أ. عبد الرحمن الحاج
23/11/2002 

فرضت الأحداث التي تبعت السقوط الدرامي للخلافة الإسلامية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، وصعود الدولة العلمانية، أجواء من اهتزاز “الثقة بالنفس” في العالم العربي والإسلامي جعلت كل جهود الإصلاح والنهضة تفقد رصيدها دفعة واحدة، ليتحول العمل من “المطالبة بالتغيير” إلى “المطالبة بحماية الذات والهوية” من تغوُّل الغرب في المجتمعات الإسلامية واستلابها المتزايد له.

فنحن نلحظ أن السؤال التاريخي للفكر الإصلاحي الذي صاغه شكيب أرسلان في مطلع القرن: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” ينقلب في منتصف القرن (1369هـ/1950م) إلى “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” عند أبي الحسن الندوي. وليس من قبيل المصادفة أن يلقى هذا الكتاب رواجاً فاق آمال المؤلف ذاته وتطلعاته -كما يقول في مقدمة الطبعة الرابعة-. كما لم يكن من قبيل المصادفة أيضًا أن يقدم له سيد قطب بوصفه “من خير” ما قرأ من الكتب التي تتناول الإسلام كـ “عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر، وروح الثقة من غير اغترار، وشعور الاطمئنان من دون تواكل، وتشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة”، بعد أن انتكس المسلمون “إلى الجاهلية الأولى” -على حد تعبير سيد قطب في مقدمته للكتاب-.

إذًا.. لقد هيمن الظرف التاريخي الذي ساد الخمسينيات على إعادة صياغة السؤال الإصلاحي، بحيث بدا سؤالاً ليس من أجل التغيير بقدر ما هو من أجل الثبات والحفاظ على الهوية الإسلامية.

وإذا كان السؤال الذي صاغه الندوي بناء على حسه التاريخي بالمجتمعات المسلمة وأزمتها العاصفة يشير إلى ظرفيته، فإن التطورات اللاحقة منذ ذلك الحين وحتى اليوم غيرت كثيرًا من مبررات طرح سؤال كهذا. فإذا كان السبب في سؤال الندوي هو مسألة الهوية الإسلامية، أو بتعبير أحد مقدمي كتابه المولعين به “انصراف المسلمين عن الإسلام”؛ فإن هذا الوضع ما عاد قائمًا الآن، ويرجح ذلك الرأي أكثر من مؤشر.

لقد سقطت كل المبادئ والاعتقادات العلمانية الحداثية بسقوط المنظومة الشيوعية الاشتراكية من ناحية، وسقطت من ناحية ثانية بتأثير أكثر التجارب مرارة مع النظم العلمانية والدكتاتوريات الشمولية التي شملت أهوالها معظم البلدان الإسلامية، ومن ناحية ثالثة كان هناك نشأة ظاهرة “الصحوة الإسلامية” التي اكتسحت المجتمعات الإسلامية برمتها منذ منتصف الثمانينيات، ثم أدت الهيمنة الأمريكية العسكرية على قلب العالم الإسلامي رابعًا، وانفجار الانتفاضتين الأولى والثانية إلى تمسك شديد بالهوية الإسلامية بدا أنه لم يعد بعدها السؤال “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” ذا فائدة، فقد انحسرت أزمته التاريخية.

لكن السؤال ما زال ـ برأينا ـ قائماً، لم تنسخه الظروف التاريخية كاملاً، كما لم تنسخ ظروف ولادته سؤال أرسلان السابق له: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” لكن مبرراته اختلفت، والغاية من الإجابة عليه اختلفت أيضًا، غير أن ذلك لا يعني قط أنه باتت لنا أسئلتنا الجديدة التي يجب أن نجهد لصياغتها والبحث على الإجابة عنها، وهو ما لم يحدث بعد. وليس إعادة فتح ملف النهضة مؤخراً في الفكر العربي على الأقل إلا بحثاً عن سؤالنا الضائع.

