المقدمة
يكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة – في نظري – لكونه يكشف عن علاقة العلوم الإسلامية بالتخصصات الأخرى ويبرز مدى قوة العلاقة أو ضعفها التي تربط العلوم الشرعية مع تلك التخصصات وما يمكن أيضا أن تجرد تلك التخصصات من هذا الوصف إسلامية، أو شرعية أو تضفى عليها.
إن المدلول الموروث للمصطلح “العلوم الشرعية” أو العلوم الإسلامية يقصد به في الغالب علوم الدين من الفقه والأصول والحديث وعلومه وعلوم القرآن والعقيدة أو التوحيد، ويضاف إليها بالتبع علوم العربية وفنونها لأنها وسيلة لا غنى لطالب العلم الشرعي عنها، لأن لغة الوحي يتوقف على معرفتها بل واتقانها (1).
وبالمقابل توجد التخصصات العلمية الأخرى على اختلافها، من العلوم الإنسانية والتطبيقية التي لا تندرج تحت اسم العلوم الإسلامية وقد نجم عن هذا الاعتبار إحداث أزمة لا تزال تلقي بظلالها على مجتمعات المسلمين، بحيث أصبح الدين مفصولا عن الدنيا وأصبحت الدنيا مقطوعة عن الآخرة، ولأن تجريد تلك التخصصات عن الوصف الشرعي جعلها مرتعا خصبا لتوجهات غربية ونظريات لا تمت بصلة إلى الوحي وإنما تعكس قيم الغرب ومفاهيمه وتصوراته للحياة والإنسان والكون فهذا بلا شك يحدث لدى المسلم نوعا من التمزق والخصام بين هذه القيم والنظريات والمنطلقات وبين معتقداته، وهذا ما جر إلى ضعف الوعي الحضاري لدى المسلمين.
فالمطلوب من المؤسسات العلمية بعث النسق العلمي والثقافي والفكري للأمة وتنمية الشعور بالانتماء الحضاري والقضاء على التناقضات التي أفرزتها عقود التخلف والاحتلال ….
والحق أن هذه العلوم على اختلافها هي شرعية، منها ما هو مطلوب على سبيل الفرض العيني، ومنها ما هو مطلوب على سبيل الفرض الكفائي، بل حتى العلوم التطبيقية تندرج تحت هذا الأصل في منطلقاتها أو في مقاصدها وأهدافها.
المعيار في تقسيم العلوم
قسم العلماء العلوم باعتبارات مختلفة باعتبار النقل أو العقل أو باعتبار أنها مقصودة لذاتها أولا، أو باعتبار ما أضيفت إليه وسأحاول عرض بعض التقسيمات للعلماء المتقدمين لنعرف موقع العلوم الشرعية من باقي العلوم
فالإمام الغزالي المتوفي سنة (505هـ) قسم العلوم الشرعية إلى أصول وفروع و مقدمات ومتممات.
فالأصول : هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة وآثار الصحابة، ويظهر أنه عنى بهذه الأصول النقل.
والفروع : وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبه لها العقول، فاتسع بسببها الفهم وقصد بذلك ماهو مجال للنظر والاجتهاد في فهم دلالات النصوص.
والمقدمات وهي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم النحو واللغة فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسها، ولكن يلزم الخوض فيها لسبب الشرع، إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب.
والمتممات وذلك في علم القرآن كتعلم القراءات والتفسير ومخارج الحروف وما يتعلق بأحكامه، وكمعرفة الناسخ والمنسوخ.
وكيفية استعمال العام والخاص والظاهر وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ويتناول السنة.
وأما المتممات في الآثار والأخبار كالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم، والعلم بالعدالة في الرواة والعلم بأحوالهم لتمييز الضعيف من القوي (2).
هذا التقسيم بالنسبة للعلوم الشرعية وهي العلوم التي تأتي عن طريق الوحي.
وأما العلوم غير الشرعية وهي ما ترتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
أما فرض الكفاية : فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان.
وكالحساب: فإنه ضروري في المعاملات، وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها.
وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين (3).
ثم أجاب عن إشكال قد يخطر بالبال قائلا : فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات كالفلاحة العلوم الفلاحية والحياكة (الصناعات الخفيفة والسياسة بل الحجامة والخياطة فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله) (4).
فالإمام الغزالي يعتبر الطب والحساب وغيرهما من العلوم التي يجب توفرها في المجتمع، وإذا خلا منها المجتمع أثم الجميع بسبب تقصيرهم في هذا الفرض الكفائي.
وإذا تصفحنا المؤلفات التي تتحدث عن العلوم نجد هذا التأكيد الذي يذكره الإمام الغزالي في شأن العلوم التي تقوم على مصالح الإنسان في الدنيا من طب وهندسة وبيطرة ….
فهذا طاش كبرى زاده يذكر في كتابه مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم وهو يتحدث عن العلم الطبيعي، وهو علم باحث فيه عن أصول الأجسام الطبيعية بأنواعها : وموضوعه الجسم من حيث كونه متغيرا”(5).
ثم ذكر منفعته وفروعه وعد فيها : علم الطب، علم البيطرة، علم الكيمياء وعلم الفلاحة وغيرها.
وقال عن علم الطب : هو علم يبحث فيه عن بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض لحفظ الصحة وإزالة المرض، ثم ذكر موضوعه وهو بدن الإنسان” وقال معلقا عن منفعته: “ومنفعته بينة لا تخفى وكفى بهذا العلم شرفا وفخرا، قول الإمام الشافعي له العلم علمان: علم الطب للأبدان وعلم الفقه للأديان” ثم ذكر مشاهير العلماء في الطب (6).
ثم تحدث عن علم البيطرة وعرفه بأنه علم يبحث عن أصول الحيوان المخصوص وهو الخيل”، وعن علم “الحيوان”: “وهو يبحث عن خواص الحيوانات وعجائبها ومنافعها ومضارها”
وتحدث عن علم الفلاحة (7) وعرفه بأنه “علم يتعرف منه كيفية تدبير النبات من أول نشوئه إلى منتهى كما له بإصلاح الأرض … إما بالماء.. أو يحميها في أوقات البرد مع مراعاة الأهوية ……” ثم تحدث عن منفعته : “زكاة الحبوب والثمار ونحوها” (هذا جانب ديني).
وهو ضروري للإنسان في معاشه وهذا أمر دنيوي المراد به الاكتفاء الذاتي بتعبيرنا المعاصر.
كما تحدث عن العلوم الرياضية وهي العلوم الباحثة عن أمور يصح تجردها عن المادة في الذهن فقط “(8).
وعد من أقسامها علم الهندسة فذكر تعريفها وفائدتها والمؤلفات فيها كما تحدث عن علم الآلات الحربية وبالتعبير المعاصر : “صناعة الأسلحة”(9) قال عنه: وهو علم يتعرف منه كيفية إيجاد الآلات الحربية كالمنجنيق وغيرها، ومنفعته ظاهرة، لأنها شديدة الغناء في دفع الأعداء وحماية المدن، وهذا العلم أحد أركان الدين فلم يكتف بالقول بأنه فرض كفائي بل عبر بهذا الوصف القوي أحد أركان الدين”، ثم تحدث بعده مباشرة عن “علم الرمي “(10).
ومثل له برمي القوس والبنادق، وهو علم يتعرف منه رمي الأمور بالمزاولة ليكون عملها على وجه الإصابة ثم قال : ومنفعتها عظيمة في كل الأمور اهـ.
وقد جاء الحديث :” ألا إن القوة الرمي” وجاء هذا العصر ليؤكد على أهمية الرمي ودقته ليكون هذا الحديث أحد دلائل الإعجاز كما ذهب بعض أهل العلم إليه وما الصواريخ العابرة للقارات و”توماهوك” و”كروز” إلا نماذج من الواقع على أهمية الرمي والحروب اليوم قد تحسم بالرمي !!؟.
وأما ابن خلدون فإنه يقسم العلوم إلى قسمين: علوم مقصودة بالذات ومثل لهذا الصنف بالعلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وعلم كلام وكالطبيعيات ……. (11)
فما المراد بالطبيعيات التي أدرجها تحت صنف العلوم المقصودة بالذات؟ لنرجع إلى الفصل الرابع والعشرين من مقدمته الذي خصه للحديث عن الطبيعيات: قال فيه وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون، فينظر في الأجسام السماوية والعنصرية، وما يتولد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن وما يتكون في الأرض من العيون والزلازل، وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق غير ذلك، وفي مبدأ الحركة للأجسام، وهو النفس إلى تنوعها في الإنسان والحيوان والنبات …..”(12).
نقلت هذا النص من المقدمة بتمامه وطوله لبيان المراد بالطبيعيات التي هي من العلوم المقصودة لذاتها وهي تقف على نفس الرتبة مع الشرعيات، وعلم الطبيعيات كما ينقل ابن خلدون يندرج تحته علوم كثيرة من علم الفيزياء والهندسة والفلك والطب والبيطرة وغيرها … (13).

والصنف الثاني من العلوم هي : علوم آلية وهي وسيلة لهذه العلوم كالعربية والحساب وغيرها للشرعيات والمنطق للفلسفة ……
ثم تحدث عن علوم الآلة وأنه لا ينبغي التوسع فيها إلا بقدر الحاجة(14) فهذا تأكيد آخر من عالم ومؤرخ وفقيه من أن العلوم التي تتعلق بمصالح الناس في الدنيا مطلوبة لذاتها.
فتقسيم العلوم إلى علوم شرعية وإلى علوم غير شرعية إنما هو اصطلاح لبيان العلم المستمد من الوحي أو ما سبيله النقل وبين العلم الذي سبيله العقل لكن في حقيقة الأمر أن فهم النقل يتوقف على العقل والعقل هو مناط التكليف والإمام الغزالي في مقدمة كتابه المستصفى يذكر أن أشرف العلوم هو ما امتزج فيه العقل والسمع أي النقل واصطحب فيه الرأي والشرع، ثم قال : “وعلم أصول الفقه من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد” (15).
وأيا ما كان فإن ما أصطلح عليه بالعلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية ترتبط بمصالح الدنيا وأن الدين لا يتم إلا بالدنيا.
ومن المقرر في الدين أن كليات الشريعة تتمثل في حفظ الدين والعقل والعرض والمال والنفس، والتي يطلق عليها الكليات الخمس أو مقاصد الشريعة في الخلق.
فالعلوم غير الشرعية تندرج في خدمة أحد هذه الكليات أو أكثر – فتجريد هذه العلوم عن هذه الصفة يناقض ما أكدته نصوص القرآن والسنة.
ويؤكد هنا المعنى في كتابه “إحياء علوم الدين” وهو يتحدث عن فضيلة “العلم” … أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة للآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلا لا لمن يتخذها مستقرا ووطنا، وليس ينظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين، وأعمالهم وحرفهم وصناعتهم تنحصر في ثلاثة أقسام ….. (16) اهـ.
فالتفريق بين العلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية أو بين علوم الدين وعلوم الدنيا” إنما هو فصل في الموضوع وليس فصلا في الغاية والهدف (17) فكلاهما يهديان الإنسان على الطريق المستقيم في طلب الدين بالدنيا.
فالعلوم الشرعية عند علماء المسلمين هي أصل المعرفة وأساسها وغيرها من العلوم تعتبر قاعدة لها، وواقع تحت توجيهها لتحقيق الهدف من حياة الإنسان في هذا العالم، وهو القيام بمتطلبات الخلافة في الأرض وفقا لشريعة الله تعالى (18).
ولهذا السبب ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى اقتراح تعديل اسم “الجامعة الإسلامية” إلى جامعة العلوم الإسلامية لإبعاد سوء الفهم في نفي هذه الصفة من الجامعات الأخرى التي لا يمكن وصفها بأنها جامعة غير إسلامية (19).
وإلا كيف يمكن القيام بعمارة الأرض وأداء دور الاستخلاف فيها إذا أعرض المرء عن هذه العلوم، و لم يعتبرها وسيلة يحي بها المؤمن وظيفة الاستخلاف في الأرض.
والذي ذمه الدين هو من يقصر إدراكه على الدنيا قال تعالى : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم : 11).
وفي قوله تعالى : ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ (النجم : 29).
نقل ابن الجوزي في تفسيره المسمى بزاد المسير (20) في قوله: ” ذلك مبلغهم من العلم، عن الزجاج قوله : إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة ” اهـ.
وهذا الكلام ينطبق على التوجه الغربي للعلوم : إذ يقصون الله تعالى خالق الكون في دراساتهم وبحوثهم وغايتهم ومقاصدهم.
فالعلم المطلوب تحصيله شرعا إن على سبيل الحتم واللزوم العيني أو على سبيل الفرض الكفائي شمل جميع نشاطات الإنسان وتصرفاته، ولأن خطاب الشارع يتعلق بأفعال وتصرفات المكلفين من حيث الحكم عليها بالوجوب أو الفرض أو الندب أو الحظر أو الكراهة أو ما خيّر الشارع المكلف بين الفعل والترك، والتي تسمى بالأحكام التكليفية.
فتصرفات الإنسان وسلوكاته وعلاقته بمن حوله من أضيق الدوائر أعني في علاقته بزوجه وأولاده ووالديه وأقربائه وجيرانه، إلى أوسعها وفي علاقة المجتمع ككل بغيره فإن كل ذلك ينتظم في العلوم الإنسانية والاجتماعية من اقتصاد واجتماع و سياسة … فهذه العلوم ما تقوم إلا على حركة الإنسان في الكون، وتصرفه لشؤونه ولا تقوم إلا على تدبيره لأموره العامة والخاصة بقصد تحقيق مصالحه (21).
ويكفي المسلمين فخرا أن أول آية في كتابه تأمر بالقراءة”: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ والعلماء يقولون إن حذف المعمول مؤذن بالعموم، فكل ما هو علم فمطلوب من المؤمن أن يقرأه ويستفيد منه ويجعل الغاية من تحصيله العلمي هو الله الخالق – خلق الإنسان من علق، يتعلم باسم الرب الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.
فغاية العلوم كلها على اختلاف تخصصاتها من وجهة نظرة إسلامية إنما تسعى لعمارة الأرض وإرضاء الرب سبحانه.
والذي يؤكد هذا الفهم أن المؤلفات الفقهية تناولت جوانب مختلفة من سلوك الإنسان وتصرفاته في علاقته بربه وهو ما ينتظم في قسم العبادات، أو بعلاقته بمن حوله في نطاق الأسرة أو في المجتمع، وهذا ما ينتظم تحت أبواب مختلفة، الأسرة، المعاملات الحدود والقصاص، والتعازير، وهذا القسم يمثل ضعف القسم الأول (22). وهي موضوعات تنظم علاقات الناس المالية، والقضائية والاجتماعية والسياسية والحربية وآداب وقواعد السلوك.
في الوقت الذي نحرص على عدم إخراج العلوم الكونية على اختلافها من المفهوم الواسع للتحصيل العلمي المطلوب شرعا إن على سبيل الفرض العيني أو الكفائي.
نحرص أيضا أن تكون دراستنا للقضايا الاجتماعية من منطلق الرؤية الإسلامية وفي الإطار المرجعي للإسلام، لا أن تستورد وتستل عن سياقها التاريخي التي مر بها المجتمع الغربي والذي تحرر فيها الفكر الغربي من سلطان الكنيسة ومحاولة إسقاط مفاهيمها وقيمها ومشاكلها وحلولها على المجتمع الذي يدين بالإسلام.
فالأمر يحتاج إلى تنظيم وتنقية محتوى هذه العلوم وفقا للتصور الإسلامي لحقائق الألوهية والكون والإنسان والحياة، وتأصيلها تأصيلا سليما موضوعيا يتماشى مع الانتماء الحضاري لأجيالنا، وربط الدنيا بالدين والدنيا بالآخرة.
وكذلك ضرورة ربط العلوم التطبيقية بمنطلقات وأهداف تتماشى مع رسالة الدين في الحياة (23).
كما أننا ننعى على الذين يخرجون العلوم الكونية من تكنولوجيا وهندسة وطب و ….. عن مقاصد الإسلام، ويقصرون معنى العلم الشرعي في مجال الفقهيات فقط وأما العلوم الأخرى فلا يجب تحصيلها.
فهل من الإسلام في شيء أن يموت الناس بالآلام والأوجاع، لأن علم الصيدلة والكيمياء ليسا من العلوم المطلوبة شرعا هل من الإسلام في شيء أن يموت الناس بالأمراض والأوبئة الفتاكة لأن علم الطب ليس من الفروض المطلوبة في الأمة.
هل من الإسلام أن تترك البنايات الشاهقة عرضة للسقوط لأدنى زلزال أو انحراف للأرض …… لأن علم الجيولوجيا وعلم الهندسة ليس علمين شرعيين؟!.
لقد ترامى إلى أسماعنا منذ عقد فتوى مضمونها جواز الغش في المواد المصطلح عليها” “غير الشرعية” لئلا يجهد الطالب نفسه في حفظ ومراجعة ما لا فائدة فيه ! ! !
أليس هذا أمرا عجيبا وفهما ضيقا لتعاليم الوحي ومقاصد الإسلام.
إن الفكر الغربي الحديث قد تخلى عن الدين، بسبب ما سمي في أوربا من صراع بين الدين والعقل، وبين الدين والعلم، وكان من نتائج ذلك عزل الدين من أن يكون مصدرا معتبرا من مصادر المعرفة، يقوم على أساس منه منهج للفكر أو صياغة للعلم أو مرتكز للحضارة أو قاعدة لأي نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وعلى هذا الأساس أقصيت تعاليم الدين التي نادت بها الكنيسة عن أن تكون مصدرا للمعرفة، فقامت نظريات في المعرفة على نزعات متعددة كالطبيعة والحس والعقل أو المادة إلى غير ذلك من فلسفات، لكنها لا تختلف فيما بينها في عدم اعتبار الوحي مصدرا للمعرفة يصلح أن تقوم على أساس منه مناهج العلوم ونظم الحياة ومعايير القيم (24).
فاعتبار علوم الدين منعزلة من تنظيم الحياة، وإنما هي أحكام تعالج علاقة الإنسان بخالقة إنما تعكس فهم معنى الدين من منطلق غربي، لا من منطلق إسلامي قرآني، وحينما نستصحب هذا الفهم للدين ينتج عنه هذا الإشكال في مدلول العلوم الشرعية وعلاقتها بالعلوم والتخصصات الأخرى، لذلك نحن في حاجة إلى تنقية تراثنا ومفاهيمنا وثقافتنا من الدخيل، وأن نحسن الاستفادة من كل جديد نافع، وهذا ليس انغلاقا عن الذات.
خاتمة
لذلك نرى من الضروري أن لا تخلو كلية من كليات العلوم المختلفة من مادة أو مقياس يتضمن معلومات أساسية عن التصور الإسلامي للكون والحياة، والإنسان والقيم، ما دام القصد واحدا وهو إيجاد التكامل والتناسق بين جميع فروع العلم أيا كانت لتكون الجامعة منارة تسهم مساهمة في إنشاء أجيال متطلعة إلى آفاق العلوم ومبتكراته وانجازاته مرتبطة بالانتماء الحضاري وليس معنى هذا الانغلاق أو أحادية الرؤية فيما هو مجال للنظر والبحث والاجتهاد، وإنما في حدوده الأدنى إيجاد قاسم مشترك بين جميع أبناء الوطن، وحتى لا نقع في التقاطع الخالي (Intersection Vide) بالتعبير الرياضي، بحيث لا يمكن أن نجتمع على شيء أو نحصل على حد أدنى من الاتفاق لتتكاثف الجهود والعقول للنهوض البلاد.
ولعل هذه المداخلة فتحت نوافذ لتوضيح بعض القضايا العلمية للباحثين للدراسات أوسع وأعمق.
والحمد لله في البدء والختام.
