الورع من أعظم أخلاق الإسلام، وأشرف مقامات السائرين إلى الله تعالى، وهو عنوان كمال الإيمان، ودليل حياة القلب، وثمرة العلم النافع؛ إذ يحمل صاحبه على الوقوف عند حدود الله، واجتناب محارمه، والبعد عن مواطن الشبهات، طلبًا لسلامة الدين، وحفظًا للقلب، وتعظيمًا لحق الله سبحانه وتعالى.

وقد اشتدت الحاجة إلى إحياء هذا الخلق في زمانٍ كثرت فيه الفتن، وتشعبت فيه الشبهات، وضعفت فيه المراقبة، حتى أصبح كثير من الناس يتساهلون فيما يقدح في دينهم أو ينقص من كماله، واستمرؤوا ما كان السلف الصالح يتوقونه ويتحرزون منه، فغاب الورع عن كثير من الأقوال والأفعال والمعاملات، مع أن الأمة أحوج ما تكون إليه في عباداتها، ومعاملاتها، وسائر شؤون حياتها.

ومن المؤسف أن الورع المشروع أصبح عند بعض الناس مرادفًا للتشدد أو الغلو أو التكلف، حتى صار المتمسك به محل استغراب أو نقد، وهذا من آثار ضعف الفقه في حقيقة هذا الخلق العظيم، وقلة معرفة حدوده الشرعية، وعدم التمييز بين الورع المحمود والتنطع المذموم، مع أن الورع الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة هو ثمرة العلم، وزينة العمل، وسبب سلامة الدين، وليس تشديدًا على النفس ولا خروجًا عن هدي الشريعة.

ومن هذا المنطلق جاءت هذه المقالة؛ لبيان حقيقة الورع، وتأصيل مفهومه من خلال نصوص الكتاب والسنة، وذكر منزلته، وبيان فضله وآثاره، والتنبيه إلى ما وقع فيه بعض الناس من إفراط أو تفريط في فهمه والعمل به؛ رجاء أن يسهم ذلك في إحياء هذا الخلق في النفوس، وترسيخ معانيه في السلوك، والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، إنه سميع مجيب.

دلالة الورع في اللغة والاصطلاح

أولاً: دلالة الورع في اللغة

الورع لغة: أصلٌ يدُلُّ على الكَفِّ والانقباضِ، ومنه الوَرَعُ: العِفَّةُ، وهي الكَفُّ عمَّا لا ينبغي، والوَرَعُ: التَّقوى، والتَّحرُّجُ، والكفُّ عن المحارِمِ. مِن وَرِعَ الرَّجُلُ، كوَرِثَ، والوَرعُ -بكسر الرَّاء-: الرَّجُلُ التَّقيُّ المتحَرِّجُ، والوَرَعُ في الأصلِ: الكَفُّ عن المحارِمِ والتَّحرُّجُ منها، ثمَّ استعير للكَفِّ عن المباحِ والحلالِ [1].

ثانياً: دلالة الورع في الاصطلاح

يمكن أن يقال: هو ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، والأخذ بالأولى، وحمل النفس على الأحوط [2].

وقد تنوعت عبارات أهل العلم في تعريف الورع، وكلها تدور حول معنى واحد، فمن ذلك:

  • فعبر عنه يونس بن عبيد بقوله:” الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين” [3].
  • وعرفه بعضهم بأنه: “تجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات” [4].
  • وقال إبراهيم بن أدهم: “الورع: ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك” [5].
  • وقال بعضهم: “هو توقٍّ مستقصى على حذر، وتحرج على تعظيم” [6].
  • وقال يحيى بن معاذ: “الورع: الوقوف على حد العلم، من غير تأويل” [7]. أي: من غير تأول للنفس بالبحث عن المخارج.
  • ويقول أيضًا: “الورع على وجهين: ورع في الظاهر، وورع في الباطن؛ فورع الظاهر: ألا يتحرك إلا لله، وورع الباطن: هو ألا تدخل قلبك سواه” [8].
  • وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأما الورع فإنه الإمساك عما قد يضر؛ فتدخل فيه المحرمات والشبهات؛ لأنها قد تضر؛ فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه [9].
  • وعرَّفه القَرافيُّ بقَولِه: “تَركُ ما لا بأسَ به؛ حذَرًا ممَّا به البأسُ” [10].
  • وقال الكَفَويُّ: “الوَرَعُ: الاجتنابُ عن الشُّبُهاتِ، سواءٌ كان تحصيلًا أو غيرَ تحصيلٍ” [11].

ومن خلال ما سبق يتبين أن عبارات أهل العلم – وإن اختلفت ألفاظها – فإنها متفقة في معناها، وتدور حول حقيقة واحدة، وهي أن الورع هو صيانة النفس عما يضرها في دينها، وترك ما يُخشى ضرره في الآخرة، سواء كان ذلك أمرًا محرمًا ظاهر التحريم، أو من المشتبهات التي لم يتبين حكمها، أو من التوسع في المباحات التي قد تجر صاحبها إلى المكروه أو الحرام، وبذلك يكون الورع سياجًا يحفظ الدين، ويصون القلب، ويعين العبد على الاستقامة.

التَّرغيبُ في الوَرَعِ والحَثُّ عليه

لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة مؤكدةً على فضل الورع، ومرغبةً فيه، ومبينةً أنه من أسباب سلامة الدين، وطهارة القلب، وحسن العاقبة. وقد دلت الأحاديث النبوية على أن الورع ليس مجرد ترك المحرمات، بل يشمل اجتعاب الشبهات، والابتعاد عما يوقع العبد في الريبة أو يقدح في دينه، ومن ذلك ما يأتي:

  • عن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: «سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن البِرِّ والإثمِ، فقال: البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإثمُ ما حاك في صَدرِك، وكَرِهتَ أن يطَّلِعَ عليه النَّاسُ» [12].
    • قال النَّوويُّ: “معنى “حاك في صَدرِك” أي: تحرَّك فيه وتردَّد ولم ينشَرِحْ له الصَّدرُ، وحصَل في القلبِ منه الشَّكُّ وخَوفُ كونِه ذنبًا” [13].
    • وجه الدلالة: دل الحديث على أن المؤمن إذا وجد في نفسه ترددًا وريبةً من أمرٍ ما، ولم يطمئن إليه قلبه، فإن الورع يقتضي تركه؛ لأن سلامة القلب من أعظم علامات التقوى.
  • ومن أوضح الأحاديث في بيان حقيقة الورع ما رواه الحسَنِ بنِ علي رَضِيَ اللهُ عنهما قال: حَفِظتُ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك؛ فإنَّ الصِّدقَ طُمَأنينةٌ، وإنَّ الكَذِبَ ريبةٌ» [14].
    • قال ابنُ حَجَرٍ: قولُه: “يَريبُك”. بفتحِ أوَّلِه، ويجوزُ الضَّمُّ، يقال: رابه يَريبُه بالفتح، وأرابه يُريبُه بالضَّمِّ، ريبةً، وهي الشَّكُّ والتَّردُّدُ، والمعنى: إذا شكَكْتَ في شيءٍ فدَعْه، وتَركُ ما يُشَكُّ فيه أصلٌ عظيمٌ في الوَرَعِ… قال الخطَّابيُّ: كُلُّ ما شكَكْتَ فيه، فالوَرَعُ اجتنابُه [15].
    • وجه الدلالة: جعل النبي ﷺ ترك ما يورث الشك والريبة من علامات الورع، وأرشد إلى استبدال المشتبه بما هو واضح لا تردد فيه، وفي ذلك حفظ للدين وطمأنينة للقلب.
  • ومن أعظم الأحاديث أصلًا في هذا الباب حديث النَّعمان بن بشير رَضِيَ اللهُ عنهما: قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلَمُها كثيرٌ من النَّاسِ، فمن اتَّقى المشَبَّهاتِ استبرأ لدينِه وعرضِه، ومن وقَع في الشُّبُهاتِ كراعٍ يرعى حولَ الِحمى، يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإنَّ لكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إنَّ حِمى اللهِ في أرضِه محارِمُه، ألا وإنَّ في الجسَدِ مُضغةً إذا صلَحَت صلَحَ الجسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَد الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ» [16].
    • قال الخطَّابيُّ: “هذا الحديثُ أصلٌ في الوَرَعِ، وفيما يلزَمُ الإنسانَ اجتنابُه من الشُّبهةِ والرَّيبِ” [17].
    • وجه الدلالة: بيَّن النبي ﷺ أن طريق سلامة الدين يكون باتقاء المشتبهات، وأن من حافظ على ذلك فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولهذا عد العلماء هذا الحديث أصلًا من أصول الورع.
  • وقد جاء هذا المعنى مؤكدًا في قوله ﷺ: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» [18].
    • وجه الدلالة: وفيه دلالة على أن المسلم يقف عند حدود الله، ولا يتكلف ما لم يكلفه الله به، وهو من تمام الورع المشروع.
  • وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [19].
    • وجه الدلالة: وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو داخل في حقيقة الورع؛ لأن ترك ما لا يعني العبد يحفظ عليه دينه ووقته وقلبه، ويبعده عن مواطن الإثم واللغو.

وقد كان السلف الصالح أعظم الناس امتثالًا لهذه النصوص، فكانوا يتركون كثيرًا من المباحات خشية أن تجرهم إلى المكروهات أو المحرمات، تحقيقًا لكمال الورع، وصيانةً لدينهم.

الخلاصة: أن السنة النبوية رغبت في الورع بأبلغ أسلوب، فجعلته سببًا لسلامة الدين، وحفظ العرض، وطمأنينة القلب، وربطته باجتناب الشبهات، وترك ما يورث الريبة، والوقوف عند حدود الله تعالى، ولذلك كان الورع من أجلِّ أخلاق المؤمنين، وأعظم ما يعين العبد على تحقيق التقوى والاستقامة.

أهمية الورع ومنزلته

يعدُّ الورع من أجلِّ أخلاق الإسلام، وأرفع منازل الإيمان، وهو من أعظم ما يحفظ به العبد دينه، ويصون به قلبه، ويحقق به كمال التقوى. ولذلك اعتنى الشرع بالحث عليه، وأثنى عليه النبي ﷺ، وتتابعت كلمات السلف الصالح في بيان منزلته وفضله، حتى جعلوه من علامات صلاح القلب وكمال الإيمان.

وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» [20].

  • ففي قوله: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة» دلالة على شرف العلم الشرعي، وأن الاشتغال به أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات؛ لأنه يهدي إلى العمل الصالح، ويقوم به الدين.
  • وفي قوله: «وخير دينكم الورع» بيان لعظم منزلة الورع، وأنه من أجلِّ خصال الدين، لما يشتمل عليه من تعظيم حدود الله، واجتناب محارمه، والاحتياط للدين.

وروى النبي ﷺ أنه قال: «يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس…» [21]. فدلَّ هذا على أن كمال العبادة لا يكون بكثرة العمل وحدها، وإنما يتحقق بحسن الامتثال، واجتناب المحرمات والشبهات، فإن الورع هو روح العبادة وحارسها.

ولهذا كان السلف الصالح يعظمون شأن الورع، ويرون أنه من أجلِّ أعمال القلوب والجوارح.

  • فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «إن الناس قد ضيعوا أعظم دينهم: الورع» [22].
  • وقال الحسن البصري رحمه الله: “ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه [23].
  • وقال أيضًا: “أفضل العلم: الورع، والتفكر” [24].
  • وقال طاوس بن كيسان رحمه الله: “مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة… وثمرها الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له” [25].

وتكشف هذه الآثار عن المكانة العظيمة التي احتلها الورع في نفوس السلف؛ إذ كانوا يرونه ثمرة العلم، وزينة العبادة، وعلامة صدق الإيمان، وسببًا لحفظ الدين واستقامة السلوك.

يتبين مما سبق أن الورع من أعظم الأخلاق الإيمانية، وأجلِّ المقامات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، إذ به تُصان العقيدة، وتُحفظ العبادة، وتستقيم المعاملة، ويَسْلَم القلب من دواعي الشبهات والشهوات. وليس الورع مقصورًا على اجتناب المحرمات، بل يمتد إلى الاحتياط للدين، والبعد عما يُخشى أن يوقع في الإثم أو ينقص كمال التقوى، ولذلك عظَّم النبي ﷺ شأنه، وأوصى به، وأجمع السلف على الثناء عليه وبيان فضله. وإذا كان الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإن الورع من أعظم الأسباب التي تحفظ على العبد إيمانه، وتعينه على الثبات والاستقامة، وتبلغه مراتب الإحسان، ولذلك استحق أن يكون من أجلِّ خصال الدين، ومن أوثق أسباب صلاح الفرد والمجتمع.

مراتب الورع

لما كان الورع من أعمال القلوب التي تتفاوت بتفاوت الإيمان، والعلم، والمراقبة، لم يجعله أهل العلم على مرتبة واحدة، بل قسموه إلى مراتب تتفاوت بحسب حال العبد وقوة يقينه، وقربه من الله تعالى. فكلما ازداد العبد علمًا بربه، وتعظيمًا لأوامره ونواهيه، وحرصًا على سلامة دينه، ارتقى في مراتب الورع، حتى يبلغ منزلة السابقين والصديقين. ولهذا اعتنى العلماء ببيان هذه المراتب؛ ليميز المسلم بين ما هو واجب عليه، وما هو من فضائل الأعمال وكمالاتها.

أولًا: تقسيم الراغب الأصفهاني:

قسم الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة إلى مكارم الشريعة) الورع إلى ثلاث مراتب:

  • المرتبة الأولى: الورع الواجب: وهو اجتناب المحرمات، وهذا يجب على جميع الناس، ولا يسع مسلمًا تركه؛ لأنه داخل في امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، وهو أصل الورع وأساسه، ولا يتحقق للعبد وصف الورع حتى يستقيم على هذه المرتبة.
  • المرتبة الثانية: الورع المندوب: وهو الوقوف عند المشتبهات، واجتناب ما لم يتبين حله أو حرمته، وهذا من شأن أوسط الناس في العبودية، الذين يحرصون على استبراء الدين والعرض، امتثالًا لقول النبي ﷺ: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» [26].
  • المرتبة الثالثة: ورع السابقين إلى الخيرات: وهي درجة السابقين الذين بلغوا أعلى مراتب الكمال، وهي الكف عن كثير من المباحات التي يُخشى أن تجر إلى المحرمات أو المكروهات، أو تشغل القلب عن الله تعالى، وليس ذلك لأن المباح محرم في ذاته، وإنما احتياطًا للدين، وطلبًا لكمال القرب من الله عز وجل.

