انطلقت في قاعات كلية القانون بجامعة قطر، يوم الإثنين ٢٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ الموافق ٥ أكتوبر ٢٠٢٦م، فعاليات النسخة الثانية من “مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة” تحت شعار “يهدي للتي هي أقوم”، بالتوازي مع افتتاح أعمال النسخة الثانية من “ملتقى كتاب الأمة” الذي ينعقد تحت شعار “كتاب الأمة: مشروع حضاري في عالم مضطرب”.

ويمثل هذا الحدث الفكري، الذي يشهد إقبالا أكاديميا واسعا ومشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين من تسع دول، امتدادا لشراكة مؤسسية وعلمية استراتيجية بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلة بإدارة البحوث والدراسات الإسلامية، وجامعة قطر، ممثلة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية ومركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية.

استكشاف الأبعاد المعرفية وتوسيع دوائر الحوار

ويهدف المؤتمر بشكل رئيس إلى استكشاف دور القرآن الكريم في ترشيد مسارات المعرفة الإنسانية، وإبراز الأبعاد المعرفية والأخلاقية والتشريعية التي يقدمها في معالجة القضايا الفكرية والإنسانية المعاصرة، كما يسعى إلى تعزيز حضور المرجعية القرآنية في مختلف الحقول العلمية، ودعم التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، وتوسيع دوائر الحوار العلمي وتعزيز الدراسات البينية التي تستلهم الرؤية القرآنية في معالجة تحديات العصر وقضاياه المتجددة.

وتتوزع أعمال المؤتمر على أربعة محاور رئيسة، هي: القرآن الكريم والفلسفة، والقرآن الكريم واللسانيات، والقرآن الكريم والقانون، والقرآن الكريم والسياسة.

تحويل المؤتمرات إلى مشاريع معرفية مستدامة

وأكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، أن النسخة الثانية من المؤتمر والملتقى تجسد رؤية الوزارة في تعزيز الحضور المعرفي للقرآن الكريم، وتوظيف المعرفة الشرعية في بناء الإنسان وترسيخ الوعي الحضاري.

وأوضح أن تنظيم هاتين المبادرتين ينطلق من الإيمان العميق بأن القرآن الكريم ليس مصدرا للهداية والتشريع فحسب، بل يمثل مرجعية حضارية ومعرفية قادرة على الإسهام في بناء الوعي، وترشيد الفكر، وتوجيه مسارات المعرفة الإنسانية. وأضاف أن المؤتمر يسعى إلى تعميق البحث العلمي في العلاقة بين الوحي ومختلف الحقول المعرفية، وإبراز قدرة الرؤية القرآنية على الإسهام في معالجة التحديات الفكرية والإنسانية المعاصرة.

ولفت الشيخ أحمد إلى أن النسخة الحالية تواصل البناء على النجاح العلمي للنسخة الأولى، والتي أثمرت بحوثا علمية محكمة جرى جمعها وتحكيمها وإصدارها في ثلاثة مجلدات علمية متخصصة. واعتبر أن هذا الإنجاز يعكس حرص الوزارة على تحويل الملتقيات والمؤتمرات العلمية إلى مشاريع معرفية مستدامة الأثر، تتجاوز حدود الفعالية الوقتية لتصل إلى إنتاج علمي راسخ يخدم الباحثين والمؤسسات الأكاديمية.

حضور مجموعة من الرجال والنساء في قاعة مؤتمرات، حيث يجلس عدد من الرجال يرتدون الزي التقليدي الإماراتي في المقدمة، بينما يظهر جمهور متنوع في الخلفية، مع التركيز على المنصة والألوان الزاهية للمقاعد.
جانب من حضور افتتاح مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية في نسخته الثانية

وفيما يخص “ملتقى كتاب الأمة”، شدد مدير إدارة البحوث على أنه يمثل أحد المسارات المهمة في المشروع المعرفي للوزارة؛ إذ يسعى إلى استقراء تجربة هذه السلسلة العلمية الرائدة وإبراز إسهاماتها في التأصيل الفكري، وتعزيز الوعي الحضاري، ومعالجة القضايا الفكرية المعاصرة، واستشراف آفاق المشروع الحضاري الإسلامي. وأشار إلى أن الملتقى يمثل امتدادا لجهود الوزارة في دعم المشاريع الفكرية والثقافية التي أسهمت في إثراء المكتبة الإسلامية والعربية بعشرات الإصدارات، مسهما في معالجة قضايا الفكر والخطاب الإسلامي المعاصر، وتعزيز الحوار العلمي حول التحديات الحضارية والإنسانية الراهنة.

