تطرح الدعوة المعاصرة إلى «أقومية القرآن الكريم» نفسها بوصفها نداءً جديدًا لاستعادة مركزية القرآن في بناء الفكر والحياة، والانطلاق منه مرجعًا حاكمًا ومهيمنًا في النظر إلى الإنسان والمجتمع والمعرفة والحضارة. وهي، بهذا المعنى، دعوة تتجاوز التعامل مع القرآن بوصفه مصدرًا للوعظ والهداية الفردية إلى محاولة استحضاره باعتباره أصلًا ناظمًا لمختلف مجالات الحياة.
ويحتاج هذا النداء، مع حداثة اصطلاحه وطموحه النهضوي، إلى قراءة نقدية تضعه في سياق تاريخ الفكر الإسلامي، وتسأل عن مدى جدة أطروحته، وحدودها المنهجية، وصلتها بالتراث الإسلامي والفكر الإسلامي المعاصر، وبقضايا التدبر وأسلمة المعرفة والسياقية، فضلًا عن سؤال البديل الحضاري.
أولًا: مفهوم “الأقومية” ودلالتها
أقومية القرآن مفهوم معاصر يُبنى على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، ويُقصد به جعل القرآن المعيار الأول في بناء الأفكار وتقويمها، بحيث لا يقتصر التعامل معه على الوعظ والتعبد أو الاستشهاد ببعض أحكامه وقيمه داخل نماذج معرفية مكتملة، وإنما يصبح منطلقًا في تشكيل التصورات ومنهج التفكير نفسه. وبناءً على ذلك، تُعرض المعارف والتصورات والمناهج والممارسات البشرية على هدايات القرآن وقيمه، ويُستمد منه ما يُعدّ «الأقوم» في بناء الإنسان والمجتمع. ولا يلزم من ذلك رفض المعرفة البشرية، وإنما إعادة النظر في موقعها بحيث يكون الوحي مرجعًا موجّهًا ومعيارًا حاكمًا في عملية بناء المعرفة وتقويمها.
وتتقاطع «أقومية القرآن» من حيث مبدأ مركزية الوحي مع عدد من المفاهيم التي ظهرت في التراث والفكر الإسلامي المعاصر، مثل مرجعية الوحي، ومرجعية القرآن، ومركزية القرآن ومحوريته، والتأصيل القرآني، والمنهج القرآني، والمركزية المعرفية للقرآن. كما تلتقي، من زاوية أعم، مع مفهوم «الحاكمية» عند سيد قطب ومع التصور الشامل للتوحيد عند إسماعيل راجي الفاروقي، في تأكيدهما أن الإيمان لا ينفصل عن توجيه الفكر والحياة، غير أن هذه المفاهيم تختلف في سياقاتها ومجالاتها ودلالاتها. ومن ثم لا يلزم أن تُفهم «أقومية القرآن» بوصفها إعادة إنتاج لمفهوم الحاكمية أو امتدادًا مباشرًا لإشكالاته، بل يمكن تناولها باعتبارها صياغة معاصرة لفكرة مركزية القرآن ومرجعيته في بناء التصورات والمعرفة وتقويم الأفكار، انطلاقًا من دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
ومهما يكن التعريف التفصيلي، فإن السؤال المنهجي الذي يسبق تقويم المشروع هو: هل تمثل «الأقومية» منهجًا جديدًا في التعامل مع القرآن، أم أنها إعادة صياغة معاصرة لمبدأ أصيل ظل حاضرًا في مختلف مراحل تشكل العلوم الإسلامية؟
ثانيًا: الأقومية القرآنية وعلاقتها بالتراث الإسلامي
يصعب النظر إلى التراث الإسلامي بوصفه نتاجًا منفصلًا عن القرآن الكريم؛ فالفقه وأصوله، وعلوم الحديث، والتفسير، والعقيدة، ومقاصد الشريعة، وعلوم اللغة وغيرها، تشكلت في جانب أساسي منها بوصفها محاولات لفهم الوحي وتنزيل دلالاته على واقع الإنسان. فأصول الفقه، مثلًا، لم تكن مجرد تقنية لاستنباط الأحكام، وإنما كانت محاولة لضبط كيفية الانتقال من النص إلى الحكم، ومن الكلي إلى الجزئي، ومن الثابت إلى المتغير. وكذلك المقاصد الشرعية جاءت في سياق البحث عن الغايات والمعاني الكلية التي تنتظم الأحكام والنصوص. ومن ثم فإن القول بضرورة «إعمال القرآن» لا يبدأ من فراغ تاريخي؛ بل له حضور عميق في بنية العلوم الإسلامية ذاتها.
ومن هنا تبرز المسألة الأكثر أهمية: ما الجديد الذي تضيفه الأقومية إلى هذا المسار التراثي؟ فإذا كان المقصود إعادة القرآن إلى مركزية التفكير الإسلامي، فإن هذا المبدأ أصيل في التراث. أما إذا كان المقصود إعادة ترتيب علاقة المسلم بالقرآن في ضوء أسئلة العصر، وتطوير منهج جديد لاستخراج الرؤية القرآنية في مجالات لم تتشكل بالطريقة نفسها في التراث، فهنا يمكن البحث في خصوصية المشروع وإضافته المنهجية.
ثالثًا: الأقومية والفكر الإسلامي المعاصر
تتصل الأقومية كذلك بسلسلة طويلة من مشاريع الإصلاح والنهضة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر. فقد اختلفت المدارس الإسلامية في منطلقاتها ومناهجها، لكنها اشتركت بدرجات متفاوتة في سؤال مركزي هو: كيف تستعيد الأمة فاعليتها الحضارية؟ فخطابات الإصلاح، والوسطية، والعقلانية، والحركات الإسلامية، ومشروعات التجديد، كلها سعت إلى إعادة بناء العلاقة بين الإسلام والواقع، وإن اختلفت في تحديد الأولويات ووسائل التغيير. وحتى الاتجاهات الفكرية التي اتخذت مواقف أكثر حدة تجاه التراث أو العقل أو السلطة، كانت تتحرك داخل سؤال النهضة وإعادة بناء المجال الإسلامي.
يكشف استقراء المحاولات المعاصرة لمعالجة إشكالية تخلف الأمة عن تعدد المداخل التي انطلقت منها المدارس والتيارات الإسلامية؛ فبينما ركز التيار التربوي على بناء الإنسان وحسن فهم الدين، والتيار الإصلاحي على التعليم والوعي والنهضة، وأسلمة المعرفة على إعادة بناء المعرفة في ضوء المرجعية الإسلامية، والحركة الإسلامية على إصلاح المجتمع والسلطة، والاتجاه الوسطي على استعادة التوازن في الرؤية، والعقلاني على تفعيل العقل ومراجعة طرائق التعامل مع التراث والواقع، اتجهت تيارات أخرى إلى الإصلاح الروحي أو التغيير الحركي بوصفه مدخلًا للخروج من الأزمة. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى «الأقومية» بوصفها اتجاهًا فكريًا معاصرًا ناشئًا يمكن أن يضاف إلى هذه المحاولات، مع التحفظ المنهجي عن وصفها في مرحلتها الراهنة بالمدرسة المكتملة؛ إذ لا تزال في طور التشكل، ولم يتراكم حولها من الإنتاج النظري والتطبيقي ما يكفي لمقارنتها بالمدارس السابقة. ومع ذلك، فإنها تطرح محاولة مختلفة لإعادة تحديد بوصلة الإصلاح، تتمثل في السؤال عن إمكان جعل القرآن نفسه منطلقًا أوليًا في بناء التصور والمعرفة وتقويم الأفكار والممارسات.
