كلما ارتفعت الشكوى من سلوك الأبناء إلا وتطوع مستشارون ومحللون للخوض في بيان الأسباب، ورصد التجليات، وتولي مهمة التحكيم بين طرفي النزاع الأسري. كل ذلك يتم في ضوء معطيات علوم حديثة، تميل في طرحها إلى تخلي الأسرة عن أساليب التعنيف والزجر، والابتعاد عن تربية قديمة، توصف بمعاملتها للطفل على أنه شيطان صغير، يتوجب انتزاع بذرة الشر من نفسه.

وبعد أن كان الطفل جزءا من كيان الأسرة، وطرفا في تحمل أعبائها اليومية من موقع مسؤولية تتناسب مع مدركاته واهتماماته، أصبح اليوم بؤرة الانشغال الأسري، بحيث يصطف الأبوان كالخدم لتلبية كل احتياجاته ورغباته، متعللين بأن الحرمان يسبب له انحرافا نفسيا، وعطبا سلوكيا قد لا تجبره الأيام.

وعلى صعيد آخر جرى تسويق إعلامي خبيث للأسرة السعيدة، بحيث صار عالم الأحاسيس والمشاعر رهينا باقتناء غير محدود للمنتجات والسلع، وربط الصغير بدورة استهلاك جنونية تبدأ حتى قبل ولادته. كل ذلك عبر تمرير خطاب يغذي المخاوف، ويشل تفكير الآباء حرصا منهم على صحة المولود، ونموه العقلي والعاطفي، وأدائه الحركي، ومتاهة العلل والأسقام التي يمكن أن تنشأ جراء التفريط في استهلاك منتج أو خدمة!

نشأت إذن مسافة حادة بين توقعات الأسرة لطفل منسجم مع تعاليم دينه وقيمه، ورسالته في الحياة، وبين متطلبات حياة معاصرة، تدفع بشدة لاقتلاعه من جذوره، وتذويبه في منظومة كونية. ولردم تلك المسافة يُبدي الأبوان قلقا مستمرا إزاء ما ينبغي فعله، وكيف نستطيع تحصين الأبناء دون فصلهم عن حركة الحياة من حولهم. وهي الأسئلة التي تتطلب عودة إلى الأسس، ورصدا لجوهر التربية وغاياتها الكبرى المسطرة في ثنايا الكتاب والسنة.

إن أول واجب تربوي تجاه الطفل هو تعريفه الحكمة من وجوده والغاية من خلقه، حتى يسهل عليه تحديد أهدافه بدقة وانسجام مع هويته وثوابته. وهذا الواجب يتحقق من خلال كلمات، كالتي علمها النبي لابن عباس رضي الله عنهما؛ بمعنى أن يتم تلقين أصول الدين ومبادئه الكبرى بلغة يفهمها الطفل ويستوعب دلالاتها، وتتضمن إجابات مسبقة عن أسئلة قد تبلبل تفكيره فيما بعد.

يقول الإمام ابن قيم الجوزية منبها إلى حيوية هذا المسلك التربوي الجليل: “إذا كان وقت نطقهم فليلقنوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا. وكان بنو إسرائيل كثيرا ما يسمون أولادهم ب “عمانويل” ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا. ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، بحيث إذا وعى الطفل وعقل، علم أنه عبد الله، وأن الله هو سيده ومولاه”(1).

ولعل إحدى أهم ثمار البناء العقدي السليم للطفل، تتجلى في ثباته على المبدأ حين تهب رياح الشكوك والشبهات، وتتنوع أساليب حضه على الذوبان في هوية وثقافة أخرى. ونحن نعاين اليوم استفحال أدوات التغريب، وتشجيع الصغار والكبار على الانتساب لما يسمى بالقيم الكونية، وما يثيره من أسئلة مقلقة تهز القناعات والمبادئ.

ولأن موقف الإسلام تجاه حركة الفرد قائم على الاعتدال والوسطية، فإن الطفل بحاجة إلى التدرب منذ صغره على المنهيات القرآنية والنبوية التي تُهذّب سلوك الإنسان. إذ يظهر من غالب شكوى الآباء صعوبة في ضبط سلوك أبنائهم تجاه ثقافة الاستهلاك السائدة. وهو سلوك يوجهه المذهب الأبيقوري: “كل واشرب واستمتع”، ويفضي لاحقا إلى التحرر من كل مسؤولية أو قيد يحول دون إشباع النفس لشهواتها. يقف الإمام أبو حامد الغزالي في “الإحياء” عند هذه المسألة موجها نصحه للآباء: “ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد. بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره..”.

ومن الخطأ الشائع داخل أغلب الأسر المسلمة اليوم، إصرارهم على أن يحقق الأبناء إنجازا دراسيا متميزا، وأداء عاليا في مسارهم التعليمي، دون مراعاة لميولهم وقدراتهم. وينشأ ذلك عادة حين تصبح المنافسة المحتدمة سمة السياق الاجتماعي، فيتعرض الطفل لضغوط أسرية تحثه على التميز وتأكيد الذات ولو تطلب الأمر تحطيم المبادئ والقيم. ولا يحتاج عاقل إلى عرض أمثلة عن ثقافة الغش، وسرقة جهود الآخرين، والخلط الشديد بين الأداء والنجومية الباهتة.

تحت وطأة التميز تراجعت الاستعدادات النفسية لدى الأسر لتقبّل عدد من الحرف والمهن، بالنظر إلى التمثلات الاجتماعية الخاطئة. وهو الأمر الذي يتطلب مراجعة تستحضر فضل العمل في الإسلام، ومكانة العامل الذي يأكل من عمل يده؛ كما تنبه لضرورة مراعاة ميول الأبناء واستعداداتهم، ليكون إنجازهم عن رغبة لا عن رهبة.

لقد تنبه ابن القيم لمسألة الميول في إعداد الأبناء فعقد في كتابه (تحفة المودود) فصلا جاء فيه:” مما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له؛ فلا يحمله على غيره ما كان مأذونا فيه شرعا؛ فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له..”

ثم يعرض مؤشرات تدل على ميول الطفل، مما يهيئ الأسرة للتجاوب معها بشكل يحفزه على الأداء الجيد:

” فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعيا؛ فهذه من علامات قبوله وتهيئه للعلم..

وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية، وأسبابها من الركوب والرمي، واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يخلق له، مكّنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين..

وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، وأن عينه مفتوحة على صنعة من الصنائع، مستعدا لها، قابلا لها، وهي صناعة مباحة للناس، فليمكّنه منها..”(2).

ومن مظاهر” الفتنة” التي تتلبس بسلوك الأبناء وتصرفاتهم، ما يعيشونه على مدار الساعة من صيحات الموضة، والتقليعات التي لا حصر لها في عالم الأزياء، والتجميل، والألعاب، وغيرها مما تتقاذفه شبكة الانترنيت دون هوادة. وزادت التجارة الإلكترونية من سهولة الاقتناء، والمبادلة حتى صار العالم متجرا صغيرا، تتحقق سعادة أبنائه بمقدار ما يستهلكون.

ولتحرير الأبناء من هذا الشرَك الجمالي الزائف، فإن على الأسرة أن تهتم بالتربية الجمالية لصغارها؛ تربية تقرن الجمال بالمعاني الروحية، وتعتبره وسيلة للابتكار والعطاء. وقد علّمتنا السنة النبوية كيف ننمي الإحساس بالجمال، دون أن نقرنه بالمنفعة أو التحرر من القيم:

فجمال الثياب في بساطتها ونظافتها، لا في غلاء أسعارها، وما يؤدي إليه من غرور وتكبر. وقد حذر النبي من اتخاذ الجمال مطية للاستعلاء في قوله: “من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة.”- أخرجه أبو داوود وغيره من حديث عبد الله بن عمر.

وجمال الزهور في تناسق ألوانها وطيب رائحتها وما تُخلّفه من أحاسيس ومباهج. وقد جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قول النبي :”من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح.

وجمال الإنسان ترسمه البسمة والضحكة. وقد كان النبي دائم البشر، طلق المحيا، ومثالا للإنسان الذي يستشعر آيات الجمال الإلهي في الكون.

تتعدد مشاكل الأبناء تبعا للظواهر المجتمعية التي تغذيها تجليات العولمة، والانفتاح المتزايد على ثقافات العالم. وبالمقابل يلاحظ تراجع في الوظائف التربوية للأسرة المسلمة، وتطبيع آخذ في الاستفحال مع سلوكيات وتصرفات تؤشر على وضع قيمي مهزوز. ولا سبيل لتصحيح الوضع إلا من خلال استعادة الأسس التي قامت عليها تربية خير أمة أخرجت للناس؛ تلك الأسس التي لخصها ابن القيم في قول لطيف مفاده أن كمال الإنسان لا يتم إلا بهذين النوعين: همة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه؛ فإن مراتب السعادة والفلاح، إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما !


(1) ابن قيم الجوزية: تحفة المودود بأحكام المولود. ص 231

(2) نفس المرجع: ص243