ليست الولاية في الإسلام امتيازًا يمنح صاحبه سلطةً يتصرف بها كيف يشاء، وإنما هي أمانة عظيمة ومسؤولية ثقيلة، تقوم على خدمة الناس، وحفظ حقوقهم، وتحقيق مصالحهم، ورفع المشقة عنهم. ومن أجل ذلك رسم النبي ﷺ قاعدةً جامعةً في التعامل مع الرعية، فقال: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به” [تخريج الحديث: صحيح مسلم، رقم 1828].
وليس هذا الحديث دعاءً مجردًا، بل هو إعلان لمبدأ شرعي خالد، يجعل الرحمة معيارًا للقيادة، ويجعل الجزاء من جنس العمل؛ فمن جعل ولايته سببًا في التيسير والرحمة، استحق رحمة الله، ومن جعلها وسيلة للتعسير والإضرار، استحق الوعيد والدعاء عليه من رسول الله ﷺ.
أولاً: الرحمة أساس الولاية
عند التأمل في القرآن الكريم نجد أن هذا الحديث ليس نصًا منفردًا، وإنما يأتي منسجمًا مع منظومة قرآنية كاملة تؤسس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [تخريج الآية: سورة النحل، الآية 90]، فجعل العدل أصلًا في إقامة المجتمعات، كما جعل الإحسان غايةً تتجاوز مجرد أداء الحقوق إلى حسن المعاملة والرفق بالناس.
وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [تخريج الآية: سورة النساء، الآية 58]. وقد عدَّ المفسرون هذه الآية من أعظم الآيات في بيان مسؤولية كل من تولى شأنًا من شؤون المسلمين، سواء كانت ولاية عامة أو خاصة⁽¹⁾.
ولم يكتف القرآن بالأمر بالعدل، بل ربط القيادة باللين والرحمة، فقال مخاطبًا النبي ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك} [تخريج الآية: سورة آل عمران، الآية 159]. فإذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى سيد الخلق ﷺ، وهو أكمل الناس خلقًا ورحمة، فمن دونه أولى بأن يتأدب بهذا الأدب الرباني.
كما أمر الله تعالى بالمشاورة، فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [تخريج الآية: سورة آل عمران، الآية 159]، لأن القيادة في الإسلام ليست استبدادًا بالرأي، وإنما هي استماع للناس، ومراعاة لمصالحهم، واحترام لكرامتهم.
ثانياً: السنة النبوية تؤسس لأخلاق المسؤولية
وقد جاءت السنة النبوية شارحة لهذا الأصل ومؤكدة له. فقال ﷺ: “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته” [تخريج الحديث: صحيح البخاري، رقم 893، وصحيح مسلم، رقم 1829]، فكل ولاية ـ صغرت أو كبرت ـ مسؤولية أمام الله تعالى.
وقال ﷺ: “ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة” [تخريج الحديث: صحيح البخاري، رقم 7150، وصحيح مسلم، رقم 142]. والغش هنا يشمل كل صور التقصير في أداء الحقوق، أو ظلم الناس، أو استغلال المنصب، أو إهمال مصالحهم.
ومن هنا يظهر أن حديث “اللهم من ولي…” ليس منفصلًا عن بقية النصوص، بل يمثل خلاصة لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة، وهو أن الولاية رحمة قبل أن تكون سلطة، وخدمة قبل أن تكون تشريفًا.
ثالثا: كيف فهم علماء الحديث هذا الحديث؟ (النووي، وابن حجر، وابن بطال أنموذجاً)
وقف الإمام النووي عند هذا الحديث في شرح صحيح مسلم، وعدَّه من أعظم الأحاديث في باب الإمارة والولايات⁽²⁾. وبيّن أن دعاء النبي ﷺ على من يشق على الناس يقابله دعاؤه بالرحمة لمن يرفق بهم، وفي ذلك أعظم الترغيب في الإحسان إلى الرعية، وأشد التحذير من ظلمهم أو إرهاقهم أو تعسير أمورهم.
ويفهم من كلام النووي أن الرفق المقصود ليس مجرد اللين في القول، بل يشمل كل ما يحقق مصالح الناس، ويدفع عنهم المشقة، وييسر عليهم شؤون حياتهم، لأن الشريعة قائمة على رفع الحرج، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [تخريج الآية: سورة الحج، الآية 78]. ومن هنا فإن كل مسؤول يستطيع أن يجعل ولايته بابًا إلى رحمة الله، إذا جعلها وسيلة لخدمة الناس، وتسهيل مصالحهم، والإنصاف بينهم.
وعند شرح الأحاديث الواردة في باب الإمارة في فتح الباري، قرر الحافظ ابن حجر أن من أعظم مقاصد الولاية تحقيق مصالح الرعية، وأن النصوص النبوية جاءت لتغرس في قلب الوالي الشعور بالمسؤولية لا الشعور بالسيادة⁽³⁾.
أما الإمام ابن بطال، فبين في شرحه لصحيح البخاري أن الوالي مأمور بالشفقة على الناس، واحتمال أذاهم، والصبر على حاجاتهم، والسعي في مصالحهم، وأن التشديد عليهم بغير حق يناقض مقصد الإمامة الذي شرع لإقامة العدل ورحمة الخلق⁽⁴⁾.
هذه المعاني كلها تلتقي مع قاعدة عظيمة قررها العلماء، وهي أن الجزاء من جنس العمل؛ فمن عامل الناس بالرفق عامله الله بالرفق، ومن عاملهم بالمشقة عومل بما يناسب فعله.
رابعا: مدرسة الخلفاء الراشدين
ولم يبق هذا المبدأ نظريًا، بل تحول إلى ممارسة عملية في عهد الخلفاء الراشدين.
فحين تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، أعلن في أول خطبة له: “القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق”⁽⁵⁾. فكانت أولويته إقامة العدل، لا إظهار السلطة.
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد جسّد هذا المعنى في حياته كلها، حتى قال كلمته المشهورة: “لو أن بغلة عثرت بالعراق لسألني الله عنها: لمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟”⁽⁶⁾. ومع أن هذه العبارة اشتهرت في كتب الزهد والآداب، فإن معناها يعكس ما ثبت عنه من شدة محاسبته لنفسه، واستشعاره أن مسؤولية الوالي تمتد إلى أدق شؤون الرعية. ولذلك كان يكتب إلى ولاته يأمرهم بالرفق بالناس، ويحذرهم من الاحتجاب عن أصحاب الحاجات، ويعزل من ظهرت منه القسوة أو الظلم، إدراكًا منه أن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، وإنما بالعدل.
خامسا: عمر بن عبد العزيز… حين أصبحت الرحمة سياسة دولة
إذا كان الخلفاء الراشدون قد أسسوا هذا المنهج، فإن عمر بن عبد العزيز مثّل إحدى أبهى صوره في تاريخ الدولة الإسلامية. فقد كان يرى أن الولاية ليست بابًا للمجد الشخصي، وإنما مسؤولية يسأل عنها العبد بين يدي الله. ومن كلماته المشهورة: “إن لي نفسًا تواقة، وما نالت شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما نالت الخلافة تاقت إلى الجنة”⁽⁷⁾.
ولهذا انعكس خوفه من الله على إدارته للدولة، فرفع المظالم، ورد الحقوق إلى أهلها، وخفف الضرائب التي أثقلت كاهل الناس، وعزل الولاة الذين عُرفوا بالشدة أو الجور، وكان يوصي عماله مستلهمًا الهدي النبوي في التعامل مع الرعية.
وقد روي عنه أنه كتب إلى أحد ولاته: “إذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فتذكر قدرة الله عليك”⁽⁸⁾. وإن اختلفت طرق نقل هذه العبارة، فإن معناها كان حاضرًا في سيرته كلها؛ إذ لم يكن يرى سلطان الحاكم قائمًا على القوة، بل على العدل، ولا على القهر، بل على الرحمة.
سادساً: السلف الصالح… الإمارة ابتلاء لا غنيمة
ولم يكن هذا الفهم خاصًا بالخلفاء، بل كان منهجًا عامًا عند الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. فقد كان عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه يروي عن النبي ﷺ قوله: “يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها” [تخريج الحديث: صحيح البخاري، رقم 7146، وصحيح مسلم، رقم 1652]. وفي هذا توجيه بليغ إلى أن الولاية ليست غاية تُطلب، وإنما تكليف يحتاج إلى عون الله.
وكان سفيان الثوري يقول: “إنما العالم طبيب هذه الأمة، فإذا جرَّ الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس؟”⁽⁹⁾. وعلى الرغم من أن كلامه ورد في العلماء، إلا أن معناه يتسع لكل صاحب ولاية؛ إذ لا يستقيم أن يدعو الناس إلى العدل وهو أول من يخالفه، أو يأمرهم بالرحمة وهو أول من يقسو عليهم.
وقال الإمام الحسن البصري: “إن الله إنما جعل الإمام ليُؤتسى به، فلا يظلم، ولا يخون، ولا يغفل عن مصالح الناس”⁽¹⁰⁾. وكان يعدّ العدل أعظم أسباب استقرار المجتمعات، ويرى أن ظلم الرعية من أعظم أسباب زوال الدول.
سابعاً: المقصد الشرعي… رفع الحرج وتحقيق المصلحة
عند جمع هذه النصوص تتجلى حقيقة مهمة، وهي أن الحديث النبوي لا يقتصر على الوالي الأعظم، بل يشمل كل من تولى شأنًا من شؤون الناس؛ من الوزير، والقاضي، والمدير، ورئيس المؤسسة، ورب الأسرة، وكل من كانت له سلطة أو مسؤولية.
وهذا المعنى ينسجم مع المقاصد الكلية للشريعة، التي قررها الأصوليون، وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي⁽¹¹⁾، حيث جعل تحقيق مصالح العباد ورفع المشقة عنهم مقصدًا أصيلًا من مقاصد التشريع. ولذلك كثرت في القرآن الكريم النصوص التي تؤكد أن الله تعالى يريد بعباده اليسر، فقال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [تخريج الآية: سورة البقرة، الآية 185]، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [تخريج الآية: سورة المائدة، الآية 6].
ومن هنا فإن كل مسؤول يجعل الإجراءات المعقدة، أو التعنت، أو التأخير غير المبرر، أو إساءة معاملة الناس أسلوبًا في الإدارة، فإنه يخالف روح الشريعة، وإن التزم ظاهر الأنظمة. وفي المقابل، فإن من ييسر على الناس، ويحفظ كرامتهم، ويقضي حوائجهم، ويزيل العقبات من طريقهم، يحقق مقصدًا شرعيًا عظيمًا، ويكون داخلًا في دعاء النبي ﷺ: “فارفق به”.
ثامناً: بين القوة والرحمة
وليس الرفق في الإسلام ضعفًا، كما قد يتوهم بعض الناس، بل هو قوة منضبطة بالحكمة. فقد كان النبي ﷺ أرحم الناس، ومع ذلك كان أقواهم في إقامة الحق، وكان الخلفاء الراشدون أشد الناس في حماية العدل، وألينهم مع الرعية.
ولهذا قال النبي ﷺ: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه” [تخريج الحديث: صحيح مسلم، رقم 2594]. فالرفق ليس خلقًا فرديًا فحسب، بل منهجًا في القيادة، وأسلوبًا في الإدارة، ووسيلة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
إن التاريخ الإسلامي يثبت أن الدول التي قامت على العدل والرحمة طال أثرها، وبقي ذكرها حسنًا، بينما كانت القسوة والظلم من أبرز أسباب اضطراب المجتمعات وسقوط الدول، كما نبه إلى ذلك عدد من علماء السياسة الشرعية، وفي مقدمتهم الإمام الماوردي وابن تيمية وابن خلدون⁽¹²⁾، الذين قرروا أن العدل أساس العمران، وأن الظلم مؤذن بخراب الدول.
خاتمة
إن حديث النبي ﷺ: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به” [تخريج الحديث: صحيح مسلم، رقم 1828] ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو ميثاق للحكم الرشيد، وقاعدة للإدارة الرشيدة، ومنهج لكل صاحب مسؤولية. وقد جاءت آيات القرآن، وأحاديث السنة، وشروح الأئمة كالإمام النووي، وابن حجر، وابن بطال، وسير الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، لتؤكد حقيقة واحدة: أن الولاية في الإسلام تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ورحمة قبل أن تكون سلطة، وعدل قبل أن تكون نفوذًا.
فما أحوج عالم اليوم، بكل مؤسساته وإداراته، إلى استحضار هذا الهدي النبوي؛ إذ إن نجاح المسؤول لا يقاس بما يملكه من صلاحيات، وإنما بما يحققه من عدل، وما يشيعه من رحمة، وما يرفعه عن الناس من مشقة. ومن جعل هذا الحديث نصب عينيه في كل قرار يتخذه، كان أرجى الناس أن يناله دعاء النبي ﷺ: “فارفق به.”