وقد كان السلف الصالح أحرص الناس على تحقيق هذه المرتبة، ومن ذلك ما جاء عن فزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك، فإن عليك ثيابًا خشنة، فقال: أرنيه، فلمسه بيده، وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا؛ إنه من القطن، قال: “إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالًا فخورًا” [27].

وفي هذا الأثر دلالة ظاهرة على فقه ابن عمر رضي الله عنهما في باب الورع؛ إذ لم يترك الثوب لأنه محرم، وإنما خشي ما قد يترتب عليه من الكبر والعجب والخيلاء، فترك السبب المباح خشية الوقوع في المححظور، وهذا من أكمل صور الورع.

ولهذا روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعظم من نفسه أو اختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان» [28].

ومقتضى هذا أن كل مباح يغلب على ظن العبد أنه يجره إلى الكبر أو الرياء أو الإعجاب بالنفس، فإن الورع يقتضي اجتنابه، وإن كان في أصله مباحًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد إذا غلب على الظن إفضاؤها إليها.

وفي هذا المعنى يقول بشر بن الحارث: “ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال؛ لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام” [29].

وهذا من فقه السلف في معرفة مداخل النفوس، فإن النفس إذا أطلقت لها العنان في التوسع في المباحات، ربما حملها ذلك على التطلع إلى الشهوات المحرمة، ولذلك كانوا يحجزونها بالمباح قبل أن تقع في الحرام.

ومن لطيف ما حكاه ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال له في بعض المباحات: “هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة [30].

وهذه الكلمة من شيخ الإسلام تعد من أنفس ما قيل في هذا الباب؛ إذ تبين أن كثيرًا من المباحات لا ينافي أصل النجاة، لكنه قد يحول بين العبد وبين بلوغ المقامات العالية، ولذلك كان السابقون يتركون بعض المباحات طلبًا لكمال القرب من الله، لا اعتقادًا لتحريمها.

فلله در تلك الهمم العالية، التي لم تكتف بترك الحرام، بل جانبت أسبابه، وابتعدت عن كل ما قد يحول بينها وبين تمام الإقبال على الله تعالى.

ومن هذا الباب أيضًا ما يتعلق بالهيئة واللباس، فإن اللباس الفاخر مباح ما لم يشتمل على إسراف أو مخيلة، غير أن من ترك رفيع اللباس تواضعًا لله تعالى، وهو قادر عليه، رجاء ما عند الله، فقد جاء في فضله قوله ﷺ: «من ترك اللباس تواضعًا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها» [31].

ولا يعني ذلك أن الزاهد أو العالم يلبس الثياب المتسخة أو يهمل مظهره، وإنما المقصود أن يبتعد عن مظاهر الترف التي لا تليق بحاله، وأن يكون لباسه نظيفًا حسنًا، بعيدًا عن الكبر والخيلاء؛ فقد قال النبي ﷺ: «البذاذة من الإيمان» [32].

والبذاذة ليست إهمال الهيئة، وإنما هي البعد عن التكلف في المظهر، والتواضع في الملبس، مع المحافظة على النظافة وحسن الهيئة.

ثانيًا: تقسيم ابن الجوزي:

وقد قسم ابن الجوزي في كتابه (منهاج القاصدين) الورع أربعة أقسام:

  • الأول: ورع العدول؛ وهو الورع عما يوجب فعله فسق صاحبه، فإذا تركه ثبتت عدالته، وهو اجتناب المحرمات التي توجب سقوط العدالة والحكم بالفسق، فمن واقع شيئًا منها استحق الوعيد.
  • الثاني: ورع الصالحين؛ وهو الورع عما يشتبه في حرمته.
  • الثالث: ورع المتقين؛ وهو ترك بعض الأمور المباحة التي يخشى أن تجر إلى الحرام.
  • الرابع: ورع الصديقين؛ وهو الورع عن كل ما ليس لله تعالى [33].

ويظهر من تأمل تقسيم الراغب الأصفهاني وتقسيم ابن الجوزي أنهما متفقان في الجملة، وإنما اختلفا في طريقة العرض والتفصيل؛ فالراغب نظر إلى الورع باعتبار مراتبه من جهة التكليف والسبق إلى الخيرات، بينما نظر ابن الجوزي إليه باعتبار منازل السالكين وأحوالهم، وكلا التقسيمين يؤكد أن الورع يرتقي بصاحبه من مجرد اجتناب المحرمات إلى مقام الإحسان، حيث يصبح همُّ العبد سلامة قلبه، وكمال سيره إلى الله تعالى.

الخلاصة: يتبين مما سبق أن الورع ليس مرتبة واحدة، بل هو درجات يترقى فيها العبد بحسب قوة إيمانه، وعلمه، ومراقبته لربه. فأصله الواجب اجتناب المحرمات، ثم يعلو بترك المشتبهات، ثم يكتمل بالاحتياط في بعض المباحات خشية الوقوع في المكروهات أو المحرمات، حتى يبلغ العبد منزلة الصديقين الذين لا يريدون بأقوالهم وأفعالهم إلا وجه الله تعالى. ومن ثم فإن مراتب الورع تمثل طريقًا للتزكية والترقي في مدارج الإيمان، وهي دليل على حياة القلب وتعظيم صاحبه لحدود الله عز وجل.

تَحْقِيقُ الوَرَعِ

الورع خُلُقٌ إيماني رفيع، ومقامٌ من مقامات السالكين إلى الله تعالى، وليس خُلُقًا يُكتسب بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى مجاهدة النفس، وتربيتها على مراقبة الله تعالى، وتعظيم حدوده، حتى تصير مجانبةُ الحرام، والبعدُ عن الشبهات، والتقللُ من فضول المباحات سجيةً راسخةً في حياة المسلم. ومن تأمل أحوال السلف الصالح وجد أنهم لم يبلغوا منزلة الورع إلا بالمجاهدة والمحاسبة، ومداومة مراقبة الله تعالى. ومن أهم الوسائل التي تعين على تحقيق الورع ما يأتي:

أولًا: أن تجعل بينك وبين الحرام سُترةً من الحلال:

وهذا من أعظم أسباب سلامة الدين؛ فإن النفس إذا أُطلقت في التوسع في المباحات، ربما جرَّها ذلك شيئًا فشيئًا إلى الوقوع في المكروهات، ثم إلى التهاون بالمحرمات، ولذلك كان السلف يجعلون بينهم وبين الحرام حاجزًا من الحلال، حمايةً لدينهم، وصيانةً لقلوبهم.

  • ولهذا قال بعض السلف: “ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال؛ لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام” [34].
  • وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: “تمامُ التقوى: أن يتقي العبدُ ربَّه حتى يتقيه في مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال؛ خشية أن يكون حرامًا، يكون حجابًا بينه وبين الحرام” [35].
  • ولهذا كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: “إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترةً من الحلال، لا أخرمها [36].
  • وقال ميمون بن مهران: “لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال” [37].
  • وقال سفيان بن عيينة: “لا يصيب العبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه” [38].

وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: “إن الحلال حيث يُخشى أن يؤول فعله إلى مكروه أو محرم، ينبغي اجتنابه، كالإكثار من الطيبات؛ فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب، الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان [39].

ومن هنا كان الورع الحق لا يقتصر على اجتناب الحرام الظاهر، بل يمتد إلى اجتناب كل ما يكون وسيلةً إليه، أو سببًا يضعف القلب، أو يورث التوسع فيما لا تُحمد عقباه.

ثانيًا: إذا رابك شيءٌ فدعه:

ومن أعظم القواعد التي يقوم عليها الورع: أن يترك المسلم ما يقع في نفسه منه شك أو ريبة، حتى يلقى الله بقلب سليم، ودين محفوظ. وهذه القاعدة من أيسر أبواب الورع تطبيقًا، وأعظمها أثرًا في حفظ الدين.

  • ولهذا قال حسان بن أبي سنان رحمه الله: «ما رأيت شيئًا أهون من الورع؛ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [40].
  • وقال سفيان الثوري رحمه الله: “ما رأيت أسهل من الورع؛ ما حاك في نفسك، تركته [41].
  • وقد بيَّن النبي ﷺ هذا الأصل العظيم بقوله: «البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس» [42].
  • وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إياكم وحزازات القلوب، وما حزَّ في قلبك من شيء فدعه» [43].

وليس المراد بذلك اتباع الوساوس أو الأوهام، وإنما المقصود ما أورث القلب ريبةً معتبرة، وترددًا ناشئًا عن خشية الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى، فإن القلب إذا صفا بالإيمان كان أبصر بمواضع الشبهات، وأشد نفرةً منها.

ثالثًا: محاسبة النفس:

ومحاسبة النفس من أجلِّ وسائل تحقيق الورع، بل هي الميزان الذي تُوزن به الأقوال والأعمال قبل صدورها، ولذلك كان السلف يجعلون لأنفسهم وقفاتٍ يتأملون فيها أقوالهم وأفعالهم ونياتهم، حتى لا يقدموا على شيء إلا بعد نظر، ولا يتركوا شيئًا إلا بعد بصيرة.

فصاحب الورع لا يتكلم إلا ولسانه وراء عقله، ولا ينطق بكلمة حتى يزنها بميزان الشرع والمصلحة، ولا يعمل عملًا حتى ينظر في مقصده وعاقبته، كما لا يترك عملًا صالحًا إلا بعد أن يسأل نفسه: لِمَ تركته؟ وهل كان تركه لله أم لهوى النفس؟

  • وقد رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم» [44].
  • وقال الحسن البصري رحمه الله: “إن أيسر الناس حسابًا يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم عند همومهم وأعمالهم؛ فإن كان الذي هموا به لله مضوا، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازوا الأمر في الدنيا، فأخذوه من غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر”، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] [45].

فكلما كانت محاسبة العبد لنفسه أشد، كان ورعه أكمل، وكان أبعد عن الزلل، وأقرب إلى السلامة في دينه ودنياه.

رابعًا: إحياء الشعور بأهمية الورع:

من أعظم ما يعين العبد على تحقيق الورع: أن يستحضر مكانته في الشريعة، وعظيم منزلته عند الله تعالى؛ فإن كثيرًا من الناس قد يغفلون عن هذا الخلق الجليل، فإذا ذُكِّروا به، وبُيِّنت لهم آثاره وثمراته، تحركت القلوب إليه، وانبعثت النفوس إلى التحلي به، واشتاقت إلى سلوك سبيل أهله.

ولهذا كان السلف الصالح يحرصون على إحياء هذا المعنى في النفوس، وتقريبه للأفهام بالأمثال العملية التي تلامس واقع الناس، ومن ذلك ما قاله أبو حازم رحمه الله: “لوددت أن أحدكم يتقي على دينه كما يتقي على نعله” [46].

فكم من إنسان يحتاط لنعله وثوبه ومتاعه، فيتفقدها، ويحرص على سلامتها من أدنى خلل، ثم لا يبذل مثل ذلك الاحتياط لدينه الذي هو رأس ماله، وأعظم ما يملك! ولو أن العبد جعل حرصه على سلامة دينه أعظم من حرصه على مصالح دنياه، لبلغ منزلة عظيمة من الورع والتقوى.

خامسًا: تحقيق اليقين بحسن التوكل على الله:

ومن أعظم أسباب تحقيق الورع: رسوخ اليقين بأن الأرزاق مقدرة، وأن ما كتبه الله للعبد سيأتيه لا محالة، فلا يحمله الحرص على الدنيا على اقتحام الحرام أو الوقوع في الشبهات.

وقد صح عن رسول الله ﷺ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» [47].

فإذا استقر في قلب العبد أن رزقه قد كُتب في اللوح المحفوظ، وقدَّره الله له قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأن الملك يُؤمر بعد تمام أربعة أشهر بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته؛ علم يقينًا أن أحدًا لن يأخذ شيئًا لم يقدره الله له، ولن يمنعه أحد ما كتبه الله له.

وعندئذٍ لا يجرؤ على المكاسب المحرمة، ولا يقترب من المشتبهات؛ لأنه يعلم أن استعجال الرزق بالحرام لا يزيده إلا إثمًا، ولن يقدِّم له رزقًا لم يُكتب له، وإنما يناله في الوقت الذي قدَّره الله.

ولهذا قال النبي ﷺ: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»؛ أي: الزموا تقوى الله بترك الحرام والشبهات، واطلبوا الرزق بطريق جميل بعيد عن الجشع واللهث خلف الدنيا، فإن ما كُتب لكم سيأتيكم، وما لم يُكتب لكم فلن تنالوه مهما بذلتم من الأسباب.

سادسًا: تعظيم الله وتنمية الخوف منه:

ولا يتحقق الورع على وجهه إلا إذا امتلأ القلب بتعظيم الله تعالى، واستشعر العبد جلاله وعظمته، وخاف مقامه، وعظَّم حدوده ومحارمه؛ فإن القلب إذا امتلأ بهذه المعاني، حمل صاحبه على الاحتياط لدينه، والابتعاد عن كل ما يشينه أو ينقصه.

فمن عرف الله بأسمائه وصفاته، وعرف عظمته وكماله، وعلم اطلاعه على السرائر وخفايا النفوس، استصغر شهوات الدنيا أمام عظمة الله، فاجتنب المحرمات، وابتعد عن الشبهات، بل وربما ترك بعض المباحات؛ خشية أن تكون سببًا في ضعف قلبه أو جرِّه إلى ما لا يرضي الله تعالى.

ولهذا كان أهل المعرفة بالله أشد الناس ورعًا، وأعظمهم احتياطًا لدينهم، لأن تعظيم الله في القلب هو الأصل الذي تتفرع عنه سائر أعمال القلوب والجوارح.

سابعًا: ترسيخ التقوى في القلب:

والتقوى هي أصل الورع، بل لا يقوم الورع إلا عليها؛ فإذا عمر القلب بالتقوى استقامت الجوارح، وصلحت الأقوال والأعمال، فلا يُرى العبد حيث نهاه الله، ولا يُفقد حيث أمره، ويرتقي شيئًا فشيئًا في مدارج الإيمان حتى يبلغ مرتبة التورع عن كثير من المشتبهات، بل وربما ترك بعض المباحات؛ طلبًا لكمال العبودية.

أما إذا ضعفت التقوى في القلب، تساهل العبد في الذنوب، وهان عليه اقتحام الشبهات، حتى يجره ذلك إلى الوقوع في المحرمات.

والناس إنما يتفاوتون في الورع بحسب ما في قلوبهم من التقوى؛ فكلما كان القلب أعمر بتقوى الله، كان أشد احتياطًا لدينه، وأبعد عن مواطن الريب. والقلب مع التقوى كالأرض مع الماء؛ فإذا سُقيت الأرض بالماء أحيت وأنبتت وأثمرت، وكذلك القلب إذا سُقي بالتقوى أشرق بالإيمان، وقويت فيه دواعي الطاعة، وضعفت فيه دواعي المعصية. أما إذا خلا من التقوى، صار كالأرض المجدبة، لا تنبت خيرًا، وتعبث بها رياح الشهوات والشبهات.

ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: “ما زالت التقوى بالمتقين، حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام” [48].

فإذا بلغ العبد هذه المنزلة، فقد تحقق له كمال الورع، وأصبح قلبه يقظًا، لا يطمئن إلا إلى ما يرضي الله تعالى، ولا يقدم على أمر حتى ينظر في عاقبته، وبذلك يحفظ دينه، ويصون قلبه، ويسلك سبيل الصالحين والمتقين.

مُفْسِدَاتُ الوَرَعِ

ينبغي للمسلم أن يعرف ما يفسد الورع ويضعفه؛ فإن الإنسان قد يجتهد في تحصيل أمرٍ من الأمور، فتجتمع له أسباب حصوله، ولكنه في الوقت نفسه لا يدفع الموانع التي تحول دون تحققه، فلا ينال مقصوده. ولذلك لا بد في تحصيل الورع من تحقيق أسبابه، مع إزالة موانعه، كما هو الشأن في سائر المقاصد. فمن أراد المال -مثلًا- لزمه أن يحقق أسباب تحصيله بالسعي والجد والاكتساب، وأن يجتنب ما يضيعه من التفريط والإسراف ونحو ذلك.

وكذلك الورع؛ فلا يكفي فيه مجاهدة النفس، والعمل بالأسباب الموصلة إليه، بل لا بد مع ذلك من اجتناب ما يناقضه ويهدم بنيانه، فإن الضدَّ لا يجتمع مع ضده، ومن أبرز هذه المفسدات ما يأتي:

أولًا: التُّعلق بالدنيا والانغماس في شهواتها:

يعدُّ التعلق بالدنيا من أعظم ما ينافي الورع؛ لأن القلب إذا امتلأ بمحبتها، والتعلق بزخارفها وشهواتها، اندفع صاحبه إلى تحصيلها بكل سبيل، ولم يقف عند حدود الحلال والحرام، ولا عند المشتبهات، فكيف يستقر الورع في قلب هذه حاله، وقد استولت عليه محبة الدنيا، وصارت هي أكبر همه ومبلغ علمه؟

ثانيًا: الاغترار بالتأويلات الفاسدة وتتبع الرخص:

قد يريد الإنسان أن يكون ورعًا، فإذا عرض له الطمع، بحث لنفسه عن المخارج، وأخذ يتكلف التأويلات، ويتتبع المحامل، سواء كان ذلك من اجتهاده، أو بتأويل غيره له، ومثل هذا لا يكاد يحقق حقيقة الورع.

وقد تعرض للمرء أنواع من المكاسب التي لا تخلو من شبهة، فيبدأ بوصفها وصفًا فقهيًا مجردًا لا ينسجم مع مقام الورع؛ إذ إن الفتوى وبيان الحكم الشرعي شيء، والورع والتنزه عن الشبهات شيء آخر. فالمفتي يبين الحلال والحرام، ولا يُلزم الناس بالأخذ بالأحوط، وإنما يرشد إليه.

فلو سُئل العالم عن الأكل مع رجلٍ أكثر ماله من مكاسب فيها تبعة، فقد يفتي بجواز ذلك من الناحية الفقهية؛ لأن إثم الكسب إنما يتعلق بمن اكتسبه، لا بمن أكل معه، ولكن مقام الورع أرفع من مجرد الجواز؛ إذ يدعو إلى التنزه عما فيه شبهة، وترك ما قد يقدح في سلامة الدين أو صفاء القلب.

ثالثًا: الجرأة على المعاصي والتهاون بالواجبات:

من أعظم ما يفسد الورع ويجتثه من القلب الجرأة على معصية الله تعالى، والتساهل في ترك الواجبات؛ إذ كيف يُرجى ممن لا يبالي بترك الفريضة، أو بالإقدام على المحرمات الظاهرة، أن يقف عند حدود الشبهات، أو يحرص على المستحبات؟! فإن من فرّط في الأصول، كان تفريطه فيما دونها أولى.

ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: “والزِّنا يجمع خلال الشر كلها: من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله، فالغدر، والكذب، والخيانة، وقلة الحياء، وعدم المراقبة، وعدم الأنفة للحرم، وذهاب الغيرة من القلب: من شعبه وموجباته” [49].

فالمعاصي -ولا سيما الكبائر منها- تضعف الورع حتى تذهبه من القلب، ولهذا ترى بعض الناس إذا ذُكِّر بهذا الباب ضاق صدره واستثقل الحديث عنه؛ لأنه ألف التساهل في المحرمات. ومن الناس من يظن أن المهارة إنما تكون في جمع المال من أي طريق كان، فيحتال، ويكذب، ويغش، ويعد ذلك ذكاءً وفطنة، فإذا وجد إنسانًا قليل الخبرة بالتجارة، اغتنم جهله، وخدعه، وأوقعه في حبائله؛ لأنه لم يعد يستشعر مراقبة الله تعالى، وغفل عن حساب الآخرة.

رابعًا: الغفلة عن مراقبة النفس:

ومن أعظم مفسدات الورع الغفلة؛ إذ المقصود بها عدم التفطن لما ينبغي أن يتورع عنه، والانشغال بالدنيا، والاستغراق في هموم المعاش، حتى يضعف إحساس العبد بما يدخل عليه من الشبهات.

ومن هنا كانت الكتابة في مثل هذه الموضوعات من أسباب إيقاظ الغافلين، وتبصير المقصرين، وإن استكثر بعض الناس ذلك أو ظنه من قبيل التشدد؛ لغلبة الغفلة على كثير من القلوب. أما المؤمن الصادق، فإنه إذا سمع ما يرقق قلبه، ويذكره بحدود الله، راجع نفسه، وتأمل في أقواله وأعماله، وحاسبها قبل أن يحاسب، فإن النفس إذا تُركت بغير تذكير، استرسلت مع الغفلة شيئًا فشيئًا.

خامسًا: ضعف الحياء وموت القلب:

ومن المفسدات العظيمة للورع قلة الحياء؛ فإن الحياء لا يأتي إلا بخير، وهو من أقوى الدوافع إلى اجتناب القبائح، والكف عن كل ما لا يليق. أما إذا ضعف الحياء، تجرأ العبد على المعاصي، ولم يجد في نفسه وازعًا يرده عنها.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحنف بن قيس: «يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه» [50].

فالذي لا يستحيي لا يتنزه عن اقتراف الحرام، ولذلك وصف الله تعالى المنافقين عند الشدائد بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19].

فهؤلاء ليس لهم همٌّ إلا الدنيا، يتلونون بحسب مصالحهم، فإذا نزل الخوف اضطربوا وجبنوا، وإذا زال، أطلقوا ألسنتهم في الأذى والوقيعة، ولم يتورعوا عن الطعن في رسول الله ﷺ وأصحابه، فقالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]، وقالوا: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: 7]، وهي دعوة إلى محاصرة المؤمنين اقتصاديًا حتى يتفرقوا عن رسول الله ﷺ.

وهذه حال من مات حياؤه، وضعف إيمانه، فلم يعد يستحيي من الله ولا من الناس.

ومن شواهد ذلك ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن عبد الله بن أُبيّ بن سلول كان يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: 33] [51]. وكان يحملها على الزنا طمعًا في الكسب، وهذا من أعظم صور سقوط الحياء، وذهاب الورع، وموت القلب.

وخلاصة القول: أن الورع لا يضعف فجأة، وإنما يتآكل شيئًا فشيئًا بسبب مفسداتٍ تتسلل إلى القلب، فتذهب بنوره وصفائه. فالتعلق بالدنيا، وتتبع التأويلات الفاسدة، والجرأة على المعاصي، والغفلة، وضعف الحياء؛ كلها أسباب تُذهب هيبة المحرمات من القلب، وتورث قسوة النفس، حتى يصبح العبد لا يبالي بما يدخل عليه من المشتبهات فضلًا عن المحرمات. ولذلك كان على من أراد تحقيق مقام الورع أن يجاهد نفسه في إزالة هذه الموانع، كما يجتهد في تحصيل أسبابه؛ فإن التخلية قبل التحلية، ودفع المفسدات قبل جلب المصالح، من أعظم ما يعين على سلامة القلب واستقامة العمل.

خاتمة

وبهذا يتبين أن الورع ليس تركًا للمباحات، ولا تشددًا في الدين، وإنما هو حياةٌ للقلب، وكمالٌ للتقوى، وصيانةٌ للدين، وسببٌ للفوز برضا الله تعالى في الدنيا والآخرة.