حاول خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- بكل الطرق والوسائل دعوة قومه إلى عبادة الله، وترك الشرك وعبادة الأوثان، وجادلهم وحاورهم بالتي هي أحسن، لكنه -رغم كل ذلك- لم يؤمن به أحد. حتى يوم المعجزة التي عايشوها لحظة بلحظة، في مشهد إلقاء إبراهيم في نار عظيمة؛ حيث اشترك الجميع في جمع الحطب والوقود اللازم لها، ثم رأوا إبراهيم يخرج منها دون أن يصيبه أذى!

حتى هذه المعجزة غير المسبوقة في التاريخ، لم تحرك قلوبهم وعقولهم قيد أنملة عما هم عليه من شرك وضلال. ولكن، ورغم أن الأجواء في قومه كانت تبعث على اليأس، إلا أن الله أيّده بأن آمن له لوط -عليه السلام- وهو ابن أخيه، وآمنت معه سارة التي تزوجها بعد ذلك.

قرار الرحيل الكبيـر

ثم قرر خليل الرحمن، بعد كل هذه السنوات من الدعوة دون نتيجة تُذكر، أن يهاجر من وطنه، وقال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي} (العنكبوت: 26).

يقول الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب): «لما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتدِ قومه، وحصل اليأس الكلي، حيث رأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة؛ لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم مفسدة، لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينفع، والسكوت عن دعوتهم دليل الرضا، فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبقَ للإقامة وجه، وجبت المهاجرة».

نداء للمستضعفين

يُفهم من الآية إذن عدم البقاء في أرض قد يُفتتن فيها الإنسان في دينه، وبالتالي هي دعوة لكل مؤمن يخشى على دينه أن يتحرر ويهاجر، كي لا يتعرض للذل أو الاستضعاف. وتأكيد على أن أرض الله واسعة، فلا عذر للبقاء في مكان يُفتن فيه المرء في دينه، وهكذا كان دأب غالب الأنبياء.

لذلك حين تجد قول الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (العنكبوت: 56)؛ ستدرك أنها دعوة من رب رحيم عليم بالنفوس المؤمنة المخلصة؛ دعوة لتلك النفوس المؤمنة لكنها المضطهدة، أو غير المستقرة والقلقة على دينها، ألا تمكث لحظة واحدة في أرض لا يأمن فيها أحدهم على دينه، حيث الفتن من كل حدب وصوب.

يقول الإمام البغوي في (معالم التنزيل): «نزلت الآية في ضعفاء مسلمي مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة، {إِنَّ أَرْضِي} -يعني المدينة- واسعة آمنة».

وقال سعيد بن جبير: «إذا عُمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها؛ فإن أرضي واسعة». وقال عطاء: «إذا أُمرتم بالمعاصي فاهربوا؛ فإن أرضي واسعة». ورأى العلماء أن من كان في بلد يُعمل فيه بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك، وخشي من الفتنة، أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة. وقيل إن هذه الآية نزلت في قوم تخلّفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة؛ فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج.

خاتمة

إن هاجس الأسى لمفارقة الوطن هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تُدعى للهجرة، ومن هنا يمس الله قلوبهم بهاتين اللمستين: بالنداء الحبيب القريب {يَا عِبَادِي}، وبالسعة في الأرض {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}. وما دامت كلها أرض الله، فأحب بقعة منها هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه.