شريعة

أركان الحياة الثلاثة

دراسة تحليلية لمقومات حياة الإنسان في الوجود

Feature image

حوت الحياة موجودات وكائنات عديدة، أبرزها الإنسان، بل الإنسان مركز الحياة ولُبّها لو تُرك الحكم للبشر. هذا الإنسان جسم مكون من جسد وروح (ظاهر وباطن)، يتغذى ويتنفس ويقضي حاجته، يعيش ويموت. لما ينُظر إلى ابن آدم بصفته مجرد مخلوق، بعيدا عن الصفات الاجتماعية العرضية التي تعتري الإنسان من بعد؛ كالعرق، واللغة، والحالة الاجتماعية والفئة العمرية، والثقافة والدين؛ فإننا نجد أن فلك حياة هذا الكائن لا يقوم إلا على عناصر ثلاثة، ولا معنى للحياة وأحداثها بدون هذه الأركان الثلاثة. تسعى هذه المقالة إلى محاولة دراسة مقومات الحياة، بمنهج استقرائي وتحليلي، وكشف مكانة القيم والأخلاق والدين والتدين منها.

مفهوم “أركان الحياة” وضوابطها

يقصد بأركان الحياة هنا أعمدتها وأسسها، وما لا قوام لها إلا به. على غرار أركان الإيمان والإسلام.

ضابط معرفة “أركان الحياة” هي أنها صفات ذاتية وجوهرية ولا يتوقف وجودها على غيرها، -بعد أن أوجدها الله وفقا لحكمته-، ويتعلق بها من بعد كل حلقة من حلقات أحداث الحياة، بل تتولد منها صفات، كما تتولد منها خيارات تجاه مواقف الناس، وليست هي جزءا من الحياة نفسها. هذه الأسس الثلاثة هي: الحاجة والجهل والعجز.

الركن الأول: الحاجة:

يوجود الإنسان وهو مزود بأهبة وقابلية السعي وراء ما لا تتم الحياة إلا به أصالة أو نيابة. إذ يُخلق الإنسان محتاجا لما يضمن له الحياة. مثال ذلك الهواء والمأكل والمشرب وغيرها، فهل يمكن أن تستمر الحياة لو تكن الحاجة ركنا من أركانها؟! يعني تصور عدم حاحة الإنسان إلى شيئ ما!

لذلك يقول طرفة بن العبد:

سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش  **  ثمانين حولا، لا أبالك يسأم

ضابط معرفة “أركان الحياة” هي أنها صفات ذاتية وجوهرية ولا يتوقف وجودها على غيرها، -بعد أن أوجدها الله وفقا لحكمته-، ويتعلق بها من بعد كل حلقة من حلقات أحداث الحياة

جدير بالذكر أن القرآن يسمي كل ما يلبي هذه الحاجة بنعمة، فالنعمة كل ما يغطي حاجة الإنسان. وهي نعمة ظاهرة من حيث هبة الله إياها للإنسان، ونعمة باطنة من حيث تسخير الله الكون للإنسان ليُقَولِبَهُ إشباعا لحاجته.

وقبل الحديث عن محل الدين والتدين في هذا الركن يذكر أن حاجة الإنسان إلى الدين نفسه وإلى ركن شديد يأوي إليه من أكبر عوامل التدين وفق بيان الكثير من كتب الأديان.

ومحل الدين والتدين من هذا الركن هو التزكية والتهذيب، إنك لن تجد في نصوص كتب الأديان أن: “لبِّ حاجتك، أو اعمل لتأكل، ابنِ بيتا لتسكن، كل طعاما لتعيش..” هذا مفروغ منه، فهو تحصيل حاصل يعني، موقف الدين والتدين يكمن في: هذب عملك أثناء سعيك الطبيعي لإشباع حاجتك التي لا مفر منها، هذب مسعاك، أحلل لقمتك؛ ابتعد عن الحرام، احترم غيرك، راعِ مشاعر الآخر، اصبر، تفاءل، لا تحملنّك الحاجة إلى ظلم الناس، واستغلالهم، والتعالي عليهم، بل كن مفتاح خير مغلاق شر.. وهكذا.

