فكر

المالية الاسلامية.. الفلسفة لا الآليات

Feature image

منذ الاحتكاك الأول بالصيرفة التقليدية (الربوية) في بدايات القرن التاسع عشر من خلال افتتاح البنوك التقليدية الأجنبية في البلدان الإسلامية وسعي النخب السياسية والاقتصادية إلى افتتاح بنوك وطنية على غرار النموذج الأوروبي، كان الاتجاه الغالب والكاسح في النظر الفقهي لموضوع تعاملات البنوك المعاصرة هو الرفض والتحريم.

ومع أن هذه الفترة لم تشهد دراسات مباشرة ودقيقة تؤسس للنظام المصرفي، إلا أنها أسهمت في تقوية المناعة الفكرية للمسلمين والتأسيس لمذهب اقتصادي إسلامي قوامه الاستقلال ورفض التبعية والتأكيد على حرمة الربا وبيان مخاطره، هذه المذهبية الاقتصادية الإسلامية ستتعزز مع بزوغ البحوث الرصينة التي جمعت بين التقنيات المصرفية المعاصرة المحققة للوساطة المالية التي هي لب النظام المصرفي التقليدي وبين تحديث ومأسسة صيغ المعاملات الفقهية التي كانت معروفة كالمضاربة والمشاركة والسلم والاستصناع، ومن ثم كانت انطلاقة النظام المصرفي الإسلامي مع تجارب متفرقة ستنضج فيما بعد لتشكل اليوم أهم صروح المذهبية الاقتصادية الإسلامية، وذلك حين انخرط مجتمع الأعمال في بلدان إسلامية مهمة مع الأدمغة والخبرات الإسلامية في المجال.

وقد أسفر هذا التلاقي عن نمو كبير في البنوك الإسلامية عددا وموجودات، لتتوسع خريطة وجوده جغرافيا إلى كثير من بلدان العالم بما فيه غير الإسلامي (أوروبا وأمريكا)؛ حيث فتحت عدة بنوك غربية نوافذ للتعامل وفق مقتضيات أحكام الشريعة، ( ووفق تقرير التنافسية العالمية للقطاع المصرفي الإسلامي تجاوزت قيمة الأصول المصرفية الإسلامية تلك التي تملكها المصارف التجارية في الأسواق العالمية بــ 778 مليار دولار بنهاية عام 2014،  وأورد التقرير أن الأصول المصرفية الإسلامية حققت أكثر من 17% كمعدل نمو سنوي بين 2009 و2013).

كما تنوع قطاع التمويل الإسلامي ليشمل الشركات الاستثمارية والتأمين التعاوني وغيرها من مجالات قطاع المالية الإسلامية التي تبلورت كصناعة مستقلة لها أصولها وتقنياتها وخبراتها ومخرجاتها المتجددة.

حتى لا تنقلب الآية..

في ظل تلك النجاحات الباهرة التي حققتها المصرفية الإسلامية على مستوى الانتشار والنمو، وعلى مستوى سعي بعض التجارب للتعاطي مع مختلف الخدمات المصرفية التي يشكل بعضها دورا وظيفيا ثانويا للمؤسسات المالية، تبرز توجهات على المستوى البحثي والتطبيقي تتلهف لمجاراة البنك التقليدي في تقديم مختلف الخدمات المالية، وهو أمر حسن حين يكون حرصا على الاستجابة لمطالب السوق وحاجات العميل في إطار من الفلسفة التي تحكم قطاع التمويل الإسلامي، وهي الفلسفة التي مكنته من النجاحات الباهرة وجنبته الهزات الكبيرة التي يعيشها النظام المصرفي التقليدي، إننا نعني أن أي اشتقاق لمنتج مالي يجب أن يكون مربوطا بالفلسفة الكلية للمنظومة المالية الإسلامية ومحققا لغاياتها وملتزما بمنطلقاتها، بحيث لا تغدو النجاعة المتخيلة هي الدافع وراء الإبداع والاشتقاق، هذه الفلسفة يمكن تلمسها من خلال جملة خصائص تميز هذه المنظومة عن النظام المصرفي الربوي:

من ذلك أن التمويل الإسلامي يرتبط ارتباطا مباشرا بالاقتصاد الحقيقي من خلال قيامه على التبادل الحقيقي للسلع والخدمات سواء تم ذلك من خلال عمليات نقل الملكية كما هو الحال في صيغ الإجارات والبيوع مثل المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك أو تم من خلال الاستثمار المباشر كما هو الحال في صيغ التمويل التشاركي مثل المضاربة والمشاركة، وهو ما يساهم في تنمية الاقتصاد الحقيقي.

