لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب، بل لأن غيرهم من العامة والخاصة غضوا الطرف عنهم، وكان ذلك نوعاً من الموافقة ومسايرة الواقع، وإن كان بالغاً في السوء.

عن ابن مسعود أن رسول الله قال: “إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ..} [سورة المائدة: 78]، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرنه على الحق قصراً” [رواه أبو داود والترمذي].

أن تدع المنكر يُرتكب في بيئتك وتتغاضى عنه لأي سبب من الأسباب، ولا تحاول إنكاره ولو بالقلب كأضعف الإيمان، بل وأكثر من ذلك أن تتعامل مع صاحب المنكر وكأن لم يصدر عنه منكر من القول أو الفعل، فهذا مرض قلبي لو توسعت رقعته وأصاب غالب المجتمع، فلا شيء يضمن ألا تسوء العاقبة.

الحديث صريح واضح في هذا (إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة) [رواه أحمد]، هكذا فُقه إنكار المنكر بكل وضوح واختصار.

وبقول النبي “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” [رواه مسلم] يبين لك مراتب تغيير المنكر، فليس كل منكر ينفع تغييره باليد مثلاً، وليس كل أحد مطالباً بتغييره باليد وهذا أمر واضح جلي.

هناك مثلاً أضعف درجات التغيير، وهو أضعف الإيمان، الذي يستطيع كل مسلم القيام به، وهو الإنكار بالقلب، أي أن يكره المنكر ويستبشعه، وهو فرض عين على كل مسلم ولا يسقط عنه بحال من الأحوال.

ثم ترتقي الدرجة ليكون التغيير باللسان، عبر النصح والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا هو الملاحظ في كثير من البلدان خاصة بعد انتشار وسائل التواصل، لكن هذه الوسيلة باتت محفوفة بالمخاطر واحتمالية التعرض للأذى الرسمي، حين يكون أفق السلطة الحاكمة محدوداً، وصدرها ضيقاً!

أما الوسيلة الأكثر فاعلية ونجاعة، فهي الإنكار باليد، وهذه الوسيلة بالطبع ليست لأي أحد وإنما لصاحب السلطة والقرار ومن يأتي في حكمهم، لمنع الفوضى وتجنب مفاسد أكبر من المنكر ذاته.