في السابق كانت المسألة الأخلاقية والقيمية هي المحور المركزي الذي يدور حوله سؤال الندوي وجوابه، ويتضح ذلك من عناوين فصول الكتاب: الإنسانية في احتضار، والنظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي، ومن الجاهلية إلى الإسلام. وكما يشير الشهيد “سيد قطب” في مقدمته للكتاب نفسه؛ فإن “الجاهلية” –التي يصف بها الندوي كل المجتمعات غير المسلمة- هي “الطابع الروحي والعقلي” المساوي لسقوط “القيم الأساسية للحياة البشرية كما أرادها الله، لتحل محلها قيم مصطنعة تستند إلى الشهوات الطارئة، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم [الخمسينيات من القرن الماضي]”. فالإنسانية ترتكس بالقيم والأخلاق “في ذات الوقت الذي تتفتح فيه آفاق العلم الباهرة”، إذ لم يكن مطروحاً قط مسألة “المعرفة” الإنسانية عمومًا والغربية خصوصًا، وهذا أيضًا مفهوم بالنسبة لنا. فقد كانت الإنجازات الباهرة لهذا العلم الغربي نفسه هي السبب الرئيس وراء “الاستلاب”  للغرب وتهديد الهوية الإسلامية. وليس غريباً بعد أن نلحظ دائمًا عند رواد الفكر الإسلامي في تلك الحقبة (ومنهم الندوي وسيد قطب بكل تأكيد) النظر إلى تقدم العلوم الغربية الساحق، وتمامها على أنه مسلمة لا يطاولها سؤال الندوي: “ماذا خسر… إلخ”.

وفي ذلك الوقت أيضًا كان سؤال الهوية ملحاً، إذ العالم الإسلامي كان أمام خيار راديكالي جذري متناقض: إما “التغريب“: وهو يساوي لدى العلمانية العربية آنذاك التقدم، ولدى النخبة الإسلامية الاستتباع السياسي والثقافي، بما يساوي الخروج من الملة، أو “الأسلمة”: وهو يعني لدى النخبة الإسلامية العودة إلى ما يمليه إيمان الأمة واستقلالها وأمانتها التاريخية في رسالة الإسلام، ولدى العلمانية العربية كان يعني الرجعية والتخلف، أو حسب تعبير الندوي في أحد عناوين كتبه “الفكرة الغربية والفكرة الشرقية”.

لكن اليوم ما عاد هذا الخيار قائماً. فنحن أمام تجربة تاريخية امتدت أكثر من قرن، وجعلت النخبة الثقافية والسياسية تتأكد من أن كلا الخيارين ما عاد ممكنًا. وهكذا نشهد شبه اتفاق على أن أي خيار للأمة يجب أن ينطلق أولاً من عمق ثقافتها وإيمانها، إذا كانت هناك رغبة أكيدة في النهضة. لقد زالت إذن مبررات الإيمان باللحاق إلى الغرب. لقد نضج العقل العربي والمسلم، بتجربته هذه، كما بعمق معرفته بالغرب. فنخبنا الثقافية تعلمت هناك، وتجاوزت حالة “الانبهار” به، لتبدأ حقبة جديدة تظهر فيها نقداً لاذعاً وعميقاً للغرب بمختلف أطيافه، وربما ساعد على ذلك اطلاعهم عن كثب على كتابات الفلاسفة النقاد للحداثة من أمثال هابرماس وفوكو وهايدغر.. وغيرهم.

فانطلاقا من نقد الحداثة، فتَّحت هذه المعرفة بالغرب العيون العربية والمسلمة على العيوب المزمنة داخل النسق الثقافي والعلمي الغربي، وأصبح ممكنًا الآن بهذه المعرفة إقامة مقارنات بين أنظمة معرفية مختلفة، والتعرف على بنية الأجهزة المعرفية (مفهوم العقل، ونظرية المعرفية بالدرجة الأولى)، واكتشاف مميزاتها وعيوبها. وبهذا فإن سؤال الندوي من الممكن أن يتجدد بمده على ميدان ما كان ممكنًا التفكير فيه من قبل، وهو الظاهرة العلمية الغربية ذاتها، التي كانت من قبل تمتلك سلطة قاهرة حتى على المثقفين الإسلاميين أنفسهم. فبإمكاننا الآن أن نسأل: “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين معرفيًّا؟”.

نحن ندرك جيداً أنه من المستحيل على مقال بهذا الحجم أن يحيط بمسألة غاية في التعقيد والعمق مثل مسألة المعرفة، وعبر مسيرة تاريخية طويلة تمتد لبضعة قرون، لهذا فإن ما نذكره هنا في الواقع ليس إلا خطوطًا عريضة جداً تتيح لنا تلمس القضية على وجه العموم فحسب.

المعرفة ومفهوم العقل

تقودنا أي بداية البحث في الإبستمولوجيا، أي: “أصول المعرفة” إلى البحث في مفهوم العقل، إذ على مفهوم العقل يعتمد كل ما يتعلق بالمعرفة ومصادرها.

كان “مفهوم العقل” أحد الأمور التي بحثت عند المسلمين كثيرًا في علمي الكلام والأصول، وتوصلوا فيها إلى نتائج عديدة، برزت فيها توجهات مختلفة؛ إلا أن التوجه الأكثر رواجًا، والذي يمكن القول بأنه يمثل وجهة النظر الإسلامية، هو ذلك الذي ينظر إلى العقل باعتباره “فعلا غريزيا” فطريا “غير مكتسب”، هو الذي يُكسِب الإنسان إنسانيته، وهو فعل يقوم على وجود مسلمات مركوزة فيه باعتبارها “علمًا ضروريًّا”. واعتماداً على هذا العلم الضروري القائم يستطيع الإنسان بناء المعرفة التي توصف بـ”المكتسبة”؛ مما يعني أن العقل ليس مفهومًا فيزيولوجيًّا، وإنما هو “فعل” وقدرة. فبنية العقل في منظورها الإسلامي تتألف من العلم الضروري والقدرة على المعالجة (التحليل والتركيب والحفظ والمقارنة…).

إن القول بوجود “علم ضروري” يعني أن بإمكان العقل البشري -نظريًّا على الأقل- التوصل إلى “المعرفة اليقينية”، وهي في كل الأحوال معرفة مكتسبة، أي معرفة تتراوح مستوياتها من الخطأ إلى الوهم فالشك فالظن فاليقين.

غير أن الوصول إلى اليقين -معرفة الشيء كما هو عليه في الواقع- أمر لا يمكن أن يستقل به العقل البشري دائمًا، وحتى عندما يكون ذلك ممكنًا فإنه على مستويات جزئية فحسب وليست كلية. فالوصول إلى المعرفة الكلية حيث “العلة الأولى” ـ حسب تعبير المتكلمين ـ أمر غير ممكن بدون “مصدر معرفة خارجي”، هو في المحصلة مدبر الكون والقوة الخالقة المطلقة (الله). وعلى هذا، فالوصول إلى اليقين العقلي (المعرفي) يشترط وجود “الوحي” ضمن مكونات نظرية المعرفة.

تعرض مفهوم العقل إلى تغييرات جذرية مع بداية النهضة الغربية التي تأسست على إنجازات المسلمين، فقد تم اختزال وظيفته من التعرف على الحقائق الكلية والجزئية، وتوجيه الفعل انطلاقاً من المعرفة المكتسبة إلى إدراك الظواهر الحسية فحسب وتوجيه الفعل انطلاقاً من الخبرة التجريبية.

فقد كانت قضية عجز العقل عن “إدراك الغيب” وبنيته التفصيلية بمثابة المقولة الرئيسية التي تم إعادة بناء مفهوم العقل في إطارها. ولكن إعادة التركيب والبناء هذا استبعد الثقة بـ”الوحي” (متمثلاً بالعهدين القديم والجديد)، وهو ما أدى آليًّا إلى انحصار المعرفة بـ”الحس”.

لقد دشن الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون (1561-1927م) جهود إعادة بناء مفهوم العقل الذي حمل كتابه “الآلة الجديدة” الجانب الفطري من العقل مسؤولية “ارتكاب الأخطاء وتشويه الحقائق”؛ لأنه “أكثر جنوحاً للخطأ من الأحاسيس”. لم يلبث بعد ذلك أن استبعد أقطاب المدرسة الوضعية مثل: جون لوك (1704م) وديفيد هيوم (1777م) مفهوم المعرفة الفطرية (العلم الضروري”1″) جملةً وتفصيلاً، وكان هيوم يعمل جاهداً لأخذ المنطق الوضعي إلى نهايته؛ لينكر أن مبادئ وعمليات العقل بحد ذاتها ليست فطرية وإنما هي مكتسبة. لكن إنكار هيوم أدى إلى إنكار الرابطة الضرورية بين السبب والمسبب، وتحويلها إلى رابطة شكلية ظاهرية ناتجة من مجرد الألفة والعادة.. وهو ما يؤدي بالفكر الوضعي إلى نسبية مطلقة. فالعقل لم يعد ينطوي على مبادئ ثابتة، بل على مجموعة من القواعد المستمدة من العادة والألفة. وكان من المرشح لأفكار هيوم أن تؤسس بذلك مبكراً لمأزق خانق وخطير للمعرفة الغربية، فيما لو قدر لها أن تسود.

غير أن أفكار كانط -التي قدر لها أن تصوغ الفكر الغربي- أعادت بعض التوازن للفكر الغربي بإعادة مفهوم المبادئ الفطرية والضرورية، لكنها كرست النظرة الوضعية في الوقت نفسه؛ إذ جعلت استخدام هذه المبادئ الفطرية في غير المحسوس أمراً مستحيلاً، مما جعل العقل يقتصر في إدراكه على “الحقائق الجزئية” إلى حقيقة كلية متمثلة في إله خالق مهيمن، على الرغم من اعترافه بضرورة رد عالم الظواهر المحسوسة إلى عالم علوي ماورائي.

المفارقة المذهلة التي يلاحظها بعض الباحثين تتمثل في إنكار كانط قدرة العقل النظري (الخالص) على الوصول إلى معرفة راسخة للحق العلوي، في الوقت الذي يؤكد فيه لزوم مفهومي الله واليوم الآخر لتأسيس فعل أخلاقي عند الحديث عن العقل العملي.

لقد أسست هذه النظرة الكانطية للشرخ الاعتقادي للدين، والذي تحول بذلك إلى مسألة نفسية ذاتية خارجة عن مفهوم الحقائق. كما أسست في الوقت ذاته لتطويع الوقائع لخدمة الأغراض الشخصية بدلاً من اعتماد العقل للبحث عن حقائق الأشياء، مما أدى لإلغاء الضوابط التي تتدخل في عملية نقل المعارف من مستوى الحدس إلى مستوى التفكير، وتحول دون تطويع الاستدلال لتحقيق مآرب شخصية.

وإذا كانت المعرفة الدينية من منظور وضعي تحتاج إلى إيمان ميتافيزيقي (غيبي) غير ممكن البرهنة عليه دومًا؛ فإن المعرفة الغربية الوضعية المادية ليست أقل ميتافيزيقيةً من المعرفة الدينية، فهي تنتهي في المحصلة إلى الجزم بمرجعية المادة وحدها في الوقت الذي تشكل هذه النتيجة أحد الاحتمالات الممكنة فحسب.

المعرفة في سياق الحداثة

كانت الأسس التي صاغت المعرفة الغربية على نحو ما شاهدنا في المفهوم الجديد للعقل قد صيغت من داخل النسق الثقافي الغربي ذاته، ومن داخل الحركة التاريخية التي مرّ بها، فهو متأثر إلى حد بعيد بالمسألة الدينية، كما تجلت لديه في دور الكنيسة السياسي ومحاربتها للعلم، بحيث أصبح لازماً لكي تتحرر المعرفة أن تستبعد سلطة الدين، وهي سلطة تأسست على ركيزة ادعاء امتلاكها للحقيقة “الكلية” التي تنتهي إليها المعارف الجزئية. هذا فيما كانت المعرفة في الحضارة الإسلامية على علاقة حميمة مع الدين، بل إنها انطلقت بتأثيره.

والآن، وبعد قرون من مضي البحث الغربي، تكاد المعرفة الغربية الحداثية تستنفذ طاقتها، فكل ما أنتجته الحداثة بات الآن ماضياً في نسق معرفي ثابت، بحيث أصبح ثمة إدراك عميق لدى علماء العلوم الطبيعية الحديثة -كما يشير الدكتور عبد الوهاب المسيري– بأن المعرفة الكلية أو حتى شبه الكلية مستحيلة، وبأن رقعة المجهول تتزايد بنسبة أكبر من تزايد المعلوم، وبأن معرفتنا العلمية المادية، عن الواقع ليست يقينية، وإنما احتمالية إلى حد كبير.. وذلك بسبب استحالة تفسير الواقع كليًّا اعتمادا على التفسير المادي.

وأدى هذا إلى انعدام اليقين المعرفي، ثم إلى شيوع ظواهر ما كانت متوقعة من قبل، بل لقد ظن العقل الغربي أنه استطاع محوها، وأنها بقيت سمة المجتمعات المتخلفة: أعني الإيمان بالسحر، بحيث أصبح معلوماً الآن أن عدد المؤمنين بالسحر في البلاد المتقدمة يفوق عدد نظرائهم في البلاد المتخلفة، فضلاً عن البلدان المسلمة. أليست الإيرادات الخيالية مؤخراً لفيلم “هاري بوتر” في الولايات المتحدة ذات دلالة بالغة؟

بعدما أصبحت المرجعية العليا للمعرفة هي المادة.. جرى النظر للإنسان بوصفه مادة متطورة في أرقى صورها، ولَكم هي بشعة تلك النتيجة المنطقية لمرجعية المادة أن يصبح الإنسان برغم تمايزه عن أشكال المادة، أن يُردَّ إليها، وتجري معرفته ودراسته على النحو الذي تجري فيه دراسة مواد أخرى كالطين والرماد والبخار. وهكذا شهدت المعرفة الغربية في العلوم الإنسانية مطلع القرن الماضي سعياً محموماً لتطبيق المنهج التجريبي قي حقولها، وهو ما أدى إلى معرفة مبتورة للإنسان، هذا في الوقت الذي فشلت فيه بتحقيق ذلك، فهي بهذه العملية أعني رد الإنسان إلى الطبيعة تقوم باختزاله وإساءة فهمه.

إن تحقق المعرفة الغربية أفرز مفارقة غريبة -كما يشير المسيري- إذ يفترض أنها تقود إلى نقطة الصفر؛ حيث التحكم في الإنسان والتنبؤ بسلوكه بل وتغييره نمطيًّا، يبدأ بوضع الإنسان في المركز بعد أن أصبح الحس الإنساني هو المصدر الوحيد للمعرفة، لتحل محله القوانين الطبيعية / المادية، ثم تزيحه تدريجيًّا. وينتهي الأمر بتفكيك الإنسان تماماً، بل إلغاء مقولة الإنسان. وفي الحضارة الإسلامية اعتبر أن السلوك الإنساني غير ممكن التنبؤ فيه، فمفهوم الحرية أصيل، في حين أن توجهات فكرية أخرى قالت بهذه الإمكانية، لكنها في كل الأحوال جعلتها خارج إمكانات الإدراك الإنساني، وجعلتها محصورة بالقدرة الإلهية المطلقة، أي بمالك الوجود والعلة الأولى فيه.

كما أفرزت هذه المعرفة الغربية تصنيفاً عنصريًّا للبشر يقوم على أسس مادية، وأكدت التفاوت بين الشعوب، فنظرت إلى الشعوب غير الغربية وأراضيها ومواردها باعتبارها مادة استعمالية يمكن للسوبرمان الغربي أن يوظفها لحسابه باعتباره أرقى الشعوب، وأكثرها رقيًّا، وهذا ما لم يكن ممكنًا داخل الثقافة والحضارة الإسلامية، بل إنه يمكن القول أن أحد تحديات الحضارة الإسلامية للحداثة هو في قدرتها على محو الفوارق العنصرية بين البشر.

القيم والارتهان للمعرفة المادية

“المعرفة الكلية” تتحدد دوماً باعتبارها أساسًا لكل تعيُّنات “القيم”. فالثانية لا تصدر إلا عن رؤية كلية فلسفية تمنح العالم معناه، وهكذا تكون المعرفة الغربية قد أفرزت منظومتها القيمية بنفي المرجعية الإلهية وتحويل الإنسان ذاته مرجعية أخلاقية لنفسه.

على هذا الأساس أصبحت القيم مسألة نسبية وشخصية إلى حد بعيد، ونسبية القيم هذه لا بد أن تتجه إلى صراع تناقضات المصالح والممارسات الإنسانية المنبثقة عنها، فاعتبر هذا الصراع أساساً لحسم التناقضات، فيما أصبح بذلك البقاء للأقوى (الأصلح) هو المبدأ. لقد ولدت هذه القيم ما أسماه المفكرون “العقلية الإمبريالية” للغرب، والتي دفعت الأوربيين لغزو العالم ونهبه، وتحيا الولايات المتحدة نفس الحالة، فما إن شعرت بالقوة حتى عادت لتفكر بهذا المنطق الإمبريالي نفسه بصورة فاضحة في غزو العراق واحتلاله. لقد أصبحت أخلاقيات القوة والمصالح أساساً عمليًّا للفكر الغربي مضمراً أحياناً ومصرحا به في أحايين أخرى.

مرجعية المادة حولت المنفعة واللذة إلى أهداف أساسية للوجود الإنساني (الموضوع الجنسي يتصدر القائمة)، وهو ما يجعل النزعة الاستهلاكية سلوكاً “حتمياً”، يجعل عجلة الاقتصاد تتسارع نحو مبدأ “مزيد من السلع فيه مزيد من المنفعة واللذة” على حد تعبير المسيري. وهو أمر يقضي بتحول الحاجة من أن تكون سبباً للاختراع إلى أن يكون الاختراع هو مولد الحاجة!

ليس غريباً بعد ذلك أن يشعر المرء في العالم الغربي بتشظي أفراد المجتمع وتفكك بنائه، فالروابط الأخلاقية والقيمية باتت محكومة بفردانية مزمنة.

وما بين فقدان النهايات الكلية (العلة الأولى للوجود) للمعرفة المادية وانغلاقها على المادة، وبين قيمها المفرطة في استهلاكيتها وفردانيتها دون هدف سوى اللذة ذاتها والشعور الشخصي بتحققها، وجد الإنسان الغربي نفسه قد تفكك معنويًّا وأمام معضلة عويصة هي ما عرف بـ”أزمة المعنى”.

كما أن منطق المعرفة الغربية العنصري جعل علومها الإنسانية ذاتها ذات منحى عنصري أيضًا في التطبيق فضلاً عن جذورها الإمبريالية. فعلوم الاجتماع الغربية لا يطبقها الغرب على المجتمعات الأخرى -إلا في حالات فردية نادرة-؛ لأنه ينظر إليها بأنها أولاً مجتمعات متخلفة ينطبق عليها البحث الأنثروبولوجي أحياناً والاستشراقي غالباً. وهي ثانياً علوم تشربت الخصوصية الغربية، فبالرغم من “موضوعيتها” فإنها لا تنطبق إلا على المجتمعات الغربية، ومن عظيم المفارقات أن تطرح نفسها بعد ذلك على أنها علوم كونية!

كما أدت هذه العنصرية ذاتها إلى حجب مساهمات الحضارة الإسلامية وطمس حلقتها التاريخية، فضلاً عن سرقتها ونسبتها إلى الغرب ذاته كظاهرة مستمرة في كل تاريخ المعرفة الغربية حتى اليوم، في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية لم تشهد شيئاً من ذلك، بل إنه من صميم مبادئها العلمية “إن كنت ناقلاً فالصحة”.

بدأت الآن العلوم الاجتماعية في الغرب تدخل أزمتها، وهي أزمة تبدأ من قصور المرجعية (المادية) لفهم الإنسان المتعقد التركيب وهي أزمة ستولد مفاعيلها فيما بعد في تيار نقد الحداثة الراهن، هذا التيار الذي يجد موضوعه في تاريخ الحداثة المركب من مجموع فلسفتها ومعرفتها وقيمها وممارساتها وتاريخها في المجتمعات الغربية.

قد لا يمكننا المراهنة على تيار ما بعد الحداثة المنبثق في العقود الأخيرة من القرن الماضي، لكننا بكل تأكيد سوف نتمكن بواسطته من إنجاز رؤية أكثر وضوحاً عما كان شديد الإبهار لنا حتى الربع الأخير من القرن الماضي.

وفيما أصبحت المعرفة الغربية مسدودة الأفق فقد كانت إمكاناتها في المعرفة الإسلامية مفتوحة. وإذا كانت المعرفة الغربية قد تأسست على موقف من “الدين” والمعرفة الدينية، فإن المعرفة في الحضارة الإسلامية قامت على مصالحة وتسوية معها تجعل كل المقولات بين العلم والدين المنقولة من السياق الغربي وتاريخه الديني أمراً لا معنى له في سياق الحضارة الإسلامية.

ولا تتوقف خسارة النموذج المعرفي الغربي على المعرفة بحد ذاتها وحسب، بل إنها تمس المنظومة القيمية في عمقها، حيث يمكن القول إن فقدان المعنى والسمة العنصرية والإمبريالية والاستهلاكية ودوامة اللذة المفرغة… إلخ، أمر كان يمكن تجنبه في إطار النموذج المعرفي الإسلامي، فقد أصبح بمقدورنا اليوم أن نقول بثقة بأن الخسارة التي وقعت فيها المعرفة الغربية وأدت إلى أزمتها الراهنة، يمكنها أن تعوضها بالاستعانة بالنموذج الإسلامي لها، وهي استعانة لا تعني استعادة المعرفة القديمة وإنما نموذجها.

طالع معنا بعض محاور الملف

  •  ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.. لماذا نعيد طرح السؤال؟
  • الفلسفة الغربية.. من معاداة الإيمان والحق إلى نسيانهما..

(1) لم أجد أفضل لتقريب مفهوم العلم الضروري الفطري من قوله تعالى: ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ {172} أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” (الأعراف: 172 – 173).. (المحرر).