمنافقين.

قال تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا﴾، وقال: ﴿وأنا أول المسلمين﴾. كما يكثر في القرآن التعبير ب﴿الذين آمنوا﴾ في مقابل ﴿الذين كفروا﴾. وهذه المصطلحات ليست مجرد أوصاف اجتماعية، بل لها دلالات عقدية وشرعية دقيقة، وقد بحث العلماء العلاقة بين الإسلام والإيمان، ومتى يجتمعان ومتى يختلفان، وهي مسألة لا يتسع لها هذا المقال.[3]

ومن هنا ينبغي التمييز بين المصطلح الشرعي الذي يحدد الانتماء الديني والحكم العقدي، وبين المصطلحات الحديثة التي تصف غالبا طبيعة العلاقة بين الجماعات المختلفة. فليس “حوار الأديان” بديلا عن “الإسلام والمسلم والكافر”، وإنما هو وصف لنمط من التفاعل بين المختلفين.

الآخر والمسؤولية الأخلاقية

“الآخر” (The Other)، وما يتصل به من مفهوم “الغيرية” (Alterity)، من أكثر المفاهيم تجريدا؛ فهو لا يعني بالضرورة غير المسلم، بل يشير إلى الشخص أو الجماعة التي تتحدد علاقتها ب”الأنا” من خلال الاختلاف: الديني أو الثقافي أو اللغوي أو الحضاري أو غير ذلك.

وله جذور فلسفية طويلة، لكنه أصبح مفهوما مركزيا في الفلسفة الحديثة والمعاصرة. ويمكن أن يذكر في هذا السياق هيغل في بحثه علاقة الذات بالاعتراف، ثم مارتن بوبر في ثنائية “الأنا والأنت”، حيث لا تفهم العلاقة الإنسانية الصحيحة بوضع الآخر في مرتبة الشيء [4] ثم إيمانويل ليفيناس الذي يجعل “الآخر” محورا أخلاقيا، ويرى أن وجه الآخر يضع الذات أمام مسؤولية لا تختزل في المعرفة أو السيطرة.[5]

ومن أهم القضايا التي يدور حولها المصطلح: الهوية والاختلاف، والاعتراف، والصور النمطية، والتهميش، والاستعلاء الثقافي، والعلاقة بين الذات والغير، والمسؤولية الأخلاقية تجاه المختلف.

ومن الكتب المرجعية في هذا الباب أعمال بوبر، ولا سيما “أنا وأنت”، وكتاب ليفيناس “الكلية واللامتناهي”. وهنا يتحول “الآخر” من مجرد “مختلف” إلى سؤال فلسفي: هل أتعامل معه بوصفه موضوعا أعرفه، أم ذاتا لها استقلالها وكرامتها وحقها في أن تسمع؟

فهم حوار الأديان

“حوار الأديان” (Interreligious Dialogue) هو التواصل المنظم بين أتباع أديان مختلفة بهدف التعارف والفهم المتبادل، ومناقشة القضايا الدينية والإنسانية، وبناء الثقة، وفتح مجالات التعاون، من دون أن يعني ذلك إلغاء الفوارق العقدية.

ليس للمصطلح “مخترع” واحد ثابت يمكن نسبته إليه، لكن برلمان أديان العالم في شيكاغو سنة 1893 يمثل محطة مبكرة في نشأة الحركة الحديثة للحوار بين الأديان؛ فقد جمع ممثلين عن تقاليد دينية متعددة، وكان من أهدافه إظهار ما تتفق عليه الأديان، وتعميق الأخوة والتفاهم، مع عدم السعي إلى إنشاء وحدة دينية شكلية.[6]

ثم جاء القرن العشرون بمؤسسات وأسماء أكثر تأثيرا، وفي مقدمتها المجمع الفاتيكاني الثاني ووثيقة “في عصرنا” (Nostra Aetate) سنة 1965، التي فتحت بابا مؤسسيا واسعا للحوار والتعاون مع أتباع الأديان الأخرى. ومن الأسماء الفكرية المهمة هانس كونغ، ثم لاحقا جون هيك، ورايمون بانيكار وغيرهما.[7]

وتتناول أدبيات الحوار مسائل واسعة: التعدد الديني، والحقيقة الدينية، واللاهوت المقارن، والصور المتبادلة، والحرية الدينية، والسلام، والتطرف، والتعاون الاجتماعي، والعدالة، والفقر، والقضايا الإنسانية المشتركة.

ومن الكتب المهمة في المجال كتاب كاثرين كورنيل “إمكان حوار الأديان واستحالته”، الذي لا يكتفي بالدعوة إلى الحوار، بل يسأل عن شروط إمكانه وحدوده، ويركز على خمسة شروط: التواضع، والالتزام، والترابط، والتعاطف، والضيافة.[8]

الاختلاف وحوار الثقافات

“حوار الثقافات” (Intercultural Dialogue) أوسع من حوار الأديان؛ لأنه يتعامل مع التعدد في اللغة والقيم وأنماط الحياة والذاكرة والهوية والانتماء، سواء أكان الاختلاف دينيا أم غير ديني.

وليس لهذا المصطلح واضع واحد معروف، بل تبلور تدريجيا داخل الفكر والسياسات الثقافية والتربوية، ثم دخل بقوة إلى المؤسسات الدولية والإقليمية. وكان مجلس أوروبا من أبرز المؤسسات التي بلورت المفهوم سياسيا ومؤسسيا، ولا سيما من خلال “الكتاب الأبيض للحوار بين الثقافات” سنة 2008، تحت شعار “العيش معا على قدم المساواة في الكرامة”.[9]

ويقوم المفهوم على التبادل المفتوح والمحترم بين جماعات ذات خلفيات مختلفة، على أساس الفهم والاحترام المتبادلين.

ومن أهم قضاياه: التنوع الثقافي، والهجرة، والاندماج، والهوية، والتعليم، والصور النمطية، والتماسك الاجتماعي، ومواجهة الاستقطاب. ولذلك فهو أقل ارتباطا بالسؤال العقدي من حوار الأديان، وأكثر اتصالا ببنية المجتمع المتعدد.

أما “حوار الحضارات” (Dialogue among Civilizations) فيرتفع بالنقاش إلى مستوى أوسع: كيف تتفاعل الحضارات ذات التكوينات الدينية والفكرية والتاريخية المختلفة؟

ومن أبرز الأسماء المرتبطة مبكرا بالمصطلح روجيه غارودي، الذي صدر له سنة 1977 كتاب “من أجل حوار الحضارات: الغرب عارض”. لكن الانتقال بالمفهوم إلى المجال السياسي الدولي ارتبط بصورة خاصة بالرئيس الإيراني محمد خاتمي، الذي طرح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1998 جعل عام 2001 عاما للحوار بين الحضارات، داعيا إلى أن يحل الحوار والتفاهم محل العداء والمواجهة [10] وقد اعتمدت الجمعية العامة في العام نفسه قرارا بإعلان عام 2001 سنة للأمم المتحدة للحوار بين الحضارات.[11]

وقد جاء ذلك في سياق فكري كانت فيه أطروحة صمويل هنتنغتون عن “صدام الحضارات” حاضرة بقوة؛ ولذلك اكتسب “حوار الحضارات” دلالة تتجاوز مجرد التواصل، ليصبح تصورا لإمكان التعاون بين الحضارات مع المحافظة على خصوصياتها.

وتتناول أدبياته: العلاقة بين الحضارات، والدين والثقافة، والهوية، والعولمة، والصور المتبادلة، والسلام، والمعرفة المتبادلة، والتفاعل الحضاري.

تحالف الحضارات والانتقال للعمل المؤسسي



“تحالف الحضارات” (Alliance of Civilizations) ليس مجرد مرادف لحوار الحضارات؛ فهو مشروع مؤسسي دولي يراد به الانتقال من الفكرة إلى العمل

بدأت الفكرة سياسيا مع رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، الذي طرحها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2004، وانضمت تركيا شريكا في المبادرة، ثم أعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إطلاقها رسميا في 14 تموز/يوليو 2005، برعاية إسبانيا وتركيا.[12]

وكانت خلفية المبادرة هي تنامي التوتر وسوء الفهم، ولا سيما بين المجتمعات الإسلامية والغربية. ثم حدد تقرير فريقها رفيع المستوى سنة 2006 أربعة مجالات رئيسية للعمل: الشباب، والتعليم، والإعلام، والهجرة.[13]

والفارق الدقيق هنا أن الحوار يصف عملية التواصل، أما التحالف فيصف إطارا للعمل المشترك. ولذلك دخلت في صلبه قضايا مثل بناء الجسور، ومكافحة الصور النمطية، والإعلام، والتعليم، والشباب، والهجرة، والتعاون الدولي.

وقد أصبح للمبادرة لاحقا وضع مؤسسي داخل منظومة الأمم المتحدة، وأقرت الجمعية العامة عام 2015 قرارا بشأن “تحالف الأمم المتحدة للحضارات”.[14]

المشترك في الأخلاق العالمية


“الأخلاق العالمية” (Global Ethic) تختلف عن المصطلحات السابقة؛ فهي لا تركز أساسا على شكل العلاقة بين الجماعات، بل تسأل: هل يمكن العثور على مبادئ أخلاقية مشتركة بين الأديان والثقافات المختلفة؟

ارتبط المشروع بصورة خاصة بالفيلسوف واللاهوتي هانس كونغ، الذي يبلور فكرته في كتابه “المسؤولية العالمية: بحثا عن أخلاق عالمية جديدة”، الصادر بالإنكليزية سنة 1991. ثم طلب منه،[15] في سياق الإعداد لبرلمان أديان العالم، إعداد مشروع إعلان، وانتهى الأمر إلى اعتماد إعلان “نحو أخلاق عالمية” في شيكاغو سنة 1993، بعد مشاورات واسعة مع علماء وقادة دينيين من تقاليد متعددة.[16]

ومن أهم موضوعاته: كرامة الإنسان، واللاعنف، والعدالة، والتضامن، والصدق، والمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء. وأضيف إلى الإعلان سنة 2018 توجيه خامس يتعلق بالاستدامة والعناية بالأرض. ولا يقصد المشروع إلغاء الفوارق العقدية، بل البحث عن قدر أدنى من الالتزامات الأخلاقية المشتركة يمكن أن تتعاون عليها التقاليد المختلفة.[17]

مستويات المصطلح وحدود التداخل

يمكن النظر إلى هذه المصطلحات باعتبارها مستويات متجاورة، لا ألفاظا مترادفة. ف”الآخر” هو المفهوم الذي يصف وجود المختلف وعلاقة الأنا به، أما “حوار الأديان” فيركز على الاختلاف الديني تحديدا. ويأتي “حوار الثقافات” أوسع من ذلك؛ لأنه يشمل الاختلاف الثقافي والاجتماعي بمختلف صوره. ثم يرتفع “حوار الحضارات” إلى مستوى المنظومات الحضارية الكبرى، في حين يحاول “تحالف الحضارات” تحويل هذا التصور إلى إطار مؤسسي وبرامج عملية. أما “الأخلاق العالمية” فتنتقل من سؤال: كيف نتحاور؟ إلى سؤال: على أي قيم يمكن أن نتعاون؟

وبهذا يمكن تصور المسار في صيغة مكثفة: الآخر يعرف مساحة الاختلاف، والحوار يفتح قناة التواصل، والثقافة تحدد مجال التفاعل، والحضارة توسع دائرته، والتحالف يحوله إلى عمل مؤسسي، والأخلاق العالمية تبحث عن أرضية قيمية مشتركة.

بين معرفة المصطلح ونقد مضمونه



إن معرفة هذه المصطلحات جزء من أدوات الباحث المعاصر، ولا سيما في مجالات الأديان والحضارات والثقافات والسلام. وليس من العلم أن يرفض المصطلح لأنه جديد، كما ليس من العلم أن يقبل لأنه شائع أو تتبناه مؤسسة دولية. المصطلح يتصور أولا، ثم يحلل، ثم يقوم.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يفهم انتشار هذه المصطلحات على أنه إلغاء للمصطلحات الشرعية الأصيلة. فالإسلام والمسلم، والإيمان والمؤمن، والكفر والكافر، مصطلحات لها موقعها الخاص داخل البناء القرآني والعقدي والفقهي، بينما “الآخر” و”حوار الأديان” و”حوار الثقافات” و”حوار الحضارات” و”تحالف الحضارات” و”الأخلاق العالمية” تصف في الغالب مستويات مختلفة من النظر إلى العلاقة بين المختلفين وإدارة هذه العلاقة.

وهنا تكمن فائدة دراسة المصطلح: ليس في استبدال القديم بالجديد، ولا في تحصين العلم من كل لفظ مستحدث، وإنما في أن نعرف ماذا يعني اللفظ، ولماذا ظهر، وما الذي يضيفه، وما الذي يفترضه، وأين يلتقي مع مرجعيتنا وأين يفترق عنها. فذلك هو الطريق الأقوم من الخصومة مع الألفاظ إلى نقد المفاهيم، ومن نقد المفاهيم إلى إنتاج العلم.