الركن الثاني: الجهل:

رغم إقرار الإنسان بأنه بحاجة، ويسعى لتلبية ذلك، يجهل حقيقة الأسباب المؤدية إلى ذلك. بل وقد يجهل الإنسان حقيقة نفسه، والكون الذي يعيش فيه وما يتعلق بها، -على أنه قد يعرف شيئا بسيطا جدا عن هذه الأمور- بل وكثير من الناس يجهلون حقيقة الحقيقة، ويختلفون ويتقاتلون حولها. ولو علموا وما جهلوا لما صار ما صار وما سيصير.

الجهل عنصر أساسي للحياة، إذ لو علم الإنسان حقا ما يلبي له حاجته، وعلم حقيقة نفسه حقا، وأدرك حقيقة الحقيقة لانعدم معنى الحياة وأسباب سيروريتها، ولانعدم معنى الابتلاء. يثول طرفة:

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله  **  ولكنني عن علم ما في غد عمٍ

وقبل الحديث عن محل الدين والتدين في هذا الركن يذكر أن إقرار الإنسان بجهله من أكبر عوامل الإقبال على الدين وعلى التدين للاستعانة والاستعاذة بالخالق الذي يوصف بكل كمال.

ومحل الدين والتدين من هذا الركن هو أن مجرد الاعتراف بهذه الحقيقة عبادة وتقرب إلى الله، فأكثر الناس لا يعلمون، ولا علم لهم إلا ما علمهم الله، فإنه يعلم ولا يعلم الإنسان إنه هو علام الغيوب.

وعليه فقس الآتي:

فليتك تحلو والحياة مريرة ** وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر  ** وبيني وبين العالمين خراب

إن صح منك الود فالكل هين ** وكل الذي فوق التراب تراب

الركن الثالث: العجز

الجهل عنصر أساسي للحياة، إذ لو علم الإنسان حقا ما يلبي له حاجته، وعلم حقيقة نفسه حقا، وأدرك حقيقة الحقيقة لانعدم معنى الحياة

وثالثة الأثافي هي العجز، ويقصد به العقبات التي تعتري حياة الإنسان مما لا مفر له منها، وهو أمام هذه العقبات غير قادر على تفاديها، مثل المرض والموت.

حقيقة عجز الإنسان موحٍ إلى أنه لا قوام للحياة بدونها. ولعل هذا هو المدخل الذي طرقه إبليس لما أراد إغواء آدم عليه السلام، فهو مخلوق ذكي، قادر على التعلم وتطوير الذات. إلا أن ذاك محدود. فأمامه في الأخير الموت والفناء، أو أن وجوده وعلمه مرتبط بخالقه؛ فلو أكل من شجرة الخلد، وتجاوز عقبة المرض والكهل والشيخوخة والموت لعاش أبدا، ولانعدمت هذه الحقيقة في الحياة، وبالتالي انعدم معنى الحياة.

يقول الشاعر:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ** تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم.

وقبل الحديث عن محل الدين والتدين في هذا الركن يذكر بأن تذكُّر الموت من أهم العوامل التي ترفع من الإيمان ويدفع الإنسان نحو العمل الصالح والكف عن ظلم الناس واستغلالهم ومحاسبة نفسه قبل أن يحاسب، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فاتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله.

ومحل الدين والتدين من هذه الحقيقة هو العمل على الاستعداد لهذه الحقيقة.

أخيرا، بدون الحاجة والجهل والعجز النسبي لعاش الإنسان في جنة الخلد، ولانعدم معنى الحياة. إلا أن حكمة الله شاءت خلق الإنسان للابتلاء، فلا بد من توفر هذه العناصر الثلاثة ليتسنى للإنسان أن يبتلى!

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة