تنقسم الحقوق إلى حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ولهذا التقسيم آثار في جوانب عدة في حياة المكلف. يُعنى هذا البحث ببيان أثر التفريق بين تلك الحقوق في تداخل الحدود، وأولوية تنفيذيها، أو إسقاطها، لما في ذلك من الفائدة للمعني بإقامة تلك الحدود من الولاة ونوابهم، وذلك من خلال تعريف كلا الحقين، وبيان المعيار الدقيق الذي يفرق به بينهما، ثم بيان ما يترتب على التفريق بينهما من آثار في تطبيق الحدود المتعلقة بحق الله أو بحق الآدمي عند اجتماعها، وبيان الذي يقدم منها من الذي يسقط.

وقد سلك الباحث خلال ذلك المنهج الاستقرائي التحليلي، وتوصل في نهاية البحث إلى جملة من النتائج كان من أبرزها:

 أن حقوق الله تعالى لا تقبل الإسقاط، ولا تجوز فيها الشفاعة إذا ما رفعت للقاضي؛ بخلاف حقوق الآدميين فإنها تقبل ذلك، وأن معيار معرفة حقوق الله تعالى تعلُقها بالحق العام، أو المصلحة العامة.

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، أرسل رسلَه بالحق { مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} (النساء:165) ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، أرسله ربه في الأميين {يتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة : 2)

وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين.

أما بعد؛ فقد كان مما استهل به فضيلة الأستاذ الدكتور: أحمد الريسوني محاضرته الأولى في جامعة قطر مع طلبة الدكتوراه برنامج الفقه وأصوله ( عام 2019 ) ( في مادة: الفروق الفقهية والأصولية ) أن قال: لا أعلم جامعة تدرس هذا العلم في مادة مستقلة رغم أهميته، وحاجة العالِّم وغيره له، وأرجو أن تكون هذه الجامعة قدوةً لغيرها من الجامعات الأخرى في تدريس هذه المادة؛ ليستقل علم الفروق بنفسه، ويصبح كعلم القواعد الفقهية الذي كان مدرجًا في كتب الفقه، ويدرس مع مادة الفقه؛ فلاما بدأ الاهتمام بها أصبح علمًا مستقلًا بنفسه له مؤلفاته الخاصة به، وله طريقه الواضح المعروف، وهكذا ستتحول الفروق الفقهية والأصولية بالاهتمام بها، وإظهارها وتدريسها في الجامعات ستتحول إلى علم خاص مستقل بمؤلفاته ومصنفاته، إن شاء الله تعالى.

وكان من فضل الله عليّ أن كنت من أوائل الطلبة الذين درسوا هذه المادة (الفروق الفقهية والأصولية)، وكلفت من أستاذنا الريسوني بتحضير (الفرق الثاني والعشرون بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق الآدميين) من كتاب الفروق للقرافي، وعرضه أمام الطلبة الزملاء، وقد أفدتُ بعد عرضه بين يدي الشيخ من تعقيباته عليه؛ فتوسعت في دراسة هذا الفرق، وجعلته بحثًا صالحًا للنشر، وقد سميته: (أثر التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين في تداخل الحدود، وأولوية تنفيذها ) وأسأل الله تعالى الإخلاص في قولي وعملي.

أهمية البحث:

يجمل الباحث أهمية البحث فيما يأتي: لما كان الأصل في إقامة الحدود أنها لا تناط إلا بالولاة أو نوابهم؛ احتاج أولئك لمعرفة الفروق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ومعرفة ما يترتب على تلك الفروق؛ للإفادة منها عند اجتماع الحدود على العبد، سواء كانت لحق الله تعالى، أم لحق العبد، أم للحقين معاً.

أسباب اختيار الموضوع :

كان من أبرز أسباب اختيار هذا البحث ما يأتي:

1 . معرفة معنى حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، والفرق بينهما.

2. الوقوف على المعيار الدقيق الذي تعرف به حقوق الله تعالى.

3 . معرفة الآثار المترتبة على التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.

4 . بيان أثر التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين عند اجتماع الحدود على العبد وتداخلها.

إشكالية البحث :

يجيب هذا البحث على السؤال المركزي الآتي:

ما آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين في تداخل الحدود، وأولوية تنفيذيها، أو إسقاطها ؟

أسئلة البحث:

تفرعت على سؤال البحث المركزي عدة أسئلة، من أهمها ما يأتي:

1 . ما حقوق الله تعالى؟ وما حقوق الآدميين؟

2 . ما ضابط التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين ؟

3 . ما المعيار الذي تعرف به حقوق الله تعالى؟

4 . ما آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين عند تداخل الحدود؟

أهداف البحث:

يهدف الباحث أن يصل من وراء البحث إلى ما يأتي:

1 . بيان معنى حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وضابط التفريق بينهما.