  هذه الخاصية جعلت المصارف الإسلامية تنجو من الأزمة المالية العالمية التي قامت بفعل المبالغة في النشاطات المتصلة بالاقتصاد المالي الذي أوجد قلاعا شامخة من الاقتصاديات الافتراضية انهارت على رؤوس أصحابها ودمرت هذا النشاط، ثم انعكست تاليا على الاقتصاد الحقيقي، وقد نجت البنوك الإسلامية من ضربات الأزمة المالية بفعل طبيعة المنتجات المالية التي تقدمها والمرتبطة بالاقتصاد الحقيقي وبالاستثمارات الحقيقية والإنتاجية، فالمضاربة والمشاركة والاستصناع وغيرها هي صيغ استثمارية ملموسة، وبقية الصيغ التمويلية تتاجر في السلع والخدمات، وقد أشارت دراسة لصندوق النقد الدولي  إلى أن تأثيرات الأزمة على الربحية وحجم الإقراض ونمو الأصول المالية في البنوك الإسلامية كان أقل بكثير مما شهدته المصارف التقليدية، وذلك بسبب محافظها الاستثمارية الصغرى والرافعة المالية الدنيا والتمسك بمبادئ الشريعة الإسلامية. وتؤكد دراسات أخرى لصندوق النقد الدولي وكذلك المسح المشترك الذي أجراه المصرف البريطاني ( HSBC ) ومجلة (The Banker) مثلَ هذا الاستنتاج وتعززه بالأرقام.

ثم إن المصرف الإسلامي يقدم جملة من الصيغ التمويلية التي تحكمها المشاركة في الأرباح والخسائر بالإضافة إلى المشاركة في الجهد من قبل المصرف والمتعامل، بدلاً من أسس التعامل التقليدي القائم على مبدأ المديونية (المدين/ الدائن) وتقديم الأموال فقط دون المشاركة في العمل.

يبني المصرف الإسلامي إذن رؤيته على تشارك أطراف التعامل الربح والخسارة )الغنم بالغرم(، وذلك عكس ما هو ثابت في النظام المصرفي التقليدي الذي يعتمد أساساً على مبدأ الاقتراض الزمني الذي يعود تقديره على العامل الزمني وحده، ومن ثم تنشأ علاقة استغلال وإجحاف بين أطراف التعاقد الاستثماري؛ أما نظام الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي فهو مرتكز على توزيع الربح بين هذه الأطراف على أساس من الواقعية في فرص الربح وحصوله؛ مما تنشأ معه علاقات عدل وإنصاف بين مجموع الأطراف.

وهذا يعني أن أساس المشاركة يمثل لب النموذج التمويلي الجديد المميز للمصارف الإسلامية، فالمصرف الإسلامي يحصل على الأموال من الغير مشاركة وهو أيضا يقوم بتقديمها للغير أو توظيفها بنفسه مشاركة، ومن ثم فالمصرف الإسلامي ليس مدينا للمودعين وليس دائنا للمستثمرين وإنما مشاركا لكل منهما في ناتج العمليات الاستثمارية من ربح أو خسارة ولذلك يتحدد العائد الذي يمنحه لمتعامليه – مودعين ومستثمرين- بناء على النتائج الفعلية لهذه العمليات من ربح أو خسارة.

البنك الإسلامي أيضا يتاجر بالنقود لا في النقود، فالنظرة للنقود في النظام التمويلي الإسلامي هو اعتبارها وسيلة للاستثمار وليست سلعة، وهو ما يختلف اختلافا كليا عن النظرة لها في النظام المصرفي التقليدي.

 فرق بين أن تكون النقود سلعة وبين أن تكون أداة للتبادل، هذا يعني بالضبط الفرق بين نظام قائم على القرض والاتجار في النقود وبيع الدين (مما تسبب فيما حدث في أزمة القرض العقاري شرارة الأزمة المالية العالمية) وبين نظام قائم على المشاركة والسعي لتحريك النشاط الاقتصادي من خلال النقود كوسيلة للتبادل.

إن الانطلاق من هذه الفلسفة حاكما للتطوير ودافعا لتنمية قطاع المالية الإسلامية هو الضامن لأمرين: احتفاظ هذا النظام بهويته وأسسه الفكرية والشرعية الحاكمة، ونجاته من السقوط في ذات الهوة التي قاد الجشعُ إليها النظامَ التقليدي.

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة