في أخبار أعلامنا صفحات تهز وجدان قارئها لما يتراءى من خلال ومضاتها المشرقة من مظاهر العظمة ومكامن الخلود، ويتضاعف ذلك الإعجاب المؤثر حين نجد أن رجلا واحدا استطاع أن ينوب عن أمة كاملة في إنقاذ وحفظ تراثها من براثن الضياع وآفات الإهمال، فجمعه من أقطار الدنيا وصانه صون الوصي الأمين، ثم أخرج كثيرا من كنوزه في حلل بهية طالما طرب لرؤيتها عشاق الكتب وهواة الطبعات النفيسة.
ذلكم هو الجهد الذي قام به الكتبي الشهير محمد أمين أفندي الخانجي (1282 – 1358ه/ 1865 – 1939م)، صاحب “مكتبة الخانجي” المشهورة في القاهرة، تلك المعلمة الثقافية التي ارتبطت في أذهان القراء ووجدان الكتبيين بالجودة والإتقان ونشر أمهات التراث الفريدة.
رغم إغفال الصحف السيارة مناقب الخانجي وعدم إعطائه المساحة المستحقة، فإن مناقبه بقيت مبثوثة في مذكرات وأسفار من حملوا هم الكتاب الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
رسالة الوراقة الحضارية
لم يكن الخانجي علامة كبيرا ولا أديبا شهيرا، ولم يكن كذلك مجرد كتبي متقن يكسب رزقه من الوراقة فحسب، بل كان صاحب رسالة حضارية ساقته المقادير الإلهية للقيام بها على أحسن وجه؛ فعشقه لكتب التراث الإسلامي، وتضحياته العظيمة في سبيل جمعها ونشرها، وعلاقاته الوطيدة مع علماء ومثقفي عصره؛ كل ذلك جعل منه رائدا من رواد النهضة، وعلما من أعلام الإصلاح، ومؤسسا لمكتبة عظيمة كانت ملتقى طرق أعلام المشرق الإسلامي وغربه من مختلف طبقات العلماء والأدباء، ومن أساطين الاستشراق ومبعوثي الجامعات الغربية لجمع الكتب الإسلامية وذخائر الشرق.
لم ينل الخانجي حين غادر الدنيا وصار خبرا من الأخبار ما يستحق من تأبين وتخليد، وقد تناساه مؤرخو المكتبات فيما بعد، حتى إن الأستاذ أحمد العلاونة الذي ألف كتاب “العلماء العرب المعاصرون ومآل مكتباتهم” أهمل ذكره، وقد ترجم له الزركلي في “الأعلام” ترجمة متوسطة، وأحال إلى مذكراته التي هي يوميات غير منشورة.
ورغم إغفال الصحف السيارة مناقب الخانجي وإعطائه المساحة المستحقة، فإن مناقبه بقيت مبثوثة في مذكرات وأسفار من حملوا هم الكتاب الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين؛ ففي “مذكرات” الوراق البغدادي قاسم محمد الرجب (1338 – 1394ه/ 1919 – 1974م) صاحب “مكتبة المثنى” ببغداد أخبار عنه ضافية؛ فقد وصفه ب “أكبر خبير في الكتب الخطية” واعتبره “الوراق الوحيد بالعالم العربي في تلك الأيام” (ص 39).
رحلات الخانجي في مذكرات الوراقين
ولم ينس الرجب وأهل بغداد للخانجي فضله في العثور على “تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي، ذلك “الكتاب الذي كان يعد من الكتب المفقودة، فعثر عليه محمد أمين الخانجي عند تجواله في المكتبات الشرقية والأوروبية، وباشر في نشره بالاشتراك مع مطبعة السعادة بمصر، ونعمان الأعظمي ببغداد، وأشرف على تخريج أحاديثه الشيخ حامد الفقي وبعض المشايخ من العلماء بمصر بإشراف الخانجي نفسه” (ص 46-47).
وذكر الرجب في سياق تأريخه لحركة النشر والمخطوطات في العراق أن الخانجي “العالم بالكتب وأشهر كتبي في العالم الإسلامي” زار سوق الكتب ببغداد عام 1930م “فاقتنى كثيرا من الكتب المهمة، وعاد بها إلى مصر فنشر بعضها، وكان يطبع على غلاف تلك النشرات (من آثار العراق)، ومما نشره من الكتب (جواهر الألفاظ) لقدامة بن جعفر البغدادي، وكتاب (الآداب) لجعفر بن شمس الخلافة، وغير ذلك من الكتب والرسائل المهمة التي تم طبعها في مطبعة السعادة”.
ويضيف الرجب أن الخانجي “استغرب كثيرا من خلو العراق من المخطوطات، وكان يتصور أنه سوف يرجع بآلاف من الكتب المخطوطة يجدها في البيوت والطرقات لما اشتهرت به بغداد من العلم والأدب والحضارة، ولكنه نسي أن المحن والكوارث التي مرت على العراق، والجهل والحريق اللذين منيت بهما بغداد أتيا على ذلك التراث الضخم” (ص 103).
ذكر الرجب تلك الأخبار عن زيارة الخانجي للعراق وتبادله الثقافي مع علمائها، لكن الرجب نفسه كان قد زار القاهرة عام 1944م بعد وفاة الخانجي بحوالي 5 سنوات ووراثة ابنه محمد نجيب لمكتبته، وهنا يحدثنا قاسم الرجب أكثر عن الخانجي والدور الثقافي المحوري الذي لعبته مكتبته التي تعتبر “المكتبة الوحيدة التي تتعاطى بيع المخطوطات وشراءها والتفتيش عليها، وكان المرحوم الخانجي يتجول في الأقطار العربية كافة ليقتني المخطوطات لحسابه أو لحساب الجامعات والمتاحف والمستشرقين”، وكان يجلب لها الكتب من “الهند وتركيا وأوروبا ودمشق والعراق وإيران”، ولم يقتصر دورها على توفير الكتب وجمع المخطوطات ونشرها، بل كانت “على صغرها كعبة يقصدها الأساتذة من جميع الأنحاء، ويلتقي فيها طلاب العلم، فكنت تجد فيها الطالب التركي واليماني والسوري والليبي والمغربي والعراقي”.
كما تعرف الرجب في المكتبة على كثير من العلماء “الذين كانوا يترددون عليها أمثال السيد أحمد الصديق، والعلامة الكوثري، والدكتور أحمد أمين، والبشير الإبراهيمي، والسيد أحمد خيري، والشيخ حامد الفقي، والمرحوم أحمد محمد شاكر، والدكتور محمد صبري السوربوني، والأستاذ الآثاري سليم حسن“، كما تعرف على أصحاب المكتبات في العالم العربي بواسطتها.
الخانجي ومسارات المخطوطات بين الشرق والغرب
ويذكر الرجب أن اليهودي إبراهام شالوم يهودا (ت 1951م) من أشهر المتعاملين مع الخانجي في الكتب والمخطوطات، وقد جمع هذا اليهودي “ما يقارب ال 20 ألف مخطوطة من مختلف أنحاء العالم ولا سيما من العراق…. وقد باع هذه المخطوطات فيما بعد لجامعة برنستون، وحفظت بمكان أمين، وعني بها بعد فهرستها وفرزها، ويمكن لطالبها أن يطلب تصوير أي مخطوطة شاء منها فلا يمر وقت إلا وقد وصلت إليه مصورة بالفوتوستات أو الميكروفيلم، تلك المخطوطة بأرخص ثمن يطلب منه” (ص 104).
الحقيقة أن يهودا باع مجموعته للأخوين روبرت جاريت وجون جاريت وهما وهباها لمكتبة برنستون عام 1942م، وتعرف حتى الآن بمجموعة يهودا، وقد فهرسها رودلف ماخ، وعرب المحقق محمد عايش جميع فهارس برنستون، وجاءت مجموعة يهودا في 6 مجلدات من فهارس هذه المكتبة التي تحتوي على نفائس ما أنتجته العقول المسلمة، ونوه عايش إلى أن الأخوين جاريت “لم يحصلا على المخطوطات العربية والإسلامية بمجموعة يهودا كافة، فقد بيعت المخطوطات الطبية بهذه المجموعة للمكتبة الطبية بالقوات المسلحة الأميركية، وبلغ عددها 1500، ومعظمها باللغة العربية” (فهرس المخطوطات العربية في جامعة برنستون ج 3، ص 5).
وقد وهم الرجب في تاريخ وفاة هذا اليهودي الشرقي المولود في القدس عام 1877م لأسرة عراقية، وكان أحد أكثر هواة وتجار الكتب تأثيرا في القرن العشرين بما جمع من مخطوطات كانت نواة مكتبات تراثية كبيرة في الشرق والغرب، لكنه حسب جامعة برنستون لم ينل ما يستحق من شهرة.
وقد حاولت الجامعة العام الماضي 2021م عقد ندوة عنه بعنوان “يهودا والمخطوطات الإسلامية” تنصفه وتعرف العالم بأدوار التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب، لكنها ما زالت تحت سيف التأجيل حتى تاريخه، ومن طريف أخبار هذا اليهودي المغرم بالتراث الإسلامي أن الشاعر العراقي معروف الرصافي مدحه في محفل أقيم بالقدس عام 1920م، ورد الأديب والمترجم اللبناني وديع البستاني بهجو الاثنين: المادح والممدوح.
شهادة العلامة الكوثري للخانجي
ذكر قاسم الرجب بحسرة أن الخانجي على عظيم فضله على تراثنا، حين مات لم يجد من كتب عنه غير العلامة الحنفي المحدث محمد زاهد الكوثري (1296 – 1371ه/ 1879 – 1952م)، الذي تعرف عليه الوراق قاسم الرجب نفسه في مكتبة الخانجي بالقاهرة، وكان تأبين العلامة الكوثري للخانجي على قدر الخسارة الفادحة والمصاب الجلل اللذين ألما بالكتبيين برحيل رجل “ترك فراغا لا يملأ بعده في زمن قريب على ما يظهر”، كما يقول الكوثري العارف بقيمة أمثال الخانجي في نهضة الأمة بنشر تراثها، واعتبر الكوثري أن رحيل الخانجي فقد بسببه “أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها الاختصاصي الوحيد في معرفة الكتب النادرة القديمة والمخطوطات الأثرية الثمينة”.
ويضيف الكوثري أن معرفة الخانجي بالكتب والنفائس لم تأت منه “عفوا بلا تعب، بل كانت نتيجة ممارسة طويلة منه امتدت نحو نصف قرن، والظروف تواتيه شرقا وغربا بما آتاه الله تعالى من يقظة بالغة، وذكاء مفرط، وذاكرة قوية أهلته للاختصاص في ذلك اختصاصا لا يشاركه أحد فيه -فيما نعلم-، وليس لذلك مدرسة خاصة تخرج الاختصاصيين غير طول الممارسة ومواتاة الظروف وقابلية النفس”، ويبدو أن لدى الكتبيين خصائص تميزهم عن غيرهم وأهمها قوة الذاكرة والصبر والدأب؛ فالخانجي كان “كلما سألته عن كتاب نادر ظفر به قبل سنين متطاولة كنت تجده يجيبك واصفا للكتاب أدق وصف، ومبينا من باعه منه إن لم يعد ذلك من أسرار المهنة، وكان شديد الحرص على إبقاء ما يظفر به من النوادر في إحدى خزائن الأقطار الإسلامية ما وجد إلى ذلك سبيلا”.
ويؤكد الكوثري أن متجر الخانجي بالقاهرة كان “مجمع الفضلاء وندوة العلماء، كما كان فرعه بالأستانة (إسطنبول) ملتقى الباحثين ومجتمع المنقبين، يزوره الأمير والوزير والعالم الكبير والصغير، يتجاذبون فيه أطراف الحديث في أنفع الكتب في العلوم، ويتعارف فيه أهل الفضل بعضهم على بعض”، وذكر طائفة من أشهر زبائنه في مصر من الوزراء والأعلام الكتبيين مثل العلامة فقيد العلم أحمد تيمور، وشيخ العروبة البحاثة الكبير أحمد زكي باشا، وصاحب السيف والقلم العلامة الوطني الكبير لطيف باشا سليم وآخرين؛ فهؤلاء وغيرهم “من أصحاب المكتبات الفاخرة قد استوردوا إلى مكتباتهم كنوزا ثمينة وآثارا نادرة بواسطته، سوى ما استوردته مكتبة الجامعة ودار الكتب المصرية أيام كانت الهمم منصرفة إلى شراء الكتب الشرقية بالدرجة الأولى”.
ويرى الكوثري أن “الكتب التي قام بطبعها من خيرة الكتب، ويحس أهل العلم المنصفون أن لمطبوعاته عظيم الأثر في توجيه بحوث العلماء في عصره؛ لأن الكتب لا تقل أهمية في استنهاض الهمم عن الأساتذة الأفذاذ، حيث لا يصل إلى كبار الأساتذة إلا آحاد، وأما الكتب فتصل إلى الأيدي كلها فتثمر ثمرتها عند أصحاب القابليات الفطرية”، وقد طبع الخانجي حوالي 400 كتاب.
كما يرى الكوثري أن “ما وقع بيده من المخطوطات لو دون لاستدرك على ما في كشف الظنون مثله بل ما يزيد عليه بكثرة”، وقد نال هذه الشهرة والمكانة في عالم الكتب بسبب أمانته ووجاهته ومتانة دينه، “وكان يحافظ على الوضوء ليتمكن من أداء الصلوات في أول وقتها؛ كيف وبيته في حلب بيت عريق في المجد والسؤدد من السادة الحسنيين، وقد كان جد هذه الأسرة توطن حلب الشهباء في القرن السابع الهجري”.
مواقف مع الطهطاوي والغماري
يقول الكوثري عن صداقته مع الخانجي وعلاقته به: “كانت معرفتي به منذ 40 سنة، وطول هذه المدة كان بيننا إخاء متين أزوره ويزورني، يعيرني أندر ما عنده لأطلع على ما فيه إشباعا لنهمتي، بل كثيرا ما كان يأخذ من المكتبات الخاصة مقابل رهن كبير بعض كتب مما كان يسمع تشوقي إليه، فأقضي وطري منه شاكرا فضله، وكان لا يخلو من الاستئناس برأيي في بعض نوادر المخطوطات، وكان يراجعني في بعض ما يشتبه في أمره من الأعلام، ونصوص بعض ما يطبعه من الكتب بين حين وآخر من غير أن تشوب هذه الصلة العلمية المديدة شائبة مادة”.
ويقول العلامة الكوثري إن الخانجي كان لأمانته لا يعير الكتب التي يكون وسيطا في صفقاتها قائلا: “يدي فيها يد أمانة لا أستطيع إعارتها إلا أن بينها كيت وكيت من النوادر” (مقالات الكوثري ص 137-139)، ولم يكن جود الخانجي بنفائس الكتب وتمكين العلماء منها مقتصرا على الكوثري المهاجر عن جحيم التوحش الأتاتوركي إلى فيء مصر وظلال القاهرة موئل الأحرار في تلك الأيام، بل كان يعير لغيره النوادر الأزمنة المديدة، كما أن غير الكوثري قدر فضل منشورات الخانجي في تكوين عقول جيل النهضة بعلمائها وأدبائها، ذلك ما نستعرضه في الجزء الثاني بحول الله.
وحين نتصفح كتب الغماري المغرم بالكتب نجد أنه تفيأ بالفعل ظلال مكتبة الخانجي مع آخرين؛ ففي كتابه “البحر العميق في مرويات ابن الصديق” يحكي الغماري قصة طريفة وذات دلالة عميقة فيما نحن بصدده عن شيخه العلامة أحمد رافع الطهطاوي (ت 1355ه) الذي كان منهمكا في تأليف كتابه الهام “المسعى الحميد إلى بيان وتحرير الأسانيد”.
ففي إحدى زيارات الغماري لشيخه الطهطاوي تذاكرا حول تصحيح “ثبت الأمير” الكبير (ت 1232ه) المعروف ب “سد الأرب من علوم الإسناد والأدب” الذي تعود له أغلب الإجازات الحديثية، فذكر المغربي لشيخه المصري كتاب “المنح البادية” للفاسي (ت 1134ه) ودله عليه مبينا له أهميته في تصحيح الثبت المذكور.
أوصى الشيخ الطهطاوي تلميذه وصاحبه الغماري على الكتاب، يقول الغماري: “وقد بحثت عنه في القاهرة فلم أجده، ثم طلب مني أن أستنسخه له من المغرب، فلما خرجت من عنده مررت في طريقي بمنزل السيد محمد أمين الخانجي الكتبي لزيارته، فوجدت أمامه كتبا منها (المنح البادية) المذكور، وعليها زوائد بخط العلامة محمد بن عبد القادر بن الأمين، فطالبته في بيعها وعرفته القصة، فقال: أما بيعها الآن فغير ممكن لأنه سبق مني عرضها على بعض مكاتب أميركا، فلا أخرجها من يدي حتى يأتي الجواب بالأخذ أو الرفض، ولكن خذها للسيد أحمد رافع ينتفع بها ريثما يأتي الجواب، فأخذتها إليه وبقيت عنده نحو 4 أشهر إلى أن جاء عليها الطلب” (“البحر العميق” ج1، ص 223).
وكان الطهطاوي إذا اشتاق إلى تلميذه الغماري ذهب إلى هذه المكتبة مجمع العلماء، كما يقول الغماري في ذكرياته عن شيخه: “جاء مرة إلى مكتبة الخانجي يسأل عني وعن عنوان منزلي فوصفه له الخانجي، فلما خرج قاصدا المنزل رآني قادما في شارع عبد العزيز فنزل أيضا وأرسل العربة خلفي والمسافة قريبة جدا”، وكان الطهطاوي الحنفي برجوازيا أنيقا ومدخنا شرها، ويهش لهذا المغربي وينشرح صدره للقياه، ويزول ما به من الضيق لشغفهما معا بالمذاكرة خصوصا في الفهارس والأسانيد (“البحر العميق” ج 1، ص 229).
وممن عرف قيمة الخانجي وجهاده العلمي وبلاءه الحضاري، واستفاد منه وروى نتفا من نوادر أخباره شيخ العربية أبو فهر محمود محمد شاكر الذي قال في كلمته “ذكريات مع محبي المخطوطات”: “نشأت من صغري في الحادية عشرة والثانية عشرة، على يد رجل كان خبيرا بالكتب وهو أمين أفندي الخانجي، صحبته طويلا ولكنه لم يستطع لا هو ولا من سألتهم فيما بعد، لم يستطع أحد منهم أن يعدني لأن أكون من الرجال العاملين في ميدان المخطوطات العربية، لأن هذا الميدان محتاج إلى صفات معينة وأنا لا أملك من هذه الصفات شيئا.
وقد روى شاكر عن الخانجي سبب اشتغاله بالكتب والمخطوطات وكيف ساقه القدر إلى هذه المهنة الحضارية النبيلة، فيقول: “حدثني أنه من حي بحلب، وكان قد شدا شيئا من العلم، قليلا جدا من العلم. وكانت له رغبة في أن يكون عالما، ولكنه كان صغيرا جدا، وعلى قدر بسيط جدا من المعرفة؛ ففي تجواله في المنطقة التي يسكنها رأى النساء يوقدن المواقد بأوراق الكتب، بل ببعض الكتب المجلدة.
وفجأة استيقظت نفسه، فأراد منعهم من أن يفعلوا ذلك، فاستحطب لهم حطبا يوقدون به مواقدهم، وأخذ منهم هذه الأوراق أو هذه الكتب التي كان بعضها مجلدا، واستمر على هذا دهرا، وإذا عاد إلى بيته بهذه الأوراق كان يقرؤها، وهو لا يستطيع أن يفك رموزها، لكنه بالإصرار وبالحب وبالجذوة التي تتوهج في قلبه ظل يزداد حرصا على هذه الأشياء ويجمعها”.
ويكمل شاكر القصة الملحمية للخانجي فيقول إنه: “بعد أن شب عن الطوق، رأى نفسه مغرما بحيازة هذه المخطوطات وبقراءتها دون أن يكون قاصدا للعلم، وإنما هي محبة خالصة لهذا الذي يقرؤه. فانتهى به الأمر بعد ذلك إلى أن أصبح أخبر الناس بالمخطوطات. عندئذ قرر أن يكون كتبيا أو وراقا. وأنا أشهدكم أن الجيل الذي نشأت فيه، قد اعتمد اعتمادا كاملا في كل فن على ما نشره أمين أفندي الخانجي، كل الكتب القديمة التي نشرها أصول لا يستغني عنها طالب علم. فكانت صناعته في البحث عن المخطوطات، هي أن يأخذها وينشرها”.
إخلاص وتضحية في خدمة التراث
ورغم شهرة الخانجي التجارية وتعامله مع كبار تجار الكتب والمخطوطات في الشرق والغرب، فإن خدمة العلم وصيانة التراث كانتا دافعه الأول، كما يقول شاكر: “وفي ذلك الوقت كانت ثروته لا تحتمل أن ينفق على طباعة هذه الكتب، فكان كلما طبع بضعة كتب أفلس. ثم تردد ذاهبا إلى تركيا، إلى أن جاء إلى مصر. وبقيت أنا مع أمين أفندي الخانجي في جو أشعر أن هناك ضوءا في قلب هذا الرجل يضيء لي الطريق، لا طريق المخطوطات؛ بل أضاء لي طريق العلم” (“جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر” ج2، ص 1229).
ويؤكد إخلاصه للعلم أيضا ما قاله المحقق الكبير عبد السلام هارون الذي عرف القارئ العربي كتبه المتقنة، فقد شهد للخانجي بالإخلاص والتضحية، وعنه يقول: “وقد رأيت هذا الرجل في صباي وعرفت فيه الإخلاص للعلم وحده، إذ لم يكن المال عنده إلا في المرتبة الثانية، كما لمست فيه الإخلاص في نشر التراث العربي، لا يكاد يعترف بغيره” كما في كتابه “التراث العربي” ص 56.
وقد استطرد شاكر في حديثه بعض قصصه وتجاربه مع الخانجي في العثور على “طبقات فحول الشعراء”، ونسخه وتحقيقه فيما بعد، وهو حديث عاطفي يدل على نبل أبي فهر ووفائه لأرباب المنن عليه في العلم والتحصيل، يقول: “عرفته في أول أيامي طالبا للعلم، كان رجلا برا نبيل النفس، فوجدت من عطفه وكرمه، ومن تأييده وحثه، ما أعانني على أن أتزود من العلم ما شاء الله أن أتزود، لم يكن عالما ولكنه كان يجمع للعلماء أصول علمهم، وينشرها بين أيديهم، ويغريهم بالحرص عليها، فقل أن تجد عالما أو أديبا في زمنه لم يكن لهذا الرجل النحيف الضئيل الخافت فضل عليه، يذكره الذاكر محسنا في ذكره، وينساه الناسي مسيئا في نسيانه، ذلك هو أمين الخانجي الكتبي الذي أحب الكتاب العربي كأنه كتاب أمه وأبيه” (مقدمة تحقيق طبقات فحول الشعراء ص 9).
ولم يكن تلميذ شاكر المحقق محمود محمد الطناحي دون شيخه في الوفاء للخانجي وتقدير جهوده، فقد عده في “مرحلة الناشرين النابهين وهم طبقة من عظماء الرجال، جاهدوا في سبيل نشر التراث جهادا صادقا”، وذكر أن “أهم ما يميز منشورات هذه الطبقة: الحرص على ذكر مخطوطات الكتاب ووصفها؛ إلا أنها لم تعن بالفهارس الفنية لما تنشره، إلا ما نراه من بعض مطبوعات الخانجي ومحب الدين الخطيب” (مقالات الطناحي 2/663).
كما نقل الطناحي في “مدخل إلى نشر التراث العربي” عن الزركلي أن مكتبة الخانجي في عهد مؤسسها نشرت حوالي 400 كتاب من الأمهات عدد أهمها، ونقل أيضا إشادة محمد حامد الفقي رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية بدور الخانجي في إذاعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ونشرها وإحيائها، وهذا دليل سعة صدر هذا الحلبي والعظمة الرسالية التي تحلى بها؛ فقد اتفق على الإشادة بأدواره العظيمة رمز السلفية الإصلاحية ومحيي كتب ابن تيمية، والشيخ الكوثري الحنفي الماتريدي المناوئ الشرس للسلفية ومدرسة المنار.
الخانجي وعلماء شنقيط
كان الخانجي بهذه الجهود الجبارة ركيزة أساسية من ركائز النهضة العلمية التي وجهت العقول وملأت القلوب بعظمة هذا التراث الخالد، ويتجلى في دوره العظيم المبدأ الإسلامي الخالد الذي قامت عليه النهضات العلمية في المشرق والمغرب وهو مبدأ “إعانة طالب العلم”.
كما يصدق عليه قول المستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي (1883-1959م) في كتابه “مع المخطوطات العربية: صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر”: “فقد كان وما زال في كل مكتبة كبيرة قديما وحديثا عاملون غير ظاهرين كأنما فقدوا تماما معالمهم الشخصية وانصهروا مع المكتبة، ومع تلك الأعمال التي تنشأ فيها، هم أنفسهم ليسوا مبدعين أو خلاقين، بل ومن النادر أن يشغلوا بموضوعات خاصة بهم، لكنهم يعيشون في اهتمامات الآخرين كوحدة عضوية معها، وهم جد ضروريين للعلماء فبدونهم لا يمكن أحيانا أن تتم بعض الموضوعات أو تكتمل دراستها بطريقة حسنة” ص 149-150.
ذلك الجهد الضروري للعلماء هو الذي نوه به الكوثري وشاكر في تقديرهما لجهاد الخانجي، والحقيقة أن تحقيق الكتب إحياء لها يقارب إعادة تأليفها لا سيما تلك المصححة على أصول متينة، وقد كان الخانجي حريصا على ذلك، ومن أشهر المصححين في مكتبته مع بلديه أبي فراس محمد بدر الدين النعساني الحلبي (ت 1940م) كان الأديب اللغوي أحمد بن الأمين الشنقيطي (ت 1331ه/ 1913م).
فكما يقول المؤرخ اللبناني نقولا زيادة في كتابه “أعلام عرب محدثون”: “كان أمين الخانجي الكتبي الشهير بمصر صديقا للشنقيطي، وكان معنيا بنشر كتب التراث، فهيأ لصديقه وسائل التأليف والتحقيق، ويسر له طبع جميع ما أخرجه من الآثار تقريبا”، ونقل نقولا عن فؤاد السيد قوله: “وقد علمت أنه أعد له سكنا خاصا في بناء المطبعة التي كانت تطبع كتبه، وهي المطبعة الجمالية، وكانت بحارة التتري داخل حارة الروم بشارع الغورية” (ص 121).
احتفى العلماء والأدباء بمطبوعات الخانجي الذي اعتاد “أن يطبع للأمة كل نافع من آثار السلف الصالح فأحيا بإقدامه عدة أمهات”، كما يقول العلامة الرئيس محمد كرد علي الذي كانت مجلته “المقتبس” دائمة الاحتفاء بإصدارات الخانجي وتصحيحات ابن الأمين الشنقيطي لها مثل “أمالي الزجاج”، و”معجم البلدان” للحموي، و”المحاسن والأضداد” المنسوب إلى الجاحظ، و”الإعلام بمثلث الكلام” لابن مالك، و”بغية الوعاة” للسيوطي الذي قرأه الخانجي على الشنقيطي العلوي.
ومن الكتب التي احتفى بها الرئيس محمد كرد علي في زاوية “مطبوعات ومخطوطات” من مجلته كتاب “الوسيط في تراجم أدباء شنقيط”، حين أهداه الخانجي نسخة منه، وقال عنه: “فيه كلام بديع على أدباء ذاك القطر وشعرائه وعلمائه وتخطيط البلاد وعاداتها وأخلاقها واقتصادياتها، والمؤلف من كبار اللغويين في هذا العصر، أملى هذا الكتاب من محفوظه فسد بما نقله من شعر أبناء قطره وأخبارهم ثلمة مهمة في عالم الأدب وزاد الكتاب رونقا جمال وضعه وطبعه وشكله”.
خاتمة
ومن طبعة الوسيط هذه عرفت مكتبة الخانجي في صحراء الملثمين؛ فهذا الحلبي الشريف ذو حظ عظيم في إنقاذ التراث الإسلامي، فكما أخرج أمهات الكتب المشرقية والأندلسية، أخرج لنا مدونة “الوسيط” التي لولا هي وصاحبها الموفق لضاع كثير من تراث هذا القطر الذي أضحى معقلا من معاقل العربية وعلوم الدين، وصدر للعالم الإسلامي محققين أفذاذا أنقذوا التراث كهذا العلوي المنوه به وقريعه الأموي العلامة محمد محمود ولد اتلاميد التركزي (ت 1322ه/ 1904م).
وآخرون لفتوا أنظار العالم إلى ازدهار الآداب والعلوم في صحراء شنقيط، حتى قال رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق محمد كرد علي في محاضرة بباريس عنوانها “نهضة العربية الأخيرة” بعد حديثه عن تدهور العربية في بعض أقطار الشمال الأفريقي بسبب الاحتلال الفرنسي: “ولكن هناك في صحراء مراكش بلد غريب في تلقف ملكة العربية وأعني به شنقيط بلد الشيخ محمد محمود الشنقيطي الحافظ المشهور في عصرنا، وطريقة أهلها طريقة الأقدمين في التلقي والاستظهار، وقد شوهدت في شنقيط بعض البنات الشنقيطيات إلى اليوم يحفظن كامل المبرد مع الفهم، وأظن من يحسن فهم هذا الكتاب قلائل حتى في شيوخ الأزهر” (كما في مجلة المقتبس، العدد 8، لعام 1909م، ص 605 وما بعدها).
ولا يخفى ما في نص محمد كرد علي من مبالغة، لكن الذي لا مبالغة فيه أن أعلاما من شنقيط وآخرين من مصر والعراق والشام والآستانة والجزائر وتونس والمغرب وجزيرة العرب وبعض الخواجات اتحدوا في لحظة تاريخية محورية من تاريخ الأمة على إنقاذ هذا التراث العظيم، فكان ما نعيش في ظلاله اليوم من أسفار بديعة الشكل رائعة الخط، ورحمات الله بعدد تلك الحروف وقرائها على روح محمد أمين الخانجي وأضرابه من الأفذاذ الأخفياء.