نموذج وطني وتكامل أكاديمي لمواجهة التحولات

من جانبه، أشاد الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، بالشراكة العلمية القائمة بين الوزارة والجامعة، مؤكدا أن هذا التعاون المؤسسي يمثل نموذجا وطنيا رائدا في تكامل الجهود لخدمة البحث العلمي وبناء المعرفة، ويعكس الأهمية القصوى للعمل المشترك بين المؤسسات العلمية والأكاديمية في مواجهة التحديات الفكرية والمعرفية المعاصرة.

ولفت الأنصاري إلى أن اجتماع الجهود حول كتاب الله تعالى واستلهام هداياته في مختلف ميادين المعرفة، يعد من أعظم صور العمل العلمي المؤثر. وذكر بأن القرآن الكريم ظل عبر التاريخ منطلقا للحضارة الإسلامية ومصدرا لإلهام العلماء والباحثين، وأسهم في بناء نهضة علمية ومعرفية تركت آثارها العميقة في مختلف مجالات العمران والعلوم والفنون.

رجل يرتدي الزي التقليدي يتحدث في مؤتمر إسلامي، مع ميكروفون أمامه وشاشة تعرض شعار المؤتمر. خلفية المكان تظهر تصميمًا عصريًا.
الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

وأكد عميد كلية الشريعة أن الأمة لم تبلغ مكانتها الحضارية المرموقة إلا حين جعلت القرآن الكريم إماما يهدي مسيرتها العلمية والفكرية، واستمدت منه قيم العلم والإيمان والعمل. واختتم كلمته بالدعوة إلى مواصلة تعميق الصلة بالوحي واستثمار هداياته في بناء المعرفة الإنسانية، وترشيد الفكر، وتعزيز الإسهام الحضاري للأمة في عالم يشهد تحولات معرفية وفكرية متسارعة.

استنطاق الوحي وتأسيس “المعرفة الراشدة”

وفي تفكيكه للرؤية الأكاديمية للمؤتمر، قدم الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، مقاربة شاملة لرسالة الحدث، مؤكدا أنه ينطلق من إيمان راسخ بأن القرآن الكريم كتاب هداية ومرجعية معرفية قادرة على الإسهام في تكوين الرؤية، وترشيد العقل، وتسديد مسارات المعرفة الإنسانية، وإعادة وصل العلوم بمقاصدها الأخلاقية والإنسانية والحضارية.

وأوضح بن لحسن أن الإقبال العلمي الكبير على المؤتمر يعكس حاجة متزايدة إلى فضاء علمي جاد يعيد طرح موقع الوحي في بناء المعرفة الإنسانية، ويستكشف إمكانية الانتقال من مرحلة الاستشهاد بالنص القرآني، إلى استنطاق بنيته المعرفية، ومنظومته القيمية، ورؤيته للإنسان والعالم والمجتمع والتاريخ.

وكشف أن اللجنة المنظمة تلقت قرابة ألفي ملخص بحثي ضمن محاور المؤتمر الأربعة. وبعد خضوع المشاركات لمراحل دقيقة من الفحص والتحكيم العلمي، اختير ١٧ بحثا نهائيا يقدمها باحثون من تسع دول (قطر، المغرب، الجزائر، مصر، تركيا، اليمن، سلطنة عمان، العراق، والسودان)، مما يؤكد المكانة الدولية المتنامية للمؤتمر وقدرته على استقطاب الباحثين المهتمين بقضايا الوحي والمعرفة الإنسانية.

رجل يتحدث في مؤتمر حول القرآن والدراسات الإنسانية، يقف أمام منصة تحتوي على شعار المؤتمر. خلفه لافتة تحمل تفاصيل الحدث.
الدكتور بدران بن لحسن مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر

وبين بن لحسن أن اجتماع الفلسفة واللسانيات والقانون والسياسة في إطار مؤتمر واحد، يجسد طبيعة الرؤية القرآنية الشاملة التي تخاطب الإنسان في كليته؛ وتربط بين الفكر والسلوك، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين الفرد والعمران. وحدد مفهوم “المعرفة الراشدة” التي يتطلع إليها المؤتمر بأنها تلك المعرفة التي تسترشد بالقرآن الكريم، وتنفتح على منجزات العلوم الإنسانية المعاصرة، دون أن تنفصل عن قيم الحق والعدل والرحمة والكرامة.

وأعرب عن أمله في أن تسهم جلسات المؤتمر ومداولاته العلمية في تأسيس حوار معرفي منتج، وإطلاق مشروعات بحثية مشتركة تؤصل المفاهيم وتطور المناهج وتبني النظريات، بما يعزز حضور المرجعية القرآنية في الدراسات الإنسانية ويسهم في بناء معرفة إنسانية أكثر رشدا واتصالا بقضايا الواقع وتحدياته المعاصرة.

الجلسة الأولى: الفلسفة في ضوء الهداية القرآنية

شهدت أعمال اليوم الأول انعقاد الجلسة العلمية الأولى ضمن محور “القرآن الكريم والفلسفة”، وأدارها الدكتور محمد الساعي، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر. وتناولت الجلسة ثلاث أوراق بحثية سعت إلى تعميق البحث في العلاقة بين الوحي والمعرفة الإنسانية، واستكشاف دور الهداية القرآنية في بناء الرؤى الفكرية والفلسفية المعاصرة.

واستهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الأستاذ الدكتور المكي إقلاينة بعنوان “العقل القرآني والعقل الفلسفي: نحو إعادة بناء منهج التفكير الإنساني في ضوء مقاصد الهداية”. وتناولت الورقة مفهوم العقل في الخطاب القرآني بوصفه عقلا موجها بالهداية ومتصلا بالمسؤولية الأخلاقية والعمرانية، ساعية إلى بناء نموذج معرفي يجمع بين العلم والقيمة ويعيد التوازن بين المعرفة والغاية بما يخدم الإنسان والعمران.

وقرر المكي خلال الورقة أن خطاب القرآن في سياق توجيه التفكير الإنساني لا يقدم نفسه بديلاً عن العقل أو منافساً له، بل مبدأً يعيد بناء منهج التفكير الإنساني ذاته، من خلال ربط المعرفة بالمسؤولية، والقدرة بالمشروعية، والحكم باعتبار المآلات.

والعقل الراشد الذي اقترحته هذه الدراسة ليس عقلاً أقل قدرة على الإنجاز من العقل الذاتي، بل عقل أكثر وعياً بشروط إنجازه وحدوده وآثاره، لأنه لا يفصل بين المعرفة والقيمة، ولا بين الفعل والمسؤولية، ولا بين النجاح والإصلاح.

تلاها الأستاذ الدكتور وائل أحمد خليل الكردي بورقته البحثية “التأسيس القرآني لمنطق المستويات المتعددة في تكوين الرؤى الكونية العلمية الشاملة”، طارحا تصورا معرفيا يستلهم القرآن الكريم في بناء نسق منطقي يربط بين عوالم الشهود والغيب، ويسهم في تكوين رؤى فلسفية أكثر شمولا واتساقا مع الدلالات القرآنية للوجود والعلم والإنسان.

أسس الدكتور الكردي في هذه الورقة لمفهوم الرؤى الكونية العلمية الشاملة مشيرا إلى العلاقة الفلسفية بين الوجود والوعي باعتبارها رؤى كونية شاملة، وضرورة تكوين مرجعية لها، ومن هنا حدد المرجعية القرآن الكريم ومركزيته نظاما مرنا لتكوين الرؤى الكونية الشاملة ترتبط بمتغيرات الزمان والمكان. وبناء عليه عالج منطق القيم المتعددة، حيث استمد من القرآن الكريم نظاماً منطقياً ملائماً أسميته «منطق المستويات المتعددة»، باعتباره منطقا يؤمن بأن الصدق والكذب ثابتة، ولكنها ليست في حيز القيم الثنائية، وإنما في حيز الدلالات المتعددة.

هذا المنطق يقوم على الدلالة وليس على القيمة المطلقة؛ فهناك المستويات الوقائعي، ومستوى التصورات، وغيرها. تعدد المستويات الدلالية وصعودها وهبوطها هو الذي يُصاغ حوله الحكم بالصدق أو الكذب.

واختتمت الجلسة بورقة قدمتها الدكتورة شيماء فوخري بعنوان “الأقومية والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء”، حيث تناولت البعد المعرفي للهداية القرآنية من خلال مفهوم “الأقومية”. وقدمت الباحثة إطارا نظريا لإعادة تفعيل الدور المعرفي للقرآن الكريم في توجيه إنتاج المعرفة وتقويمها وفق معايير الاستقامة والإقامة، بما يسهم في بناء مشروع معرفي وحضاري يستلهم الهداية القرآنية في معالجة إشكالات الفكر المعاصر.

ندوة حول الألوسي ودراسته للقرآن، تتضمن ثلاثة متحدثين يجلسون على منصة، مع وجود لافتة خلفهم تحمل عنوان الندوة. الغرفة مزينة بأثاث حديث وزهور.
مشاركة الدكتورة شيماء فوخري بعنوان “الأقومية والهداية المعرفية في القرآن”

وقد انطلقت الباحثة شيماء في طرحها العلمي من إشكالية مقلقة تمثلت في غياب فاعلية المفاهيم القرآنية في تأطير الواقع المعاصر رغم كثافتها المعرفية. ولمعالجة ذلك، ميزت بين نمطين للاهتداء بالقرآن:  

النمط الحاضر : الذي يقتصر على توجيه المعرفة القائمة وفق إطار أخلاقي (كاشتراط الصدق)، وهو لا يُنتج معرفة جديدة بل يؤطرها فحسب.  

النمط المنسي: وهو النمط التاريخي الأصيل الذي صنعت به الهوية الإسلامية حضارتها، حيث تتحول الآيات القرآنية إلى أسس إبستمولوجية ومعرفية مستقلة تُنتج علوماً جديدة؛ وقد دلّلت على ذلك بتجربة الإمام الشافعي في الأصول وابن خلدون في العمران.  

وخلصت الدكتورة شيماء إلى أن العقل الإسلامي ينبني على ما سمته “إبستمولوجيا التصديق” (التي تبدأ باليقين المرجعي للنص ثم تبني شروط إمكان تحققه في الواقع) في مقابل إبستمولوجيا التحقق. ودعت إلى الانتقال من سؤال “إسلامية المعرفة” -الذي وصفته بالمحكوم بلحظة دفاعية وإيديولوجية- إلى أفق أوسع يتمثل في مشروع “الأقومية” المستند إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ}. ويعد هذا المشروع إطاراً معيارياً عالمياً قادراً على نقل وظيفة العقل من مجرد التوصيف إلى التقييم والتقويم، والمساهمة الفاعلة في معالجة تحديات الفكر المعاصر.

قضايا الفكر الإسلامي وسلسلة كتاب الأمة

في سياق إثراء النقاشات العلمية، جاء تعقيب الدكتور عبد القادر جدي على ورقة الدكتور عمر محمودي المعنونة بـ “المنهج الحضاري في سلسلة كتاب الأمة وأثره في معالجة أزمة الخطاب الإسلامي المعاصر” ليؤكد على ضرورة ارتقاء الخطاب الإسلامي لامتلاك آليات الفهم العميق لمعارف ومقتضيات الدولة الحديثة ومؤسساتها الكبرى. وأوضح أن الفقه والخطاب الإسلامي طالما تمركزا في الغالب حول علاقات الفرد بالفرد وعقود البيع الضيقة، بينما غابت عنهما معالجة شؤون المؤسسات، والمصارف، والدول، والبحار الإقليمية، والعلاقات الدولية التي تتطلب ثقافة ومؤسسية خاصة تخرج عن نطاق الفردية.

وشدد الدكتور جدي على أهمية الانفتاح الواعي على علوم العقل والفيزياء الحديثة مثل فيزياء الكم، معتبراً أن الإحاطة بها تخدم بيان يقين وجود الله وصدق الخطاب القرآني، ومحذراً في المقابل من انعزال المتعلم عن منجزات العلم المعاصر. ولمساندة هذا الطرح، استشهد بمثل “صانع الخفاف” الذي ذكره الإمام الشاطبي لبيان أن العالم الحقيقي ليس مجرد حافظ متون يقتصر على عدد محدد من المسائل التي قد تعجزه إن خرجت عن محفوظه، بل هو المتمسك بالملكة المنهجية الخلاقة القادرة على الإجابة عن النوازل واستنباط الأحكام. واختتم تعقيله بالدعوة إلى ربط التعليم الشرعي بالاستقراء والتجريب، وتوجيه الخطاب نحو فروض الكفاية وأولويات التنمية والتخطيط في الدول المعاصرة، بغية تحويل مخرجات المشاريع الفكرية الكبرى كسلسلة “كتاب الأمة” إلى برامج علمية وعملية مستدامة تتتبع التطور وتستدرك النقص بموضوعية ومنهجية واعية.

أما الدكتور يونس أعمر ملال فقد انطلقت مداخلته بعنوان: ” دور السنن الإلهية في التاريخ والاجتماع والسياسة في بناء الوعي الحضاري المعاصر: مقاربة قرآنية تحليلية في ضوء تحديات النهضة الحديثة” من فرضية أساسية مفادها أن التراجع الحضاري للأمة لا يرتبط بقلة الإمكانيات والوسائل المادية، بل يعود إلى “فقر في الأفكار” وطريقة مقاربتنا للواقع وحركة التاريخ. وبرز السؤال المركزي للمداخلة حول كيفية تحويل المعرفة بالسنن الإلهية من مجرد إطار نظري إلى وعي حضاري فاعل وقادر على تسديد الفهم وصناعة الفعل.  

بناء على ذلك ركز الدكتور ملال على السنن الإلهية باعتبارها منظومة متكاملة لا قوانين تاريخية واجتماعية مفرقة، مشيرا إلى أن القرآن الكريم عبّر عنها بألفاظ متعددة تشمل السنن، الآيات، التقدير، المشيئة، والكلمات.  وتتميز هذه السنن بخصائص جوهرية تتمثل في الربانية، والاطراد والثبات، والشمول والتكامل، فضلاً عن ارتباطها بالغايات والقيم المقاصدية. وقد استندت هذه المنظومة في مصادرها إلى الوحي القرآني المؤكد لوجودها، وإلى الواقع والتاريخ اللذين يتيحان للعقل البشري مساحة الاستنباط والاستقراء.

كما أوضح الدكتور ملال أن ارتباط العقل بالسنن ينتظم في مراتب ثلاث، تتدرج من سنن يدركها العقل والتجربة إلى سنن يخبر بها الوحي ويقرها العقل، وصولاً إلى مرتبطة بالإرادة والقدرة الإلهية المطلقة. وفي المقابل، حذّرت المداخلة من “الثقافة اللاسنية” التي تشكل عائقاً أمام النهضة، مجملة إياها في أربعة نماذج: ثقافة الاحتضار، ثقافة الإرجاء، ثقافة الانبهار بالآخر، وثقافة الافتخار القائمة على نزعة المديح والتغني بالماضي دون تفعيل أسبابه.

ثم جاء تعقيب الدكتور عزيز البطيوي ليشيد بعمق الطرح المنهجي للورقة وصلتها الوثيقة بمشروع سلسلة “كتاب الأمة” الإصلاحي. ودعا التعقيب إلى ضرورة ضبط المصطلح وتحاشي إسقاط المفاهيم المادية الغربية على السنن الإلهية، مع التأكيد على أهمية الجمع بين علوم الشرع وعلوم الاجتماع والفلسفة والتاريخ. وخَلُص التفاعل إلى أن دراسة السنن تستوجب نظرة شمولية تستثمر التوجيهات القرآنية لبناء الوعي وتجاوز العوائق التاريخية والاجتماعية.

اللسانيات والخطاب في ضوء الهداية القرآنية

تناولت ورقة الدكتور محمد لمين مقرود تحت عنوان “مفهوم اللغة في المعجم القرآني: دراسة اصطلاحية لحقل الألفاظ اللسانية في القرآن الكريم” تفكيك البنية الدلالية والمفهومية للغة داخل النص القرآني وفق مقاربة اصطلاحية ومعجمية دقيقة. وأثبت الباحث أن الوصول إلى معاني وألفاظ الحقل اللساني في القرآن الكريم هو السبيل الأساسي لبناء مفهوم متكامل ودقيق للغة من منظور قرآني. وانطلق البحث من فرضية واضحة تفيد بأن استقراء وتتبع هذه الألفاظ يُمكّن من تشكيل رؤية معرفية شاملة لطبيعة الظاهرة اللغوية في القرآن.

ولتحقيق هذه الغاية، اعتمد الباحث منهجية علمية تُعرف بـ “الدراسة المصطلحية للشاهد البشيخي”، والتي ترتكز على خطوات متسلسلة تبدأ بإحصاء الألفاظ، ثم دراستها دراسة معجمية عبر الرجوع إلى المعاجم اللغوية، تليها دراسة سياقية نصية بالاستناد إلى سياقات ورودها، وصولاً إلى دراسة مفهومية لاستخراج المضامين الكلية المتضمنة فيها. كما استعان البحث ببعض المفاهيم الإجرائية الخاصة بعلم الدلالة القرآني.

وقد أسفر الحصر الإحصائي عن رصد عشرة جذور لسانية تندرج تحتها ألفاظ متعددة مثل البلاغ، والبيان، والحديث، والخطاب، والأسماء، والصوت، والقول، والكلام، واللسان، والمنطق. ومن خلال دراسة هذه الجذور، استخلص الباحث خمسة مصطلحات مفتاحية مركزية يتشكل منها هذا الحقل، وهي: الأسماء، البيان، اللسان، الكلام، والقول.

وتبين للدكتور لمين من خلال نتائج الدراسة أن الظاهرة اللغوية في القرآن تتوزع بترتيب دقيق؛ حيث يُعد البيان مفهوماً أولياً فطرياً ينتج عنه اللسان، وعن اللسان ينتج الكلام والقول، في حين يمثل مفهوم الأسماء بعداً مفسراً وجامعاً لأبعاد الظاهرة اللغوية كافة. وفي ختام المداخلة، أشار الباحث إلى أن هذه البنية اللغوية تمثل وجوداً واقعياً يمنح النص القرآني قدرة فائقة على استعادة السكينة والتحيين المستمر عبر الأزمنة والأمكنة لخدمة الوعي الإنساني.

أما الدكتور أحمد نور الدين القطان فقد سعت ورقته  البحثية التي بعنوان «أثر القرآن الكريم في تشكل التفكير التداولي عند النحاة والبلاغيين العرب». إلى تأصيل الجذور التاريخية والمعرفية للتفكير التداولي في التراث العربي الإسلامي، مُبيّنة الدور المحوري للنص القرآني في حفز هذا التوجه. تمحورت الفكرة الرئيسة للمداخلة حول إثبات أن التداولية وتطبيقاتها المعرفية لم تكن وليدة العصر الحديث أو الفكر الغربي فحسب، بل كانت حاضرة بقوة في التراث النحوي والبلاغي والأصولي العربي، وكان النص القرآني هو الحافز الأساسي لهذا الوعي المبكر. وقد استهل الباحث ورقة البحث بتعريف التداولية بوصفها علما يدرس اللغة في الاستعمال وسياقات التواصل وعناصر الخطاب المختلفة، مؤكداً ضرورة إدراك خصوصية النص القرآني واستثنائيته المطلقة، وأن الاستشهاد بالآيات جاء للتمثيل واستجلاء الأبعاد التداولية لا للحصر أو القطع الأحكامي.

وتجلت المظاهر التداولية في التراث العربي عبر محاور متعددة؛ فعند النحاة برزت علة كثرة الاستعمال وترجيحها على القياس، وتطبيقات العدول الإعرابي، ومراعاة حال المخاطب، وتغيير الحركات الإعرابية لأغراض تداولية كالتعظيم والترحم والذم. أما عند البلاغيين، فقد نشأت البلاغة دفاعاً عن إعجاز القرآن، وتطورت لترسخ مبدأ مطابقة الكلام لمقتضى الحال وخرق مبدأ الكم لتحقيق غايات بلاغية واستئناسية كما ظهر في قصة سيدنا موسى عليه السلام.

وخلص الدكتور القطان إلى أن الأسبقية التاريخية للحضارة الإسلامية في دراسة الاستعمال اللغوي مصدرها القرآن الكريم، محذراً من “الفوضى الاصطلاحية” الناتجة عن اختلاف ترجمات المفاهيم الغربية، وداعياً إلى ضرورة إعادة توظيف المصطلحات التراثية وتأصيلها لتجاوز هذا التخبط والكشف عن جذور المعرفة اللغوية.

القانون والاستخلاف في ضوء الهداية القرآنية

في ورقة الأستاذ الدكتور مسلم بن سالم الوهيبي مداخلة علمية بعنوان «واجبات الإنسان المستخلف تجاه المنظومة القانونية: دراسة قرآنية تطبيقية مقارنة بالفلسفات الغربية». وكانت الغاية من الدراسة إبراز المنظور القرآني المتفرد في بناء منظومة تشريعية عادلة تنطلق من “الاستخلاف الإبهامي والرباني”، حيث يسبق تقرير “الواجبات” استلام “الحقوق”.

وقد انطلق الدكتور الوهيبي من رؤية نقدية للوضع القانوني التطبيقي السائد في الدول المدنية الحديثة التي تغلب جانب المطالبة بالحقوق على حساب الواجبات، مؤكداً أن القرآن الكريم يعيد هندسة العلاقة بين الإنسان والمنظومة القانونية ليكون الإنسان “خليفة راشداً” يُنتج الخير والعدل للكون والبشرية جمعاء.

وبناء عليه أبرز الوهيبي في دراسته المنظور القرآني المتفرد في بناء منظومة تشريعية عادلة تنطلق من “الاستخلاف الإبهامي والرباني”، حيث يُقدَّم أداء “الواجبات” على استلام “الحقوق”، منتقداً النظم الوضعية الحديثة التي تغلب جانب المطالبة بالحقوق وتعتمد على رقابة خارجية فقط.  

وأوضح الباحث أن تطبيق القانون القرآني يتميز بوجود وازع داخلي وإيماني يحقق العدالة الشاملة والإنسانية الحقة، بخلاف النظم الغربية التي تفتقر إلى هذا الوازع الذاتي.   وفي ختام مداخلته، أوصى الباحث بضرورة إدراج “ثقافة الواجبات” في المناهج الأكاديمية لكليات الشريعة والقانون، ودعوة المؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية إلى تعزيز الوعي بالمسؤوليات والواجبات إلى جانب الحقوق. ومثلّف بقصة اعتراف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقضاء لأن الصحابة عرفوا واجباتهم فتحققت حقوقهم واستقامت مجتمعاتهم، مما يؤكد أهمية نشر هذه الثقافة لتحقيق الأثر الفعلي في الواقع المعاصر. 

قدّم فضيلة الأستاذ الدكتور عبد السلام المجيدي مداخلة علمية بحثه المعنون بـ: “التقنين الحقوقي القرآني ودوره في معادلة التحديات المعاصرة: الجندر والشذوذ أنموذجا”، تمحورت الفكرة الرئيسة للمداخلة حول إبراز المنظور القرآني المتفرد في بناء منظومة تشريعية عادلة تستند إلى منهجية “تفسير التسوير والبصائر. وأوضح الباحث أن التحديات المعاصرة، مثل دعاوى الجندر والشذوذ الجنسي، تمثل استهدافاً خطيراً لهدم الفطرة البشرية الثنائية. وفي مقابل عجز النظم الوضعية الغربية التي تفتقر إلى الوازع الذاتي، يؤكد الدكتور عبد السلام أن القرآن الكريم يقدم منظومة تشريعية متكاملة تنطلق من “الاستخلاف الإبهامي والرباني”، حيث يسبق أداء “الواجبات” استلام “الحقوق”.

ارتكزت الدراسة على تأصيل دقيق يربط بين مفهوم الاستخلاف الرباني والمنظومة القانونية القرآنية التي تتميز بوجود “وازع داخلي وإيماني” ينبع من داخل الإنسان، بخلاف النظم الوضعية التي تعتمد على رقابة خارجية فقط. وقد طبق الباحث هذا المنهج على قضايا النوع الاجتماعي والأسرة من خلال استقراء سورتي البقرة والنساء؛ حيث بدأت سورة النساء بنداءات عالمية واضحة (“يا أيها الناس”) تؤسس للفطرة الثنائية وتتدرج في التشريعات الأسرية بدقة معجزة بدءاً من مرحلة التأسيس والاختيار، مروراً بمرحلة الاستقرار والمتعة الزوجية، وصولاً إلى تنظيم أحكام الفراق والطلاق بدقة تحمي الكيان الأسري.

خلصت المداخلة إلى أن غياب المنهج القرآني وتغييب “ثقافة الواجبات” لصالح تضخيم الحقوق المطلقة أدى إلى أزمات معاصرة خانقة. وفي ختام عرضه، أوصى الدكتور عبد السلام المجيدي بضرورة إدماج ثقافة الواجبات والتقنين الحقوقي القرآني في المناهج الأكاديمية والمؤسسات التشريعية والقضائية، مستشهداً بالنموذج الراشدي الذي تحققت فيه حقوق المجتمع بامتياز حين أدى أفراده واجباتهم، لتقديم بديل إيماني وقانوني قادر على حماية الإنسانية جمعاء.