فكر

الملامح الأساسية لمشروع فضل الرحمن الفكري

Feature image

فرضت الحداثة نفسها كقضية مركزية على العقل الإسلامي في القرن الثامن عشر، ومنذ ذلك الحين صار الشغل الشاغل للمفكرين المسلمين تحديد الموقف منها وكيفية الاستجابة لها أو بعبارة أدق كيفية تحديث بنية الفكر الإسلامي وتطوير منهجياته، وعبر العرض التالي أتناول رؤية المفكر الباكستاني فضل الرحمن مالك (1919-1988) لهذه الإشكالية. 

سيرة ذاتية موجزة

ولد فضل الرحمن في مدينة حرزة بالهند، التي صارت ضمن حدود باكستان فيما بعد، لأب من علماء مدرسة ديبوند الإسلامية هو (مولانا شهاب الدين) حفظ على يديه القرآن وتلقى مبادئ العلوم الشرعية، ورغم تكوينه الشرعي فقد كان والده مقتنعا أنه ينبغي التعامل مع الحداثة بوصفها تحد وفرصة تحمل إمكانيات معرفية في ذات الوقت ومن ثم قرر إدخاله احدى المدارس المدنية[1]، وواصل فضل الرحمن دراسته بتفوق إلى أن حصل على الماجستير من جامعة البنجاب عام 1943م ثم ارتحل لنيل الدكتوراة من جامعة أكسفورد وكانت حول فلسفة ابن سينا، وعند وصوله التقى عالما هنديا وسأله لماذا اختار دراسة الإسلام في جامعة أكسفورد وليس الأزهر ولكنه لم يكن يملك ردا مقنعا[2]، وعقب نيله الدكتوراه عاد فضل لباكستان عام 1963 بطلب من رئيسها محمد أيوب خان في مهمّة استشارية وعين رئيسا للمعهد الإسلامي للأبحاث، وبعد أن أثار كتابه (الإسلام) بعض المواقف ضده اضطر للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهناك قام بالتدريس في جامعة كاليفورنيا وشيكاغو ثم درس بعد ذلك في بريطانيا وكندا، ثم عاد للولايات المتحدة ومكث بها وافته المنية عام 1988.

وقد وضع فضل الرحمن عددا من المؤلفات التي ذاع صيتها وترجمت إلى عدة لغات ولم تزل محل درس من الباحثين ومنها: الإسلام (1965)، الموضوعات الرئيسة في القرآن (1979)، النبوة في الإسلام (1979) الإسلام والحداثة (1984)، وهذه المؤلفات اكتسبت شهرة فائقة في العالم الغربي حيث اعتبر فضل الرحمن بنظر الدارسين الغربيين من أفضل المفكرين الإسلاميين بفضل تمكنه المزدوج من علوم التراث ومن عدد من اللغات الشرقية مثل العربية والفارسية والأوردية فضلا عن الإنجليزية.

الاهتمامات البحثية

وفضل الرحمن صاحب مشروع معرفي متفرد لا يتشابه مع أي من المشاريع الفكرية ويتلخص في دراسة التراث الإسلامي دراسة معمقة وفحص وتحليل الأسس التي تكون عليها ونقدها وإعادة بنائها وفق أسس وقواعد جديدة تراعي مقتضيات العصر، وقد شرع منذ كتابه (الإسلام) في إعادة رسم خارطة علوم التراث وتحديد المواضيع التي يتألف منها كل علم، وأولى عناية خاصة لكل من القرآن الكريم والسنة في كتاباته لاعتقاده أن اللبنة الرئيسة التي تشكل منها التراث هي الوحي القرآني والسنة. وضمن هذا الإطار الكلي شغل فضل الرحمن بموضوعات مثل: الأخلاق القرآنية ذاهبا إلى أنها الرابط بين العقيدة وبين الشريعة (أي التشريعات القانونية)، وبالنظام المعرفي الإسلامي الذي يعني بالنسبة إليه النزعة العقلية الإسلامية لا مجرد الأدوات مثل المنهج والمؤسسة التعليمية، والفلسفة الإسلامية وعلاقتها بالعقيدة وعلم الكلام.  

معالم المشروع الفكري

ويتسم مشروع فضل الرحمن ببضع خصائص مميزة، ومنها:

أولا: جدل التقليد والحداثة، يمزج مشروع فضل الرحمن بين التقليد والحداثة، ومرد ذلك التعليم الذي خضع له، فقد تلقي منذ صغره تعليما إسلاميا تقليديا وفر له أدوات ومفاتيح فهم العلوم الإسلامية وبالتالي جاءت مساءلته للفكر الإسلامي مساءلة جوهرية لا شكلية -كما هو الحال مع الحداثيين العرب-، فيها أفكار نقلت بتمامها ونقول من المصادر اختيرت بعناية وتم التعامل معها بمهنية وأمانة من دون اجتزاء أو تعسف في التأويل، من جانب آخر فإن الحداثة تجد طريقها ضمن مشروعه فيما توسل به من مناهج وأدوات ومفاهيم الحداثية في دراساته وبالتالي من العسير نعت إنتاجه المعرفي بالإسلامية أو الحداثية، بل يمكن القول إن الصفتين حاضرتين بداخله، ولكنه ليس حضورا آليا أو تجاور من شأنه إحداث اضطراب أو تناقض في بنية النص، وإنما هو حضور فاعل غرضه المساءلة والنقد في بعض الأحيان ومحاولة توظيفهما لإيجاد منهجيات جديدة للعلوم الإسلامية في معظم الأحيان.

ثانيا: الطابع النقدي، يصطبغ مشروع فضل الرحمن بصبغة نقدية مزدوجة؛ فهو ينتقد الفكر الإسلامي ومفكروه الذين أخفقوا في عدم فهم وحدة القرآن، واتجهوا في المقابل صوب التركيز على الألفاظ والآيات بمعزل عن بعضها البعض، وقد أدت تلك “المقاربة الذرية” إلى تداعيات سلبية طالت بنية الفكر الإسلامي وعلى سبيل التدليل أدت في المجال التشريعي إلى استنباط الشرائع من نصوص غير تشريعية، وفي المجال العقدي تم ادخال مواد أجنبية لتضفي طابعا عمليا على العقيدة الإسلامية على يد بعض الفلاسفة والمتكلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية، كما ينتقد الحداثة التي ترتبط في مخيلته بالعلمانية والإلحاد، وحول هذا المعني يقول: “إن مشكلة الحداثة أنها أتت على شكل علمانية، فإذا ما قورنت بصوفية إسلام العصور الوسطي فإنها تبدو أسوأ بكثير لأنها تدمر قداسة وشمولية (تجاوزية) كل القيم الأخلاقية، إن العلمانية هي بالضرورة إلحادية”[3]، وضمن ذات الإطار انتقد أعمال المستشرقين الغربيين في مجال السنة النبوية مثل مارجليوث وجوزيف شاخت ولامنس، ووصف أعمالهم بأنها “أعمال صبيانية”[4] لأنها لم تستطع فهم طبيعة السنة.  

ثالثا: التاريخانية، وهي ملمح آخر مميز لمشروع فضل الرحمن الذي لا ينفك يؤكد على أهمية العامل التاريخي في فهم الوحي، وهو يرى أن القرآن قد تم على خلفية الوضع الاجتماعي الاقتصادي للجزيرة العربية وأنه ليس سوى الرد الإلهي على هذه الوضعية[5]، غير أنه لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن التاريخانية التي يدعو إليها ترادف المادية التي تنفي الغيب، لدواعي عديدة أولها إقراره أن دراسة الوقائع التاريخية لا تعني استبعاد القيم أو نفيها، بل إن اهتمامه الرئيس متجه نحوها مضفيا أن كافة القيم ذات الجوهر الأخلاقي تتمتع بكيونة “خارج نطاق التاريخ” وبهذا المعنى فهي “قيم تجاوزية” وموضعتها عند نقطة معينة في التاريخ لا تعني استنفاد تأثيرها والعمل على استبدالها بأخرى[6]، وثانيها أنه يرى التاريخانية تنتسب إلى التراث وليس الحداثة لأن مفسري القرآن وشراح الأحاديث هم الذين دونوا لنا أسباب النزول ولولا إيمانهم بأهمية هذه الخلفية الاجتماعية لفهم القرآن والحديث لما حرصوا على تدوينها[7]، وثالثها أنه ما انفك يطالب بفهم وتفعيل أخلاق القرآن، وتلك الأخلاقية يستحل أن تتحقق من دون إيمان بالإله وبالبعث في العالم الآخر كما يقول.

رابعا: البنائية: ينطلق فضل الرحمن في دراسات الموضوعات الكبرى مثل القرآن والسنة من إعادة تعريف المفهوم، ثم فحص الخلفية التاريخية وتحليل الكيفية التي نشأت حولها العلوم القرآنية والحديثية ونقدها على نحو يبين جوانب القصور التي يعتقد وجودها، لكنه لا يتوقف عند هذا الحد كما يفعل معظم الحداثيون الذين يتوخون التفكيك وإنما يواصل السعي نحو إيجاد منهجيات جديدة تحل محل القديمة وتعيد بناء العلوم الإسلامية وفق أسس مغايرة، وعبر هذه المنهجيات قد تستوعب أجزاء من المناهج التراثية مجددا ومنشأ ذلك أنه لا يروم تفكيك وتقويض المناهج القديمة في حد ذاتها بقدر ما يروم العمل على تطوير منهجيات تتيح فهما أفضل للنص الديني بشقيه القرآني والحديثي، ولننظر الآن في كيفية تحقق ذلك.


[1]  فضل الرحمن، الإسلام، ترجمة، حسون السراي، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017، ص20.
[2] Rehan Khan, Dr Fazlur Rehman Malik: An Exponent of Neo-Mutazilism.

https://www.eurasiareview.com/02022020-dr-fazlur-rehman-malik-an-exponent-of-neo-mutazilism-oped

[3] فضل الرحمن، الإسلام وضرورة التحديث، بيروت: دار الساقي، 1993،ص 11، 27 على التوالي.
Fazlur Rahman, Concepts: Sunnah, Ijtihad and Ijma in the early Period, Islamic studies, vol.1 no. 2, 1962, pp. 10-11 [4]
[5] الإسلام وضرورة التحديث، ص 15.
[6] نفس المرجع السابق، ص 14.
[7] نفسه، ص 209.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة