شكل نشوء الدولة الحديثة حدثا مفصليا في العالم الإسلامي تغيرت معه كثير من المفاهيم واختفت معه الأنظمة والأنساق التي حكمت وسادت لقرون وحلت أخرى محلها، وعلى سبيل المثال فالنظام القانوني الذي استند إلى الشريعة الإسلامية وحكم المسلمين وغيرهم لم يعد قائمًا مع التوجه صوب اقتباس القوانين الوضعية الأوروبية ووضعها موضع التطبيق في مصر والدولة العثمانية بحجة وجود صعوبات تكتنف صوغ الفقه الإسلامي في صورة قانونية عصرية، وقد نتج عن هذا الانقلاب القانوني إشكالات عديدة؛ بعضها يتعلق بعدم ملائمة هذه القوانين للبيئة الاجتماعية وعوائدها فالقانون المدني المصري جعل الزوجة تنفق على زوجها بل تنفق على زوجة أبي زوجها، وبعضها الآخر يتعلق بإشكاليات الصياغة القانونية والتبويب وعيوب التطبيق المتسرع[1]. وعلى هذا تصاعدت الدعوات الرامية إلى إحياء الفقه الإسلامي وتجديده وقد رفع لواءها نفر من الفقهاء والمشرعين وفي مقدمتهم عبد الرازق السنهوري (1895-1971) المشرع المصري المعروف.

مشروع السنهوري الفكري

ولد عبد الرازق السنهوري في الإسكندرية عام 1895 وتلقى تعليما مدنيا حديثا لكنه مبكر قرأ في وقت مبكر درر التراث العربي كالأغاني والعقد الفريد والأمالي، ثم التحق بمدرسة الحقوق وسافر إلى فرنسا في مطالع العشرينيات ليدرس القانون المقارن والغريب أنه تقدم برسالتين لنيل درجة الدكتوراه أحداها حول العقود ورسالة ثانية حول الخلافة الإسلامية لم يكن مطالبا بها ليدحض أطروحة على عبد الرازق حول عدم اشتمال الإسلام على نظام سياسي خاص به واقتصاره على الشئون الدينية، وعقب عودته تدرج في المناصب حتى تولى عمادة كلية الحقوق ورئاسة مجلس الدولة، كما كان أحد المساهمين البارزين في وضع القانون المدني في مصر وعدد من البلدان العربية.

ومنذ العشرينيات أخذ مشروعه الفكري في التبلور والتمحور حول فكرتين مركزيتين:

الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها، فلم ير بأسا في تأييد فكرة الديمقراطية أو اقتباس بعض التنظيمات الغربية وإكسابها لبوسا إسلامية كدعوته إلى إنشاء عصبة أمم شرقية على غرار عصبة الأمم الدولية لتحل بديلا عن مؤسسة الخلافة الكلاسيكية، وكان يعتقد أن هذا هو الشرط الوحيد لاستمرارها في ظل عصر تبدلت فيه المفاهيم والكيانات وقواعد وأطر العلاقات الدولية.

أما الفكرة الثانية فهي ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة؛ وبحسب السنهوري فإن ثمة علاقة تربط الاستقلال السياسي بالاستقلال القانوني؛ فحين أفقدتنا الإمبريالية الغربية استقلانا السياسي تبع ذلك فقدان استقلالنا القانوني بالتوجه نحو اقتباس القوانين الغربية، وبالتالي فإن واجبنا في عهد الاستقلال أن نستقل بتشريعنا عن التشريع الغربي “فلا نبقى عيالا على الفقه الغربي”، وخير الوسائل للوصول إلى هذه الغاية هي العودة إلى تراث أجدادنا الفقهي الذي لا يقل عن القانون الروماني في الصناعة وجودة الصياغة، لكنه يحذر من أن هذا العمل ينبغي أن يكون في منطقه وصياغته “فقها إسلاميا خالصا لا مجرد محاكاة للقوانين الغربية” وذلك لما لاحظه من أن بعض المشتغلين بالقانون يعمدون إلى إيراد النصوص القانونية ثم يحاولون إخراجها على النصوص الإسلامية.

عوامل التطور الفقهي

ناقش السنهوري في كثير من مؤلفاته خصائص الفقه التي تسمح له بالتطور ليصبح مدونة قانونية عصرية، وأول هذه الخصائص هي أن الاحكام الفقهية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: أحكام دينية وأحكام دنيوية أو عبادات ومعاملات حسب الاصطلاح الفقهي؛ فالأحكام الدنيوية تختص بتنظيم العلاقة بين العبد وخالقه وهذه لا تتغير ولا ينبغي لها أن تتطور لأن الخالق أزلي أبدي لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل فالعلاقة بينه جل شأنه وبين العبد ثابتة.

أما الأحكام الدنيوية فتختص بتنظيم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض وتنظيم شئون الدولة وعلاقاتها بالأفراد، وهي فما يرى السنهوري لها خاصيتان

الأولى أنها تنزل على حكم العقل وتبنى على المصلحة، فالعقل هو الذي يحدد ما هي المصلحة ونحن نبني عليه العلم لأن العلم اجتماعيا كان أو طبيعيا لا يُدرك إلا بالعقل، ولأجل هذا استشار النبي صلوات الله عليه أصحابه في تدبير الشئون الدنيوية لأنها قائمة على العقل.

والثانية أنها تتطور مع الزمان والمكان فهي تابعة للتطور الاجتماعي وللعلم، وقد تطورت هذه الأحكام بالفعل في زمان النبي ، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار وكان لهذه المؤاخاة من الأثر القانوني ما يجعل الأخوين يتوارثان، واستمر العمل بها فترة، فلما تغيرت الظروف الاقتصادية للمهاجرين -حسبما يقول- أبطل النبي سنة المؤاخاة واستقل كلٌ بماله “فانظر كيف يتطور التشريع من عمل إلى إبطال، ومن خلق نسب قانوني إلى الرجوع إلى النسب الطبيعي وذلك تمشيا مع التطور الاقتصادي، وتبعا لما تقتضيه الظروف، وتلمسا للمصلحة في النظم التي تُقرر”[2].

أما الخاصية الثانية التي تكفل تطور الفقه فهي الإجماع، وبحسب السنهوري فإن هناك “مصادر عليا للتشريع الإسلامي” هي الكتاب والسنة، ولما كانت الأحكام الدنيوية تتطور باستمرار وكان لابد من انقطاع الوحي بقبض الرسول بات محتما أن يكون لدى المسلمين مصدر ثالث يضمن تطور الأحكام وهذا ما كفله الإجماع الذي يتخذ معنى “القانون” إذا توافق المجتهدون على رأي معين في زمن معين.

الفقه وإعادة الهيكلة

تبرهن الخاصيتان السابقتان على قابلية الفقه للتجدد لكن هذا لا يعني حتما إمكانية تحوله إلى مصدر للقانون أو مدونة قانونية، ولذلك يفترض السنهوري أن هناك مسئولية تقع على عاتق المشتغلين بالقانون لتقريب الفقه من القانون، وهو ما يتطلب أولا إعادة تسمية الفقه تسمية جديدة أكثر دلالة في التعبير عن مضمونه ويقترح  له اسم “القانون الإسلامي” ، ويتطلب ثانيا إعادة هيكلته وفق أسس جديدة بحيث تتسع دائرته فلا تقتصر على أبواب المعاملات أو ما يطلق عليه الدائرة القانونية للفقه وإنما يضاف إليها علم أصول الفقه وبعض مباحث من علم الكلام تتعلق بالإمامة.

وليقسم “القانون الإسلامي” بعد ذلك تقسيما حديثا إلى قانون عام وقانون خاص؛ فالقانون الخاص يشمل القواعد التي تضبط علاقات الأفراد بعضهم البعض، ويتضمن أبواب المعاملات والأحوال الشخصية، أما القانون العام فيشمل قواعد وحدود السلطات العامة في الدولة، وبهذا التقسيم يكون الفقه قد رتب ترتيبا أقرب إلى المدنية الحديثة وأكثر انطباقا على النظم القانونية المعاصرة، ولا يغرب عن بال السنهوري التوكيد على أنه “لا يُراد بهذا التقسيم أن تندمج الشريعة الإسلامية في القانون الحديث وأن تفقد استقلالها، وإنما يراد بهذا تسهيل المقارنة بين الشيئين، وفتح باب لترقية الشريعة الإسلامية بحيث تتمشى مع القانون الحديث في تقدمه”[3].

وإذا كانت مقترحات السنهوري لم تعرف طريقها نحو التطبيق لدواعي عديدة إلا أنها وجدت أنصارا لها بين المفكرين الأزهريين الذين آمنوا بجدواها وجعلوها جزءا من أطروحاتهم التجديدية بعد أن أضافوا إليها ونذكر من بينهم محمد يوسف موسى وفتحي عثمان، ولازالت هذه المقترحات تجد صداها لدى المعاصرين.


[1] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د/ت، ج1 ، ص7.

[2] عبد الرازق السنهوري، الدين والدولة في الإسلام، القاهرة: مجلة المحاماة الشرعية، ع1، جمادى الأولى 1348هـ ، ص 8-9.

[3] نفس المرجع السابق، ص10.