2 . بيان آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين عموماً.

3. بيان المعيار الذي تعرف به حقوق الله تعالى.

4 . بيان آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين عند تدخل الحدود بشكل مفصل.

منهجية البحث :

اتبع الباحث في بحثه هذا المنهج الاستقرائي التحليلي، حيث عمد إلى الوقوف على ضابط التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، ثم باين أثر ذلك الضابط عند اجتماع الحدود على العبد مستعينًا في ذلك بآراء الفقهاء من أتباع المذاهب المتبعة.

الدراسات السابقة :

ذكرت في المقدمة أن إظهار هذا العلم وإفراده بالدراسة والتأليف ما يزال في بدايته، ولذا انعكس ذلك على الكتابات فيه، فهي ما تزال قليلة بحسب اطلاعي ، فلم أجد من البحوث والدراسات فيه كالتي نجدها في المعاملات المالية، أو في القواعد الفقهية، فقد أفردت كل معاملة مالية بدراساتٍ وبحوثٍ كثيرة، وكذا الشأن في القواعد الفقهية والأصولية، وغيرها من العلوم، أما الفروق الفقهية والأصولية؛ فما تزال الدراسات فيها قليلة، ولم أجد دراسة أفردت الحديث عن آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين في تداخل الحدود وأولوية تنفيذها، وإنما وجدت دراساتٍ وأبحاثاً ذات صلة بهذا الفرق، أو تناولته من جانب آخر، ومن تلك الأبحاث والدراسات ذات الصلة ما يأتي:

1 – بحث ( حق الله وحق العبد وأثرهما في الحدود لـ محمد محمود الطوالبة، عامان: المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، م/ 19 ، ع/ 1 ، 2013 ) جاء البحث في مقدمة ومبحثين، تناول في المبحث الأول بيان تعريف الحقوق والثمرات التي تبنى على تقسيمها، وفي المبحث الثاني تناول الحديث عن آثار التفريق بين الحقوق في إقامة الحدود، ولم يتطرق الباحث إلى بيان ضوابط التفريق بين حق الله تعالى وحق العبد.

2 – بحث: (زرع الأعضاء بين حق الله وحق الإنسان، لـ بلقاسم شتوان ) الجزائر: مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع/ 14 ، 2003 )، كان جل البحث دراسة فقهية لحكم زرع الأعضاء بعد أخذها من إنسان أو حيوان، وتطرق أثناء ذكر آراء الفقهاء إلى ذكر حق الله تعالى، وحق الإنسان؛ لكنه لم يفرد هذين الحقين بالتعريف والتفريق، وآثار ذلك التفريق على المسألة محل البحث.

3 – كتاب: العفو عن العقوبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ( لـ سامح السيد جاد) سلسلة الكتاب الجامعي الخاص، ط 2 ، 1404 / 1983 ( جاء الكتاب في مقدمة، وتمهيد، وخمسة فصول، تناول الكاتب في المبحث الثاني من الفصل الأول الآثار العامة المترتبة على تقسيم الحقوق، وكان في ذلك فائدة جيدة في بحثي المحدد بنقطة واحدة وهي: أثر التفريق في تداخل الحدود واجتماعها.

4 – بحث: (أثر التقادم في إسقاط الحدود ( لـ عمر بن شريف السلمي، ) القاهرة: مجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، م/ 3 ، ع/ 3 ، 2008 ( جاء البحث في مبحثين وخاتمة، اقتصر الباحث في المطلب الأول من المبحث الأول على الحديث عن أنواع الحقوق دون أن يذكر ضابط التفريق بين حق الله تعالى وحق الآدمي.

5- كتاب: (حق الله تعالى على عباده، لـ يحيى بن موسى الزهراني،الريَض: دار القاسم، د. ط،د. ت ) لم يقسم المؤلف كتاب إلى مباحث ومطالب، وإنما تناول ما أورده فيه تحت عناوين مستقلة، ومن حقوق الله تعالى على العباد التي ذكرها: الإيمان بالله، والنصح لله، والتعجيل بالتوبة، وحج البيت، ونحو ذلك مما يجعل الكتاب بعيدًا عن موضوع بحثي، إضافة إلى أن المؤلف لم يعرف حق الله تعالى الذي يعنيه.

وسيذكر الباحث في هذه الدراسة أنواع الحقوق، وضاب ط التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وآثار ذلك التفريق، والمعيار الذي يعرف به حق الله تعالى، ثم يخصص المبحث الثاني لبيان آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين عند اجتماع الحدود على العبد.

حدود البحث :

اقتصر الباحث في بحثه هذا على بيان معنى حقوق الله تعالى، والمعيار الذي تعرف به، وحقوق الآدميين، وآثار التفريق بينهما عند تداخل الحدود واجتماعها.

خطة البحث :

اقتضت طبيعة البحث تقسيمه إلى مقدمة وتمهيد ومبحثين، وخاتمة .

المقدمة وفيها، أهمية البحث، أسباب اختيا ره، وإشكالية البحث و أسئلته، وأهداف البحث ومنهجيته،

والدراسات السابقة، وحدود البحث وخطته.

تمهيد تضمن مطلبين:

المطلب الأول: تعريف الفروق الفقهية والأصولية.

المطلب الثاني: المؤلفات في الفروق الفقهية والأصولية.

المبحث الأول: حقوق الله وحقوق الآدميين، وآثار التفريق بينهما، وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول: حقوق الله وحقوق الآدميين.

المطلب الثاني: آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين.

المطلب الثالث: معيار تحديد حق الله تعالى.

المبحث الثاني: آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين في تداخل الحدود، وأولوية تنفيذها، وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول: اجتماع حدود على العبد خالصة لله تعالى.

المطلب الثاني: اجتماع حدود على العبد خالصة للآدمي.

المطلب الثالث: اجتماع حدود على العبد فيها حق لله تعالى وحق للآدمي .

الخاتمة: النتائج والتوصيات .

تمهيد:

ضامن الباحث التمهيد مطلبين اقتصر في الأول منهما على تعريف الفروق الفقهية والأصولية، وفي الثاني على بيان أهم المؤلفات في هذا العلم، وذلك لأن هذا البحث يندرج تحت علم الفروق الفقهية، ثم إن الباحث قد أخّر تعريف حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين والفرق بينهما إلى المبحث الثاني، وذلك كما يأتي:

المطلب الأول: تعريف الفروق الفقهية والأصولية

الفرع الأول: تعريف الفروق الفقهية :

تعريفها لغة : الفروق لغة جمع فرق، وهو ما يُمياز به بين الشيئين، قال ابن فارس: فرق الفاء والراء، والقاف أصيل صحيح يدل على تمييز وتزييل بين شيئين (1)

تعريفها اصطلاحا: ذكر الشيخ يعقوب الباحسين أنه لم يجد للفقهاء الذين تكلموا عن الفروق تعريفًا لها، أو بياناً لمعناها؛ إلا إشارات قد تقرب المعنى، ورأى أن تعريفها لا بد أن يبحث عنه في مباحث القياس؛ لأن الفروق من قوادح العلة المانعة من جريَن حكمها في الفرع، وبعد أن أورد عددًا من تعريفات مَن ألف في الأشباه والنظائر للفروق، وهم قليلو العدد، وأبدى ملاحظاتِّه عليها، وكان من أبرزها: أنه رأى أنهم ربما كانوا يقصدون بتعريفاتهم تلك تعريف الفروق بوجه عام لا تعريف الفروق الفقهية.

بعد ذلك كله اقترح الباحسين تعريفًا للفروق فقال: “العلم الذي يبحث فيه عن وجوه الاختلاف وأسبابها بين المسائل الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الحكم، من حيث بيان معنى تلك الوجوه،

وما له صلة بها، ومن حيث صحتها وفسادها، وبيان شروطها ووجوه دفعها، ونشأتها وتطورها وتطبيقاتها، والثمرات والفوائد المترتبة عليها” (2) وتعريفه هذا لم يسلم من ملاحظاتٍ أيضًا. اعتذر له الشيخ الريسوني بأنه أول من كتب في هذا الزمن عن الفروق بشكل مفصل دون أن يذكر الريسوني تعريفًا مقترحًا حينها.

الفرع الثاني: تعريف الفروق الأصولية :

يرى الشيخ يعقوب الباحسين أنه لا يوجد تعريف خاص بعلم الفروق الأصولية، أو الفرق بين القواعد والأصول، ثم رأى أنه يمكن القول: إن ما ذكر في تعريف الفروق الفقهية ينطبق على الفروق الأصولية؛

بعد استبدال موضوع القواعد والأصول بموضوع المسائل الفقهية، فيكون تعريف الفروق الأصولية بأنه:

العلم بوجوه الاختلاف بين قاعدتين، أو مصطلحين أصوليين متشابهين في تصويرهما، أو ظاهرهما، لكنهما مختلفان في عدد من أحكامهما (3) .

المطلب الثاني: المؤلفات في الفروق الفقهية والأصولية

الفرع الأول: المؤلفات في الفروق الفقهية :

تنوعت الكتابات في الفروق الفقهية، واتخذت صورًا عدة؛ نظرًا لاختلافها في منهج عرض الفروق،

وذلك على النحو الآتي:

من المؤلفات ما اقتصر أصحابها على بيان الفروق بين الفروع المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم، ومن تلك المؤلفات: كتاب (الفروق)، لأسعد بن محمد الكرابيسي، ت: 570 هـ، وكتاب (عدة البروق)، لأبي العباس الونشريسي، 914هـ. (2)

من المؤلفات من كان منهج أصحابها التعرض لذكر قواعد الباب الفقهي وضوابطه أولًا، ثم بيان ما لا يدخل تحت تلك القواعد والضوابط، ولا يتعرضون لبيان وجه الفرق إلا في مسائل محدودة، ومن تلك المؤلفات: كتاب (الاستغناء في الفرق والاستثناء)، لبدر الدين البكري، ت: 913 هـ ، وكتاب (المناقضات في الحصر والاستثناء)، لأحمد بن الحسين الفنااكي،  ت: 448 هـ.

الفرع الثاني: المؤلفات في الفروق الأصولية :

المؤلفات في الفروق الأصولية قليلة، وقليلة جداً، مع أنه ذو فائدة عظيمة؛ لأنه يعطي تصورًا واضحًا ودقيقًا لكثير من المسائل والأحكام، ولاما كان كتاب الفروق للقرافي من هذا النوع قال في بيان مكانته: وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها، فله من الشرف على الكتب شرف الأصول على الفروع (4)، وقد جاءت المؤلفات في الفروق الأصولية بين كبيرة جامعة، ومختصرة محدودة، فمن ذلك ما يأتي:

  1. من الكتب الجامعة: كتاب (أنوار البروق في أنواء الفروق)، لأحمد بن إدريس المعروف بالقرافي ت: 684 هـ ، وهو من أنفس الكتب في موضوعه، ضمنه القرافي: (584 ) قاعدة، وضحها كلها بما يناسبها من الفروع الفقهية.
  2. من المؤلفات الصغيرة المحدودة: رسالة بعنوان: (الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب) لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (ت: 805 هـ )، ذكر فيها ستة فروق بين هذين الأمرين.

المبحث الأول: حقوق الله وحقوق الآدميين، وآثار التفريق بينهما

المطلب الأول: حقوق الله وحقوق الآدميين

الفرع الأول: حقوق الله تعالى :عرف القرافي (ت: 684 هـ ) حق الله تعالى بأنه: أمره ونهيه، وكان يجد في نفسه شيئًا من هذا التعريف؛ دفعه آخرَ حديثه عنه فقال: “مشكل بما في الحديث الصحيح، عن رسول الله أنه قال: “حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا” فيقتضي أن حق الله تعالى على العباد نفس الفعل لا الأمر به، وهو خلاف ما نقلته قبل هذا، والظاهر أن الحديث مؤول، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلقه، الذي هو الفعل، وبالجملة فظاهره معارض لما حرره العلماء من حق الله تعالى؛ فعقب عليه ابن الشاط ت: 723 هـ  فقال: بل حق الله تعالى متعلقُ أمره ونهيه، وهو عبادته، قال الله تعالى: {وما حلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريَات: 56) ، وقال رسول الله : “حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا”، ومما عقب به ابن الشاط أيضًا قوله: قلت: جميع ما قاله هنا غير صحيح، وهو نقيض الحق، وخلاف الصواب، بل الحق والصواب ما اقتضاه ظاهر الحديث، من أن الحق هو عين العبادة، لا الأمر المتعلق بها  ، وعليه فحق الله تعالى هو: متعلق أمره ونهيه، الذي هو عين عبادته،لا نفس أمره ونهيه( 5 )، ويتعلق به النفع العام للعالم، ولا يختص بأحد، وينسب إلى الله تعالى تعظيمًا، كنسبة البيت العتيق لله سبحانه، الذي يتعلق به مصلحة العالم باتخاذه قبلة لصلواتهم( 6).

الفرع الثاني: حقوق الآدميين

عرف القرافي (ت: 684 هـ ) حق الآدمي بأنه: مصالحه، ثم بين المراد بتخصيص حقٍ بالعبد فقال: (ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه)؛ فعقب عليه ابن الشاط (ت: 723 هـ ) بقوله: (قلت: إن أراد حقه على الله تعالى؛ فإنما ذلك ملزوم عبادته إيَه، وهو أن يدخله الجنة، ويخلصه من النار، وإن أراد حقه على الجملة، أي الأمر الذي يستقيم به في أولاه وأخراه فمصالحه) (7)

الفرع الثالث: ضابط التفريق بين حق الله تعالى وحقوق الآدميين

ذكر القرافي الضابط الذي يعرف به الفرق بين حق الله تعالى وحق العبد، فقال: (وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه، فهو الذي نعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه، فهو الذي نعني بأنه حق الله تعالى) (8)، ويقول ابن القيم مبينًا الفرق بين الحقين أيضًا: (فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات، والكفارات ونحوها…، وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط، والمعاوضة عليها) (9)

الفرع الرابع: أقسام الحقوق باعتبار المضاف إليه والصاحب

يقسم كثير من فقهاء الإسلام الحقوق باعتبار المضاف إليه إلى أربعة أقسام هي:  (10)

  1. حقوق خالصة لله تعالى، كالإيمان والحدود.
  2. حقوق خالصة للعباد كالديون، وبدل المتلف.
  3. حقوق مشتركة بين الله تعالى والعبد، وحق الله غالب، كالقذف عند الحنفية.(11)
  4. حقوق مشتركة بين الله تعالى والعبد، وحق العبد غالب كالقصاص. (12)

المطلب الثاني: آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين

للتفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فوائد وآثار، من أهمها ما يأتي:

  1. الإسقاط والعفو والشفاعة ، وهو ما ذكره القرافي عند بيانه ضابط التفريق بين الحقين، إذ إن حقوق الله تعالى لا يجوز فيها الإسقاط ولا العفو، كالحدود إذا ما رفعت للقاضي فلا تسقط، ولا تجوز الشفاعة فيها، وقد لامَ رسول الله حباه أسامةَ بن زيد رضي الله عنه حين شفع في المرأة المخزومية التي سرقت المتاع، وقال له: “أتشفع في حد من حدود الله”( 13)، أما حقوق العبد فيجوز فيها الإسقاط والعفو من العبد ( 14 )، وتجوز لذلك الشفاعة فيها، وقد شفع رسول الله عند بريرة؛ لتستديم نكاحها مع زوجها مُغيثًا؛ بعد أن صارت حرةً؛ فقالت: يَا رسولَ الله، تأمرني بذلك؟ فقال : “لا، إنما أنا شَافِّعٌ” ( 15 )، فلما كانت الزوجة مخايرةً في الرجعة في مثل هذه الحال؛ صار حقُّها فيها حقًا خالصًا، يجوز لها إسقاطه والعفو فيه، ولذا شفع فيه رسول الله ، ومن حقوق العبد أيضًا: ضمان المتلف فللعبد أن يسقط حقه عامن أتلف له مالاً، وللغير أن يشفع في ذلك عنده أيضًا. وإن مما ينبغي الإشارة إليه في هذا الأثر: أننا إذا ما نظرنا إلى كثير من القوانين الوضعية في هذا الزمن نجد أنها قد أجازت إسقاط حقوق الله تعالى، كحد الزنا، والسرقة، وغيرهما من حقوق الله تعالى.
  2. التداخل: يجري التداخل بحق من وجبت عليه حدود بسبب الإخلال بحقوق الله تعالى، بمعنى أنه إن كرر نفس السبب، أو الفعل الموجب للحد؛ يقام عليه واحد، وأما إذا كان سبب الحد الإخلالَ بحقوق الآدميين؛ فإن التداخل لا يجري فيها؛ بل يقام عليه الحد بتكرر السبب الموجب له. ( 16 )
  3. رفع الدعاوى للقضاة: فمن أخل أو اعتدى على حق من حقوق الله تعالى؛ جاز لكل المسلمين شكايته للقاضي، عملًا بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بخلاف من فعل ذلك بحق من حقوق الآدميين، فلا يجوز لغير صاحب الحق شكايته للقاضي. ( 17)
  4. حقوق الله تعالى تسقط بالإيمان من الكافر إجماعاً، وبالتوبة من الفاسق، على خلاف فيه بين الفقهاء، أما حقوق الآدميين فلا تسقط بشيء من ذلك. (18)
  5. حقوق الله تعالى تدرأ بالشبهات، وحقوق الآدميين لا تدرأ بذلك، قال الكاساني: والحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف القصاص فإنه حق العبد، وحقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها. (19)
  6. الاستيفاء : فالعقوبة المقررة بسبب الإخلال بحق من حقوق الله تعالى؛ لا يجوز تنفيذها إلا من ولي الأمر، أو نائبه، بخلاف العقوبة المقررة بسبب الإخلال بحق من حقوق الآدميين؛ فللمجني عليه استيفاؤها، أو وليه، وليس للإمام ذلك.
  7. التوارث : إذا ما ترتب على عبد عقوبة بسبب الإخلال بحقوق الله تعالى؛ فلا يخضع ورثته للعقاب، ولا يحق لورثة المجني عليه المطالبة بالاستيفاء من الجاني، بخلاف العقوبات المترتبة على الإخلال بحقوق الأفراد، فإن ورثة المجني عليه لهم حق الاستيفاء من الجاني، أو الصلح، أو العفو، وكذلك فإن حقوق العبد المالية تورث عنه أيضًا، فالورثة يرثون المال وما يتعلق، وكذلك القصاص وحد القذف عند من غلب حق العبد فيه، وقد ب ينَ ذلك القرافي في الفرق السابع والتسعين والمائة من كتابه: (الفروق). (20)

المطلب الثالث: معيار تحديد حق الله تعالى

الشأن في معرفة حقوق الآدميين سهل يسير لا يحتاج لكبير عناء، ولا لمعيار دقيق تُعرف به، إذ حقوقه هي مصالحه، ولكن الذي يحتاج لوضع معيار وضابط يعرف به هو حقوق الله تعالى؛ لأنه يبنى على معرفتها أحكام كثيرة، وهذا المعيار لم أجد فيما قرأت من وضعه، أو أشار إليه، فكل من كتب عن حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين تكلم عن الفرق بينهما فقط، وأن هذا يجوز فيه الإسقاط، وذاك لا يجوز فيه الإسقاط، دون وضع معيار يعرف به حق الله تعالى من غيره.

وقد أثار هذه النقطة أستاذنا الشيخ الريسوني، وقال: إن التفريق بين الحقين بالإسقاط وعدمه هو تفريقٌ إجرائيٌّ، وليس تفريقًا جوهرايًَ، والذي نريد معرفته هو كنه هذا الفرق لنحكم به ليس على الأمور والأمثلة الواضحة؛ بل على المنطقة الرمادية التي دائما ما يقع الخلاف فيها، وقد رأى فضيلته بعد التمعُّن في الحقوق المجمع على أنها حقوق لله تعالى؛ أن المعيار والضابط فيها ذو شقين هما:

 الأول:  ما كان لمقام الله تعالى من التوحيد والتعظيم والإجلال ونحو ذلك،

 والثاني: أنها تتعلق بالمصلحة العامة، أو بالحق العام، فالحدود مثلاً التي هي حق الله تعالى، فيها حق للمجتمع ومصلحة، يصان بها المجتمع ويحفظ، ولا تنازل عنها، وعليه يكون كل حق فيه مصلحة الجماعة هو حق لله تعالى، لا يجوز فيه ما لا يجوز في حقوق الله تعالى المجمع عليها(21) ، وقد وافق استنباطُ الشيخ كلام الإمام: علاء الدين البخاري في كتابه: (كشف الأسرار) عندما عارف حق الله تعالى بقوله: (وحق الله تعالى مايتعلق به النفع العام للعالم، فلا يختص به أحد وينسب إلى الله تعالى تعظيما ، أو لئلا يختص به أحد) (22)

وعلى هذا الضابط والمعيار أورد الشيخ عددًا من الأمثلة المعاصرة، التي فيها حقوق الجماعة ومصلحتها، أو حق عام، ورأى أنه لا يجوز لأحد إسقاطها رئيسًا كان أم وزيرًا؛ لأنها حق الله تعالى، ومن ذلك الضرائب والغرامات المالية الواجبة على الأغنياء والأثريَاء، وأمثالهم ممن ليسوا في أزمة، ولم تنزل بهم جائحة، فتراهم إنما يعفَوْن منها لأنهم أقويَاء فقط، وتلك الضرائب والغرامات من مصالح المجتمع والجماعة، وفي الإسلام حقوق مثلها يعود نفعها للصالح العام، ولا تقبل التنازل من أحد رئيسًا كان أم وزيرًا، كالزكاة مثلًا.

المبحث الثاني: آثار التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين في تداخل الحدود، وأولوية تنفيذها

من الحدود ما هو حق خالص لله تعالى، ومنها ما هو حق خالص للآدمي، وهذه الحدود قد يجب تنفيذ أحدها على العبد، إما لإخلاله بحق الله تعالى، أو بحق الآدميين، وقد يجتمع عليه حد أو حدود لله تعالى، أو حد أو حدود للآدميين، أي تتداخل عليه الحدود، فما الذي يسقط منها، وما الذي لا يسقط، وما الذي يبدأ بتنفيذه قبل غيره؟ هذا مما يبنى على معرفة العلة التي شرعت لأجلها تلك الحدود، وعلى معرفة الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، والمعيار الذي يعرف به حق الله تعالى، وتفصيل كل ذلك على النحو الآتي (27) :

المطلب الأول: اجتماع حدود على العبد خالصة لله تعالى.

قد يجتمع على العبد حد أو حدود بسبب الإخلال بحقوق الله تعالى، كحد السرقة والقتل مثلًا، أو غيرهما، فما الذي يسقط، وما الذي يبدأ بتنفيذه منها؟ لا خلاف بين الفقهاء أن من كرر جريمة من الجرائم التي توجب الحد قبل إقامة الحد عليه؛ أنه يقام عليه حدُّها مرة واحدة، كمن كرر الزنا، أو السرقة قبل إقامة الحد عليه، قال ابن المنذر (ت: 319 هـ ): (أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم) (24 ) ، ولا خلاف بينهم أن من كرر جريمة بعد إقامة الحد عليه؛ أن الحد يقام عليه مرة أخرى، كمن سرق بعد أن قطعت يده، قال ابن قدامة (ت: 620 هـ )  لا نعلم فيه خلافًا، وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ عنه (25 )، كما أنهم اتفقوا أن من اجتمعت عليه حدود مختلفة، ولم يكن فيها قتل، أنها تقام عليه كلها (26 )، وإنما اختلفوا فيما يبدأ به منها ( 27) .

ولكن اختلف أولئك الفقهاء فيما إذا كان في تلك الحدود قتل، هل تسقط الحدود بالقتل، أم لا بد من تنفيذها كلها، ثم يقتل بعدها؟ على رأيين للفقهاء، فذهب الجمهور ما عدا الشافعية إلى أن كل الحدود تسقط بالقتل؛ لأن المقصود من إقامتها الزجرُ، وهو منتفٍ بتنفيذ حد القتل (28 )، وذهب الشافعية إلى أن حدود الله إذا ما اجتمعت، وكان منها القتل؛ وجب استيفاؤها كلها، قال الشافعي (ت: 205 هـ): (وإنما حَدَدْتُهُ بالحدود كلها؛ لأنه ليس منها واحد إلا واجب عليه، مأمور بأخذه؛ فلا يجوز أن أعطل مأمورًا به لمأمور به أعظم، ولا أصغر منه، وأنا أجد السبيل إلى أخذه، كما تكون عليه الحقوق للآدميين؛ فلا يجوز إلا أن تؤخذ منه كلها، إذا قدر على أخذها) (29) ، وقال النووي (ت: 676 هـ ) (وإن كان مع هذه الحدود قتلٌ، فإن كان في غير المحاربة؛ أقيمت الحدود على ما ذكرناه من الترتيب والتفريق بينها، فإذا فرغ من الحدود قُتل) (30)، وكان من أبرز أدلة الجمهور على إسقاط الحدود بالقتل قول ابن مسعود إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أتى القتل على الآخر(31) ، وبقول عطاء (ت: 114ه ) إن سرق وشرب الخمر، ثم قتل فهو القتل، لا يقطع ولا يحد (32).

من خلال ما سبق تبين للباحث أن اختلاف الفقهاء في هذا القسم لم يكن سببه التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وإنما سببه: إما بالنظر إلى علة تلك الحدود، فأسقط الجمهور بناء عليها ماتنتفي علته وهي الانزجار ( 33 ) بوجود حد القتل، وإما بتساويها في الوجوب؛ فلم يسقط الشافعية منها حدًا عند التداخل؛ لأنها كلها واجبة عليه، كحقوق الآدميين، لا بد أن تؤخذ كلها.

المطلب الثاني: اجتماع حدود على العبد خالصة للآدمي .

كما أنه قد تجتمع على العبد حدود سببها الإخلال بحق الله تعالى الخالص؛ كذلك قد تجتمع على العبد حدود وعقوبات سببها الإخلال بحق العبد الخالص الذي يمكن إسقاطه والعفو عنه، وهنا يُنظر هل تقام عليه كلها، أم يُسقط بعضُها بعضًا؟ هذا ما يبينه الباحث في هذا المطلب، وذلك على النحو الآتي:

هذه الحدود والعقوبات إما أن يكون فيها قتل، وإما ألا يكون فيها قتل؛ فإن لم يكن فيها قتل؛ فقد اتفق الفقهاء كما ذكرت سابقًا على أنها تستوفى كلها من العبد (34) يبدأ بالأخف منها، ثم الأعلى منه، وأما إن كان فيها قتل؛ فقد وقع الخلاف بين الفقهاء: هل يسقط ما دون القتل بالقتل؟ أم لا بد من استيفائها كلها؟ على قولين اثنين هما:

الأول: قول الحنفية والمالكية : وهو أن ما دون القتل يسقط بالقتل، أي يحصل فيها التداخل، ودليل

الحنفية عليه هو دليلهم على إسقاط حدود الله تعالى بحد القتل، وهو قول ابن مسعود: إذا اجتمع حدان، أحدهما القتل؛ أتى القتل على الآخر(35) ، وأما المالكية فقد قال الباجي (ت: 474 هـ ) ولو فقأ رجلٌ أعينًا عمدًا، أو قطع أيديًا وقتل؛ فإن القتل يأتي على ذلك كله، قاله عيسى في المدونة، والدليل على ما نقوله: أن القصاص بذل للنفس، فدخلت الأعضاء فيه تبعًا للنفس كالدية (36)

الثاني: قول الشافعية والحنابلة : أنها تستوفى منه كلها، ويبدأ بالأخف منها، وينتهي بالقتل، ولا تتداخل (37) ؛ لأن حقوق الأدميين مبنية على المشاحة، بخلاف حدود الله تعالى المبنية على المسامحة ( 38).

ومما سبق يتبين للباحث أن اختلاف الفقهاء في هذا القسم لم يكن سببه التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين أيضًا، وإنما سببه: إما النظر إلى علة تلك الحدود، فأسقط الحنفية والمالكية بناء عليها ما تنتفي به تلك العلة، وهو حد القتل، وإما بالنظر إلى أنها حقوق واجبة للآدميين مبنية على المشاحة، لا يمكن أن تسقط بغيرها شأن سائر حقوقهم.

المطلب الثالث: اجتماع حدود على العبد من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين:

ذكر ابن قدامة (ت: 620 هـ ) أن هذا القسم يأتي على ثلاثة أنواع هي (39)

  1. أن تجتمع حدود الله تعالى وحدود الآدميين على العبد، ولَّ يكون فيها قتل ، فهذه تستوفى كلها، ويبدأ بالأخف منها، أو يبدأ بحق العبد الخالص، كالقصاص، ثم بالحق المشترك كالقذف، ثم بحقوق الله تعالى، كحد الشرب وغيره، أي أنها لا تتداخل، قال ابن مودود (ت: 683 هـ ) وحق العبد مقدم لحاجته واستغناء الله تعالى(40) ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء؛ إلا أن المالكية قالوا بتداخل حد الشرب والقذف، قال ابن قدامة: “وعن مالك أن حدي الشرب والقذف يتداخلان، لاستوائهما. (41)
  2. أن تجتمع حدود الله تعالى وحدود الآدميين على العبد، ويكون فيها قتل؛ فإن حدود الله تعالى تدخل في القتل، سواء كان القتل حداً، كالرجم في الزنا، أو لحق آدمي، كالقصاص؛ لأن القتل يأتي على إتلاف العضو الذي استحق المجني عليه إتلافه ( 42 )، وتستوفى قبله حقوق الآدميين كلها؛ لأن حقوق الآدميين لا تسقط باستيفاء حقوق الله تعالى (43 )، فإن كان ذلك القتل حقًا لله تعالى استوفيت الحدود كلها متوالية؛ لأنه لا عفو في حق الله فلا حاجة للانتظار، وإن كان القتل حقًا للآدمي؛ انتُظر في استيفاء الحق الثاني البرء من الأول؛ لأن الموالاة قد تفوت نفسه قبل القصاص فيفوت حق الآدمي، وفي التأخير قد يعفو الولي فيحيا، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.(44)
  3. أن يتفق الحقان في محل واحد، ويكون تفويت ا، كمن اجتمع عليه القتل حدًا وقصاصًا، أو القطع حدًا وقصاصًا؛ قدم القصاص لتأكد حق الآدمي، وإن اجتمع القتل للقتل في المحاربة والقصاص، بُدئ بأسبقهما؛ لأن القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضا فيقدم أسبقهما. (45)

ففي هذه الأنواع الثلاثة تبين للباحث أن تقديم الفقهاء لحقوق الآدميين على حقوق الله تعالى؛ جاء بناء على أن حقوق الآدميين لا تسقط باستيفاء حقوق الله تعالى، وهذا من الفوارق بين الحقين.

الخاتمة

تتضمن الخاتمة أهم النتائج والتوصيات.

أولا: النتائج

خلص الباحث نهاية هذا البحث إلى جملة من النتائج، كان من أهمها ما يأتي:

  1. أن ضابط التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين أن حقوق الله تعالى لا تقبل الإسقاط،ولا تجوز فيها الشفاعة إذا ما رفعت للقاضي؛ بخلاف حقوق الآدميين؛ فإنها تقبل ذلك.
  2. أن معيار معرفة حقوق الله تعالى تعلقها بالحق العام، أو المصلحة العامة.
  3.  إذا اجتمعت على العبد حدود سببها الإخلال بحقوق الله تعالى، وليس فيها قتل؛ فإنها تستوفى كلها.
  4. اتفق جمهور الفقهاء أنه إن اجتمعت على العبد حدود سببها الإخلال بحقوق الله تعالى وفيها قتل؛ أن القتل يأتي عليها كلها خلافًا للشافعية.
  5. اتفق جمهور الفقهاء أنه إن اجتمعت على العبد حدود سببها الإخلال بحقوق الآدميين، وليس فيها قتل أنها تستوفى كلها.
  6. اتفق جمهور الفقهاء أنه إن اجتمعت على العبد حدود سببها الإخلال بحقوق الآدميين، وفيها قتل أنها تستوفى كلها.

ثانيا : التوصيات

يوصي الباحث نهاية بحثه هذا بجملة من التوصيات، يجملها فيما يأتي:

ضرورة دراسة الآثار المترتبة على التفريق بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين في مسائل الفقه الإسلامي كلها، وفق المعيار الذي ذكره الباحث عن الأستاذ الريسوني؛ لما لذلك من أهمية في حياة الأمة، ولا سيما المسائل الملامسة لحياتهم اليومية، كالأحوال الشخصية، والمعاملات المالية، والخروج من حصر الدراسات في أبواب العبادات، وفي ذلك مساهمة فاعلة في إظهار علم الفروق ونشره.