ومن هذه الزاوية، لا تأتي «الأقومية» لإلغاء المداخل السابقة أو منافستها بقدر ما تقترح إعادة النظر في نقطة انطلاق مشروع الإصلاح؛ فإذا كان بعضها قد ركز على إصلاح الإنسان، أو التعليم، أو المعرفة، أو المجتمع والسلطة، أو العلاقة بين العقل والوحي، فإن الأقومية تسعى إلى البحث في المرجعية القرآنية التي يمكن أن توجه هذه المجالات جميعًا، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. ومن ثم يمكن فهمها بوصفها محاولة ناشئة لإعادة تأسيس سؤال النهضة من مركزية القرآن، لا باعتبارها بديلًا مكتملًا عن المشاريع السابقة، وإنما باعتبارها مسارًا جديدًا في طور التشكل، سيكون معيار أهميته الحقيقي قدرته على الانتقال من الدعوة إلى مركزية القرآن إلى بناء منهج قابل للتطبيق والنقد، وإلى تقديم إجابات عملية عن أسئلة المعرفة والمجتمع والحضارة.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي تقديم الأقومية باعتبارها بداية مطلقة لسؤال النهضة، وإنما بوصفها صياغة معاصرة لسؤال قديم، تنطلق من مركزية القرآن وتحاول تقديم إجابات جديدة عن أسئلة العصر. وتظهر أهمية المشروع بقدر ما يستطيع أن يثبت أن هذه الصياغة لا تكرر ما سبقها بعبارات جديدة، بل تضيف إطارًا منهجيًا قابلًا للتطبيق والنقد.
أما الحضارة الإسلامية نفسها، فلا يصح اختزال نشأتها في مفهوم «الأقومية» بالمصطلح المعاصر. فقد تشكلت من تفاعل معقد بين الوحي والعقل والعلم والخبرة التاريخية والمؤسسات والمعارف الوافدة. ولذلك فإن إعمال الإسلام في الحضارة كان أوسع من مجرد إعمال القرآن بصورة مباشرة؛ إذ دخلت السنة، والفقه، واللغة، والعرف، والخبرة الإنسانية، والتفاعل مع الحضارات الأخرى في عملية البناء الحضاري.
رابعًا: الأقومية والتدبر وسؤال المعيار
تتقاطع الأقومية بصورة واضحة مع الدعوات المعاصرة إلى تدبر القرآن وإعادة اكتشاف قدرته على توجيه الحياة. غير أن التدبر، مثل غيره من عمليات الفهم، يطرح سؤال المعيار. فإذا سألنا: ما النموذج الأمثل للتعليم في القرآن؟ وما النموذج الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي الذي يقدمه القرآن؟ فإن الانتقال من النص القرآني إلى نموذج مؤسسي محدد لا يكون آليًا في الغالب، وإنما يتضمن فهمًا واجتهادًا واختيارًا بشريًا.
وهنا تكمن إحدى أهم القضايا المنهجية في مشروع الأقومية: كيف نميز بين ما يقوله القرآن، وما يستنبطه الباحث من القرآن، وما يراه الباحث صالحًا للتطبيق في زمانه؟ فإذا كان معيار الإجابة اجتهاديًا، فإن تعدد الاجتهادات يصبح أمرًا متوقعًا. ولا يعود من المنهجي تقديم قراءة فردية للقرآن باعتبارها النتيجة الوحيدة التي يقتضيها النص. كما لا يصح اختزال التاريخ الإسلامي كله في قراءة واحدة للقرآن؛ فالتراث الإسلامي ذاته شاهد على تعدد الاجتهادات والمدارس والنماذج الحضارية.
خامسًا: الأقومية بين أسلمة المعرفة والسياقية
تلتقي الأقومية، في جانب آخر، مع مشروع أسلمة المعرفة الذي حاول إعادة النظر في العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة من منظور إسلامي، من خلال نقد بعض الأسس الفلسفية والمعرفية للعلوم الحديثة، والبحث عن إمكان إعادة صياغتها في إطار إسلامي. غير أن هذا المشروع يواجه سؤالًا منهجيًا لا يقل أهمية: هل كل ما يأتي من الغرب يحتاج إلى إزالة أو إعادة تشكيل لمجرد منشئه الحضاري؟
الجواب لا يمكن أن يكون بالإطلاق؛ فالموقف الإسلامي من الآخر لا يقوم على رفض كل ما عنده، وإنما يميز بين مجالات الاعتقاد والقيم من جهة، ومجالات الخبرة الإنسانية والمصالح الدنيوية من جهة أخرى. فالاستفادة من السيارة، والنظام الإداري، والتقنيات التعليمية، وأدوات البحث، والنظم المؤسسية، لا تصبح محرمة أو مرفوضة لمجرد أنها نشأت في سياق غير إسلامي. أما ما يتعلق بالتصورات العقدية أو القيم التي تتعارض مع أصول الإسلام، فله حكم آخر.وهنا تأتي أهمية السياقية (Contextualization): فإعمال الإسلام لا يعني تجاهل الواقع، كما أن المحافظة على الواقع لا تعني الخضوع له. وإنما المقصود تنزيل المبادئ الشرعية الثابتة على أوضاع متغيرة، مع مراعاة الزمان والمكان والأحوال والمآلات. وهذا هو المجال الذي ظهرت فيه تاريخيًا مفاهيم الاجتهاد وتجدد الفتوى واختلاف الأحكام باختلاف الظروف.
سادسًا: من نقد الواقع إلى بناء البديل
لعل أبرز الأسئلة التي تواجه الأقومية هو سؤال البديل. فالنقد المطلق للحضارة الغربية أو للنظم التعليمية والأكاديمية والإدارية المعاصرة لا يكفي لإقامة مشروع حضاري جديد. فإذا كان النموذج الجامعي المعاصر موضع نقد، فما البديل؟ وإذا كانت مناهج البحث العلمي محل اعتراض، فما المنهج البديل؟ وإذا كانت أنظمة التعليم ومراحلها وتقويمها وترقيات الأساتذة وآليات النشر العلمي بحاجة إلى مراجعة، فما التصور المؤسسي الذي يمكن أن يحل محلها؟
وهذه الأسئلة لا يمكن أن تُجاب عنها إجابات فردية؛ لأن الحضارة ليست نتاج رؤية شخص واحد، وإنما هي حصيلة مؤسسات وخبرات تراكمية واجتهادات جماعية. كما أن الناس لا يستطيعون التخلي عن نظم قائمة لمجرد نقدها، ما لم يوجد بديل أكثر قدرة على تحقيق المقاصد والوظائف التي تؤديها. ومن هنا فإن قوة أي مشروع نهضوي لا تقاس بقدرته على الرفض وحده، وإنما بقدرته على التحول من النقد إلى البناء، ومن التشخيص إلى البديل، ومن الشعارات العامة إلى النماذج القابلة للاختبار والتطبيق.
خاتمة
تمثل الأقومية القرآنية، في صورتها المعاصرة، محاولة لإعادة وضع القرآن في مركز المشروع الإسلامي النهضوي. وتكمن أهمية مناقشتها في أنها تفتح أسئلة حقيقية حول علاقة المسلم بالقرآن، وحول إمكان بناء المعرفة والمجتمع والحضارة انطلاقًا من الوحي. غير أن قوة هذا المشروع ستتوقف على قدرته على تحديد ما يضيفه إلى التراث الإسلامي، وما يميزه عن مشاريع النهضة والتجديد السابقة، وكيف يضبط العلاقة بين النص والاجتهاد، وبين التدبر والنتيجة، وبين الإسلام والسياق، وبين نقد الحضارة المعاصرة والاستفادة من منجزاتها.
فالقرآن يمكن أن يكون مركزًا للمشروع الحضاري دون أن يعني ذلك إلغاء التاريخ الإسلامي أو الخبرة الإنسانية أو العلوم التي تراكمت عبر القرون. كما أن نقد بعض مكونات الحضارة المعاصرة لا يستلزم رفضها كلها، وإنما يقتضي التمييز والنقد والاختيار وإعادة البناء. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأقومية ليس إثبات الحاجة إلى القرآن؛ فهذه الحاجة أصل في الوعي الإسلامي، وإنما يتمثل التحدي في تقديم منهج منضبط يبين كيف ينتقل من مركزية القرآن إلى إنتاج المعرفة، ومن المعرفة إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الحضارة، مع إبقاء باب الاجتهاد والتعدد والنقد مفتوحًا. وعند هذه النقطة تحديدًا يمكن أن تتحول الأقومية من نداء إصلاحي إلى مشروع معرفي وحضاري قابل للنقاش والاختبار والتطوير.